أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من عاصم، وفيه رواية الأخ عن أخيه: عاصم، عن زيد، وفيه عبد الله بن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، روى (٢٦٣٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر أنه (قَالَ: جَاءَ عَبْدُ اللْهِ بْنُ عُمَرَ) بن الخطّاب - ﵄ - (إِلى عَبْدِ الله بْنِ مُطِيعِ) (^٢) بن الأسود العدويّ المدنيّ، له رؤية،
_________________
(١) فقول الشيخ الهرريّ: عن جدّه زيد بن محمد غلط، فإنه أخوه، وأما جدّه فهو زيد بن عبد الله بن عمر، لا زيد بن محمد، فليُتنبّه.
(٢) عبد الله بن مطيع هذا كان ممن خلع يزيد بن معاوية، وخرج عليه، وكان يوم الحرّة قائد قريش، كما كان عبد الله بن حنظلة قائد الأنصار، إذ خرج أهل المدينة لقتال مسلم بن عقبة الْمُرّيّ الذي بعثه يزيد لقتال أهل المدينة، وأخذهم بالبيعة له، فلما ظفر أهل الشام بأهل المدينة انهزم عبد الله بن مطيع، ولحق بابن الزبير بمكة، وشهد معه الحصر الأول، وبقي معه إلى أن حَصَر الحجاجُ ابنَ الزبير، فقاتل ابن مطيع معه يومئذ، وهو يقول: =
[ ٣٢ / ١٨١ ]
وكان رأس قريش يوم الحرّة، وأمّره ابن الزبير على الكوفة، ثم قُتل معه سنة (٧٣)، وتقدّمت ترجمته في "الجهاد والسِّيَر" ٣١/ ٤٦١٨.
(حِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَرَّةِ مَا كَانَ)؛ أي: حين وقع من قصّة وقعة الحرّة الذي وقع، فـ "ما" موصولة، و"كان" تامّة، بمعنى وقع، و"الْحَرّة" بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء: أرض ذات حجارة سُود، والجمع حِرَارٌ، مثلُ كَلْبة وكلابٍ، وقال في "القاموس" ما حاصله: والحرّة: موضع بظاهر المدينة، تحت واقم، وبها كانت وقعة الحرّة أيام يزيد بن معاوية. انتهى (^١).
وحاصل ملخّص قصّة وقعة الحرة: هو ما ذكره الحافظ ابن كثير في "تاريخه": قال: وكان سببها أن أهل المدينة لَمّا خلعوا يزيد بن معاوية، وولّوا على قريش عبد الله بن مطيع، وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر، فلما كان في أول هذه السنة أظهروا ذلك، واجتمعوا عند المنبر، فجعل الرجل منهم يقول: قد خلعت يزيد كما خلعت عمامتي هذه، ويلقيها عن رأسه، ويقول الآخر: قد خلعته كما خلعت نعلي هذه، حتى اجتمع شيء كثير من العمائم، والنعال هناك، ثم اجتمعوا على إخراج عامل يزيد من بين أظهرهم، وهو عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عمّ يزيد، وعلى إجلاء بني أمية من المدينة، فاجتمعت بنو أمية في دار مروان بن الحكم، وأحاط بهم أهل المدينة يحاصرونهم، واعتزل الناسَ عليُّ بنُ الحسين زين العابدين، وكذلك عبد الله بن عمر بن الخطاب، لم يخلعا يزيد، ولا أحدٌ من بيت ابن عمر، وقد قال ابن عمر لأهله: لا يخلعنّ أحد منكم يزيد، فتكون الفيصل بيني وبينه، وأنكر على أهل المدينة في مبايعتهم لابن مطيع، وابن حنظلة على الموت، وقال: إنما كنا نبايع رسول الله - ﷺ - على أن لا نَفِرّ، وكذلك لم يخلع يزيد أحدٌ من بني عبد المطلب، وقد سئل محمد ابن الحنفية في ذلك، فامتنع من ذلك أشدّ الامتناع، وناظَرَهم، وجادَلهم في يزيد، وردّ عليهم ما اتهموا يزيد به من شرب
_________________
(١) = أَنَا الَّذِي فَرَرْتُ يَوْمَ الْحَرذَهْ … وَالْحُرُّ لَا يَفِرُّ إِلَّا مَرَّهْ يَا حَبَّذَا الْكَرَّةُ بَعْدَ الْفَرَّهْ … لأَجْزِيَنَّ فَرَّةً بِكَرَّهْ
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ص ٢٧٧.
