وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٨] (١٤٥٦) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِح أَبِي الْخَلِيلِ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسَ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ، مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، أَيْ فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ، إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْن عُمَرَ بْنِ مَيْسَرَةَ الْقَوَارِيرِيُّ) أبو سعيد البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٥) على الأصحّ وله (٨٥) سنةً (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٥.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) مِهْرَان تقدّم قريبًا.
٤ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (صَالِحٌ أَبُو الْخَلِيلِ) ابن أبي مريم الضّبَعيّ البصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (أَبُو عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيُّ) مولاهم، ويقال: حليف الأنصار، الفارسيّ المصريّ، وكان قاضي إفريقية، ثقةٌ، من كبار [٣] (ز م ٤) تقدم في "الصلاة" ٢١/ ٩٣٩.
٧ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سنان - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
[ ٢٥ / ٦٧٨ ]
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رجاله رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له الترمذيّ، وابن ماجه، وأبي علقمة، فما أخرج له البخاريّ في "الصحيح".
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالبصريين، سوى شيخه، وأبي علقمة، وأبي سعيد، كما أسلفته آنفًا.
٤ - (ومنها): أن رواية قتادة، عن أبي الخليل من رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن قتادة من الطبقة الرابعة، وأبا الخليل من السادسة.
(ومنها): أن فيه أبا سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ) هكذا هو في هذا الطريق، وفي الطريق التالي بذكر أبي علقمة بين أبي الخليل، وبين أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، وفي الطريق الثالث: عن صالح أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدريّ - ﵀ -، من غير ذكر أبي علقمة، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نُسَخ بلادنا، وكذا ذكره أبو علي الغسانيّ عن رواية الْجُلُوديّ، وابن ماهان، قال: وكذلك ذكره أبو مسعود الدمشقيّ، قال: ووقع في نسخة ابن الحذّاء بإثبات أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد، قال الغسانيّ: ولا أدري ما صوابه؟.
وقال القاضي عياض: قال غير الغسانيّ: إثبات أبي علقمة هو الصواب.
قال النوويّ: ويَحْتَمِل أن إثباته وحذفه كلاهما صواب، ويكون أبو الخليل سمع بالوجهين، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وقد سبق في أول الكتاب بيان أمثال هذا. انتهى كلام النوويّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره النووي من جواز الإثبات وعدمه غير صحيح، وإنما الصحيح الإثبات فقط؛ لأن في عدمه
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٤ - ٣٥.
[ ٢٥ / ٦٧٩ ]
انقطاعًا؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، فقد نصّ في "تهذيب التهذيب" أنه أرسل عن أبي قتادة، وأبي موسى، وأبي سعيد، وسفينة مولى رسول الله - ﷺ - (^١)، وقد نصّ الحافظ المزّيّ: في "تهذيب الكمال" (^٢) على أن روايته عن هؤلاء مرسلة، ولذا جعله في "التقريب" من الطبقة السادسة، أي التي لم تلق صحابيًّا أصلًا، فالصواب إثبات أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد، كما سبق في كلام القاضي عياض، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ حُنَيْنٍ) متعلّقٌ بـ (بَعَثَ جَيْشًا) أي جُندًا، أو هم السائرون لحرب، أو غيرها، قاله المجد (^٣)، جمعه جُيُوشٌ (إِلَى أَوْطَاسٍ) قال النوويّ - ﵀ -: "أوطاس": موضع عند الطائف، يُصرَف، ولا يُصرف. انتهى، وقال الفيّوميّ - ﵀ -: "أوطاس" من النوادر التي جاءت بلفظ الجمع للواحد، وهو وَادٍ في ديار هَوَازن، جَنُوبيّ مكة، بنحو ثلاث مَراحل، وكانت وقعتها بعد فتح مكة بنحو شهر. انتهى (^٤).
