(اعلم): أن "الإحداد" - بكسر الهمزة -: مصدر أحدّت المرأة رُباعيًّا، ويقال: حدّت ثلاثيًّا.
قال الفيّوميّ - ﵀ -: حدّت المرأة على زوجها تَحِدُّ - بالكسر - وتَحُدّ - بالضمّ - حِدَادًا بالكسر، فهي حادّ، بغير هاء، وأحدّت إحدادًا، فهي مُحِدٌّ، ومُحِدَّةٌ: إذا تركت الزينة لموته. وأنكر الأصمعيّ الثلاثيّ، واقتصر على الرباعيّ. انتهى.
وقال ابن منظور - ﵀ - بعد ذكر نحو ما تقدّم -: قال أبو عبيد: وإحداد المرأة على زوجها ترك الزينة، وقيل: هو إذا حَزِنت عليه، ولبست ثياب الحزن، وتركت الزينة والخضاب، قال أبو عبيد: ونرى أنه مأخوذ من المنع؛ لأنَّها قد مُنِعَت من ذلك، ومنه قيل للبوّاب: حدّاد؛ لأنه يمنع الناس من الدخول. انتهى.
وقال في "الفتح": قوله: "تحد" بضمّ أوله، وكسر ثانيه، من الرباعيّ، ويجوز بفتحة، ثم ضمة، من الثلاثيّ، قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمّي البوّاب حدّادًا؛ لمنعه الداخل، وسمّيت العقوبة حدًّا؛ لأنَّها تردع عن المعصية.
وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدّة نفسَهَا الزينةَ، وبَدَنَها الطيبَ، ومنع الْخُطّاب خِطبتها، والطمعَ فيها، كما منع الحدّ المعصية.
وقال الفرّاء: سمّي الحديد حديدًا؛ للامتناع به، أو لامتناعه على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلّبه في الجهات. ويُروى بالجيم، حكاه الخطّابيّ، قال: يُروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة.
وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعيّ: حَدّت، ولم يَعرِف إلَّا: أحدّت.
[ ٢٦ / ٢٩٨ ]
وقال الفرّاء: كان القدماء يؤثرون: أحدّت، والأخرى أكثر في كلام العرب.
وقال في موضع آخر: قال ابن بطّال: الإحداد - بالمهملة -: امتناع المرأة المتوفّى عنها زوجها من الزينة، كلها من لباس، وطيب، وغيرهما، وكلّ ما كان من دواعي الجماع.
وأباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثة أيام لما يغلب من لَوْعة الحزن، ويهجم من ألم الوجد، وليس ذلك واجبًا؛ لاتفاقهم على أن الزوج لو طالبها بالجماع لَمْ يحل لها منعه في تلك الحال. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٤] (١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ؛ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ، قَالَ: قَالَتْ زينَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ، فِيهِ صُفْرَةٌ، خَلُوقٌ، أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيةً، ثُمَّ مَشَتْ بِعَارِضَيْهَا، ثمَّ قَالَت: وَالله، مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"، قَالَتْ زينَبُ: ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا"، قَالَتْ زينَبُ: سَمِعْتُ أُمِّي، أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَت امْرَأةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا، أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا"، مَرَّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: "لَا"، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة، تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ"، قَالَ حُمَيْدٌ: قُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ
[ ٢٦ / ٢٩٩ ]
زينَبُ: كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طيبًا، وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ، حِمَارٍ، أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ، فَتَفْتَضُّ بِه، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ، فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ، مِنْ طيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (مَالِكُ) بن أنس، إمام دار الهجرة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاريّ المدنيّ القاضي، ثقةٌ [٥] (ت ١٣٥) (ع) تقدم في "الصلاة" ١٧/ ٩١٦.
٤ - (حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ) الأنصاريّ، أبو أفلح المدنيّ، يقال له: حُميد صُفيرا، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الرضاع" ٧/ ٣٦٠٣.
٥ - (زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد، الصحابيّة بنت الصحابيّ والصحابيّة - ﵃ -، ربيبة النبيّ - ﷺ -، ماتت سنة (٧٣) (ع) تقدمت في "الحيض" ٢/ ٦٨٩.
٦ - (أُمّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان بن حرب الأمويّة، أم المؤمنين، ماتت - ﵂ - سنة (٢ أو ٤ أو ٤٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدمت في "المساجد ومواضع الصلاة" ٣/ ١١٨٦.
٧ - (زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ) الأسديّة، أم المؤمنين، ماتت) - ﵂ - في خلافة عمر - ﵁ - (ع) تقدمت في "الزكاة" ٤٩/ ٢٤٨١.
٨ - (أُمُّ سَلَمَةَ) - ﵂ - تقدّمت في السند الماضي.
لطائف هذا الإسناد:
١ - (منها): أنه من سُداسيات المصنّف - ﵀ -.
٢ - (ومنها): أن رواته رواة الجماعة غير شيخه، فما أخرج له أبو داود، وابن ماجة.
٣ - (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، غير شيخه أيضًا، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة.
[ ٢٦ / ٣٠٠ ]
٤ - (ومنها): أن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ: عبد الله بن أبي بكر عن حُمَيد.
٥ - (ومنها): أن فيه رواية صحابيّة، عن ثلاث صحابيّات، كلهنّ من أمهات المؤمنين، وإحداهنّ أمها، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ زينَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) عبد الله بن عبد الأسد - ﵂ -، وزعم ابن التين أنَّها لا رواية لها عن رسول الله - ﷺ -، كذا قال، وقد أخرج لها مسلم حديثها: "كان اسمي برّة، فسمّاني رسول الله - ﷺ - زينب … " الحديث، وأخرج لها البخاريّ حديثًا في "المناقب" (^١).
(أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ) التي بيّنتها في كلامها الآتي (قَالَ: قَالَتْ زينَبُ) - ﵂ - (دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ) رملة بنت أبي سفيان - ﵄ - (زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا، أَبُو سُفْيَانَ) صخر بْنُ حَرْب - ﵁ -، مات سنة (٣٢ هـ) عند الجمهور، وقيل: سنة ثلاث، ووقع عند البخاريّ في "الجنائز" من رواية ابن عُيينة: "لَمّا جاء نَعْيُ أبي سفيان من الشام".
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأنه مات بالمدينة، بلا خلاف بين أهل الأخبار، ولم أر في شيء من طرق هذا الحديث تقييده بذلك، إلَّا في رواية ابن عيينة هذه، وأظنّها وهَمًا، وكنت أظنّ أنه حذف منه لفظ "ابن"؛ لأن الذي جاء نعيه من الشام، وأمّ حبيبة في الحياة هو أخوها يزيد بن أبي سفيان الذي كان أميرًا على الشام، لكن رواه البخاريّ في "العِدَد" من طريق مالك، ومن طريق سفيان الثوريّ، كلاهما عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن حُميد بن نافع بلفظ: "حين توفّي عنها أبوها، أبو سفيان بن حرب"، فظهر أنه لَمْ يسقط منه شيء، ولم يقل واحد منهما "من الشام"، وكذا أخرجه ابن سعد في ترجمة أم حبيبة، من طريق صفيّة بنت أبي عُبيد، عنها، ثم وجدت الحديث في "مسند ابن أبي شيبة"، قال: "حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن حُميد بن نافع - ولفظه: جاء نعي أخي أم حبيبة، أو حميم لها، فدعت بصفرة، فلطخت به
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٢/ ٢٣٠.
[ ٢٦ / ٣٠١ ]
ذراعيها"، وكذا رواه الدارميّ عن هاشم بن القاسم، عن شعبة، لكن بلفظ: "أن أخًا لأم حبيبة مات، أو حميمًا لها"، ورواه أحمد عن حجاج، ومحمد بن جعفر جميعًا، عن شعبة، بلفظ: "أن حميمًا لها مات"، من غير تردّد، وإطلاق الحميم على الأخ أقرب من إطلاقه على الأب، فقوي الظنّ عند هذا أن القصّة تعدّدت لزينب مع أمّ حبيبة عند وفاة أخيها يزيد، ثم عند وفاة أبيها أبي سفيان، ولا مانع من ذلك. انتهى (^١).
(فَدَعَتْ أمّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ) أي: طلبت طيبًا (فِيهِ صُفْرَةٌ) قال الفيّوميّ: "الصُّفْرة": لون دون الحمرة، والأصفر الأسود أيضًا. انتهى (^٢)، وقوله: (خَلُوقٌ) بدل من "صُفرة"، وهو بفتح الخاء المعجمة، بوزن رَسُول: ما يُتخلّق به من الطيب، قال بعض الفقهاء: وهو مائعٌ، فيه صُفْرة، قاله الفيّوميّ (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: هو برفع "خَلُوقٌ"، وبرفع "غيرُهُ"؛ أي: دعت بصفرة، وهي خَلوقٌ، أو غيره، و"الْخَلُوق": بفتح الخاء: طِيب مخلوط. انتهى (^٤).
وقال النوويّ - ﵀ -: "الْخَلُوق" بفتح الخاء المنقوطة: أنواع من الطيب تُخلط بالزعفران، وهو العبير أيضًا (^٥).
(أَوْ غَيْرُهُ) أي: غير الخلوق، من أنواع الطيب (فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً) بالنصب، قال الحافظ: لَمْ أعرف اسمها (ثُمَّ مَسَّتْ بعَارِضَيْهَا) أي: جانبي وجهها، وجعل العارضين ماسحين تجوّزًا، والظاهر أَنها جعلت الطيب في يديها، ومسحتها بعارضيها، والباء للإلصاق، أو الاستعانة، و"مسح" يتعدّى بنفسه، وبالباء، تقول: مسحت برأسي، ومسحت رأسي.
وفي "الإكمال": قال ابن دريد: العارضان صفحتا العنق، وما بعده الأسنان.
وفي "كتاب العين": عارضة الوجه: ما يبدو منه، ومبسما الوجه والثنايا، والمراد هنا الأول.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٢.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٨٠.
(٤) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٣.
(٥) "المفهم" ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣.
[ ٢٦ / ٣٠٢ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ - في "المفهم": أصل العوارض: الأسنان، وسُمِّيت الخدود عوارض؛ لأنَّها عليها، من باب تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوزه، أو كان منه بسبب، والعارضان هنا هما: الخدّان. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "مست بعارضيها": هما جانبا الوجه، فوق الذَّقَن إلى ما دون الأذن، وإنما فَعَلت هذا؛ لدفع سورة الإحداد، وفي هذا الذي فعلته أم حبيبة، وزينب - ﵄ - مع الحديث المذكور دلالة لجواز الإحداد على غير الزوج ثلاثة أيام، فما دونها. انتهى (^٢).
(ثُمَّ قَالَتْ) أمّ حبيبة - ﵂ - (وَاللهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) "من" زائدة، وفي رواية: "حاجةٌ" (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقَولُ عَلَى الْمِنْبَرِ) أي: حال كونه قائمًا على المنبر ("لَا يَحِلُّ) نفي بمعنى النهي، للتأكيد، واستُدلّ به على تحريم الإحداد على غير الزوج، وهو واضحٌ، وعلى وجوب الإحداد المدّةَ المذكورةَ على الزوج.
واستُشكل بأن الاستثناء وقع بعد النفي، فيدلّ على الحلّ فوق الثلاث على الزوج، لا على الوجوب.