[ ٣٢ / ١٨٢ ]
الخمر، وتَرْكه بعض الصلوات، وكتب بنو أمية إلى يزيد بما هم فيه من الحصر، والإهانة، والجوع، والعطش، وإنه إن لم يبعث إليهم مَن ينقذهم مما هم فيه، وإلا استُؤصلوا عن آخرهم، وبعثوا ذلك مع البريد، فلما قَدِم بذلك على يزيد وجده جالسًا على سريره، ورجلاه في ماء، يتبرّد به مما به من النِّقْرِس (^١) في رجليه، فلما قرأ الكتاب انزعج لذلك، وقال: ويلك ما فيهم ألف رجل؟ قال: بلى، قال: فهل لا قاتلوا ساعةً من نهار، ثم بعث إلى عمرو بن سعيد بن العاص، فقرأ عليه الكتاب، واستشاره فيمن يبعثه إليهم، وعَرَض عليه أن يبعثه إليهم، فأبى عليه ذلك، وقال: إن أمير المؤمنين عزلني عنها، وهي مضبوطة، وأمورها مُحْكَمة، فأما الآن فإنما دماء قريش تراق بالصعيد، فلا أحب أن أتولى ذلك منهم، ليتولَّ ذلك من هو أبعد منهم مني، قال: فبعث البريدَ إلى مسلم بن عقبة المزنيّ، وهو شيخ كبير، ضعيف، فانتَدَب لذلك، وأرسل معه يزيد عشرة آلاف فارس، وقيل: اثنا عشر ألفًا، وخمسة عشر ألف راجل، وأعطى كل واحد منهم مائة دينار، وقيل: أربعة دنانير، ثم استعرضهم، وهو على فرس له، قال المدائنيّ: وجعل على أهل دمشق عبد الله بن مسعدة الفزاريّ، وعلى أهل حمص حُصين بن نُمير السَّكُونيّ، وعلى أهل الأردنّ حُبيش بن دُلْجة القينيّ، وعلى أهل فلسطين رَوْح بن زِنْباع الْجُذاميّ، وشَريك الكنانيّ، وعلى أهل قنسرين طريف بن الحسحاس الهلاليّ، وعليهم جميعًا مسلم بن عقبة المزنيّ، من غَطَفان، وإنما يسميه السلف مسرف بن عقبة، فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين ولّني عليهم، أَكْفِك، وكان النعمان أخا عبد الله بن حنظلة لأمه عمرة بنت رواحة، فقال يزيد: لا، ليس لهم إلا هذا الغشمة (^٢)، والله لأقتلنهم بعد إحساني إليهم، وعفوي عنهم مرّةً بعد مرّة، فقال النعمان: يا أمير المؤمنين أنشدك الله في عشيرتك، وأنصار رسول الله - ﷺ -، وقال عبد الله بن جعفر: أرأيت إن رجعوا إلى طاعتك أتقبل
_________________
(١) "النِّقْرِس" بكسر النون والراء: ورَمٌ، ووجعٌ في مفاصل الكعبين، وأصابع الرجلين. انتهى. "القاموس"، بزيادة يسيرة من "المصباح".
(٢) "الغَشَمَة": الظالم.
