أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين، سوى شيخه يحيى، فنيسابوريّ، وإسحاق فمروزيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، وأن صحابيّه من كبار فقهاء الصحابة - ﵃ - جمّ المناقب.
شرح الحديث:
(عَنْ مَسْرُوقٍ) أنه (قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللهِ) وفي بعض النسخ: "سألت عبد الله"، (عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾) قال أبو السعود المفسّر - ﵀ -: هذا كلام مستأنَف، مسوقٌ لبيان أن القتل الذي يَحْذَرونه، ويُحَذِّرون الناس منه، ليس مما يُحذر، بل هو من أجلّ المطالب التي يتنافس فيها المتنافسون، إثر بيان أن الحذر لا يُجدي، ولا يغني، وقُرئ: "ولا تحسِبَنَّ" بكسر السين، والمراد بهم: شهداء أُحد، وكانوا سبعين رجلًا، أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شهاب، وعبد الله بن جحش، وباقيهم من الأنصار رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
قال: والخطاب للنبيّ - ﷺ -، أو لكلّ من له حظّ من الخطاب، وقرئ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣٠٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣١.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧١٥.
[ ٣٢ / ٤٣١ ]
بالياء على الإسناد إلى ضميره - ﷺ -، أو ضمير من يحسَب، وقيل: إلى الذين قُتلوا، والمفعول الأول محذوف؛ لأنه في الأصل مبتدأ جائز الحذف عند القرينة، والتقدير: ولا يحسبنهم الذين قُتلوا أمواتًا؛ أي: لا يحسبن الذين قُتلوا أنفسَهم أمواتًا، على أن المراد من توجيه النهي إليهم: تنبيه السامعين على أنهم أحقّاء بأن يُسَلَّوا بذلك، ويَبْشُروا بالحياة الأبدية، والكرامة السنية، والنعيم المقيم، لكن لا في جميع أوقاتهم، بل عند ابتداء القتل؛ إذ بعد تبيّن حالهم لهم لا يبقى لاعتبار تسليتهم، وتبشيرهم فائدة، ولا لتنبيه السامعين، وتذكيرهم وجه. (^١)
(﴿الَّذِينَ قُتِلُوا﴾) بالتخفيف، وقرئ بالتشديد؛ لكثرة المقتولين، (﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: بل هم أحياء، وقرئ بالنصب؛ أي: بل أحسبهم أحياءً، على أن الحسبان بمعنى اليقين، كما في قوله [من الطويل]:
حَسِبْتُ التُّقَى وَالْمَجْدَ خَيْرَ تِجَارَةٍ … رَبَاحًا إِذَا مَا الْمَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
أو على أنه وارد على طريق المشاكلة (^٢).
وقوله: (﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾) في محل رفع على أنه خبر ثان للمبتدأ المقدَّر، أو صفة لـ "أحياءٌ"، أو في محل نصب على أنه حال من الضمير في "أحياء"، وقيل: هو ظرف لـ "أحياء"، أو للفعل بعده، والمراد بالعندية: التقرب، والزلفى، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التربية، والتبليغ إلى الكمال، مع الإضافة إلى ضميرهم مزيد تكرمة لهم (^٣).
وقوله: (﴿يُرْزَقُونَ﴾)؛ أي: من الجنة، وفيه تأكيد لكونهم أحياءً، وتحقيق لمعنى حياتهم، قال الإمام الواحديّ: الأصحّ في حياة الشهداء ما رُوي عن النبيّ - ﷺ - من أن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم يُرزقون، ويأكلون، ويتنعمون، وفيه دلالة على أن روح الإنسان جسم لطيف، لا يفنى بخراب البَدَن، ولا يتوقف عليه إدراكه، وتألمه، والتذاذه (^٤).
_________________
(١) "تفسير أبي السعود" ٢/ ١١١ - ١١٢.
(٢) "تفسير أبي السعود" ٢/ ١١٢.
(٣) "تفسير أبي السعود" ٢/ ١١٢.
(٤) "تفسير أبي السعود" ٢/ ١١٢.