(فَلَقُوا) بضم القاف، وأصله لَقِيُوا بكسرها، من باب تَعِبَ، فلما استُثقلت الضمة على الياء نُقلت إلى القاف بعد سلب كسرتها، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكنين، فصار لَقُوا بفتح اللام، وضمّ القاف (عَدُوًّا) وهم هوازن، (فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ) أي غلبوهم، وانتصروا عليهم (وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا) بفتح السين المهملة، جمع سَبيّة، مثل عطيّة وعَطَايا، وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة، أي مسبيّة، زاد في رواية النسائيّ: "لَهُنَّ أَزْوَاج فِي الْمُشْرِكِينَ" أي الذين قاتلوهم، وانتصروا عليهم (فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَحَرَّجُوا) أي تجنّبوا الحرَج، وهو الإثم، قال الفيّوميّ - ﵀ -: حَرِج صدرُهُ حَرَجًا، من باب تَعِبَ: ضاق، وحَرِجَ الرجلُ: أثِمَ، وصدرٌ حَرِجٌ ضَيِّقٌ، ورجلٌ حَرِجٌ آثمٌ، وتحرّج الإنسان تحرُّجًا، هذا مما ورد لفظه مُخالفًا لمعناه، والمراد: فعل فعلًا جانب به الْحَرَجَ، كما يقال: تحنّث إذا فعل ما يخرُج به عن الحنث، قال ابن الأعرابيّ: للعرب أفعالٌ تخالف معانيها ألفاظَها، قالوا: تحرّج، وتحنّث،
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٢/ ٢٠٠.
(٢) "تهذيب الكمال" ١٣/ ٩٠.
(٣) "القاموس" ٢/ ٢٦٦.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٣.
[ ٢٥ / ٦٨٠ ]
وتأثّم، وتهجّد: إذا ترك الْهُجُود، ومن هذا الباب ما وردَ بلفظ الدعاء، ولا يُراد به الدعاء، بل الحثّ، والتحريض، كقوله: "تَرِبت يداك"، و"عَقْرَى حَلْقَى"، وما أشبه ذلك. انتهى (^١).
(منْ غِشْيَانِهِنَّ) متعلّقٌ بـ "تحرّجوا" يعني أنهم خافوا الوقوع في الحرج، وهو الإثم بسبب غشيانهنّ، أي وطئهنّ (مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي من أجل أنهنّ ذوات أزواج، والمزوّجة لا تحلّ لغير زوجها، قال القرطبيّ: أي ظنّوا أن نكاح أزواجهنّ لم تنقطع عصمته. انتهى (^٢).
(فَأَنْزَلَ اللهُ في ذَلِكَ) أي في شأن بيان جواز وطء من تحرّجوا فيهنّ، وقوله: (﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾) هو في الأصل مرفوع عطفًا على المحرمات السابقة في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، وأما هنا فهو في محلّ نصب على أنه مفعول به لـ "أنزَل" محكيّ؛ لقصد لفظه.
والمعنى: حرّمت عليكم نكاح المحصنات، والمراد بالمحصنات هنا المزوّجات، ومعناه: والمزوّجات حرام على غير أزواجهنّ، إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح أزواجهنّ الكفّار، وتحلّ لكم، إذا انقضى استبراؤها.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ - في "المفهم": الْمُحْصَنة: اسم مفعول من أُحصنت، وأصل الإحصان المنع، ومنه الحِصْن الذي يُمتنع فيه، والفرس حِصَانٌ؛ لأنه يُتحصّن عليه، وتطلق الْمُحصَنة على ذات الزوج؛ لأن الزوج منعها من غيره، وعلى العفيفة؛ لأنها منعت نفسها من الفواحش، وعلى الحرّة؛ لأنها تمنعها مما يتعاطاه العبيد، أي هنّ ممن حرّم عليكم، ثم استثنى بقوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]. انتهى (^٣).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ - ﵀ - في "تفسيره": والتحصّن التمنّع، ومنه الحِصن؛ لأنه يُمتنع فيه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، أي لتمنعكم، ومنه الحِصان للفرس - بكسر الحاء - لأنه يَمنع صاحبه من الهلاك، والْحَصَان - بفتح الحاء - المرأة العفيفة
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٢٧ - ١٢٨.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٩٣.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٩١.