[ ٣٢ / ١٨٣ ]
منهم؟ قال: إن فعلوا فلا سبيل عليهم، وقال يزيد لمسلم بن عقبة: ادع القوم ثلاثًا، فإن رجعوا إلى الطاعة فاقبل منهم، وكُفَّ عنهم، وإلا فاستعن بالله، وقاتِلهم، وإذا ظهرت عليهم، فأبِحِ المدينة ثلاثًا، ثم اكفُفْ عن الناس، وانظر إلى عليّ بن الحسين، فاكفُف عنه، واستوص به خيرًا، وأَدْنِ مجلسه، فإنه لم يدخل في شيء مما دخلوا فيه، وأمَره إذا فرغ من المدينة أن يذهب إلى مكة لحصار ابن الزبير، وقال له: إن حَدَث بك أمر، فعلى الناس حُصين بن نُمير السَّكُونيّ، وقد كان يزيد كتب إلى عبد الله بن زياد أن يسير إلى ابن الزبير، فيحاصره بمكة، فأبى عليه، وقال: والله لا أجمعهما للفاسق أبدًا، أقتل ابن بنت رسول الله - ﷺ -، وأغزو البيت الحرام؟ وقد كانت أمه مُرْجانة قالت له حين قَتَل الحسين: ويحك ماذا صنعتَ؟ وماذا رَكِبت؟ وعنّفته تعنيفًا شديدًا.
قالوا: وسار مسلم بمن معه من الجيوش إلى المدينة، فلما اقترب منها اجتهد أهل المدينة في حِصار بني أمية، وقالوا لهم: والله لنقتلنكم عن آخركم، أو تعطونا موثقًا أن لا تدلُّوا علينا أحدًا من هؤلاء الشاميين، ولا تمالئوهم علينا، فأعطوهم العهود بذلك، فلما وصل الجيش تلقاهم بنو أمية، فجعل مسلم يسألهم عن الأخبار فلا يخبره أحد، فانحصر لذلك، وجاءه عبد الملك بن مروان، فقال له: إن كنت تريد النصر فأنزل شرقيّ المدينة في الحرّة، فإذا خرجوا إليك كانت الشمس في أقفيتكم، وفي وجوههم، فادعهم إلى الطاعة، فإن أجابوك، وإلا فاستعن بالله وقاتِلهم، فإن الله ناصرك عليهم؛ إذ خالفوا الإمام، وخرجوا عن الطاعة، فشكره مسلم بن عقبة على ذلك، وامتثل ما أشار به، فنزل شرقيّ المدينة في الحرّة، ودعا أهلها ثلاثة أيام كلّ ذلك يأبون، إلا المحارَبة والمقاتَلة، فلما مضت الثلاثة قال لهم في اليوم الرابع، وهو يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، قال لهم: يا أهل المدينة مضت الثلاث، وإن أمير المؤمنين قال لي: إنكم أصله وعشيرته، وإنه يَكره إراقة دمائكم، وإنه أمرني أن أؤجلكم ثلاثًا، فقد مضت، فماذا أنتم صانعون؟، أتسالمون أم تحاربون؟ فقالوا: بل نحارب، فقال: لا تفعلوا، بل سالِموا، ونجعل جِدَّنا وقوّتنا على هذا الملحد، يعني: ابن الزبير، فقالوا: يا عدو الله لو أردت ذلك لَمَا مكّناك منه، أنحن نذركم تذهبون، فتلحدون في
[ ٣٢ / ١٨٤ ]
بيت الله الحرام؟ ثم تهيأوا للقتال، وقد كانوا اتخذوا خندقًا بينهم وبين ابن عقبة، وجعلوا جيشهم أربعة أرباع، على كل رُبْع أمير، وجعلوا أجمل الأرباع الربع الذي فيه عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم اقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم انهزم أهل المدينة إليها، وقد قُتل من الفريقين خلق من السادات، والأعيان، منهم عبد الله بن مطيع (^١)، وبنون له سبعة بين يديه، وعبد الله بن حنظلة الغسيل، وأخوه لأمه محمد بن ثابت بن شَمّاس، ومحمد بن عمرو بن حزم، وقد مَرَّ به مروان، وهو مُجندل (^٢)، فقال: رحمك الله، فكم من سارية قد رأيتك تطيل عندها القيام والسجود.