[ ٣٢ / ٤٣٢ ]
(قَالَ) عبد الله (أَمَا) بالتخفيف: أداة استفتاح، وتنبيه، كـ "ألا"، (إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا)؛ أي: سألنا النبيّ - ﷺ -، فالمفعول محذوف، قال النوويّ - ﵀ -: وهذا الحديث مرفوع؛ لقوله: "إنا قد سألنا عن ذلك، فقال؛ يعني: النبيّ - ﷺ -". انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قول عبد الله: "أما إنا سألنا عن ذلك فقال": كذا صحَّت الرواية، ولم يُذكر فيها "رسول الله - ﷺ -"، وهو المراد منها قطعًا، ألا ترى قوله: "فقال"، وأسند الفعل إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث مما يُتَوَصّل إليه بعقل، ولا قياس، وإنما يُتوصل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوف على عبد الله بن مسعود. انتهى (^٢).
وقال ابن القيّم - ﵀ -: والظاهر - والله أعلم - أن المسؤول عن هذه الآية الذي أشار إليه ابن مسعود هو رسول الله - ﷺ -، وحَذَفه لظهور العلم به، وأن الوَهْم لا يذهب إلى سواه، وقد كان ابن مسعود يشتدّ عليه أن يقول: قال رسول الله - ﷺ -، وكان إذا سمّاه أرعد، وتغيّر لونه، وكان كثيرًا ما يقول ألفاظَ الحديث موقوفةً، وإذا رَفَع منها شيئًا تحرَّى فيه، وقال: أو شبه هذا، أو قريبًا من هذا، فكأنه - والله أعلم - جرى على عادته في هذا الحديث، وخاف أن لا يؤديه بلفظه، فلم يَذكر رسول الله - ﷺ -، والصحابة - ﵃ - إنما كانوا يسألون عن معاني القرآن رسول الله - ﷺ -. انتهى (^٣).
وقوله: (عَنْ ذَلِكَ)؛ أي: عن معنى هذه الآية، وتأويلها.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ) بفتح، فسكون: جمع طائر، مثلُ صاحب وصَحْبٍ، وراكبٍ ورَكْب، وجَمْع الطير طُيُورٌ، وأطيار، وقال أبو عبيدة، وقُطْرُبٌ: يقع الطير على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباريّ: الطيرُ جماعة، وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد: طيرٌ، بل طائرٌ، وقلّما يقال للأنثى: طائرة، قاله الفيّوميّ (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧١٥.
(٣) "حاشية ابن القيم على سنن أبي داود" ٧/ ١٤١.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٣٨٢.
[ ٣٢ / ٤٣٣ ]
وقوله في هذا الحديث: "في جوف طير خُضْر"، وفي غير مسلم: "كطير خُضر"، وفي حديث آخر: "بحواصل طير"، وفي "الموطأ": "إنما نَسَمة المؤمن طير"، وفي حديث آخر عن قتادة: "في صورة طير أبيض"، قال القاضي عياض: قال بعض المتكلمين على هذا: الأشبه صحّة قول من قال: "طير، أو صورة طير"، وهو أكثر ما جاءت به الرواية، لا سيما مع قوله: "تأوي إلى قناديل تحت العرش"، قال القاضي: واستَبْعَد بعضهم هذا، ولم ينكره آخرون، وليس فيه ما يُنكَر، ولا فرق بين الأمرين، بل رواية "طير"، أو "أجواف طير" أصحّ معنًى، وأبْيَن وجهًا، وليس بالأقيسة والعقول في هذا حكم، فكلٌّ من المجوَّزات، فإذا أراد الله أن يجعل هذه الروح إذا خرجت من المؤمن، أو الشهيد في قناديل، أو أجواف طير، أو حيث يشاء كان ذلك ووقع، ولم يَبْعُد، لا سيما مع القول بأن الأرواح أجسام، كما سنذكره، ونذكر الخلاف في ذلك، ولَمَا أَبْعَدْنا أن تكون رواية أنها طير على ظاهره؛ إذ لو غُيّرت الأرواح عن حالها وصفاتها إلى صفات طير خُضر لم تكن حينئذ أرواحًا، وأمّا على القول: إن الروح معنى، وهي الحياة، فبعيد أيضًا أن ترجع صورة طير؛ لأن المعاني لا تتجسّم، ولا تقوم بنفسها، وإنما تقوم بغيرها من أجسام يخلقها الله تعالى لذلك.