[ ٢٥ / ٦٨١ ]
لمنعها نفسها من الهلاك، وحَصُنت المرأةُ تَحصُنُ، فهي حَصَانٌ، مثلُ جبُنت فهي جَبَان، وقال حسّان في عائشة - ﵄ -[من الطويل]:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِريبةٍ … وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
والمصدر الْحَصَانة - بفتح الحاء - والحِصن كالعلم. انتهى (^١).
وقال السمين الحلبيّ - ﵀ - في "تفسيره": قرأ الجمهور هذه اللفظة، سواء كانت معرّفةً بـ "أل"، أم نكرةً بفتح الصاد، والكسائيّ بكسرها في جميع القرآن، إلا قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] فإنه وافق الجمهور، فأما الفتح، ففيه وجهان:
أشهرهما: أنه أُسند الإحصان إلى غيرهنّ، وهو إما الأزواج، أو الأولياء، فإن الزوج يُحْصِن امرأته، أي يُعفّها، والوليّ يُحصنها بالتزويج، والله يُحصنها بذلك.
والثاني: أن هذا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور، يعني أنه اسم فاعل، وإنما شذّ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ: أحصَنَ، فهو مُحصَن، وألفج، فهو مُلْفَج (^٢)، وأسهَبَ (^٣)، فهو مُسْهَب.
وأما الكسر، فإنه أسند الإحصان إليهنّ؛ لأنهنّ يُحصِنّ أنفسهنّ بعفافهنّ، أو يُحصِنّ فروجهنّ بالحفظ، أو يُحصِنّ أزواجهنّ.
وقد ورد الإحصان في القرآن لأربعة معان: الأول: التزوج، كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. الثاني: الحرّيّة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥]. الثالث: الإسلام، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ قيل في تفسيره: أسلمن. الرابع: العفّة، كما في قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]. انتهى (^٤).
(﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾) في محلّ نصب على الحال (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾)
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ١٢٠.
(٢) يقال: ألفج، فهو مُلْفَجٌ بفتح اللام: إذا أفلس. اهـ. "القاموس".
(٣) أي أكثر الكلام.
(٤) "الدرّ المصون في علم كتاب الله المكنون" ٢/ ٣٤٤ بزيادة من "حاشية الجمل" ١/ ٣٧١.
[ ٢٥ / ٦٨٢ ]
قال السمين الحلبيّ - ﵀ -: إن أريد بالإحصان هنا التزوّج كان المعنى: وحُرّمت عليكم المحصنات، أي المزوّجات، إلا النوع الذي ملكته أيمانكم، إما بالسبي، أو بملكٍ، من شراء، وهبة، وإرث، وهو قول بعض أهل العلم، ويدلّ على الأول قول الفرزدق [من الطويل]:
وَذَاتِ حَلِيلٍ أَنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا … حَلَالٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ
يعني أن مجرّد سبائها أحلّها بعد الاستبراء.
وإن أريد به الإسلام، أو العفّةُ فالمعنى: أن المسلمات، أو العفيفات حرامٌ كلّهنّ، يعني فلا يُزنَى بهنّ، إلا ما مُلك منهنّ بتزويج، أو ملك يمين، فيكون المراد بـ "ما ملكت أيمانكم" التسلّط عليهنّ، وهو قدر مشترك، وعلى هذه الأوجه الثلاثة يكون الاستثناء متّصلًا.
وإن أريد به الحرائر، فالمراد إلا ما مُلِكَتْ بملك يمين، وعلى هذا فالاستثناء منقطع. انتهى (^١).
(أَيْ فَهُنَّ) أي المستثنيات (لَكُمْ حَلَالٌ) أي أحلّ لكم وطؤهنّ (إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ) يعني بعدتهنّ استبراءهنّ من ماء الزوج الكافر، وهو بوضع الحمل إذا كانت حاملًا، وبحيضة، إذا كانت حائلًا، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، أفاده النوويّ - ﵀ - (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٣٦٠٨ و٣٦٠٩ و٣٦١٠ و٣٦١١ و٣٦١٢] (١٤٥٦)، و(أبو داود) في "النكاح" (٢١٥٥)، و(الترمذيّ) في "النكاح"
_________________
(١) "الدرّ المصون في علم كتاب الله المكنون" ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٥.
