وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٥] (١٥٣٠) - (حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ؛ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ) المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م دس ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله، أبو محمد القرسيّ مولاهم، المصريّ الفقيه، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
والباقون ذُكروا في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، غير شيخه، فقد تفرد به هو، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمكيين، غير شيخه، وابن وهب، فمصريّان، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار والسماع من أوله إلى آخره، وكذا الإسناد التالي.
[ ٢٧ / ٤٠ ]
٤ - (ومنها): أن فيه جابرًا - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١٥٤٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن ابن جريجٍ (أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: "نَهَى رَسُول اللهِ - ﷺ -، عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ) - بضم الصاد المهملة، وسكون الموحّدة -: جمعها صُبَرٌ، - بضم، ففتح - كغُرْفة وغُرَف: هي الطعام المجتمع، كالكُومة، يقال: اشتريتُ الشيءَ صُبْرةً؛ أي: بلا كيل، ولا وزن، أفاده الفيّوميّ (^١).
وقوله: (مِنَ التَّمْرِ) بيان لـ"الصُّبْرة"، وقوله: (لَا يُعْلَمُ) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله "مكيلها"، والجملة حال من "الصبرة"، أو نعت لها، على تقدير "أل" جنسيّة، على حدّ قول الشاعر [من الكامل]:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي … فَمَضيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِينِي
وقوله: (مَكِيلُهَا) بفتح الميم: مصدر كال، يقال: كال الطعام يكيله كَيلًا، ومَكِيلًا ومَكَالًا، واكتاله بمعئى، والاسم الكِيلة بالكسر، قاله في "القاموس" (^٢)، والمراد هنا أنه لا يُعلم مقدار كيل تلك الصُّبْرة.
وقال الشوكانيّ - ﵀ -: قوله: "لا يُعلم مكيلها" صفة كاشفة للصُّبْرة؛ لأنه لا يقال لها: صُبرة، إلا إذا كانت مجهولة الكيل. انتهى (^٣).
وقوله: (بِالْكَيْلِ) متعلّقٌ بـ "بيع"، والباء للمقابلة (الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ) قال النوويّ - ﵀ -: هذا تصريحٌ بتحريم بيع التمر بالتمر حتى يُعلم المماثلة، قال العلماء: لأنّ الجهل بالمماثلة في هذا الباب كحقيقة المفاضلة؛ لقوله - ﷺ -: "إلا سواءً بسواءٍ"، ولم يحصُل تحقّق المساواة مع الجهل، وحكم الحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، وسائر الرِّبويّات إذا بِيع بعضها ببعض حكم التمر بالتمر. انتهى (^٤).
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٣٣١.
(٢) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٨.
(٣) "نيل الأوطار" ٥/ ٢٠٨.
(٤) "شرح النوويّ" ١٠/ ١٧٢.
[ ٢٧ / ٤١ ]
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله النوويّ من أن حكم الحنطة، والشعير، وسائر الربويات، حكم التمر قد جاء منصوصًا عليه فيما رواه النسائيّ في "سننه" بإسناد صحيح، عن أبي الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لا تباع الصبرة من الطعام بالكيل بالصبرة من الطعام، ولا الصبرة من الطعام المسمى من الطعام المسمى". انتهى (^١).
فالطعام، وإن أطلقه أهل الحجاز على البُرّ خاصّة - كما قال الأزهريّ - إلا أنه في العرف: اسم لما يُؤكل، مثل الشراب: اسم لما يُشرب، أفاده الفيّوميّ، وقال ابن منظور: الطعام: اسم جامعٌ لكلّ ما يؤكل، وقال ابن الأثير: الطعام عامّ في كلّ ما يُقتات، من الحنطة، والشعير، والتمر، وغير ذلك. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسالت الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٨٤٥ و٣٨٤٦] (١٥٣٠)، و(النسائيّ) في "البيوع" (٧/ ٢٦٩ و٢٧٠) و"الكبرى" (٤/ ٢٢)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (١/ ١٤٥)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٤٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ١٥٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ٢٨٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٩١ و٣٠٨) و"الصغرى" (٥/ ٩٤) و"المعرفة" (٤/ ٣٣٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حكم بيع الصُّبْرة المجهولة المقدار بالمعلوم المقدار، وهو التحريم.
_________________
(١) "السنن الكبرى" للنسائيّ (٤/ ٢٣) رقم (٦١٣٩).
[ ٢٧ / ٤٢ ]
٢ - (ومنها): أنه يدلّ على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه، وأحدهما مجهول المقدار؛ لأن العلم بالتساوي مع اتّفاق الجنس شرط، لا يجوز البيع بدونه، ولا شكّ أن الجهل بكلا البدلين، أو بأحدهما فقط، مظِنّة للزيادة والنقصان، وما كان مظنّةً للحرام وجب تجنّبه، وتجنّب هذه المظنّة إنما يكون بكيل المكيل، ووزن الموزون من كلّ من البدلين. قاله الشوكانيّ - ﵀ - (^١).
٣ - (ومنها): أنه يدلّ بمفهومه على أنه لو باع الصبرة بغير جنسها لجاز، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٣٨٤٦] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُريجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ التَّمْرِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وهم المذكورون قبل حديث.
[تنبيه]: رواية روح بن عبادة، عن ابن جريج هذه ساقها البيهقيّ في "الكبرى"، إلا أن في روايته ذكر "من التمر" في آخر الحديث، فقال (٥/ ٣٠٨):
وأنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا إبراهيم بن عبد الله السعديّ، أنا رَوح بن عُبادة، ثنا ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير؛ أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: "نَهَى رسول الله - ﷺ - عن بيع الصُّبْرة من التمر، لا يُعْلم مَكِيلها بالكيل المسمى من التمر". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "نيل الأوطار" ٥/ ٢٠٨.
[ ٢٧ / ٤٣ ]