وأجيب بأن الوجوب استُفيد من دليل آخر؛ كالإجماع.
ورُدّ بأن المنقول عن الحسن البصريّ أن الإحداد لا يجب، أخرجه ابن أبي شيبة، ونَقَلَ الخلّال بسنده عن أحمد، عن هُشيم، عن داود، عن الشعبيّ؛ أنه كان لا يعرف الإحداد.
قال أحمد: ما كان بالعراق أشدّ تبحّرًا من هذين - يعني الحسن والشعبيّ - قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى.
ومخالفتهما لا تقدح في الاحتجاج، وإن كان فيها ردّ على من ادّعى الإجماع، وفي أثر الشعبيُّ تعقّبٌ على ابن المنذر، حيث نفى الخلاف في المسألة، إلَّا عن الحسن.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣، و"شرح الزرقانيّ على الموطإ" ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٣.
[ ٢٦ / ٣٠٣ ]
وأيضًا فحديث التي شَكَت عينها - وهو الثالث من الأحاديث المذكورة هنا - دالّ على الوجوب، وإلا لَمْ يمنع التداوي المباح.
وأجيب أيضًا بأن السياق يدلّ على الوجوب، فإن كلّ ما منع منه إذا دلّ دليلٌ على جوازه كان ذلك الدليل دالًّا بعينه على الوجوب؛ كالختان، والزيادة على الركوع في الكسوف، ونحو ذلك، قاله في "الفتح" (^١).
(لِامْرَأَةٍ) تمسّك بمفهومه الحنفيّة، فقالوا: لا يجب الإحداد على الصغيرة، وذهب الجمهور إلى وجوب الإحداد عليها، كما تجب العدّة، وأجابوا عن التقييد بالمرأة أنه خرج مخرج الغالب، وعن كونها غير مكلّفة؛ لأن الولي هو المخاطب بمنعها مما تُمنع منه المعتدّة، ودخل في عموم قوله: "امرأة" المدخول بها، وغير المدخول بها حرّة كانت، أو أمة، ولو كانت مبعّضة، أو مكاتَبة، أو أم ولد إذا تُوُفّي عنها زوجها، لا سيّدها لتقييده في الخبر، خلافًا للحنفيّة.
(تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) استدلّ النسائيّ - ﵀ - بهذا على اختصاص الإحداد بالمسلمة، فترجم بقوله: "تركُ الزينة للحادّة المسلمة، دون اليهوديّة والنصرانيّة"، وبه قال الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وأبو ثور؛ وذلك لتقييده بالإيمان.
وأجاب الجمهور بأنه ذُكِر تاكيدًا للمبالغة في الزجر، فلا مفهوم له، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيرهم.
وأيضًا فالإحداد من حقّ الزوج، وهو ملتحق بالعدة في حفظ النسب، فتدخل الكافرة في ذلك بالمعنى كما دخل الكافر في النهي عن السَّوْم على سَوْم أخيه، ولأنه حقّ للزوجية، فأشبه النفقة والسكنى.
ونقل السبكيّ في فتاويه عن بعضهم أن الذميّة داخلة في قوله: "تؤمن بالله، واليوم الآخر"، ورَدّ على قائله، وبيّن فساد شبهته، فأجاد.
وقال النوويّ: قيّد بوصف الإيمان؛ لأن المتّصف به هو الذي ينقاد للشرع، قال ابن دقيق العيد: والأول أولى، وفي رواية عند المالكيّة أن الذّمّيّة
_________________
(١) "الفتح في ١٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.
[ ٢٦ / ٣٠٤ ]
المتوفّى عنها تعتدّ بالأقراء، قال ابن العربيّ: هو قول من قال: لا إحداد عليها.
(تَحِدُّ) بضم أوله، من الإحداد رباعيًّا، وبفتحه، من الحدّ، ثلاثيًّا، وهو على حذف "أن" المصدريّة، ورفع الفعل، وهو مقيس، كما في قوله - ﷿ -: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ الآية [الروم: ٢٤]، وهو في تأويل المصدر فاعل "يحلّ "؛ أي: لا يحل لها الإحداد (عَلَى مَيْتٍ) بسكون الياء، وتشديدها، واستُدِلّ به لمن قال: لا إحداد على امرأة المفقود؛ لأنه لَمْ تتحقّق وفاته، خلافًا للمالكية (فَوْقَ ثَلَاثٍ) يعني ثلاث ليال، ولذا ذكّر العدد؛ لكون المعدود مؤنَثًا، فتنبّه.
وقال ابن بطّال - ﵀ -: أباح الشارع للمرأة أن تحدّ على غير الزوج ثلاثة أيام؛ لِمَا يَغْلِب من لَوْعة الحزن، ويهجُمُ من أليم الوجد، وليس واجبًا؛ للاتفاق على أن الزوج لو طالبها بالجماع لَمْ يحلّ لها منعه في تلك الحالة.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: ويستفاد منه أن المرأة إذا مات حميمها، فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمها في بقيّة يوم أو ليلة الغتها، وحسبت من الليلة القابلة المستأنفة. انتهى (^١).
(إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أُخِذَ من هذا الحصر أن لا يُزاد على الثلاث في غير الزوج أبًا كان أو غيره.
وأما ما أخرجه أبو داود في "المراسيل" من رواية عمرو بن شعيب "أن النبيّ - ﷺ - رخّص للمرأة أن تحدّ على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام"، فلو صحّ لكان خصوص الأب يخرج من هذا العموم، لكنه مرسلٌ، أو معضل؛ لأن جلّ رواية عمرو بن شعيب عن التابعين، ولم يرو عن أحد من الصحابة، إلَّا الشيء اليسير عن بعض صغار الصحابة.
ووهم بعض الشّرَّاح، فتعقّب أبا داود تخريجه في "المراسيل"، فقال: عمرو بن شُعيب ليس تابعيًّا، فلا يخرّج حديثه في المراسيل.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٨٤.
[ ٢٦ / ٣٠٥ ]
وهذا التعقّب مردود لما سبق؛ ولاحتمال أن يكون أبو داود كان لا يخصّ المراسيل (^١) برواية التابعيّ، كما هو منقول عن غيره أيضًا.
واستُدلّ به للأصحّ عند الشافعيّة في أن لا إحداد على المطلّقة، فأما الرجعيّة، فلا إحداد عليها إجماعًا، وإنما الاختلاف في البائن، فقال الجمهور: لا إحداد عليها، وقالت الحنفيّة، وأبو عُبيد، وأبو ثور: عليها الإحداد؛ قياسًا على المتوفّى عنها، وبه قال بعض الشافعيّة، والمالكيّة.
واحتجَّ الأولون بأن الإحداد شُرع لأن تركه من التطيب، واللبس، والتزيّن، يدعو إلى الجماع، فمُنعت المرأة منه زجرًا لها عن ذلك، فكان ذلك ظاهرًا في حقّ الميت؛ لأنه يمنعه الموت عن منع المعتدّة منه عن التزويج، ولا تراعيه هي، ولا تخاف منه، بخلاف المطلّق الحيّ في كلّ ذلك، ومن ثَمّ وجبت العدّة على كلّ متوفّى عنها، وإن لَمْ تكن مدخولًا بها، بخلاف المطلّقة قبل الدخول، فلا إحداد عليها اتفاقًا، وبأن المطلّقة البائن يمكنها العود إلى الزوج بعينه بعقد جديد.
وتُعُقّب بأن الملاعنة لا إحداد عليها.
وأجيب بأن تركه لفقدان الزوج بعينه، لا لفقدان الزوجيّة.
واستُدلّ به على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال، فما دونها، وتحريمه فيما زاد عليها، وكأن هذا القدر أُبيح لأجل حظ النفس، ومراعاتها، وغلبة الطباع البشريّة، ولهذا تناولت أمّ حبيبة، وزينب بنت جحش - ﵄ - الطيب؛ لتخرجا عن عُهدة الاحداد، وصرّحت كلّ منهما بأنها لَمْ تتطيّب لحاجة، إشارةً إلى أن آثار الحزن باقيةٌ عندهما، لكنهما لَمْ يسعهما إلَّا امتثال الأمر.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا") قال القرطبيّ: "أربعة" منصوب على الظرف، والعامل فيه "تحدّ"، و"عشرًا" معطوف عليه. انتهى (^٢).
_________________
(١) قال الجامع: هذا هو الحقّ، فإنك لا ترى في عبارة أبي داود، وكذا النسائيّ إلَّا أنهم يُطلقون المرسل على المنقطع، ولا يعبّرون بلفظ المنقطعة، فتنبّه.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٨٤.
[ ٢٦ / ٣٠٦ ]
وقال الطيبيّ: الاستثناء في قوله: "إلَّا على زوج" متّصل، إذا جعل قوله: "أربعة أشهر" منصوبًا بمقدّر، بيانًا لقوله: "فوق ثلاث "؛ أي: أعني، أو أذكر، فهو من باب قوله: "ما اخترت إلَّا منكم رفيقًا"؛ لكون ما بعد "إلَّا" شيئين، فيقدّم المفسّر، أعني"أربعة أشهر" على الاستثناء، تقديره: لا تحدّ المرأة على ميت فوق ثلاث، أعني أربعة أشهر، إلَّا على زوج، أو من قولك: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلَّا زيدٌ عمرًا، وإذا جُعل معمولًا لـ "تحدّ" مضمرًا، كان منقطعًا، فالتقدير: لا تحدّ امرأة على ميت، فوق ثلاث، لكن تحدّ على زوج أربعة أشهر. انتهى (^١).
قيل: الحكمة في كونه أربعة أشهر وعشرًا أن الولد يتكامل تخليقه، وتنفخ فيه الروح بعد مضيّ مائة وعشرين يومًا، وهي زيادة على أربعة أشهر بنقصان الأهلّة، فجُبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذَكَرَ العشر مؤنّثًا؛ لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحلّ حتى تدخل الليلة الحادية عشرة، وعن الأوزاعيّ، وبعض السلف: تنقضي بمضيّ الليالي العشر بعد مضيّ الأشهر، وتحلّ في أول اليوم العاشر.
واستُثنيت الحامل كما تقدّم شرح حالها في الكلام على حديث سُبيعة بنت الحارث الأسلميّة - ﵂ -.
وقد ورد في حديث قويّ الإسناد، أخرجه أحمد، وصححه ابن حبّان، عن أسماء بنت عُميس - ﵂ -، قالت: "دخل عليّ رسول الله - ﷺ - اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: لا تُحدّي بعد يومك هذا"، لفظ أحمد، وفي رواية له، ولابن حبّان، والطحاويّ: "لَمّا أُصيب جعفر أتانا رسول الله - ﷺ -، فقال: تَسَلّبي ثلاثًا، ثم اصنعي ما شئت".
قال الحافظ العراقيّ في "شرح الترمذيّ": ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفّى عنها بعد اليوم الثالث؛ لأن أسماء بنت عُميس، كانت زوج جعفر بن أبي طالب بالاتفاق، وهي والدة أولاده: عبد الله، ومحمد، وعون، وغيرهم، قال: بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز.
_________________
(١) "شرح المشكاة" ٦/ ٣٦٥.