[ ٢٥ / ٦٨٣ ]
(١١٣٢) و"التفسير" (٣٠١٦ و٣٠١٧)، و(النسائيّ) في "النكاح" (٣٣٣٤) وفي "الكبرى" (٥٤٩١ و٥٤٩٢) و"التفسير" (١١٠٩٦ و١١٠٩٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٨٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٩٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٠٤)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٤/ ١٢٩)، و(البيهقيّ في "الكبرى" (٧/ ١٦٧ و٩/ ١٢٤) و"الصغرى" (٦/ ١٦٠) و"المعرفة" (٥/ ٢٩٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): بيان جواز وطء المسبيّات، إذا اسْتُبْرِئْنَ.
٢ - (ومنها): أن نكاح المشركين ينفسخ إذا سُبيت زوجاتهم؛ لدخولها في ملك سابيها.
٣ - (منها): بيان سبب نزول هذه الآية، وبيان المعنى المراد منها، قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: اختَلَف الناس في سبب نزول هذه الآية، وحديث أبي سعيد - ﵁ - هذا أصحّ ما نُقل في ذلك، وبه يرتفع الخلاف، فإنه نصّ فيه على أنها نزلت بسبب تحرّج أصحاب رسول الله - ﷺ - عن إتيان المسبيّات ذوات الأزواج، فأنزل الله تعالى في جوابهم: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فالمسبيّات ذوات الأزواج داخلات في عموم ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، فالسبي فسخ لنكاحهنّ بلا شكّ، وهل هو فسخ بطلاق، أو بغير طلاق؟ ذهب للأول الحسن البصريّ، وخالفه الجمهور (^١)، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الخامسة - إن شاء الله تعالى -.
٤ - (ومنها): أن فيه دلالةً على وجوب توقّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عما لا يتحقّق وجهه، ولا حكمه، وهو دأب من يخاف الله - ﷿ -، ولا يُختَلَف في أن ما لا يتبيّن حكمه لا يجوز الإقدام عليه، قاله القرطبيّ.
٥ - (ومنها): أن فيه دلالة للمذهب المختار، وهو مذهب جماهير العلماء أن العرب يجري عليهم الرقّ كما يجري على العجم، وأنهم إذا كانوا مشركين، وسُبُوا، جاز استرقاقهم؛ لأن الصحابة سبوا هوازن، وهم عبدة الأوثان، وقد
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٩٢ - ١٩٢.
[ ٢٥ / ٦٨٤ ]
استرقّوهم، ووطئوا سباياهم، وبهذا قال مالك، والشافعيّ في قوله الصحيح الجديد، وجمهور العلماء، وقال أبو حنيفة، والشافعيّ في قوله القديم: لا يَجري عليهم الرّقّ؛ لشرفهم.
٦ - (ومنها): أن فيه دلالةً أيضًا لمذهب من أجاز وطء المشركة بملك اليمين، وإن لم تكنْ من أهل الكتاب، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٧ - (ومنها): أن المراد بعدّة المسبيّات تحقّق براءة رحمهنّ، وذلك بوضع حملها، إن كانت حاملًا، وبحيضة إن كانت غير حامل.
٨ - (ومنها): أنه لا يجوز وطء حامل مسبيّة حتى تضع، فقد تقدّم للمصنّف حديث أبي الدرداء - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، أنه أَتَى بامرأة مُجِحٍّ على باب فُسطاط، فقال: "لعله يُريد أن يُلِمَّ بها؟ "، فقالوا: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لقد هممت أن ألعنه، لعنًا يدخل معه قبره، كيف يُوَرِّثُهُ، وهو لا يحل له؟، كيف يستخدمه، وهو لا يحل له؟ "، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في حكم وطء المسبيّة المشركة بملك اليمين:
قال النوويّ - ﵀ -: واعلم أن مذهب الشافعيّ، ومن قال بقوله من العلماء أن المسبيّة من عَبَدة الأوثان، وغيرهم من الكفّار الذين لا كتاب لهم، لا يحلّ وطؤها بملك اليمين، حتى تُسلم، فما دامت على دينها، فهي محرّمة، وهؤلاء المسبيّات كُنّ من مشركي العرب عبدة الأوثان، فيؤوّل هذا الحديث، وشبهه على أنهنّ أسلمن، وهذا التأويل لا بدّ منه، والله أعلم انتهى (^١).