قال الجامع عفا الله عنه: كان على القاضي عياض أن لا يورد هذه الاستبعادات؛ لأنها من الظنون والخيالات الفاسدة التي يتبنّاها الفلاسفة وأذنابهم من المتكلّمين الذين لا يرون للنصوص قيمة، ولا يعتمدون إلا عقولهم، فإذا أخبر الله تعالى بأنه يجعل روح الشهيد طيرًا، أو كالطير، أو في أجواف طير، فما المانع من ذلك، وما الذي يمنع الله تعالى أن يجعل المعاني أجسامًا، وبالعكس؟ والله المستعان.
قال: وقيل: إن هذا المنعَّم، أو المعذَّب من الأرواح جزء من الجسد، تبقى فيه الروح، وهو الذي يتألم، ويعذَّب، ويلتذّ، وينعّم، وهو الذي يقول: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وهو الذي يَسْرَح في شجر الجنة، فغير مستحيل أن يُصَوَّر هذا الجزء طائرًا، أو يُجعل في جوف طائر، وفي قناديل تحت العرش، وغير ذلك مما يريد الله - ﷿ - على المعاني التي تقدّمت،
[ ٣٢ / ٤٣٤ ]
والله تعالى أعلم بمراد نبيّه - ﷺ -. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: "جزء من الجسد" هذا مما لا يخفى بطلانه، فأين النصّ الذي يدلّ على أن الجسد أو جزءًا منه يبقى مع روح الشهيد، فيُجعل في جوف طير؟.
وبالجملة فآخر كلام القاضي هو مناط البحث، وهو قوله: "والله تعالى أعلم بمراد نبيّه - ﷺ -"، فالواجب على العاقل أن يسلّم ما صحّ عنه - ﷺ -، ولا يحرّف، ولا يخوض في تأويله بلا دليل، فإنه من القول بلا علم، وقد قال الله - ﷿ -: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، إلى أن قال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]، فتبصّر، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (خُضْرٍ) صفة لـ "طيرٍ"، وهو بضم الخاء، وسكون الضاد المعجمتين: جمع أخضر؛ كأحمر، وحُمْر، كما قال في "الخلاصة":
"فُعْلٌ" لِـ "نَحْوِ أَحْمَرٍ وَحَمْرَا" … و"فِعْلَةٌ" جَمْعًا بِنَقْلٍ يُدْرَى
أي: جعل الله تعالى أرواحهم في أجواف طيور خُضْر خالية من الأرواح، على أشباح مصوّرة بصور الطيور، حتى تتلذذ الأرواح بنسب الأشباح، وفيه ردّ على من يقول: إن عذاب البرزخ ونعيمه إنما هو روحاني فقط (^٢).
(لَهَا قَنَادِيلُ) بالفتح: جمع قِنديل بكسرها، (مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ) بفتح حرف المضارعة، والراء؛ أي: تأكل، وتشرب، وتتمتّع، وتتنعّم بأنواع نعيم الجنّة، يقال: سَرَحتِ الإبلُ سَرْحًا، من باب نَفَعَ، وسُرُوحًا أيضًا: رَعَتْ بنفسها، وسَرَحتها، يتعدَّى، ولا يتعدّى، وسرّحتها بالتثقيل مبالغة، وتكثير (^٣). (حَيْثُ شَاءَتْ)؛ أي: في أي مكان شاءت، (ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
(٢) "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" ١٢/ ١.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٣.
[ ٣٢ / ٤٣٥ ]
الْقَنَادِيلِ)؛ أي: ترجع إليها، تنزل فيها، ومأوى كلّ حيّ مسكنه الذي يقيم فيه؛ أي: تكون تلك القناديل بمنزلة الأوكار لها، وقوله: (فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ) عدّاه بـ "إلى" لتضمّنه معنى: فظهر. (رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً) منصوب على أنه مفعول مطلق لـ "اطّلع"؛ أي: تجلى لهم برفع الحُجُب عنهم، وكلّمهم مشافهة بغير واسطة، مبالغةً في الإكرام، وتتميمًا للإنعام، (فَقَالَ) ربهم - ﷿ - (هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟) وهذا السؤال مبالغة في إكرامهم، وتنعيمهم؛ إذ قد أعطاهم الله ما لا يخطر على قلب بشر، ثم رغّبهم في سؤال الزيادة، فلم يجدوا وراء ما أعطاهم من مزيد، لكن تلقّوا ذلك بالشكر بأن سألوه، يردّ أرواحَهم إلى أجسادهم؛ ليجاهدوا في سبيله، ويبذلوا أنفسهم في مرضاته، ويُقتلوا في شكر إحسانه، ويستلذّوا ألم القتل والموت لمكافأة بِرّه، ويجودوا بذواتهم له؛ إذ لم يقدروا على غاية فوق ذلك، والجُود بالنفس أقصى غاية الجود (^١)، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: أي شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا) بالبناء للمفعول، وكذا في قوله: (مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ) تقدّم أنه يجوز فيه ستّ لغات، وهي التي في قول ابن مالك - ﵀ - في "الخلاصة":
وَاجْعَلْ مُضَافًا صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كَعَبْدِ عَبْدِي عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
والسادس "يا ربُّ" بالبناء على الضمّ تشبيهًا له بالمفرد.