[ ٢٦ / ٣٠٧ ]
وأجاب بأن هذا الحديث شاذّ مخالفٌ للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه، قال: ويحتمل أن يقال: إن جعفرًا قُتل شهيدًا، والشهداء أحياء عند ربّهم، قال: وهذا ضعيف؛ لأنه لَمْ يرد في حقّ غير جعفر، من الشهداء، ممن قُطع بأنهم شُهداء، كما قُطع لجعفر، كحمزة بن عبد المطّلب عمه، وكعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر. انتهى كلام العراقيّ، ملخّصًا.
وأجاب الطحاويّ بأنه منسوخ، وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدّتها في وقت، ثم أُمرت بالإحداد أربعة أشهر وعشرًا، ثم ساق أحاديث الباب، وليس فيها ما يدلّ على ما ادَّعاه من النسخ، لكنّه يُكثر من ادِّعاء النسخ بالاحتمال، فجرى على عادته، وَيحْتَمِل وراء ذلك أجوبة أخرى:
[أحدهما]: أن يكون المراد بالإحداد المقيّد بالثلاث قدرًا زائدًا على الإحداد المعروف، فَعَلَتْه أسماء مبالغة في حزنها على جعفر، فنهاها عن ذلك بعد الثلاث.
[ثانيها]: أنَّها كانت حاملًا، فوضعت بعد ثلاث، فانقضت العدّة، فنهاها بعدها عن الإحداد، ولا يمنع ذلك قوله في الرواية الأخرى: "ثلاثًا"؛ لأنه يُحمل على أنه - ﷺ - اطّلع على أن عدّتها تنقضي عند الثلاث.
[ثالثها]: لعله كان أبانها بالطلاق قبل استشهاده، فلم يكن عليها إحداد.
[رابعها]: أن البيهقيّ أَعَلّ الحديث بالانقطاع، فقال: لَمْ يثبت سماع عبد الله بن شدّاد من أسماء، وهذا تعليلٌ مدفوع، فقد صححه أحمد، لكنه قال: إنه مخالفٌ للأحاديث الصحيحة في الإحداد.
وهو مصير منه إلى أنه يُعلّه بالشذوذ، وذكر الأثرم أن أحمد سُئل عن حديث حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر، رفعه: "لا إحداد فوق ثلاث"؟ فقال: هذا منكر، والمعروف عن ابن عمر من رأيه. انتهى.
وهذا يَحْتَمِل أن يكون لغير المرأة المعتدّة، فلا نكارة فيه، بخلاف حديث أسماء، والله أعلم.
وأغرب ابن حبّان، فساق الحديث بلفظ: "تسلّمي" بالميم، بدل الموحدة، وفسّره بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله، ولا مفهوم لتقييدها بالثلاث، بل
[ ٢٦ / ٣٠٨ ]
الحكمة فيه كون القلق يكون في ابتداء الأمر أشدّ، فلذلك قيّدها بالثلاث، هذا معنى كلامه، فصحّف الكلمة، وتكلّف لتأويلها.
وقد وقع في رواية البيهقيّ وغيره: "فأمرني رسول الله - ﷺ - أن أتسلّب ثلاثًا"، فتبيّن خطؤه، قاله في "الفتح" (^١).
(قَالَتْ زينَبُ) - ﵂ -، بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثاني (ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زينَبَ بِنْتِ جَحْشٍ) أم المؤمنين - ﵂ -.
قال في "الفتح": وظاهره أن هذه القصّة وقعت بعد قصّة أم حبيبة - ﵂ -، ولا يصحّ ذلك إلَّا إن قلنا بالتعدّد، ويكون ذلك عقب وفاة يزيد بن أبي سفيان؛ لأن وفاته سنة ثمان عشرة، أو تسع عشرة، ولا يصحّ أن يكون ذلك عند وفاة أبيه؛ لأن زينب بنت جحش ماتت قبل أبي سفيان بأكثر من عشر سنين، على الصحيح المشهور عند أهل العلم بالأخبار، فيُحْمَل على أنَّها لَمْ تُرِد ترتيب الوقائع، وإنما أرادت ترتيب الأخبار.
وقد وقع في رواية أبي داود بلفظ: "ودخلت"، وذلك لا يقتضي الترتيب، والله أعلم. انتهى.
(حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَما) قال الحافظ - ﵀ -: لَمْ أتحقّق من المراد به؟ لأن لزينب ثلاثة إخوة: عبد الله، وعبد، بغير إضافة، وعبيد الله بالتصغير، فأما المكبَّر، فاستُشهد بأحد، وكانت زينب إذ ذاك صغيرة جدًّا؛ لأن أباها أبا سلمة مات بعد بدر، وتزوّج النبيّ - ﷺ - أمها، أم سلمة، وهي صغيرة تَرْضَع، فقد ثبتٌ أن أمها حلّت من أبي سلمة بوضع زينب هذه، فانتفى أن يكون هو المراد هنا، وإن كان وقع في كثير من "الموطّآت" بلفظ: "حين توفّي أخوها عبد الله"، كما أخرجه الدارقطنيّ من طريق ابن وهب وغيره عن مالك.
وأما عبدٌ بغير إضافة، فيُعرف بأبي أحمد (^٢)، وكان شاعرًا أعمي، وعاش
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤.
(٢) هذا هو المعروف في السِّيَر، ووقع في نسخة "الفتح": أبو حميد، وهو تصحيف، وقد وقع في "عمدة القاري" على الصواب، راجعه ٨/ ٦٦.
[ ٢٦ / ٣٠٩ ]
إلى خلافة عمر - ﵁ -، وقد جزم ابن إسحاق وغيره من أهل العلم بالأخبار بأنه مات بعد أخته زينب بسنة.
وروى ابن سعد في ترجمتها في "الطبقات" من وجهين أن أبا أحمد المذكور حضر جنازة زينب مع عمر - ﵁ -، وحكي عنه مراجعة له بسببها، وإن كان في إسنادهما الواقديّ، لكن يُستشهد به في مثل هذا، فانتفى أن يكون هذا الأخير المراد.
وأما عُبيد الله المصغّر، فأسلم قديمًا، وهاجر بزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان إلى الحبشة، ثم تنصّر هناك، ومات، فتزوّج النبيّ - ﷺ - بعده أم حبيبة، فهذا يَحْتَمِل أن يكون هو المراد؛ لأن زينب بنت أبي سلمة عندما جاء الخبر بوفاة عبيد الله، كانت في سنّ من يَضبط، ولا مانع أن يحزن المرء على قريبه الكافر، ولا سيّما إذا تذكّر سوء مصيره، ولعلّ الرواية التي في "الموطّإ": "حين توفّي أخوها عبد الله" كانت بالتصغير، فلم يَضبطها الكاتب، والله أعلم.
ويعكُر على هذا قول من قال: إن عُبيد الله مات بأرض الحبشة، فتزوّج النبيِّ - ﷺ - أم حبيبة، فإن ظاهرها أن تزويجها كان بعد موت عُبيد الله، وتزويجها وقع بأرض الحبشة، وقبل أن تسمع النهي.
وأيضًا ففي السياق: "ثم دخلت على زينب" بعد قولها: "دخلت على أم حبيبة"، وهو ظاهر في أن ذلك كان بعد موت قريب زينب بنت جحش المذكور، وهو بعد مجيء أم حبيبة من الحبشة بمدّة طويلة، فإن لَمْ يكن هذا الظنّ هو الواقع احتمل أن يكون أخًا لزينب بنت جحش من أمها، أو من الرضاعة، أو يُرجّح ما حكاه ابن عبد البرّ وغيره من أنّ زينب بنت أبي سلمة وُلدت بأرض الحبشة، فإن مقتضى ذلك أن يكون لها عند وفاة عبد الله بن جحش أربع سنين، ومثلها يَضبِط في مثلها، والله أعلم. قاله في "الفتح" (^١).
(فَدَعَتْ بِطِيبٍ، فَمَسَّتْ مِنْهُ) وفي رواية "به" أي: مسّت جسدها من ذلك الطيب، أو بذلك الطيب (ثُمَّ قَالَتْ: وَاللهِ) وفي رواية: "أما والله" (مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ) وفي رواية بحذف "من" (غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -،
_________________
(١) راجع: "الفتح" ٤/ ٢٢ - ٢٣ "كتاب الجنائز" رقم (١٢٨١).
[ ٢٦ / ٣١٠ ]
يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، تُحِدُّ) تقدّم أنه بفتح أوله، وضمه، وأنه على تقدير حرف مصدريّ، وهو في تأويل المصدر فاعل "يحلّ" (عَلَى مَيْتٍ، فَوْقَ ثَلَاثٍ) أي: ثلاث لَيَالٍ (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ) أي: فتحدّ عليه (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا") أي: أيامها، عند الجمهور، وقيل: عشر ليال، وقد تقدم تفصيل الخلاف في ذلك.
(قَالَتْ زينَبُ) بالسند السابق، وهذا هو الحديث الثالث (سَمِعْتُ أمِّي أُمَّ سَلَمَةَ) أي: أم المؤمنين هند بنت أبي أميّة المخزوميّة - ﵄ - (تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) زاد في رواية الليث، عن حميد بن نافع: "جاءت امرأة من قريش"، وسمّاها ابن وهب في "موظئه"، وأخرجه إسماعيل القاضي في "أحكامه" من طريق عاتكة بنت نعيم بن عبد الله، أخرجه ابن وهب: "عن أبي الأسود النوفليّ، عن القاسم بن محمد، عن زينب، عن أمها، أم سلمة؛ أن عاتكة بنت نُعيم بن عبد الله، أتت تستفتي رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن ابنتي تُوفّي عنها زوجها، وكانت تحت المغيرة المخزوميّ، وهي تحدّ، وتشتكي عينها … " الحديث، وهكذا أخرجه الطبرانيّ من رواية عمران بن هارون الرمليّ، عن ابن لهيعة، لكنه قال: "بنت نُعيم"، ولم يسمّها. وأخرجه ابن منده في "المعرفة" من طريق عثمان بن صالح"عن عبد الله بن عُقبة، عن محمد بن عبد الرَّحمن، عن حميد بن نافع، عن زينب، عن أمها، عن عاتكة بنت نُعيم، أخت عبد الله بن نعيم، جاءت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: إن ابنتها تُوفّي زوجها … " الحديث، وعبد الله بن عقبة هو ابن لَهِيعة، نسبه لجدّه، ومحمد بن عبد الرَّحمن هو أبو الأسود، فإن كان محفوظًا فلابن لهيعة طريقان، ولم تسمّ البنت التي توفّي زوجها، قال الحافظ - ﵀ -: ولم تُنسب فيما وقفت عليه، وأما المغيرة المخزوميّ، فلم أقف على اسم أبيه، وقد أغفله ابن منده في "الصحابة"، وكذا أبو موسى في "الذيل" عليه، وكذا ابن عبد البرّ، لكنه استدركه ابن فتحون عليه. انتهى كلام الحافظ (^١).
(إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَتْ؛ يَا رَسُولَ الله، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٣٤.
[ ٢٦ / ٣١١ ]
وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا) قال النوويّ - ﵀ -: هو برفع النون، ووقع في بعض الأصول "عيناها" بالألف. انتهى (^١).