وقال الشوكانيّ - ﵀ - ما حاصله: ظاهر الحديث أنه لا يشترط في جواز وطء المسبيّة الإسلام، ولو كان شرطًا لبيّنه - ﷺ -، ولم يُبيّنه، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وذلك وقتها، ولا سيّما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالإسلام، يخفى عليهم مثل هذا الحكم، وتجويز
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ٣٥ - ٣٦.
[ ٢٥ / ٦٨٥ ]
حصول الإسلام من جميع السبايا، وهي في غاية الكثرة بعيدٌ جدًّا، فإن إسلام مثل عدد المسبيّات في أوطاس دفعةً واحدةً، من غير إكراه لا يقول بأنه يصحّ تجويزه عاقلٌ، ومن أعظم المؤيّدات لبقاء المسبيّات على دينهنّ ما ثبت من ردّه - ﷺ - لهنّ بعد أن جاء إليه جماعة من هوازن، وسألوه أن يردّ إليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة، فردّ إليهم السبي فقط.
وقد ذهب إلى جواز وطء المسبيّات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة: منهم طاوس، وهو الظاهر؛ لما سلف. انتهى كلام الشوكانيّ - ﵀ -.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذكره الشوكانيّ أن الأرجح قول من قال بجواز وطء المسبيات الكافرات غير الكتابيات بعد الاستبراء؛ لقوة دليله، وأن التأويل الذي ذكره النوويّ فيه بُعدٌ، وتكلّف، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلماء في الأَمَةِ إذا بيعت، وهي مزوّجةٌ مسلمًا:
(اعلم): أنهم اختَلَفوا فيها، هل ينفسخ النكاح، وتحلّ لمشتريها، أم لا؟، فقال ابن عبّاس - ﵄ -: ينفسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وقال سائر العلماء: لا ينفسخ، وخصّوا الآية بالمملوكة بالسبي، أفاده النوويّ - ﵀ -.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: اختلفوا هل السبي فسخ بطلاق، أو بغير طلاق؟ فذهب للأول الحسن البصريّ، ثمّ هل يُقصر التحريم عليهنّ - أعني المسبيّات - لأنهنّ السبب، أو يُحمل اللفظ على عمومه؟ قولان لأهل العلم، وعن هذا نشأ الخلاف في بيع الأمة ذات الزوج، وهبتها، وميراثها، وعتقها، فقال الحسن: إن ذلك كله طلاق لها من زوجها، وروي عن عمر في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بملك نكاح، أو يمين، أو غَلَبة.
وذهب مالك، وجمهور العلماء إلى أنه ليس شيء من ذلك فسخًا، ولا طلاقًا، بدليل حديث بَرِيرة - ﵂ - لَمّا أُعتقت خُيِّرت، فلو كان عتقها طلاقًا لما صحّ خيارها، فإنه كان يقع بنفس العتق، وهو يدلّ على أن الآية مقصورة على سببها.
[ ٢٥ / ٦٨٦ ]
فإذا تقرّر أن السبي فسخٌ، فالمشهور من مذهبنا أنه لا فرق بين أن يُسبى الزوجان مجتمعين، أو مفترقين.
