أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالشاميين، سوى شيخه، فمروزيّ، وعيسى، وإن كان كوفيًّا، إلا أنه نزل الشام مُرابطًا، وفيه رواية الراوي عن قريبه، مسلم، عن عوف - ﵁ -.
قال الجامع عفا الله عنه: شرح هذا الحديث يأتي في الحديث التالي، وإنما أخّرته إليه؛ لكونه أتمّ من هذا، فتنبّه.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٦] (. . .) - (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ مُسْلِمٍ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرحمن بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، أَخْبَرَنِي مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ - وَهُوَ رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ - أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ، ابْنَ عَمِّ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ
_________________
(١) = عَنْ أَحَدٍ تَوْثِيقُهُمْ وَهَكَذَا … ذَكَرَ في "الْمِيزَانِ" نِعْمَ مَأْخَذَا
[ ٣٢ / ٢١٦ ]
أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ"، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ (^١)، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ قَالَ: "لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وَلِيَ عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ"، قَالَ ابْنُ جَابِرٍ: فَقُلْتُ - يَعْنِي: لِرُزَيْقٍ - حِينَ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ: آللهِ يَا أَبَا الْمِقْدَامِ لَحَدَّثَكَ بِهَذَا؟ - أَوْ: سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَقَالَ: إِي وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلا هُوَ لَسَمِعْتُهُ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ) الهاشميّ مولاهم الْخُوَارَزْميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
٢ - (الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ) أبو العبّاس الدمشقيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ) أخو يزيد بن يزيد المذكور في السند الماضي، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: هذا الإسناد أعلى من الأول بدرجة، فإنه سداسيّ، وذاك سباعيّ، وأنه مسلسل بالتحديث، والسماع من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ الشاميّ الدارانيّ، قال: (أَخْبَرَنِي مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ - وَهُوَ رُزَيْقُ بْنُ حَيَّانَ) قال النوويّ - ﵀ -: ذكره البخاريّ، وابن أبي حاتم، والدارقطنيّ، وعبد الغنيّ بن سعيد المصريّ، وابن ماكولا، وغيرهم، من أصحاب "المؤتَلِف" بتقديم الراء المهملة، وهو الموجود في معظم نسخ
_________________
(١) وفي نسخة: "قالوا: قلنا: يا رسول الله".
[ ٣٢ / ٢١٧ ]
"صحيح مسلم"، وقال أبو زرعة الرازيّ، والدمشقيّ: بتقديم الزاي المعجمة، والله أعلم. انتهى (^١).
(أَنَّهُ سَمِعَ مُسْلِمَ بْنَ قَرَظَةَ) بفتح القاف، والراء، وبالظاء المعجمة، (ابْنَ عَمِّ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ) - ﵁ - (يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِيَّ) - ﵁ - (يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ) مبتدأ، خبره قوله: (الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، وَيُحِبُّونَكُمْ)؛ أي: الذين يرفقون بكم، ويعدلون بينكم، فتودّونهم، وتطيعونهم لأجل ذلك، وهم كذلك يودّونكم؛ لأنهم يرون آثار عدلهم باديةً عليكم، ونتائج أعمالهم الصالحة ظاهرةً فيكم، ومن شأن الإنسان أن يُحبّ مشاهدة آثار نفسه، فيحبّ من تتجلّى فيه تلك الآثار؛ لأن ظهورها وبقاءها به، وببقائه. (وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ) قال الأشرف: الصلاة هنا بمعنى الدعاء؛ أي: تَدْعون لهم، ويدعون لكم، يدلّ عليه قوله: "تلعنونهم، ويلعنونكم"، وقال المظهر: أي: يصلّون عليكم إذا مِتّم، وتصلّون عليهم إذا ماتوا عن الطوع والرغبة.
قال الطيبيّ - ﵀ - بعد ذكر القولين: أقول: لعلّ هذا الوجه أَولى، أي: تُحبّونهم، ويُحبّونكم ما دُمتم في قيد الحياة، فإذا جاء الموت يترحّم بعضكم على بعض، وبذكر صاحبه بالخير. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم"؛ أي: تدعون لهم بالمعونة على القيام بالحقّ والعدل، ويدعون لكم بالهداية والإرشاد، وإعانتهم على الخير، وكل فريق يحب الآخر؛ لِمَا بينهم من المواصلة، والتراحم، والشفقة، والقيام بالحقوق، كما كان ذلك في زمن الخلفاء الأربعة - ﵃ -، وفي زمان عمر بن عبد العزيز - ﵀ -، ونقيض ذلك في الشرار؛ لِتَرْك كل فريق منهما القيام بما يجب عليه من الحقوق للآخر، ولاتّباع الأهواء، والْجَوْرِ، والبُخل، والإساءة، فينشأ عن ذلك التباغض، والتَّلاعن، وسائر المفاسد. انتهى (^٣).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٤٤.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦١ - ٢٥٦٢.
(٣) "المفهم" ٤/ ٦٥.