وقال ابن دقيق العيد: يجوز فيه وجهان ضمّ النون على الفاعليّة على أن تكون العين هي المشتكية، وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل، وهي المرأة، ورجّح هذا. ووقع في بعض الروايات: "عيناها" يعني ويرجّح الضمّ، وهذه الرواية في مسلم (^٢)، وعلى الضمّ اقتصر النوويّ، وهو الأرجح، والذي رجّح الأول هو المنذريّ.
(أفَأَكْحُلُهَا؟) بضمّ الحاء المهملة، من باب قتل (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا"، مَرّتَيْن، أَوْ ثَلَاثًا) أي: سألته عن ذلك مرتين، أو ثلاث مرّات (كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) وفي رواية شعبة، عن حميد بن نافع، فقال: "لا تكتحل"، قال النوويّ: فيه دليلٌ على تحريم الاكتحال على الحادّة، سواء احتاجت إليه، أم لا، وجاء في حديث أم سلمة - ﵂ - في "الموطإ" وغيره: "اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار".
ووجه الجمع أنَّها إذا لَمْ تحتج إليه لا يحلّ، وإذا احتاجت لَمْ يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلت مسحته بالنهار.
قال: وتأوّل بعضهم حديث الباب على أنه لَمْ يتحقّق الخوف على عينها.
وتُعُقّب بأن في حديث شعبة المذكور "فخشُوا على عينها"، وفي رواية ابن منده المتقدّم ذكرها: "رَمِدت رَمَدًا شديدًا، وقد خَشِيت على بصرها"، وفي رواية الطبرانيُّ أنَّها قالت في المرّة الثانية: "إنها تشتكي عينها فوق ما يظنّ، فقال: لا"، وفي رواية القاسم بن أصبغ، أخرجها ابن حزم: "إني خشيت أن تنفقئ عينها، قال: لا، وإن انفقأت"، وسنده صحيح، وبمثل ذلك أفتت أسماء بنت عُميس، أخرجه ابن أبي شيبة، وبهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقًا، وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه، وبه قال الشافعيّة مقيّدًا بالليل.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٣.
(٢) هو في بعض نسخ مسلم، كما نبّه عليه النوويّ - ﵀ -.
[ ٢٦ / ٣١٢ ]
وأجابوا عن قصّة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل؛ كالتضميد بالصبر ونحوه.
وقد أخرج ابن أبي شيبة عن صفيّة بنت أبي عبيد أنَّها أحدّت على ابن عمر، فلم تكتحل حتى كادت عيناها تزيغان، فكانت تقطر فيهما الصبر.
ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص، وهو ما يقتضي التزيّن به؛ لأن محض التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه، فلم ينحصر فيما فيه زينة.
وقالت طائفة من العلماء: يجوز ذلك، ولو كان فيه طيب، وحملوا النهي على التنزيه؛ جمعًا بين الأدلّة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول بالمنع مطلقًا هو الصواب؛ لقوة أدلته، والله تعالى أعلم.
(ثمَّ قَالَ) - ﷺ - ("إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ) ووقع في "البخاريّ: "أربعةَ أشهر وعشرًا" بالنصب، قال في "الفتح": كذا في الأصل بالنصب على حكاية لفظ القرآن، ولبعضهم بالرفع، وهو أوضح.
وقال ابن دقيق العيد: فيه إشارة إلى تقليل المدّة بالنسبة لما كان قبل ذلك، وتهوين الصبر عليها، ولهذا قال بعده.
(وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ") وفي التقييد بالجاهليّة إشارة إلى أن الحكم في الإسلام صار بخلافه، وهو كذلك بالنسبة لما وصف من الصنيع، لكن التقدير بالحول استمرّ في الإسلام بنصّ قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: ٢٤٠]، ثم نُسخت بالآية التي قبلُ، وهي: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكنّ في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول" معناه: لا تستكثرن العدّة، ومنع الاكتحال فيها، فإنها مدة قليلة، وقد خُفِّفت عنكنّ، وصارت أربعة أشهر وعشرًا، بعد أن كانت سنة، وفي هذا تصريح بنسخ الاعتداد سنةً المذكورِ في سورة البقرة في الآية الثانية.
وأما رميها بالبعرة على رأس الحول، فقد فَسَّره في الحديث، قال بعض العلماء: معناه: أنَّها رمت بالعدّة، وخرجت منها؛ كانفصالها من هذه البعرة،
[ ٢٦ / ٣١٣ ]
ورميها بها، وقال بعضهم: هو إشارة إلى أن الذي فعلته، وصبرت عليه، من الاعتداد سنة، ولبسها شرّ ثيابها، ولزومها بيتًا صغيرًا هَيِّن بالنسبة إلى حقّ الزوج، وما يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وقد كانت إحداكنّ إلخ" هذا منه - ﷺ - إخبارٌ عن حالة المتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ قبل ورود الشرع.
وحاصله أنهنّ كنّ يُقمن في بيوتهنّ حولًا ملازمات لحالة الشَّعَث، والْبَذَاذة، والتَّفَل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة، مشعرةً بأن أمر العدّة المذكورة، وإن كان شديدًا، قد هان عليها في حقّ من مات عنها، كرمي البعرة.
وقيل: إن معنى ذلك أنَّها رمت بالعدّة وراء ظهرها، كما رمت بالبعرة، فلما جاء الإسلام أمرهنّ الله تعالى بملازمة البيوت حولًا، وقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠]، وأشهر قول المفسّرين فيها، وأحسنه أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفّى حولًا، ويُنفَق عليها من ماله ما لَمْ تخرج من المنزل، فإن خرجت لَمْ يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها، ثم نُسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقة بالربع، أو الثمن، قاله ابن عبّاس، وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم، وفي هذه الآية مباحث كثيرةٌ لذكرها موضع آخر.
قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخٌ، وأن عدّتها أربعة أشهر وعشر، يعني أنَّها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]. انتهى (^٢).
(قَالَ حُمَيْدٌ) هو ابن نافع، راوي الحديث، وهو موصول بالإسناد المبدوء به (فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ) بنت أبي سلمة - ﵂ - (وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟) أي: بيّني لي المراد بهذا الكلام الذي خوطبت به هذه المرأة (فَقَالَتْ زينَبُ) - ﵂ -
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٤.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧.
[ ٢٦ / ٣١٤ ]
(كَانَتِ الْمَرْأَةُ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا) قال في "الفتح": هكذا في هذه الرواية لم تسنده زينب، ووقع في رواية شعبة، مرفوعًا كله، لكنه باختصار، ولفظه: "فقال: لا تكتحل، قد كانت إحداكن تمكث في شرّ أحلاسها، أو شرّ بيتها، فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة، فلا، حتى تمضي أربعة أشهر وعشرٌ".
قال الحافظ: وهذا لا يقتضي إدراج رواية الباب؛ لأن شعبة من أحفظ الناس، فلا يقضى على روايته برواية غيره بالاحتمال، ولعل الموقوف ما في رواية الباب من الزيادة التي ليست في رواية شعبة. انتهى.
لكن تعقّب هذا الزرقاني في "شرح الموطإ" حيث قال بعد نقل كلام الحافظ هذا: وقد يرد عليه أن ذلك ليس بالاحتمال، فقد صرّح هو في "شرح نخبته" تبعًا لغيره بأن مما يُعرف به الإدراج مجيء رواية مبيّنة للقدر المدرج، وما هنا من ذلك، فإن رواية مالك عن شيخه، عن حميد بيّنت أن التفسير من زينب، وكون شعبة من الحفّاظ لا يقتضي أنه لا يروي ما فيه المدرج، فلم يزل الحفّاظ يروونه كثيرًا؛ كابن شهاب وغيره. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما ادَّعَوه من الإدراج في رواية شعبة لا يظهر لي وجهه، فإن أصل الحديث مرفوع، لا إدراج فيه، وإنما التفسير الواقع في رواية مالك بطوله من زينب - ﵂ -، فلا إدراج في رواية شعبة الآتية بعد حديث، ونحوها رواية يحيى بن سعيد الأنصاريّ الآتية بعد ثلاثة أحاديث، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(دَخَلَتْ حِفْشًا) - بكسر الحاء المهملة، وإسكان الفاء، بعدها شين معجمة - أي: بيتًا صغيرًا حقيرًا، قريب السِّمْك، قاله النوويّ (^١).
وقال مالك - ﵀ -: "الحفش البيت الرديء"، وفي رواية عنه: "الصغير جدًّا"، وهما بمعنًى، فرداءته لصغره.
وفسره مالك أيضًا بالخصّ، وهو - بضم الخاء المعجمة، وتشديد الصاد المهملة -: البيت من القصب، والجمع أَخصاص، مثل قُفْل وأَقفال.
وقال الشافعيّ: الحِفْش: البيت الذليل الشَّعِث البناء، وقيل: هو شيء من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٤.
[ ٢٦ / ٣١٥ ]
خُوص يُشبه القُفّة، تَجمع فيه المعتدّة متاعها من غزل، أو نحوه.
قال في "الفتح": وظاهر سياق القصّة يأبى هذا، ففي رواية يحيى الأنصاريّ، عن حميد بن نافع: "عَمَدَت إلى شرّ بيت لها، فجلست فيه"، ولعلّ أصل الحفش ما ذُكر، ثم استعمل في البيت الصغير الحقير على طريق الاستعارة. انتهى (^١).
(وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا، وَلَا شَيْئًا) أي: مما يُتزيَّن به (حَتَّى تَمُرَّ بِهَا) وفي رواية: "لها" (سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ) بالتنوين (حِمَارٍ) بالجرّ على البدل (أَوْ شَاةٍ، أَوْ طَيْرٍ) "أو" فيهما للتنويع، لا للشكّ، وإطلاق الدابّة على ما ذُكر هو بطريق الحقيقة اللغويّة، لا العرفيّة.
وقال القرطبيّ: سُمّيت هذه كلها دوابّ؛ لأنها تدبّ؛ أي: تمشي، وهذه تسمية لغويّة أصليّة، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية [هود: ٦] انتهى (^٢).
(فَتَفْتَضُّ بِهِ) بفاء، ثم مثنّاة، ثم ضاد معجمة مشدّدة، والباء في "به" سببيّة، وجوّز الكرمانيّ أن تكون للتعدية، أو تكون زائدة؛ أي: تفتضّ الطائر بأن تكسر بعض أعضائه. انتهى.
لكن يردّه ما يأتي من تفسير الافتضاض صريحًا.
وقال مالك - ﵀ -: معنى "تفتضّ لما؛ أي: "تمسح به جلدها"، قال في "الفتح": وأصل الفضّ الكسر؛ أي: تكسر ما كانت فيه، وتخرُج منه بما تفعله بالدابّة.
ووقع في رواية النسائيّ: "تقبص" بقاف، ثم موحّدة، ثم مهملة خفيفة، وهي رواية الشافعيّ، والقبص الأخذ بأطراف الأنامل، والضبط الأول أشهر.
قال الأصبهانيّ، وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع؛ أي: تذهب بعَدْو، وسرعة إلى منزل أبويها؛ لكثرة حيائها؛ لقبح منظرها، أو لشدّة شوقها إلى التزويج؛ لبُعد عهدها به.
وقال ابن قتيبة: سألت الحجازيين عن الافتضاض، فذكروا أن المعتدّة،
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٣٦.
(٢) "المفهم" ٤/ ٢٨٧.