(نُرِيدُ أَنْ تَرُدَّ) بالبناء للفاعل، (أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، حَتَّى نُقْتَلَ) بالبناء للمفعول، (فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ)؛ أي: مما في دار الجزاء، وأما ما ذكروه من الرجوع إلى الدنيا، والقتل مرّةً أخرى، فليس مما سُئلوا عنه؛ لأنه لا يتعلَّق بدار العمل التي انقضى أجلها. (تُرِكُوا") بالبناء للمفعول، وهذا السؤال إكرام من الله - ﷾ - لهم، وزيادة في الإنعام عليهم حتى يُعطَوا ما يشتهونه في هذا العالم، لا في العالم الماضي، وجوابهم بقولهم: أي شيء نشتهي؟ اعتراف منهم بنهاية الإكرام، وشُكْر عليه، وأنهم ليست لهم حاجة ممكنة إلا وقد قضاها الله تعالى لهم، فأدركوها، فلم يَبق لهم شيء يحتاجون
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣٠٩.
[ ٣٢ / ٤٣٦ ]
إليه في تلك الدار، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٣/ ٤٨٧٧] (١٨٨٧)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٠١١)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٠١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٢٦٣)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٢٥٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٠)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٩/ ٢٠٩ - ٢١٠)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤٠٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٦٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن أرواح الشهداء في الجنّة قبل يوم القيامة، وأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون.
٢ - (ومنها): بيان أن الجنة مخلوقة موجودة، وهو مذهب أهل السُّنَّة، وهي التي أُهبط منها آدم - ﵇ -، وهي التي يُنَعَّم فيها المؤمنون في الآخرة، وهذا إجماع أهل السُّنَّة، وقالت المعتزلة، وطائفة من المبتدعة أيضًا، وغيرهم: إنها ليست موجودةً، وإنما توجد بعد البعث في القيامة، قالوا: والجنة التي أُخرج منها آدم - ﵇ - غيرها، وظواهر القرآن والسُّنَّة تدلّ لمذهب أهل الحقّ، قاله النوويّ - ﵀ - (^١).
٣ - (ومنها): بيان إثبات مجازاة الأموات بالثواب والعقاب قبل القيامة.
٤ - (ومنها): بيان أن الأرواح باقية، لا تفنى، فينعَّم المحسن، ويعذّب المسيء، وقد جاء به القرآن، والآثار الصحيحة، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لطائفة من المبتدعة، قالت: تفنى، وهو قول باطلٌ، قال النوويّ.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣١.
[ ٣٢ / ٤٣٧ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقد حصل من مجموع الكتاب والسُّنَّة، أن الأرواح باقية بعد الموت، وأنها منعَّمة، أو معذَّبة إلى يوم القيامة بعد الموت. انتهى (^١).
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: قد تضمَّن هذا الحديث تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وأن معنى حياة الشهداء أن لأرواحهم من خصوص الكرامة ما ليس لغيرهم، بأن جُعلت في أجواف طير، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طير خُضْر، كما في الحديث الآخر؛ صيانةً لتلك الأرواح، ومبالغة في إكرامها؛ لاطّلاعها على ما في الجنة من المحاسن والنِّعم، كما يطّلع الراكب المظَلَّل عليه بالهودج الشفّاف الذي لا يَحجب عما وراءه، ثم يُدْرِكون في تلك الحال التي يَسرحون فيها من روائح الجنة، وطِيبها، ونعيمها، وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به، وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعدَّ الله تعالى لها، ثم إن أرواحهم بعد سَرْحها في الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضعَ مكرَّمة مشرَّفة منوَّرة عبّر عنها بالقناديل؛ لكثرة أنوارها، وشدّتها، والله تعالى أعلم.
هذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية، وهذا الحديث، وأما حديث مالك الذي قال فيه: "إنما نسمة المؤمن طائر تَعلق في ثمر الجنة"، فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد، والحديثان واحد في المعنى، وهو من باب حَمْل المطلَق على المقيَّد، وقد دلّ على صحة هذا قوله في الحديث الآخر: "إذا مات الإنسان عُرِض عليه مقعده بالغداة والعشيّ من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة"، فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يُعرض عليه مقعده بالغداة والعشيّ من الجنة، وهو في موضعه من القبر، أو الصور، أو حيث شاء الله تعالى غير سارح في الجنة، ولا داخل فيها؛ وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك، ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواح الكفار تشاهد ما أعد الله لها من العذاب عند
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٧.
[ ٣٢ / ٤٣٨ ]
عَرْض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾ [غافر: ٤٦]، وعند هذا العرض تُدرك روح الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله العافية، كما أنه يحصل للمؤمن عند عَرْض عليه الجنة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فإذا أعيدت الأرواح إلى الأجساد استكمل كل فريق منهم ما أعد الله له، وبهذا الذي ذكرناه تلتئم الأحاديث، وتتفق، والله تعالى وليّ التوفيق (^١).
٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: قال هنا: "أرواح الشهداء"، وقال في حديث مالك: "إنما نسمة المؤمن"، والنسمة تُطلق على ذات الإنسان جسمًا وروحًا، وتُطلق على الروح مفردةً، وهو المراد بها؛ لتفسيرها في هذا الحديث بالروح، ولِعِلْمنا بأن الجسم يفنى، ويأكله التراب، ولقوله في الحديث: "حتى يرجعه الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه"، قال القاضي: وذكر في حديث مالك: نسمة المؤمن، وقال هنا: الشهداء، فقيل: المراد هناك الشهداء؛ لأن هذه صفتهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩]، حسبما فسّره في الحديث، وخصّه بهم، وأما غيرهم فإنما يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، كما جاء في حديث ابن عمر - ﵄ -، وكما قال تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ الآية [غافر: ٤٦]، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين الذين يدخلون الجنة بغير عذاب، فيدخلونها الآن؛ بدليل عموم الحديث، وقيل: بل أرواح المؤمنين على أفنية قبورهم، والله أعلم. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
٧ - (ومنها): أن في قولهم: "نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا" دليلًا على أن مُجرَّد الأرواح هي المتكلِّمة، ويدلُ على أن الروحَ ليس بِعَرَض، خلافًا لمن ذهب إلى ذلك، وفيه ردٌّ أيضًا على التناسخية، وأن أجوافَ الطير ليس أجسادًا لها، وإنما هي مُودعة فيها على سبيل الحفظ والصيانة والإكرام، وهذا
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٥ - ٧١٦.
(٢) "إكمال المعلم" ٦/ ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ٣٢ / ٤٣٩ ]
كلُه يدلُّ على أن لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرّ، كما قال في الحديث الآخر: "ليس أحد له عند الله خير يتمنى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشهيد؛ لِمَا يرى من فضل الشهادة" (^١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف الناس في حقيقة الروح:
قال القاضي عياض - ﵀ -: قد اختلف الناس في الروح، ما هي؟ اختلافًا لا يكاد ينحصر، فقال كثير من أرباب المعاني، وعلم الباطن المتكلمين: لا تُعرف حقيقتها، ولا يصحّ وصفها، وهو مما جَهِل العباد عِلْمه، واستدلّوا بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، قالوا: وهو أمر ربّانيّ إلهيّ.
وغَلَت الفلاسفة، فقالت بقِدم الروح، وقال جمهور الأطباء: هو البُخَار اللطيف الساري في البدن، وقال كثيرون من شيوخنا: هو الحياة، وقال آخرون: هي أجسام لطيفة مشابكة للجسم يحيى لحياته، أجرى الله تعالى العادة بموت الجسم عند فراقه، وقيل: هو بعض الجسم، ولهذا وُصف بالخروج، والقبض، وبلوغ الحلقوم، وهذه صفة الأجسام، لا المعاني، وقال بعض مقدَّمي أئمتنا: هو جسم لطيف متصوَّر على صورة الإنسان، داخل الجسم، وقال بعض مشايخنا وغيرهم: إنه النَّفَس الداخل والخارج، وقال آخرون: هو الدم.