ثم أباح مسلم بن عقبة الذي يقول فيه السلف: مسرف بن عقبة - قبّحه الله من شيخ سَوْء، ما أجهله - المدينةَ ثلاثة أيام، كما أمَره يزيد، لا جزاه الله خيرًا، وقَتَل خَلْقًا من أشرافها، وقرائها، وانتَهَب أموالًا كثيرة منها، ووقع شرُّ وفسادٌ عريض على ما ذكره غير واحد، فكان ممن قُتل بين يديه صبرًا مَعْقِل بن سِنَان، وقد كان صديقه قبل ذلك، ولكن أسمعه في يزيد كلامًا غليظًا، فَنَقِم عليه بسببه، واستَدْعَى بعليّ بن الحسين، فجاء يمشي بين مروان بن الحكم، وابنه عبد الملك ليأخذ له بهما عنده أمانًا، ولم يَشْعُر أن يزيد أوصاه به، فلما جلس بين يديه استدعى مروان بشراب، وقد كان مسلم بن عقبة حَمَل معه من الشام ثَلْجًا إلى المدينة، فكان يشاب له بشرابه، فلما جيء بالشراب شَرِب مروان قليلًا، ثم أعطى الباقي لعليّ بن الحسين ليأخذ له بذلك أمانًا، وكان مروان مُوَادًّا لعليّ بن الحسين، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قد أخذ الإناء في يده، قال له: لا تشرب من شرابنا؟ ثم قال له: إنما جئتَ مع هذين لتأمن بهما، فارتعدت يد عليّ بن الحسين، وجعل لا يضع الإناء من يده، ولا يشربه، ثم قال له: لولا أن أمير المؤمنين أوصاني بك لضربت عنقك، ثم قال له: إن شئت أن تشرب فاشرب، وإن شئت دعونا لك بغيرها، فقال: هذا الذي
_________________
(١) وقيل: إنه لم يُقتل، بل هرب إلى ابن الزبير بمكة، حتى قُتل معه، كما أسلفنا قصّته.
(٢) أي: صريع.
[ ٣٢ / ١٨٥ ]
في كفي أريد، فشرب، ثم قال له مسلم بن عقبة: قم إلى ههنا، فاجلس، فأجلسه معه على السرير، وقال له: إن أمير المؤمنين أوصاني بك، وإن هؤلاء شغلوني عنك، ثم قال لعليّ بن الحسين: لعل أهلك فَزِعُوا؟ فقال: إي والله، فأمر بدابته، فأُسرجت، ثم حمله عليها، حتى ردّه إلى منزله مكرمًا، ثم استدعى بعمرو بن عثمان بن عفان، ولم يكن خرج مع بني أمية، فقال له: إنك إن ظهر أهل المدينة قلت: أنا معكم، وإن ظهر أهل الشام قلت أنا ابن أمير المؤمنين، ثم أَمر به، فنُتفت لحيته بين يديه، وكان ذا لحية كبيرة.
قال المدائنيّ: وأباح مسلم بن عقبة المدينة ثلاثة أيام، يقتلون من وجدوا من الناس، ويأخذون الأموال، ووقعوا على النساء، حتى قيل: إنه حبلت ألف امرأة في تلك الأيام من غير زوج، والله أعلم.
قال المدائنيّ عن أبي قُرّة قال: قال هشام بن حسان: وَلَدت ألف امرأة من أهل المدينة بعد وقعة الحرّة من غير زوج.
وقد اختفى جماعة من سادات الصحابة، منهم جابر بن عبد الله، وخرج أبو سعيد الخدريّ، فلجأ إلى غار في جبل، فلحقه رجل من أهل الشام، قال: فلما رأيته انتضيت سيفي، فقصدني، فلما رآني صَمَّم على قتلي، فَشِمْتُ سيفي، ثم قلت: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [المائدة: ٢٩]، فلما رأى ذلك قال: من أنت؟ قلت: أنا أبو سعيد الخدريّ، قال صاحب رسول الله - ﷺ -؟ قلت: نعم، فمضى وتركني.
قال المدائنيّ: وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيِّب، فقال له: بايع، فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه مجنون، فخلى سبيله.