[ ٢٦ / ٣١٦ ]
كانت لا تمسّ ماءً، ولا تقلّم ظفرًا، ولا تُزيل شعرًا، ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدّة بطائر تمسح به قُبُلَها، وتنبذه، فلا يكاد يَعيش بعدما تفتضّ به.
وهذا لا يخالف تفسير مالك، لكنه أخصّ منه؛ لأنه أطلق الجلد، وتبيّن أن المراد به جلد القُبُل.
وقال ابن وهب: معناه أنها تمسح بيدها على الدابّة، وعلى ظهره، وقيل: المراد تمسح به، ثم تفتضّ؛ أي: تغتسل، والافتضاض: الاغتسال بالماء العذب؛ لإزالة الوسخ، وإرادة النقاء، حتى تصير بيضاء نقيّة كالفضّة، ومن ثمّ قال الأخفش: معناه تتنظّف، فتنتفي من الوسخ، فتشبه الفضّة في نقائها وبياضها، والغرض بذلك الإشارة إلى إهلاك ما هي فيه، ومن الرمي الانفصال منه بالكلّيّة. انتهى.
(فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ، إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ) بالبناء للفاعل؛ أي: تخرج تلك المعتدّة من حفشها (فَتُعْطَى) بالبناء للمفعول (بَعْرَةً) بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، ويجوز فتحها (فَتَرْمِي بِهَا) وفي رواية مطرّف، وابن الماجشون، عن مالك: "ترمي ببعرة من بعر الغنم، أو الإبل، فترمي بها أمامها، يكون ذلك إحلالًا لها"، وفي رواية ابن وهب: "فترمي ببعرة من بعر الغنم من وراء ظهرها"، ووقع في رواية شعبة المذكورة: "فإذا كان حولٌ، فمرّ كلبٌ رمت ببعرة"، وظاهره أن رميها البعرة يتوقّف على مرور الكلب، سواء طال زمن انتظار مروره، أم قصر، وبه جزم بعض الشرّاح، وقيل: ترمي بها من عرض، من كلب، أو غيره، ترمي من حضرها أن مقامها حولًا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره.
وقال عياضٌ: يمكن الجمع بأن الكلب إذا مرّ افتضّت به، ثم رمت البعرة، قال الحافظ: ولا يخفى بُعده، والزيادة من الثقة مقبولة، ولا سيّما إذا كان حافظًا، فإنه لا منافاة بين الروايتين حتى يحتاج إلى الجمع.
واختُلف في المراد برمي البعرة، فقيل: هو إشارة إلى أنها رمت العدّة
[ ٢٦ / ٣١٧ ]
رمي البعرة، وقيل: إشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربّص، والصبر على البلاء الذي كانت فيه لما انقضى، كان عندها بمنزلة البعرة التي رمتها؛ استحقارًا له، وتعظيمًا لحق زوجها، وقيل: بل ترميها على سبيل التفاؤل بعدم عودها إلى مثل ذلك، قاله في "الفتح" (^١).
(ثُمَّ تُرَاجعُ) بضم المثناة الفوقيّة، مبنيًّا للفاعل، من المراجعة (بَعْدُ) أي: بعدما ذُكر من الافتضاض، والرمي (مَا شَاءَتْ، مِنْ طِيبٍ، أَوْ غَيْرِهِ) مما كانت ممنوعة منه في تلك المدّة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زينب بنت أبي سلمة، عن أمهات المؤمنين الثلاثة - ﵅ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٧٢٤ و٣٧٢٥ و٣٧٢٦ و٣٧٢٧ و٣٧٢٨ و٣٧٢٩] (١٤٨٦)، و(البخاريّ) في "الجنائز" (١٢٨٢) و"الطلاق" (٥٣٣٤ و٥٣٣٥ و٥٣٣٦)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٢٩٩)، و(الترمذيّ) في "الطلاق" (١١٩٦ و١١٩٧)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ٢٠١ - ٢٠٢) و"الكبرى" (٣/ ٣٩٤ و٣٩٦)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٨٤)، و(مالك) في "الموطإ" (٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧)، و(الشافعيّ) في "مسنده" (٢/ ٦١ - ٦٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٢١٣٠)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٣٠٤ و٣٠٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٩١ و٢٩٢ و٣١١ و٣٢٤ و٣٢٥)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٦٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣٠٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٦٥ و٧٦٨)، و(الطبرا نيّ) في "الكبير" (٢٣/ ٤٢٢ و٤٢٣ و٤٢٤ و٤٢٥ و٤٢٦ و٤٢٧ و٨١٣ و٨١٥ و٨١٦ و٨١٧)، و(أبو عوانة)
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢٦ / ٣١٨ ]
في "مسنده" (٣/ ١٩٣ و١٩٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٣٧) و"المعرفة" (٦/ ٥٩ - ٦٠)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أنه يدلّ على وجوب الإحداد على المعتدّة من وفاة زوجها، وهو مجمع عليه في الجملة، وإن اختلفوا في تفصيله، على ما سيأتي بيانه في المسألة الرابعة - إن شاء الله تعالى -.
٢ - (ومنها): بيان وجوب عدّة المتوفّى عنها زوجها، وبيان مدّته، وهو أربعة أشهر وعشرة أيام، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
[فإن قيل]: حديث الباب لا يدلّ على وجوب العدّة، فمن أين يؤخذ الوجوب؟
[قلت]: يؤخذ من الأدلة الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وكنهيه - ﷺ - عن كَحْل عين تلك المرأة مع وجود المرض، فإنه دليل وجوب الإحداد، فيكون تقدير قوله - ﷺ -: "أربعة أشهر وعشرًا" أي: يجب عليها أن تُحدّ هذه المدّة.
٣ - (ومنها): أنه يستفاد من قوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وأنها لو كانت حاملًا، فزاد حملها على هذه المدّة لم يلزمها الإحداد، وبهذا قال الجمهور، وقالت المالكيّة: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كلّ ذلك عدة من وفاة، وإنما خصّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الْحُيَّلَ من النساء أغلب، وهنّ الأصل، والحمل طارئ، قاله القرطبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الجمهور هو الأرجح عندي؛ لموافقته لظاهر النصّ، فتأمل، والله تعالى أعلم.
٤ - (ومنها): جواز الإحداد للمرأة على أقاربها لمدة ثلاثة أيام، فما دونها.
٥ - (ومنها): أن الإحداد لا يجب إلا على المرأة المسلمة، لقوله - ﷺ -: "تؤمن بالله واليوم الآخر".
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٨٥.
[ ٢٦ / ٣١٩ ]
٦ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "لا" في جواب "أفنكحُلها؟ "، وقوله: في حديث أم عطية - ﵂ - المذكور بعده: "لا تكتحل" دليل على تحريم الاكتحال على الحادّة، سواء احتاجت إليه أم لا، وجاء في الحديث الآخر في "الموطإ" وغيره في حديث أم سلمة - ﵂ -: "اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار".
ووجه الجمع بين الأحاديث أنها إذا لم تحتج إليه لا يحلّ لها، وإن احتاجت لم يجز بالنهار، ويجوز بالليل، مع أن الأولى تركه، فإن فعلته مسحته بالنهار، فحديث الإذن فيه؛ لبيان أنه بالليل للحاجة غير حرام، وحديث النهي محمول على عدم الحاجة، وحديث التي اشتكت عينها، فنهاها محمول على أنه نهي تنزيه، وتأوّله بعضهم على أنه لم يتحقق الخوف على عينها.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تأويل بعضهم بعد تحقّق الخوف أقرب، والله تعالى أعلم.
وقد اختَلَف العلماء في اكتحال المحدّة، فقال سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومالك في رواية عنه: يجوز إذا خافت على عينها بكحل لا طيب فيه، وجوّزه بعضهم عند الحاجة، وإن كان فيه طيب، قال النوويّ - ﵀ -: ومذهبنا جوازه ليلًا عند الحاجة بما لا طيب فيه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله النوويّ - ﵀ - هو الأرجح عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وجوب الإحداد على المرأة المتوفّى عنها زوجها:
قال النوويّ - ﵀ -: يجب على كلّ معتدّة عن وفاة، سواءٌ المدخول بها، وغيرها، والصغيرة، والكبيرة، والبكر، والثيِّب، والحرّة، والأمة، والمسلمة، والكافرة، هذا مذهب الشافعيّ، والجمهور.
وقال أبو حنيفة وغيره من الكوفيين، وأبو ثور، وبعض المالكية: لا يجب على الزوجة الكتابية، بل يختص بالمسلمة، لقوله - ﷺ -: "لا يحل لامرأة تؤمن
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٤.
[ ٢٦ / ٣٢٠ ]
بالله واليوم الآخر"، فخصَّه بالمؤمنة، ودليل الجمهور أن المؤمن هو الذي يستثمر خطاب الشارع، وينتفع به، وينقاد له، فلهذا قُيِّد به.
قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن ما ذهب إليه الحنفيّة، ومن معهم من أن الوجوب خاصّ بالمسلمة هو الأقرب؛ لظاهر النصّ، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
قال: وقال أبو حنيفة أيضًا: لا إحداد على الصغيرة، ولا على الزوجة الأمة.
وأجمعوا على أنه لا إحداد على أم الولد، ولا على الأمة إذا تُوُفّي عنهما سيدهما، ولا على الزوجة الرجعية.
واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقال عطاء، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعيّ، وابن المنذر: لا إحداد عليها، وقال الحكم، وأبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد: عليها الإحداد، وهو قول ضعيف للشافعيّ.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الأولون من أن وجوب الإحداد خاصّ بالمتوفّى عنها زوجها، ولا إحداد على المطلقة البائن هو الأرجح؛ لقوله - ﷺ -: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، واليوم الآخر تُحدّ على ميت، إلا على زوج … " الحديث، فخصّ الإحداد بالميت، بعد تحريمه في غيره، فتأمله بإنصاف، والله تعالى أعلم.
قال: وحَكَى القاضي قولًا عن الحسن البصريّ؛ أنه لا يجب الإحداد على المطلقة، ولا على المتوفَّى عنها، وهذا شاذّ غريب.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بطلان هذا القول، فتأمله، والله تعالى أعلم.
قال القاضي عياض - ﵀ -: واستفيد وجوب الإحداد في المتوفّى عنها من اتفاق العلماء على حمل الحديث على ذلك، مع أنه ليس في لفظه ما يدل على الوجوب، ولكن اتفقوا على حمله على الوجوب مع قوله - ﷺ - في الحديث الآخر، حديثِ أم سلمة، وحديثِ أم عطية في الكُحل، والطيب، واللباس، ومنعها منه، والله أعلم. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٢.