وقال النوويّ - ﵀ - بعد نقل كلام عياض هذا: والأصح عند أصحابنا أن الروح أجسام لطيفة متخلّلة في البَدَن، فإذا فارقته مات.
وقال القاضي: واختلفوا في النفس والروح، فقيل: هما بمعنى، وهما لفظان لمسمى واحد، وقيل: إن النَّفْس هي النَّفَس الداخل والخارج، وقيل: هي الدم، وقيل: هي الحياة، والله أعلم.
قال القاضي: وقد تعلّق بحديثنا هذا، وشِبْهه بعض الملاحدة القائلين بالتناسخ، وانتقال الأرواح، وتنعيمها في الصور الحسان المرفّهة، وتعذيبها في الصور القبيحة المسخرة، وزعموا أن هذا هو الثواب والعقاب، وهذا ضلال
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٩.
[ ٣٢ / ٤٤٠ ]
بيِّن، وإبطال لِمَا جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والجنة والنار، ولهذا قال في الحديث: "حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه"؛ يعني: يوم يجيء بجميع الخلق، والله أعلم. انتهى كلام القاضي - ﵀ - (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقد اختلف الناس قديمًا وحديثًا في الأرواح ما هي؟ وعلى أي حال هي؟ اختلافًا كثيرًا، واضطربوا فيها اضطرابًا شديدًا؛ الواقف عليه يتحقق أن الكل منهم على غير بصيرة منها؛ وإنما هي أقوال صادرة عن ظنون متقاربة، ولا يَشُكّ في أنه مما انفرد الله تعالى بعلم حقيقته، وعلى هذا المعنى حَمَل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فليقطع العاقل طمعه من عِلم حقيقته، ولينظر هل ورد في الأقوال الصادقة ما يدلّ على شيء من صفته؟ وعند تصفّح ذلك، واستقراء ما هنالك يحصل للباحث أن الروح أمر يُنفخ في الجسد، ويُقبض منه، ويُتوفى بالنوم وبالموت، ويؤمن، ويكفر، ويعلم، ويجهل، ويفرح، ويحزن، ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجد من ذاته بضرورته قابلًا للعلوم وأضدادها، وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من المعاني، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع أن الروح ليس من قبيل الأعراض؛ لاستحالة كل ما ذُكر عليها، فيلزم أن يكون الروح من قبيل ما يقوم بنفسه، وأنه قابل للأعراض.
وهل هو متحيز أو ليس بمتحيز؟ ذهبت طوائف من الأوائل، ومن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيز، وذهب أكثر أهل الإسلام إلى أن ذلك من أوصاف الحق - ﷾ - الخاصة به، وأنه لا تصح مشاركته في ذلك؛ لأدلة تُذكر في علم الكلام، وأن الروح قائم بنفسه متحيز، فهو من قبيل الجواهر، ثم اختُلِف، هل هو يقبل الانقسام فيكون جسمًا، أو لا يقبله فيكون جوهرًا فردًا؟
فذهبت طائفة من جلّة علماء أهل السُنَّة إلى أنه جسم لطيف مشابك جميع أجزاء البدن، أجرى الله العادة ببقائه في الجسم ما دام حيًّا، فإذا أراد الله
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣٠٨ - ٣٠٩، و"شرح النوويّ" ١٣/ ٣١ - ٣٢.
[ ٣٢ / ٤٤١ ]
تعالى إماتة الحيوان نزعه منه، وأزال اتصافه بالحياة، وأعقبها بالموت، وأطبق معظم المتكلمين من أهل السُّنَّة على أنه جزء فرد من أجزاء القلب، أو غيره مما يكون في الإنسان، أجرى الله العادة بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزء متصلًا به، والله تعالى أعلم، وأحكم، والتسليم أولى وأسلم.