قال المدائنيّ عن شيخ من أهل المدينة قال: سألت الزهريّ: كم كان القتلى يوم الحرّة؟ قال: سبعمائة من وجوه الناس، من المهاجرين والأنصار، ووجوه الموالي، وممن لا أعرف من حُرّ وعبد وغيرهم عشرة آلاف، قال: وكانت الوقعة لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وانتهبوا المدينة ثلاثة أيام، قال الواقديّ وأبو معشر: كانت وقعة الحرّة يوم الأربعاء، لليلتين
[ ٣٢ / ١٨٦ ]
بقيتا من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (^١).
(زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ)؛ أي: وقت خلافته، وذلك سنة ثلاث وستين من الهجرة.
قال في "تهذيب التهذيب": يزيد بن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، أبو خالد، وُلد في خلافة عثمان، وعَهِد إليه أبوه بالخلافة، فبويع سنة ستين، وأبى البيعة عبد الله بن الزبير، ولاذ بمكة، والحسين بن عليّ، ونَهَض إلى الكوفة، وأرسل ابن عمه مسلم بن عَقِيل بن أبي طالب ليبايع له بها، فقتله عبيد الله بن زياد، وأرسل الجيوش إلى الحسين، فقُتل سنة إحدى وستين، ثم خرج أهل المدينة على يزيد، وخلعوه في سنة ثلاث وستين، فأرسل إليهم مسلم بن عقبة الْمُرّيّ، وأمره أن يستبيح المدينة ثلاثة أيام، وأن يبايعهم على أنهم خَوَل وعَبيد ليزيد، فإذا فرغ منها نَهَض إلى مكة لحرب ابن الزبير، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقَتَل بها خَلقًا من الصحابة، وأبنائهم، وخيار التابعين، وأفحش القضية إلى الغاية، ثم توجه إلى مكة، فأخذه الله تعالى قبل وصوله، واستَخْلَف على الجيش حُصَين بن نُمير السَّكُوني فحاصروا ابن الزبير، ونصبوا على الكعبة المنجنيق، فأدَّى ذلك إلى وَهْي أركانها، وَوَهْي بنائها، ثم أُحرقت، وفي أثناء أفعالهم القبيحة، فجأهم الخبر بهلاك يزيد بن معاوية، فرجعوا، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان هلاكه في نصف ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يكمل الأربعين، وأخباره مستوفاة في "تاريخ دمشق" لابن عساكر، وليس له رواية تُعتمد.
وقال يحيى بن عبد الملك بن أبي غَنِيّة أحد الثقات: ثنا نوفل بن أبي عَقْرب ثقةٌ، قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز، فذكر رجل يزيد بن معاوية، فقال: أمير المؤمنين يزيد، فقال عمر: تقول: أمير المؤمنين يزيد؟! وأَمَر به، فضُرِب عشرين سوطًا.
وليست له رواية في الكتب، إلا في "مراسيل أبي داود"، كما نبّه عليه الحافظ - ﵀ - (^٢).
_________________
(١) راجع: "البداية والنهاية" لابن كثير ٨/ ٣٠٧ - ٣١٣.
(٢) راجع: "تهذيب التهذيب" ١١/ ٣١٦.
[ ٣٢ / ١٨٧ ]
(فَقَالَ) عبد الله بن مطيع (اطْرَحُوا لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) كنية عبد الله بن عمر - ﵄ -، (وِسَادَةً) بالكسر؛ أي: مِخَدّة، (فَقَالَ) عبد الله بن عمر (إِنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَنْ) شرطيّة، أو موصولة مبتدأ، (خَلَعَ)؛ أي: نزع (يَدًا مِنْ طَاعَةٍ)؛ أي: من طاعة ولِيّ الأمر الذي بايعه، قال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "من طاعة"؛ أي: أيّ طاعة كانت، قليلةً، أو كثيرةً، ولَمّا كان وضع اليد كنايةً عن العهد، وإنشاء البيعة لجري العادة على وضع اليد على اليد حالَ المعاهدة، كَنَى عن النقض بخلع اليد ونَزْعها، يريد: مَن نَقَضَ العهد، وخلع نفسه عن بيعة الإمام، لقي الله تعالى آثمًا، لا عذر له. انتهى (^١). (لَقِيَ) بكسر القاف، (اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ)؛ أي: لا حجة له في فعله، ولا عُذر له ينفعه. (وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً") قال القرطبيّ - ﵀ -: تحديث ابن عمر - ﵄ - عبدَ الله بنَ مطيع بهذا الحديث الذي سمعه من النبيّ - ﷺ - إنما كان ليبيّن له أنه لم ينكُث بيعة يزيد، ولم يخلعها من عنقه مخافة هذا الوعيد الذي تضمّنه هذا الحديث. انتهى (^٢).