[ ٢٦ / ٣٢١ ]
[تنبيه]: قال العلماء: والحكمة في وجوب الإحداد في عدّة الوفاة دون الطلاق؛ لأن الزينة، والطيب، يدعوان إلى النكاح، ويوقعان فيه، فنُهيت عنه؛ ليكون الامتناع من ذلك زاجرًا عن النكاح؛ لكون الزوج ميتًا، لا يَمنع معتدته من النكاح، ولا يراعيه ناكحها، ولا يخاف منه، بخلاف المطلق الحيّ، فإنه يُستغنَى بوجوده عن زأجر آخر، ولهذه العلة وجبت العدّة على كل متوفًى عنها، وإن لم تكن مدخولًا بها، بخلاف الطلاق، فاستُظهر للميت بوجوب العدّة، وجُعلت أربعة أشهر وعشرًا؛ لأن الأربعة فيها ينفخ الروح في الولد إن كان، والعشر احتياطًا، وفي هذه المدة يتحرك الولد في البطن، قالوا: ولم يوكل ذلك إلى أمانة النساء، ويجعل بالإقراء كالطلاق؛ لما ذكرناه من الاحتياط للميت، وَلَمّا كانت الصغيرة من الزوجات نادرةً أُلحقت بالغالب في حكم وجوب العدّة، والإحداد (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في عدّة المتوفّى عنها زوجها: قال العلّامة ابن قُدامة - ﵀ -: أجمع أهل العلم على أن عدّة الحرّة المسلمة، غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشرٌ، مدخولًا بها، أو غير مدخول بها، وسواء كانت كبيرة، أو صغيرةً، لم تبلغ، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقوله - ﷺ -: "لا يحل لامرأة … " الحديث المذكور في الباب.
[فإن قيل]: ألا حملتم الآية على المدخول بها، كما قلتم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؟
[قلنا]: إنما خصّصنا هذه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولم يَرِد تخصيص عدّة الوفاة، ولا أمكن قياسها على المطلقة في التخصيص لوجهين:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٣.
[ ٢٦ / ٣٢٢ ]
[أحدهما]: أن النكاح عقدُ عُمُرٍ، فإذا مات انتهى، والشيء إذا انتهى تقرّرت أحكامه، كتقرّر أحكام الصيام بدخول الليل، وأحكام الإجارة بانقضائها، والعدّة من أحكامه.
[الثاني]: أن المطلّقة إذا أتت بولد يُمكن الزوج تكذيبها، ونفيه باللعان، وهذا ممتنعٌ في حقّ الميت، فلا يؤمَن أن تأتي بولد، فيلحق الميت نسبه، وما له من ينفيه، فاحتطنا بإيجاب العدّة عليها؛ لحفظها عن التصرّف، والمبيت في غير منزلها؛ حفظًا لها.
إذا ثبت هذا، فإنه لا يُعتبر وجود الحيض في عدّة الوفاة في قول عامّة أهل العلم.
وحكي عن مالك أنها إذا كانت حاملًا، مدخولًا بها وجبت أربعة أشهر وعشرٌ فيها حيضة، واتباع الكتاب والسنّة أولى؛ ولأنه لو اعتبر الحيض في حقّها لاعتُبر ثلاثة قروء، كالمطلّقة.
وهذا الخلاف يختصّ بذوات القرء، وأما الآيسة، والصغيرة، فلا خلاف فيهما.
وأما الأمة المتوفّى عنها زوجها، فعدّتها شهران وخمسة أيام، في قول عامّة أهل العلم، منهم سعيد بن المسيّب، وعطاء، وسليمان بن يسار، والزهريّ، وقتادة، ومالكٌ، والثوريّ، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وغيرهم، إلا ابن سيرين، فإنه قال: ما أرى عدّة الأمة إلا كعدّة الحرّة؛ إلا أن تكون قد مضت في ذلك سنة، فإن السنّة أحقّ أن تُتّبع، وأخَذَ بظاهر النصّ وعمومه. واحتجّ الأولون باتفاق الصحابة - ﵃ - على أن عدّة الأمة المطلّقة على النصف من عدّة الحرّة، فكذلك عدة الوفاة. انتهى كلام ابن قُدامة - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن ما قاله ابن سيرين رحمه الله تعالى في مسألة عدة الأمة هو الحقّ؛ لظاهر الآية، وعدم دليل يخصّصها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المغني" ١١/ ٢٢٤.
[ ٢٦ / ٣٢٣ ]
(المسألة السادسة): في بيان الحكمة في كون عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا:
قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: إنما خصّ الله تعالى عدّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يَبِين تحرّكه في تلك المدّة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين، ثم تصير علقةً أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم يُنفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر، وهذا ما جاء من حديث عبد الله بن مسعود - ﵀ -.
وأنّث عشرًا؛ لأنه أراد به مدّة العشر. قاله المبرّد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها، وإلى هذا ذهب كافّة العلماء، فقالوا: عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعيّ: إنما أنّث العشر؛ لأنه أراد الليالي، فعلى قول الجمهور: تحلّ باليوم العاشر بآخره، وعلى قول الأوزاعيّ تحلّ بانقضاء الليلة العاشرة. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال ابن قدامة - ﵀ -: والعشر المعتبرة في العدّة هي عشر ليال بأيامها، فتجب عشرة أيام مع الليالي، وبهذا قال مالكٌ، والشافعيّ، وأبو عبيد، وابن المنذر، وأصحاب الرأي.
وقال الأوزاعيّ: يجب عشر ليال وتسعة أيام؛ لأن العشر تستعمل في الليالي، دون الأيام، وإنما دخلت الأيام اللاتي في أثناء الليالي تبعًا.
وأجيب بأن العرب تغلّب اسم التأنيث في العدد خاصّة على المذكّر، فتُطلق لفظ الليالي، وتريد الليالي بأيامها، كما قال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، يريد بأيامها، بدليل أنه قال في موضع آخر: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، يريد بلياليها. انتهى بتصرّف يسير (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي ما قاله الأولون هو الأرجح؛ لوضوح حجته، فتأمل، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٨٥.
(٢) "المغني" ١١/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
[ ٢٦ / ٣٢٤ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، فَدَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْهُ بِذِرَاعَيْهَا، وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَصْنَعُ هَذَا؛ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ، تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". وَحَدَّثَتْهُ (^١) زينَبُ عَنْ أُمِّهَا، وَعَنْ زينَبَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَوْ عَن امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلّهم ذُكروا في السند الماضي، وقبل باب، وكذا شرح الحديث، ومسائله تقدّمت في الحديث الماضي.
وقوله: (تُوُفِّيَ حَمِيمٌ لِأُمِّ حَبِيبَةَ) أي: قريب لها.
[تنبيه]: قال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - عند قوله: "تُوُفّي حميم لأم حبيبة" هكذا رواه أبو أحمد الْجُلُوديّ وغيره، ووقع في نسخة ابن الحذّاء: "تُوُفّي حميم لأم سلمة"، جَعل أم سلمة بدل أم حبيبة، ورواية أبي أحمد على الصواب، قال أبو عليّ: حدّثنا حكم بن محمد، قال: نا أبو بكر بن إسماعيل، قال: نا أبو بشر الدُّولابيّ، قال: نا أحمد الْمِصّيصيّ، قال: نا حجّاج بن محمد، قال: نا شعبة، عن حميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: تُوفّي حميم لأم حبيبة، فَدَعت بصُفْرة، وذكر الحديث إلى آخره.
وفي حديث مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن حُميد بن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة؛ أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة، قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة، زوج النبيّ - ﷺ - حين تُوُفّي أبوها أبو سفيان، قالت: ثم دخلتُ على زينب بنت جحش، ثم قالت: سمِعتُ أمي أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - … الحديث. انتهى كلام الجيّانيّ - ﵀ - (^٢).
وقوله: (وَحَدَّثَتْهُ زينَبُ) وفي بعض النسخ: "وحدّثتنيه زينب".
_________________
(١) وفي نسخة: "وحدّثتنيه".
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٥٦ - ٨٥٧.
[ ٢٦ / ٣٢٥ ]
وقوله: (أَوْ عَن امْرَأَةٍ مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) "أو" هنا للشكّ من الراوي، هل قالت: "وعن زينب"، فصرّحت باسمها، أو قالت: عن امرأة من بعض أزوج النبيّ - ﷺ -، فأبهمتها.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل الى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدثنَا مُحَمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ زينَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهَا؛ أَنَّ امْرَأَةٌ تُوُفِّيَ زَوْجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَيْنِهَا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَأَذَنُوهُ فِي الْكُحْل، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَدْ كَانَتْ اِحْدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيْتِهَا، فِي أَحْلَاسِهَا، أَوْ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا فِي بَيْتِهَا حَوْلًا، فَإِذَا مَرَّ كلْبٌ، رَمَتْ بِبَعْرَةٍ، فَخَرَجَتْ، أفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
وهم المذكورون قبله.
وقوله: (أَن امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا) تقدّم أن المرأة لا يُعرف اسمها، وزوجها هو المغيرة المخزوميّ.
وقوله: (فِي الْكُحْلِ) يَحْتَمل أن يكون بفتح الكاف مصدر "كَحَل"، من باب نصر، ويَحْتَمِل أن يكون بضمها، وهو - كما في "القاموس، (^١) -: الإثْمُد، وكلُّ ما وُضع في العين يُستشفى به، فعلى هذا يكون الكلام على حذف مضاف؛ أي: في استعمال الكُحل، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فِي أَحْلَاسِهَا) بفتح الهمزة، وإسكان الحاء المهملة: جمع حِلْس، بكسر، فسكون، والمراد شرّ ثيابها، كما قال في الرواية الأخرى، وهو مأخوذ من حِلْس البعير وغيره، من الدوابّ، وهو كالْمِسْح، يُجعل على ظهره (^٢).
_________________
(١) "القاموس المحيط" ٤/ ٤٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٦.
[ ٢٦ / ٣٢٦ ]
وقوله: (بِبَعْرَةٍ) بسكون العين المهملة، وفتحها.
وقوله: (أَفَلَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: أفلا تمكث أربعة أشهر وعشرًا.
والحديث مُتّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثنَا أَبِي، حَدَّثنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا: حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ فِي الْكُحْل، وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُخْرَى مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ تُسَمِّهَا زَيْنَبَ، نَحْوَ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) الْعَنْبريّ البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنبريّ، أبو المثنّى البصريّ، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٧.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لم أر من ساقها بتمامها، فليُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٨] (١٤٨٨/ ١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ؛ أنَّهُ سَمِعَ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، تُحَدِّثُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، تَذْكُرَان أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَتْ لَهُ أَنَّ بِنْتًا لَهَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا، فَهِيَ تُرِيدُ أَنْ تَكْحُلَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُن تَرْمِي بِالْبَعْرَة، عِنْدَ رَأْسِ الْحَوْل، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ").
[ ٢٦ / ٣٢٧ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم تقدّموا في الباب، والباب الماضي.
وقولها: (فَاشْتَكَتْ عَيْنُهَا) تقدّم أنه يجوز رفع "عينُها" على الفاعليّة، ونصبه على المفعوليّة، والفاعل ضمير البنت.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، ومسائله، في شرح حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٢٩] (١٤٨٦) - (وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَتْ: لَمَّا أَتَى أُمَّ حَبِيبَةَ نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ، دَعَتْ فِي الْيَوْمِ الثالِثِ بِصُفْرَةٍ، فَمَسَحَتْ بِهِ ذِرَاعَيْهَا، وَعَارِضَيْهَا، وَقَالَتْ: كُنْتُ عَنْ هَذَا غَنِيَّةً، سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، فَإنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) الإمام المشهور، تقّدم أيضًا قريبًا.
٣ - (أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ، أبو موسى المكيّ، ثقةٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدم في "الحيض" ١١/ ٧٥٠.
والباقون ذُكروا قبله.