وروى ابن بُكير عن مالك أنهما إن سُبيا جميعًا، واستبقي الرجل أُقرّا على نكاحهما، فرأى في هذه الرواية أن استبقاءه إبقاء لما يملكه؛ لأنه قد صار له عهد، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يُحال بينها وبينه، والصحيح الأول؛ للتمسّك بظاهر الآية، كما تقدّم، ولأنها قد مُلكت رقبتها بالسباء، فيُملك جميع منافعها، ولا يُنتقض هذا بالبيع، ولا بغيره من الوجوه التي تنقل الملك المذكور على ما تقدّم؛ لأنها خروج من مالكٍ ملكًا محقّقًا، والكافر لا يملك ملكًا محضًا، فافترقا. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال المازريّ: هذا الخلاف مبنيّ على أن العموم إذا خرج على سبب، هل يقصر على سببه، أم لا؟، فمن قال: يُقصَرُ على سببه لم يكن فيه حجة للمملوكة بالشراء؛ لأن التقدير: إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي، ومن قال: لا يقصر، بل يُحمل على عمومه قال: ينفسخ نكاح المملوكة بالشراء، لكن ثبت في حديث شراء عائشة بريرة أن النبيّ - ﷺ - خيّر بريرة في زوجها، فدلّ على أنه لا ينفسخ بالشراء، لكن هذا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وفي جوازه خلاف، ذكره النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الحقّ جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو الأصحّ عند الأصوليين، وهو قول الجمهور، وعليه الأئمة الأربعة، فيما حكاه ابن الحاجب. قال السيوطيّ في "الكوكب الساطع":
وَجَازَ أَنْ يُخَصَّ فِي الصَّوَابِ … سُنَّتُهُ بِهَا وَبِالْكِتَابِ
وَهْوَ بِهِ وَخَبَرِ التَّوَاتُرِ … وَخَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الأَكْثَرِ (^٢)
وقلت في "التحفة المرضيّة":
وَجَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالْكِتَابْ … وَسُنَّةٍ أَيْ مُطْلَقَا فَلَا عِتَابْ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) راجع: "الجليس النافع الصالح بتوضيح معاني الكوكب الساطع" شرحي للنظم المذكور (ص ١٩٤ - ١٩٦).
[ ٢٥ / ٦٨٧ ]
وَسُنَّةٍ بِهَا كَذَاكَ مُطْلَقَا … وَبِكِتَابِ اللهِ كُلٌّ يُنْتَقَى (^١)
والحاصل أن عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مخصوص بالمملوكة بالسبي، أما المملوكة بالشراء، ونحوه، فلا تحل لمالكها؛ لعدم انفساخ النكاح بالشراء، كما هو رأي الجمهور، ودليله حديث بريرة - ﵂ - المتّفق عليه، فإن النبيّ - ﷺ - لَمَّا اشترتها عائشة، وأعتقتها خيّرها في زوجها، فلو كان الشراء ينفسخ به النكاح لما كان للتخيير معنى، فتبصّر.
ثم رأيت العلامة ابن العربيّ - ﵀ - قد حقّق هذا الموضوع في "أحكام القرآن"، فقال ما ملخّصه: وأما من قال: إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في الإماء كلهنّ، وإنَّ مِلك الأمة المتجدِّد على النكاح يبطله، فموضع إشكال عظيم، ولأجله تردد فيه أصحاب محمد - ﷺ -. بَيْدَ أن الظاهر أن ملكًا متجددًا لا يبطل نكاحًا متأكِّدًا، ولو أنه مَلَّكَ منفعةَ رقبتها لرجل بالإجارة، ثم باعها ما أبطل الملكُ ملكَ منفعة الرقبة، فملك منفعة الْبُضْع أولى أن يبقى، فإن أحقّ الشروط أن يُوفَى به ما استُحِلّت به الفروج، فعقدُ الفرج نفسه أحقّ بالوفاء به من عقد منفعة الرقبة.
قال: والذي يقطع العذر أن النبيّ - ﷺ - خَيَّر بريرة، ولم يجعل ما طرأ من العتق عليها، ولا ما ملكت من نفسها مبطلًا لنكاح زوجها، وعليه يُحْمَل كل مُلك متجدد، وقد بيّناه في مسائل الخلاف، وفيما أشرنا إليه ها هنا من الأثر والمعنى كفاية لمن سَدَّد النظر، فوضح أن المراد بالمحصنات الجميع، وأن المراد بملك اليمين السبي الذي نزلت الآية في بيانه. انتهى كلام ابن العربيّ - ﵀ - (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا.
وخلاصة القول أن ما ذهب إليه الجمهور من أن الآية المذكورة محمولة على الإماء المسبيّات، كما هو سبب النزول، هو الحقّ، فلا تدخل من مُلكت بالشراء، أو نحوه، فلا يحلّ وطؤها لمالكها إذا كان لها زوج، بدليل قصّة بريرة - ﵂ -، فتبصّر بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "المنحة الرضيّة" شرح "التحفة" المذكورة ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٧.