والذي اتَّفَقَ أهل التحقيق عليه أنه متغيّر مخترَع؛ لأنه متغير، وكل متغير محدَث على ما يُعرف في موضعه، ولا يُلتفت لقول من قال: إن الروح قديم؛ إذ لا قديم إلا الله تعالى، على ما يُعرف في موضعه، ولا يُلتفت أيضًا لقول التناسخية القائلين أن الأرواح تنتقل إلى أجساد أخر، فأهل السعادة يُنقلون إلى أجساد حسنة مشرفة مرفّهة، فتتنعم بها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأهل الشقاء تُنقل أرواحهم إلى أجسام خسيسة قبيحة، فتعذّب فيها، حتى إذا استوفت بذلك عقابها رجعت إلى أحسن بُنية، وهكذا أبدًا، وهذا معنى الإعادة والثواب والعقاب عندهم، وهو قول مناقض لِمَا جاءت به الشريعة، ولِمَا أجمعت الأمة عليه، ومعتقِده يَكْفُر قطعًا، فإنه أنكر ما عُلِم قطعًا من إخبار الله تعالى، وإخبار نبيّه - ﷺ - عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأن الأمر ليس على شيء مما قالوه، وأيضًا فالتناسخ والقول به باطل، محال عقلًا، على ما يُعرف في علم الكلام. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكروا الاختلاف في معرفة حقيقة الروح، وصفاتها، وهو مما لا ينبغي الخوض فيه؛ لأنه مما استأثر الله - ﷿ - به، وسدّ طريق الوصول إليه بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥]، فمن حاول أن يحيط بشيء منها فقد حاول المحال، وإنما ذكرته مع كراهتي للخوض فيه؛ ليُعلم ما قالوا، ويفكّر العاقل بقراءة ما كتبوا حتى يتبيّن له أنهم ليسوا على شيء، وأن الحقّ هو الذي أرشد إليه الله - ﷿ - في الآية المذكورة، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وليس وراء ذلك مطمح للأنظار، ولا مجال للاعتبار، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك سميع مجيب الدعوات.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٧ - ٧١٨.
[ ٣٢ / ٤٤٢ ]
(المسألة الخامسة): في اختلاف الناس في مستقرّ الأرواح بعد الموت:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك على أقوال، وقد ذكر ابن القيّم - ﵀ - في ذلك نحو سبعة عشر قولًا:
منها: أن أرواح المؤمنين عند الله تعالى في الجنّة، شُهداء كانوا، أم غير شهداء، إذا لم يحبسهم عن الجنّة كبيرة، ولا دَين، أو تلقّاهم ربهم بالعفو عنهم، والرحمة لهم، وهذا مذهب أبي هريرة، وعبد الله بن عمر - ﵃ -.
ومنها: أنهم بفناء الجنّة على بابها، يأتيهم من رَوحها، ونعيمها، ورزقها.
ومنها: أن الأرواح مستقرّها أفنية قبورها، ومنها أنها مرسلة، تذهب حيث شاءت، ومنها: أن أرواح الشهداء في الجنّة، وأرواح عامّة المؤمنين على أفنية قبرهم، وقيل غير ذلك.
وقد بسط ابن القيّم - ﵀ - في هذه المسألة، وتكلّم على كلّ قول بما له، وما عليه، من الأحاديث، والآثار.
والأصحّ أن الأرواح متفاوتةٌ في مستقرّها في البرزخ أعظم تفاوت، فمنها أرواح في أعلى علّيين، في الملأ الأعلى، وهي أرواح الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم متفاوتون في منازلهم، كما رآهم النبيّ - ﷺ - في ليلة الإِسراء.
ومنها: أرواح في حواصل طير خُضْر تسرح في الجنة حيث شاءت وهي أرواحُ بعض الشهداء لا جميعهم، بل من الشهداء من تُحبَسُ روحُه عن دخول الجنة لدَيْن عليه، أو على غيره، كما تقدّم في حديث أبي قتادة - ﵁ - عند مسلم.
ومنهم: من يكون محبوسًا على باب الجنة كما في الحديث الآخر: "رأيتُ صاحِبكم محبوسًا على باب الجنة".
ومنهم: من يكون محبوسًا في قبره، كحديث صاحب الشَّمْلة التي غلّها ثم استُشهد، فقال الناس: هنيئًا له الجنة، فقال النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده إن الشَّملة التي غلَّها لَتَشْتَعل عليه نارًا في قبره".