وقولها: (نَعِيُّ أَبِي سُفْيَانَ) بفتح النون، وكسر العين، وتشديد الياء، أو بفتح النون، وسكون العين، وتخفيف الياء؛ أي: خبر موته.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في حديث أول الباب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٦ / ٣٢٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٠] (١٤٩٠) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَقُتَيْبَةُ، وَابْنُ رُمْحٍ، عَن اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ نَافِعٍ؛ أَن صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ، حَدَّثَتْهُ عَنْ حَفْصَةَ، أَوْ عَنْ عَائِشَةَ، أَوْ عَنْ كِلْتَيْهِمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر، أَوْ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ؛ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْد) بن مسعود الثقفيّة، زوج ابن عمر، وهي أخت المختار بن أبي عبيد، قيل: لها إدراك، وأنكره الدارقطنيّ، وقال العجليّ: ثقةٌ، فهي من الطبقة [٢].
رأت عمر بن الخطاب، وروت عن حفصة، وعائشة، وأم سلمة، أمهات المؤمنين، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.
وروى عنها سالم بن عبد الله بن عمر، ونافع مولى ابن عباس، وعبد الله بن دينار، وعبد الله بن صفوان بن أمية، وحميد بن قيس الأعرج، وموسى بن عقبة.
قال العجليّ: مدنيّةٌ تابعيةٌ ثقةٌ، وذكرها ابن حبان في "الثقات"، وذكرها ابن عبد البرّ في الصحابة، وقال ابن منده: أدركت النبيّ - ﷺ -، ولا يصح لها منه سماع، وقال الدارقطنيّ: لم تُدرك النبيّ - ﷺ -، وذكر الواقديّ عن موسى بن ضمرة بن سعيد المازنيّ، عن أبيه؛ أنها تزوجت عبد الله بن عمر في خلافة أبيه عمر - ﵁ -.
أخرج لها البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، ولها في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٤٩٠)، و(٢٢٣٠): "من أتى عرّافًا، فسأله عن شيء، لم تُقبل له صلاة أربعين ليلةً".
والباقون ذُكروا في الباب، وقبل باب، وشرحه يُعلم مما سبق.
والحديث من أفراد المصنّف - ﵀ -، أخرجه هنا [٩/ ٣٧٣٠ و٣٧٣١ و٣٧٣٢ و٣٧٣٣] (١٤٩٠)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ١٨٩)، و(ابن ماجه)
[ ٢٦ / ٣٢٩ ]
فيه (٢٠٨٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٨٦)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣١] (…) - (وَحَدَّثَنَاه شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيز، يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعٍ، بِإِسْنَادِ حَدِيثِ اللَّيْث، مِثْلَ رِوَايَتِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأُبُلّيّ، صدوق يَهِمُ، ورُمي بالقدر، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦) وله بضع و(٩٠) سنةَ (م دس) تقدم في "الإيمان" ١١٢/ ٥٧.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ) الْقَسْمَليّ، أبو يزيد المروزيّ، ثم البصريّ، ثقةٌ عابدٌ ربما وَهِمَ [٧] (ت ١٦٧) (خ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢/ ١١٨٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) العَدَويّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
ونافع ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن دينار، عن نافع هذه ساقها إسحاق ابن راهويه - ﵀ - في "مسنده" ٢/ ٤٦٦ فقال:
(١٠٣٩) أخبرنا صالح بن قُدامة الْجُمَحيّ، نا ابن دينار، وهو عبد الله، عن نافع، عن صفية، عن عائشة، أو حفصة، أو كلتيهما: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله، وباليوم الآخر؛ أن تحدّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجها". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٢] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب، قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نَافِعًا، يُحَدِّثُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ؛ أَنَّهَا سَمِعَتْ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - تُحَدِّثُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ اللَّيْث، وَابْنِ دِينَارٍ، وَزَادَ: (فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا").
[ ٢٦ / ٣٣٠ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله، و"عبد الوهّاب " هو: ابن عبد المجيد الثقفيّ، و"يحيى بن سعيد" هو: الأنصاريّ.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن نافع هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى" (^١) ٧/ ٤٣٨ فقال:
(١٥٢٩٨) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ؛ أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن إسحاق الصغانيّ، نا معلى بن منصور الرازيّ، نا عبد الوهاب الثقفيّ …
قال: وأخبرني عبد الله بن أحمد النسويّ، نا الحسن بن سفيان، نا محمد بن المثنّى، نا عبد الوهاب، قال: سمعت يحيى بن سعيد، قال: سمعت نافعًا يحدث عن صفية بنت أبي عبيد؛ أنها سمعت حفصة بنت عمر - ﵄ - تحدث عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة أيام، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا".
انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، حَدَّثنَا حَمَّاد، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، جَمِيعًا عَنْ نَافِعٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود، تقدّم قريبًا.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد، تقدّم أيضًا قريبًا.
_________________
(١) وأخرجه أيضًا النسائيّ في "الكبرى" (٣/ ٣٨٤) رقم (٥٦٩٦)، إلا أن لفظ البيهقيّ موافق لسياق المصنّف، ولذا آثره، فتنبّه.
[ ٢٦ / ٣٣١ ]
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة السَّخْتِيانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (أَبُوهُ) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٦ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر الْعُمريّ المدنيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) هي أم سلمة، كما يأتي في التنبيه.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِهِمْ) أي: حديث الليث بن سعد، وعبد الله بن دينار، ويحيى بن سعيد، كلهم عن نافع، عن صفيّة بنت أبي عبيد.
[تنبيه]: رواية أيوب عن نافع، ساقها النسائيّ - ﵀ - في "الكبرى" ٣/ ٣٨٥ فقال:
(٥٦٩٧) - أخبرنا عبد الله بن الصباح بن عبد الله العطار البصريّ، قال: حدّثنا محمد بن سواء، قال: أنبأنا سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبيّ - ﷺ -، وهي أم سلمة؛ أن النبيّ - ﷺ - قال: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، وتؤمن بالله ورسوله، تحدّ على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا".
انتهى.
وأما رواية عبيد الله، عن نافع، فلم أجد من ساقها بتمامها، فيُنظر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٤] (١٤٩١) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَاللَّفْظُ لِيَحْيَى، قَالَ يَحْيَى: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الْآخَرُونَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَن الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَن النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبل بابين، وشرح الحديث واضح يُعلم مما سبق.
[ ٢٦ / ٣٣٢ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٣٧٣٤] (١٤٩١)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٥٥٢ و٣٥٥٣) و"الكبرى" (٥٧١٩ و٥٧٢٠)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٨٥)، و(مالك) في "الموطّإ" (١٢٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٣٧ و٢٤٩ و٢٨١)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢٢٨٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٩٨)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٥] (٩٣٨) - (وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ الرَّبِيع، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ؛ أَن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (حَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ) الْبَجليّ، أبو عليّ الْبُورانيّ الكوفيّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٠ أو ٢٢١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله الأوديّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (هِشَامُ) بن حسّان الأزديّ القُردوسيّ، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ [٦] (ت ٧ أو ١٤٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (حَفْصَةُ) بنت سيرين الأنصاريّة، أم الْهُذيل البصريّة، ثقةٌ [٣] ماتت بعد المائة (ع) تقدمت في "صلاة العيدين" ٢/ ٢٠٥٥.
٥ - (أُمُّ عَطِيَّةَ) نُسيبة بنت كعب، أو بنت الحارث الأنصاريّة الصحابيّة المشهورة، كانت من فاضلات الصحابيّات، تُمَرِّض الْمَرْضَى، وتُداوي الْجَرْحَى، وتغسل الموتى، سكنت البصرة، تقدّمت في "صلاة العيدين" ٢/ ٢٠٥٤.
[ ٢٦ / ٣٣٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ) الأنصاريّة - ﵂ - (أَن رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا تَحِدُّ) تقدّم أنه بضم أوله، أو فتحها، من الإحداد رباعيًّا، أو الحدّ ثلاثيًّا.
قال في "العمدة": قوله: "تُحدّ" بضم النون، وكسر الحاء المهملة، من الإحداد، وهو الامتناع من الزينة، قال الجوهريّ: أَحَدّت المرأة؛ أي: امتنعت من الزينة، والخضاب، بعد وفاة زوجها، وكذلك حَدَّتْ تُحِدُّ بالضمّ، وتَحِدّ بالكسر حِدَادًا، وهي حادٌّ، ولم يَعرف الأصمعيَ إلا أحدت، فهي مُحِدّة، كذا في "المحكم"، وأصل هذه المادة المنع، ومنه قيل للبوّاب: حدَّادٌ؛ لأنه يمنع الدخول والخروج، وأغرب بعضهم، فحكاه بالجيم، نحوُ جَدَدْتُ الشيءَ: إذا قطعته، فكأنها قد انقطعت عن الزينة، عما كانت عليه قبل ذلك. انتهى (^١).
(امْرَأَةٌ عَلَى مَيْتٍ) تقدّم أنه يجوز تخفيف يائه، وتشديدها (فَوْقَ ثَلَاثٍ) ذكّره باعتبار ليالي (إِلَّا عَلَى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا) أي: تحدّ عليه هذه المدّة، ولفظ النسائيّ: "فَإِنَّهَا تَحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ) - بفتح العين، وسكون الصاد المهملتين - قال في "المحكم": هو ضَرْب من برود اليمن، يُعصب غَزْله؛ أي: يُجمَع، ثم يُصبغ، ثم يُنسج.
وقال ابن الأثير: العَصْب برودٌ يمنيّةٌ، يُعصب غزلها؛ أي: يُجمع، ويُشدّ، ثم يُصبغ، وينسج، فيأتي مَوْشِيًّا؛ لبقاء ما عُصب منه أبيض لم يأخذه صِبْغ، يقال: بُرْدٌ عَصْبٌ، وبُرُودُ عَصْبٍ، بالتنوين والإضافة.
وقيل: هي برودٌ مخطّطةٌ، والعًصب: الفَتْلُ، والعَصّاب الْغَزَّال، فيكون النهي للمعتدّة عما صُبغ بعد النسج. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "إلا ثوب عَصْبٍ - بمهملتين، مفتوحة، ثم ساكنة، ثم موحّدة - وهو بالإضافة، وهي برود اليمن، يُعصب غزلها؛ أي: يُربط، ثم يُصبغ، ثم ينسج معصوبًا، فيخرج موشى؛ لبقاء ما عُصِب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يُعصب السُّدَى، دون اللُّحْمَة.
_________________
(١) "عمدة القاري" ٣/ ٢٨٢.
(٢) "النهاية" ٣/ ٢٤٥.
[ ٢٦ / ٣٣٤ ]
وقال صاحب "المنتهى": العَصْب هو المفتول من برود اليمن.
وذكر أبو موسى المدينيّ في "ذيل الغريب" عن بعض أهل اليمن أنه من دابّة بحريّة، تُسمّى فرس فرعون، يُتّخذ منها الخرز وغيره، ويكون أبيض، وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيليّ: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبي حنيفة الدِّينَوَريّ، وأغرب منه قول الداوديّ: المراد بالثوب العصب: الخضرة، وهي الْحِبَرَة، وليس له سلف في أن العصب الأخضر. انتهى (^١).