وقال الأبيّ - ﵀ - في "شرحه": كان مذهب ابن عمر مَنْع القيام على الإمام وخَلْعه إذا حَدَث فسقه بعد عقد البيعة له، فلذلك ذَكَر له الحديث، والمنع من القيام هو مذهب الأكثرين، أو هو مذهب الجميع، كما ذكر ابن مجاهد، واحتَجَّ من أجاز القيام والخروج بقيام الحسين، وابن الزبير بمكة، وأهل المدينة على بني أميّة، واحتَجّ الأكثر للمنع بأنه ظاهر الأحاديث كما ترى، وبأن القيام ربّما أثار فتنةً وقتلًا وانتهاك حرمة كما اتّفق ذلك في قضيّة الحَرّة وغيرها.
وقيل: إن الخلاف كان في الصدر الأول، ثم انعقد الاتفاق على المنع.
[فإن قلت]: الخلاف إنما هو في الإمام العدل إذا حدث فسقه بعد انعقاد الخلافة له، وأما الفاسق قبل عقدها فاتّفقوا على أنها لا تنعقد له، ويزيد كان كذلك قبل انعقادها له.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٤.
[ ٣٢ / ١٨٨ ]
[قلت]: نعم لا يجوز عَقْدها ابتداءً للفاسق، فإن انعقدت، ووقعت صارت بمنزلة من حَدَث فسقه بعد انعقادها له، فيُمنع القيام عليه، ويدلّ على ذلك ذِكر ابن عمر الحديث في سياق التغيير والإنكار على عبد الله بن مطيع في قيامه على يزيد، ويزيد كان معلومًا بذلك قبل عقدها له، كما عُلم من حاله عند ابن عمر وغيره. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٤٧٨٤ و٤٧٨٥ و٤٧٨٦] (١٨٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٨٣ و١١١ و١٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤١٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ أَتَى ابْنَ مُطِيعٍ، فَذَكَرَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) محمد بن عبد الله بن نُمير، تقدّم قبل بابين.
٢ - (يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُكَيْرٍ) القرشيّ المخزوميّ مولاهم، أبو زكريّا المصريّ الحافظ، وقد يُنسب إلى جدّه، ثقةٌ في الليث، وتكلّموا في سماعه من مالك، من كبار [١٠].
رَوَى عن مالك، والليث، وبكر بن مضر، وحماد بن زيد، وعبد الله بن سويد المصريّ، وعبد الله بن لَهِيعة، ومغيرة بن عبد الرحمن الحزاميّ، وغيرهم.
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٥/ ٢٠٢.
[ ٣٢ / ١٨٩ ]
وروى عنه البخاريّ، وروى مسلم، وابن ماجه له بواسطة محمد بن عبد الله، هو الذهليّ، ومحمد بن عبد الله بن نُمير، ومحمد بن إسحاق الصغانيّ، وغيرهم.