ومنهم: من يكون مَقَرّه باب الجنة، كما في حديث ابن عباس - ﵄ -:
[ ٣٢ / ٤٤٣ ]
"الشهداءُ على بارق - نهر بباب الجنة - في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقُهم من الجنة بكرةً وعشية"، رواه أحمد.
ومنهم: من يكون محبوسًا في الأرض، لم تَعْلُ روحُه إلى الملأ الأعلى، فإنها كانت رُوحًا سفلية أرضية، فإنَّ الأنفسَ الأرضيَّةَ لا تجامعُ الأنفس السماوية، كما لا تجامعها في الدنيا، والنفس التي لم تكتسبْ في الدنيا معرفةَ ربِّها، ومحبته وذِكْره والأنس به، والتقرُّب إليه، بل هي أرضية سفلية، لا تكون بعد المفارقة لبدنها إلا هناك، كما أنَّ النفسَ العلويَّة التي كانت في الدنيا عاكفةً على محبة الله - ﷿ - وذكْره، والتقرُب إليه والأنس به تكون بعد المفارقة مع الأرواح العلوية المناسبة لها، فالمرءُ مع مَن أحبَّ في البرزخ، ويوم القيامة، والله تعالى يُزوِّجُ النفوس بعضها ببعض في البرزخ ويوم المعاد كما تقدَّم في الحديث، ويجعل روحه - يعني: المؤمن - مع النسيم الطيب؛ أي: الأرواح الطَّيبة المشاكلة، فالروحُ بعد المفارقة تلحق بأشكالها وأخواتها وأصحاب عملها فتكون معهم هناك.
ومنها: أرواح تكونُ في تنّور الزُّناة والزواني، وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتلقم الحجارة، فليس للأرواح سعيدها وشقيّها مستقر واحد، بل روح في أعلى عليين، وروح أرضية سفلية لا تصعد عن الأرض.
وأنت إذا تأملت السنن والآثار في هذا الباب، وكان لك فضل اعتناء، عرفت حُجة ذلك، ولا تظنّ أن بين الآثار الصحيحة في هذا الباب تعارضًا، فإنها كلّها حقّ يصدّق بعضها بعضًا، لكن الشأن في فهمها، ومعرفة النفس وأحكامها، وأن لها شأنًا غير شأن البدن، وأنها مع كونها في الجنّة فهي في السماء، وتتّصل بفناء القبر، وبالبدن فيه، وهي أسرع شيء حركةً وانتقالًا، وصعودًا وهبوطًا، وأنها تنقسم إلى مرسلة، ومحبوسة، وعلويّة، وسفليّة، ولها بعد المفارقة صحّة ومرضٌ، ولذّة ونعيم، وألم أعظم مما كان لها حال اتّصالها بالبدن بكثير، فهنالك الحبس والألم، والعذاب والمرض والحسرة، وهنالك اللذّة والراحة والنعيم والإطلاق، وما أشبه حالها في هذا البدن بحال البدن في بطن أمه، وحالها بعد المفارقة بحاله بعد خروجه من البطن إلى هذه الدار.
فلهذه الأنفسِ أربع دُور، كل دار أعظم من التي قبلها:
[ ٣٢ / ٤٤٤ ]
الدار الأولى: في بطن الأم، وذلك الحصر، والضِّيق، والغمّ، والظلمات الثلاث.
والدار الثانية: هي الدار التي نَشَأَتْ فيها، وأَلِفَتْها واكتسبت فيها الخير والشر، وأسباب السعادة، والشقاوة.
والدار الثالثة: دار البرزخ، وهي أوسع من هذه الدار، وأعظم، بل نِسْبتها إليه، كنسبة هذه الدار إلى الأُولى.
والدار الرابعة: دار القرار، وهي الجنة، أو النار فلا دار بعدها، والله ينقلها في هذه الدور طبقًا بعد طبق، حتى يبلّغها الدار التي لا يصلح لها غيرها، ولا يليق بها سواها، وهي التي خُلقت لها، وهُيّئت للعمل الموصل إليها، ولها في كلّ دار حكم وشأن غير شأن الدار الأخرى، فتبارك الله فاطرها، ومنشؤها، ومميتها، ومحييها، ومُسعِدها، ومُشْقيها. انتهى كلام ابن القيّم - ﵀ - مختصرًا (^١)، وهو بحث مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.