(وَلَا تَكْتَحِلُ) أي: لا تستعمل الكُحل، زاد في رواية النسائيّ: "وَلَا تَمْتَشِطُ"؛ أي: لا تسرّح شعرها بالْمُشط، يقال: مَشَطتُ الشعر مَشْطًا، من بابي قتل، وضرب: سَرَّحْتُهُ، والتثقيل مبالغة، وامتشطت المرأةُ: مشَطتْ شعرها، والْمُشط الذي يُمْشَط به بضمّ الميم، وتميم تكسرها، وهو القياس؛ لأنه آلة، والجمع أمشاط، قاله الفيّوميّ.
(وَلَا تَمَسُّ) بفتح الميم، وضمها، يقال: مَسِسْتُهُ مَسًّا، من باب تَعِبَ، وفي لغة من باب قتل: أفضيتُ إليه بيدي من غير حائل، قاله الفيّوميّ (طيبًا، إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ) بضمّ الهاء، وفتحها، يقال: طَهُر الشيءُ، من بابي قَتَلَ، وقَرُبَ طَهَارة، والاسم الطُّهْرُ، وهو النقاء من الدنس، والنجس، وهو طاهرُ الْعِرْض، أي بريءٌ من العيب، ومنه قيل للحالة المناقضة للحيض: طُهْرٌ، والجمع أطهارٌ، مثلُ قُفْل وأقفالٍ، وامرأة طاهرة من الأدناس، وطاهر من الحيض بغير هاء، وقد طَهُرَت من الحيض، من باب قَتَلَ، وفي لغة قليلة من باب قَرُبَ، وتطهّرت: اغتسلت، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقوله: (نُبْذَةً) - بضم، فسكون -؛ أي: قطعة، جمعه "نُبَذٌ" - بضمّ أوله، وفتح ثالثه - قال القاضي عياض: النُّبْذَة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء؛ لأنه بمعنى القطعة.
(مِنْ قُسْطٍ، أَوْ أَظْفَارٍ") قال النوويّ - ﵀ -: القُسْط - بضم القاف، ويقال فيه: كُسْت، بكاف مضمومة، بدل القاف، وبتاء بدل الطاء -، وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور، وليسا من مقصود الطيب، رُخِّص فيه للمغتسِلة من
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٢٣٩.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٧٩.
[ ٢٦ / ٣٣٥ ]
الحيض؛ لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للتطيب. انتهى (^١).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: الْقُسْط: ضرب من الطيب، وقيل: هو العود، والقسط عَقّارٌ معروفٌ في الأدوية طيّب الريح، تبخّر به النساء والأطفال، وهو أشبه بالحديث؛ لإضافته إلى الأظفار، قال: و"الأظفار": جنس من الطيب، لا واحد له من لفظه، وقيل: واحده ظفر، وقيل: هو شيء من العطر أسود، والقطعة منه شَبيهةٌ بالظفر. انتهى (^٢).
وقال الحافظ - ﵀ -: المقصود من التطيّب بهما أن يُخلطا في أجزاء أُخَر من غيرهما، ثم تُسحَق، فتصير طيبًا، والمقصود بهما هنا أن تتبع بهما أثر الدم؛ لإزالة الرائحة، لا للتطيّب.
وزعم الداوديّ أن المراد أنها تسحق القسط، وتُلقيه في الماء آخر غسلها؛ لتذهب رائحة الحيض.
وردّه عياضٌ - ﵀ - بأن ظاهر الحديث يأباه، وأنه لا يحصل منه رائحة طيّبة، إلا من التبخّر به. كذا قال، وفيه نظر. انتهى (^٣).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: وإنما رُخّص لها في هذا؛ لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التطيّب، مع أن القسط والأظفار ليس من مؤنّث الطيب المستعمل نفسه في ذلك، وظاهره أنها تتبخّر بذلك.
وقال الداوديّ: تَسْحَقُ القُسْطَ والأظفارَ، وتُلقيه في الماء آخر غسلها، والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بَخُورهما، ويقال: قُسْط - بالقاف، والكاف - وأكثر ما يُستعمل الْقُسط، والأظفار مع غيرهما فيما يُتبخّر به، لا بمجرّدهما. انتهى.
ووقع في كتاب البخاريّ: "قسط أظفار"، وهو خطأ، إذ لا يضاف أحدهما للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما.
وعند بعضهم: "قسط ظفار" وهذا له وجهٌ، فإن ظَفَارِ مدينة باليمن، نُسب إليها الْقُسْط، وما في مسلم أحسن، قال: وعلى هذا فينبغي أن لا يُصرف
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٠/ ١١٩.
(٢) "النهاية" ٣/ ١٥٧.
(٣) "الفتح" ١٢/ ٢٤٠.
[ ٢٦ / ٣٣٦ ]
للتعريف والتأنيث، ويكون كـ"حَذَامِ"، و"قَطَام"، أو يكون مبنيًّا على الكسر، على القول الثاني في "حذام"، و"قطام". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أمّ عطيّة - ﵁ - متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٩/ ٣٧٣٥ و٣٧٣٦ و٣٧٣٧] (٩٣٨) (^٢)، و(البخاريّ) في "الحيض" (٣١٣) و"الطلاق" (٥٣٤٢ و٥٣٤٣)، و(أبو داود) في "الطلاق" (٢٣٠٢)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٦/ ٢٠٢ و٢٠٣) و"الكبرى" (٣/ ٣٩٥)، و(ابن ماجه) في "الطلاق" (٢٠٨٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٢٨٠ و٢٨١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٥ و٦/ ٤٠٨)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ١٦٧ و١٦٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٣٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣/ ١٩٨)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (٧٦٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٥/ ١٣٩ و١٤١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٧/ ٤٣٩)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٢٣٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (ومنها): وجوب الإحداد على الزوج المتوفّى.
٢ - (ومنها): بيان أن مدة الإحداد أربعة أشهر وعشر.
٣ - (ومنها): بيان ما تجتنبه الحادّة من الثياب الْمُصَبَّغَة.
٤ - (ومنها): جواز لبس الثوب المعصوب؛ أي: الذي رُبِط غزله، ثم صُبغ، ونُسج.
٥ - (ومنها): عدم جواز الاكتحال والامتشاط للحادّة.
٦ - (ومنها): عدم استعمال الطيب، إلا شيئًا يسيرًا من القسط عند طهارتها من المحيض.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٢) ترقيم محمد فؤاد مكرّر.
[ ٢٦ / ٣٣٧ ]
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ من مفهومه جواز لبس ما ليس بمصبوغ، من الثياب البيض، ونحوها.
٨ - (ومنها): أنه يدلّ على جواز استعمال ما فيه منفعة لها، من جنس ما مُنِعت منه، إذا لم يكن للتزيّن، أو التطيّب، كالتدهّن بالزيت في شعر الرأس، أو غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تجتنبه الحادّة من اللباس:
قال الإمام ابن المنذر - ﵀ -: أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادّة لبس الثياب المعصفرة، ولا المصبّغة، إلا ما صُبغ بسواد، فرخّص في المصبوغ بالسواد عروة بن الزبير، ومالكٌ، والشافعيّ، وكرهه الزهريّ، وكره عروة العَصْب، وأجازه الزهريّ، وأجاز مالك غليظه، قال النوويّ: والأصحّ عند أصحابنا تحريمه مطلقًا، وهذا الحديث حجة لمن أجازه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: معلوم لدى كلّ منصف أن من كان الحديث حجته، حجّ خصمه، فمن أيّده الحديث من الإنسان، لا يستطيع أن يقاومه ألف شجعان.
قال ابن المنذر: رخّص العلماء في الثياب البيض، ومنع بعض متأخري المالكيّة جيّد البيض الذي يتزيّن به، وكذلك جيّد السواد، وجوّز الشافعيّة كل ما صُبغ، ولا تقصد منه الزينة، ويجوز لها لبس الحرير في الأصحّ، ويحرم حليّ الذهب والفضّة، وكذلك اللؤلؤ، وفي اللؤلؤ وجه أنه يجوز، قاله النوويّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تحريم أنواع الحليّ عليها هو الصواب، لِمَا أخرجه أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه"، بإسناد صحيح: من طريق الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة، زوج النبيّ - ﷺ -، عن النبيّ - ﷺ -؛ أنه قال: "المتوفى عنها زوجها، لا تلبس المعصفر من الثياب، ولا الْمُمَشَّقَة، ولا الْحُلِيّ، ولا تختضب، ولا تكتحل".
والحاصل أنها تمتنع من أنواع الطيب، إلا قطعة من القسط عند اغتسالها من محيضها، ولا تلبس الثياب المصبوغة، إلا المعصوب، فيجوز لها لبسه، ولا المعصفر، ولا تلبس الممشَّقة؛ أي: المصبوغة بالْمِشْق، وهو الْمَغَرة، ولا
[ ٢٦ / ٣٣٨ ]
تستعمل الخضاب بالحناء وغيره، ولا الاكتحال، ولا تلبس أنواع الحليّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٦] (…) - (وَحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَا: "عِنْدَ أَدْنَى طُهْرِهَا نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ، وَأَظْفَارٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
كلهم ذُكروا في الباب.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنْ هِشَامٍ) يعني عبد الله بن نُمير، ويزيد بن هارون، رويا عن هشام بن حسّان.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، عن هشام، ساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٢٠٨٧) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نُمير، عن هشام بن حسان، عن حفصة، عن أم عطية، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تحد على ميت، فوق ثلاث، إلا امرأة تحد على زوجها أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تَطَيَّب إلا عند أدنى طهرها، بنبذة من قُسْط، أو أظفار". انتهى.
ورواية يزيد بن هارون، عن هشام، ساقها ابن حبان في "صحيحه" ١٠/ ١٤٢ فقال:
(٤٣٠٥) - أخبرنا عمر بن محمد الْهَمْدانيّ، قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقيّ، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا هشام، عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر؛ أن تحد على ميت، فوق ثلاث، إلا على زوج، فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرًا، لا تكتحل، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عَصْب، ولا تمس طيبًا إلا عند أدنى طهرها، إذا اغتسلت من محيضها، نُبْذةَ قُسْطٍ، وأظفار". انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ ٢٦ / ٣٣٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أولَ الكتاب قال:
[٣٧٣٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْج أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نَكْتَحِلُ، وَلَا نَتَطَيَّبُ، وَلَا نَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، وَقَدْ رُخصَ لِلْمَرْأَةِ فِي طُهْرِهَا، إِذَا اغْتَسَلَتْ إِحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا، فِي نُبْذَةٍ مِنْ قُسْطٍ، وَأَظْفَارٍ" (١).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهُم ذُكروا في الباب، و"أبو الربيع" هو: سليمان بن داود، و"حمّاد" هو: ابن زيد، و"أيوب" هو: السختيانيّ.
وقولها: (كُنَّا نُنْهَى إلخ) بالبناء للمفعول، وهذا مما له حكم الرفع، كما أشار إليه في "ألفيّة الحديث" حيث قال:
وَلْيُعْطَ حُكْمَ الرَّفْعٍ فِي الصَّوَابِ … نَحْوُ "مِنَ السُّنَّةَ" مِنْ صَحَابِي
كَذَا "أُمِرْنَا" وَكَذا "كُنَّا نَرَى … فِي عَهْدِهِ" أَوْ عَنْ إِضَافَةٍ عَرَى
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله قبل حديث، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
[ ٢٦ / ٣٤٠ ]