(٢) "أحكام القرآن" لابن العربيّ - ﵀ - ١/ ٤٠٤.
[ ٢٥ / ٦٨٨ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦٠٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ حَدَّثَهُمْ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ سَرِيَّةً، بِمَعْنَى حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيعٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْهُنَّ، فَحَلَالٌ لَكُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ: إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْأَعْلَى) بن عبد الأعلى الساميّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ٥/ ٥٥٧.
والباقون ذُكروا في الإسنادين السابقين.
وقوله: (أَنَّ أَبَا عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيَّ حَدَّثَ) ولفظ أبي نعيم في "مستخرجه" (٤/ ١٢٩): "أن أبا علقمة الهاشميّ حدّثه"، هذه الرواية صرّح فيها أبو الخليل بالتحديث من أبي علقمة، فبها يبطل دعوى بعضهم أن أبا الخليل لم يسمع من أبي علقمة، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية عبد الأعلى بن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة هذه ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه" ٣/ ٥٣٦ فقال:
(١٦٨٨٨) - حدّثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشميّ، حدّثنا، أن أبا سعيد الخدريّ حدّثهم، أن النبيّ - ﷺ - بَعَثَ يوم حنين سَرِيَّة، فأصابوا حيًّا من العرب، يوم أوطاس، فهَزَموهم، وقَتَلُوهم، وأصابوا لهم نساء، لهنّ أزواج، فكان أناس من أصحاب النبيّ - ﷺ - تحرَّجوا من غَشَيانهنّ، من أجل أزواجهنّ، فأنزل الله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ منهنّ، فتحلّ لكم. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٥ / ٦٨٩ ]
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عُبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: قوله: "عن قتادة بهذا الإسناد" ظاهر في أن رواية شعبة عن قتادة هذه فيها ذكر أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد الخدريّ، وهذه الرواية لم أجد من ساقها، وقد تابع شعبة في هذا يزيد بن زُريع، وعبد الأعلى، كما في الروايتين السابقتين، وروايةُ شعبة التالية، صريحة في إسقاط أبي علقمة، وتابعه في هذا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في الرواية الثالثة، فبهذا يتبيّن أن شعبة كان يرويه بالوجهين، بإثبات أبي علقمة، وإسقاطه، وقد تقدّم أن الصواب إثباته؛ لأنه رواية الأكثرين، ولأن إسقاطه يجعل الإسناد منقطعًا؛ فإن أبا الخليل لم يلق أبا سعيد الخدريّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيل، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَصَابُوا سَبْيًا يَوْمَ أَوْطَاسَ، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَتَخَوَّفُوا (^١)، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾).
_________________
(١) وفي نسخة: "فتحرّجوا".
[ ٢٥ / ٦٩٠ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم ذُكروا قبله.
قال الجامع عفا الله عنه: غرض المصنّف - ﵀ - بهذه الرواية، والرواية التالية بيان ما وقع في السند من الاختلاف في ذكر أبي علقمة، وإسقاطه، كما بيّنّاه في الحديث الماضي، وذِكْره هو الصواب.
قال الحافظ أبو الحجّاج المزّيّ - ﵀ - في "تحفته" في ترجمة صالح بن أبي مريم أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدريّ بعد أن أورد رواية المصنّف هذه: هكذا وقع في "صحيح مسلم"، والمحفوظ حديث أبي سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي علقمة، عن أبي سعيد. انتهى (^١).
فتبيّن بهذا أن الصواب ذِكْر أبي علقمة بين أبي الخليل، وأبي سعيد، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى الإمام مسلم بن الحجاج - ﵀ - المذكور أولَ الكتاب قال:
[٣٦١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (بِهَذَا الْإِسْنَادِ) أي بالإسناد الذي قبله، وهو الذي قال فيه قتادة: عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، فأسقط أبا علقمة الهاشميّ، وقد تقدّم أن ذِكْرَه هو الصواب؛ لأن في إسقاطة يكون منقطعًا، فتنبّه.
[تنبيه]: رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة هذه لم أجد ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "تحفة الأشراف" ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤.
[ ٢٥ / ٦٩١ ]