قال أبو حاتم: يُكتب حديثه، ولا يُحتجّ به، وكان يفهم هذا الشأن، وقال النسائيّ: ضعيف، وقال في موضع آخر: ليس بثقة، وقال أبو داود: سمعت يحيى بن معين يقول: أبو صالح أكثر كُتُبًا، ويحيى بن بكير أحفظ منه، وقال الساجيّ: قال ابن معين: سمع يحيى بن بكير "الموطأ" بعرض حَبِيب كاتب الليث، وكان شَرَّ عَرْض، كان يقرأ على مالك خطوط الناس، ويصفح ورقتين ثلاثةً، وقال يحيى: سالني عنه أهل مصر، فقلت: ليس بشيء، وقال الساجيّ: هو صدوق، رَوَى عن الليث، فأكثر، وقال ابن عديّ: كان جار الليث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد، وقال مسلمة بن قاسم: تُكُلِّم فيه؛ لأن سماعه من مالك إنما كان بعرض حَبِيب، وقال الخليليّ: كان ثقةً، وتفرّد عن مالك بأحاديث، وقال البخاريّ في "تاريخه الصغير": ما روى ابن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ، فإني أنفيه (^١)، وقال ابن قانع: مصريّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في النصف من صفر سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وقال ابن يونس: كان مولده سنة أربع وخمسين ومائة.
روى عنه البخاريّ، والمصنّف، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث، برقم (١٨٥١) و(٢٧٣٩) و(٢٧٨٥) و(٢٩٤٢).
٣ - (لَيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ الشهير، تقدّم قريبًا.
٤ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ) المصريّ، أبو بكر الفقيه الكنانيّ، أو الأمويّ مولاهم، قيل: اسم أبيه يسار، ثقةٌ فقيه عابدٌ [٥] (٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدّم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الأَشَجِّ) المدنيّ، ثم المصريّ، تقدّم قريبًا أيضًا. والباقيان ذُكرا قبله.
_________________
(١) هكذا نسخة "التهذيب": "أنفيه"، من النفي، ولعله: "أتّقيه"، من الاتّقاء، فليُحرّر.
[ ٣٢ / ١٩٠ ]
[تنبيه]: رواية بكير عن نافع هذه لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٨٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ) بن بحر بن كَنِيز - بنون، وزاي - مكبّرًا، أبو حفص الفَلّاس الصيرفيّ الباهليّ البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٤٩) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٨.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جَبَلَةَ) هو: محمد بن عمرو بن عَبّاد بن جَبَلَة بن أبي رَوّاد الْعَتَكيّ، أبو جعفر البصريّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٣٤) (م د) تقدم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٤٨.
٣ - (بِشْرُ بْنُ عُمَرَ) بن الحكم الزهرانيّ الأزديّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٧ أو ٢٠٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٤ - (هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ) أبو عبّاد، أو أبو سعد المدنيّ، صدوقٌ له أوهامٌ، ورُمي بالتشيّع، من كبار [٧] (ت ١٦٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٨٧/ ٤٦٣.
٥ - (زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ) الْعَدويّ، مولى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أُسامة المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، يرسل [٣] (ت ١٣٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٦/ ٢٥٠.
٦ - (أَبُوهُ) أسلم العدويّ، مولى عمر بن الخطاب المدنيّ، ثقةٌ مخضرمٌ [٢] (ت ٨٠) وقيل: بعد سنة ستين، وهو ابن (١١٤) (ع) تقدم في "الهبات" ١/ ٤١٥٦.
والباقيان ذُكرا في الباب، و"ابن مهديّ" هو: عبد الرحمن.
وقوله: (قَالَا جَمِيعًا) ضمير التثنية راجع لابن مهديّ، وبشر بن عمر.
[تنبيه]: رواية زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر - ﵄ - هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
[ ٣٢ / ١٩١ ]
(٧١٥٥) - حدّثنا عمار بن رجاء، قال: ثنا أبو عامر الْعَقَديّ، قال: ثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: دخلت مع ابن عمر على ابن مطيع، قال: مرحبًا بأبي عبد الرحمن، ضَعُوا له وسادةً، فقال ابن عمر: إنما جئتك لأحدّثك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَن نَزَع يدًا من طاعة، فإنه يأتي يوم القيامة، ولا حجة له، ومن مات، وهو مفارق للجماعة، فإنه يموت مِيتةً جاهليّةً". انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