[ ٣٢ / ٢١٨ ]
(وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكُمْ) بضمّ حرف المضارعة، (وَتَلْعَنُونَهُمْ، وَيَلْعَنُونَكُمْ")؛ أي: تدعون عليهم بالطرد من رحمة الله تعالى، ويدعون عليكم بذلك، وأصل اللعن من الله تعالى: هو الطرد والإبعاد من رحمته، ومن الخلق: السبّ والدعاء به. (قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ (^١)، أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟) وفي الرواية السابقة: "أفلا ننابذهم بالسيف؟ "؛ أي: أفلا ننبذ إليهم عهدهم؛ اي: ننقضه، كما قال تعالى: ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، ونخرج عليهم بالسيف، فيكون المجرور متعلقًا بمحذوف دلّ عليه المعنى، وحُذف إيجازًا واختصارًا، قاله القرطبيّ (^٢).
(قَالَ) - ﷺ - ("لَا)؛ أي: لا تنابذوهم (مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ) "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة إقامتهم معكم الصلاة؛ لأنها علة اجتماع الكلمة، ووحدة الصفوف.
وفيه إشعار بتعظيم أمر الصلاة، وأن تَرْكها موجب لنزع اليد من الطاعة، كالكفر على ما سبق في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - في قوله: "إلا أن تروا كفرًا بَوَاحًا" الحديث (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة": ظاهره: ما حافظوا على الصلوات المعهودة بحدودها، وأحكامها، وداموا على ذلك، وأظهروه، وقيل: معناه: ما داموا على كلمة الإسلام؛ كما قد عبَّر بالمصلين عن المسلمين؛ كما قال - ﷺ -: "نُهيتُ عن قتل المصلين"؛ أي: المسلمين، والأوَّل أظهر، وقد تقدَّم التنبيه على ما في هذا الحديث من الأحكام والخلاف (^٤).
وقوله: (لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ) كرّره لتأكيد أهميّتها، (أَلَا) أداة استفتاح وتنبيه، (مَنْ وَلِيَ) بكسر اللام، (عَلَيْهِ وَالٍ، فَرَآهُ يَأْتِي)؛ أي: يفعل
_________________
(١) وفي نسخة: "قالوا: قلنا: يا رسول الله".
(٢) "المفهم" ٤/ ٦٥.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٢.
(٤) "المفهم" ٤/ ٦٥.
[ ٣٢ / ٢١٩ ]
(شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي) أي فليكره الفعل الذي يفعله، وقوله: (مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ) بيان لـ "ما يأتي"، (وَلَا يَنْزِعَنَّ) بكسر الزاي، (يَدًا مِنْ طَاعَةٍ"، قَالَ ابْنُ جَابِرٍ) هو: عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، (فَقُلْتُ - يَعْنِي: لِرُزَيْقٍ - حِينَ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ: آللهِ) بمدّ الهمزة، وأصله: أَوَالله، أبدلوا واو القسم همزةً، ثم أدخلت عليها همزة الاستفهام التقريريّ، فأُبدلت الثانية ألفًا، فصار: آلله (^١). (يَا أَبَا الْمِقْدَامِ) كنية رُزيق بن حيّان، (لَحَدَّثَكَ بِهَذَا - أَوْ) للشكّ من الراوي، (سَمِعْتَ هَذَا مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفًا، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟) إنما نَشَده بالله تعالى توثيقًا لِمَا رواه من الحديث. (قَالَ: فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ) قال النوويّ: هكذا هو في أكثر النسخ: "فجثا" بالثاء المثلثة، وفي بعضها: "فجذا"، بالذال المعجمة، وكلاهما صحيح، فأما بالثاء، فيقال منه: جثا على ركبتيه يجثو، وجثا يجثي، من بابي دعا، ورَمَى جُثُوًّا، وجُثِيًّا بالضمّ فيهما: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وأجثاه غيره، وتَجَاثَوْا على الرُّكَب، وهو جاثٍ، جَمْعه جُثِيٌّ، وجِثِيٌّ، بضم الجيم، وكسرها (^٢).
وأما "جذا" فهو: الجلوس على أطراف أصابع الرجلين، ناصب القدمين، وهو الجاذي، والجمع جِذًا، مثلُ نائم ونِيَام، قال الجمهور: الجاذي أشدّ استيفازًا من الجاثي، وقال أبو عمرو: هما لغتان. انتهى (^٣).
(وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ) إنما استقبل القبلة، وجثا على ركبتيه اهتمامًا برواية الحديث، وإظهارًا لِمَا في قلبه من خطورة رواية الحديث وعظمته. (فَقَالَ) رُزيق، (إِي) بكسر الهمزة، وسكون التحتانيّة: بمعنى: نعم، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ الآية [يونس: ٥٣]، (وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَسَمِعْتُهُ مِنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) زاد في الرواية الآتية في التنبيه: "وحلف على ما سألته أن يحلف عليه، قال ابن جابر: فلم أستحلفه اتّهامًا، ولكن استحلفته استثباتًا"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) راجع: "شرح الشيخ الهرري" ٢٠/ ١١٥.
(٢) راجع: "القاموس المحيط" ص ١٩٣.
(٣) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٤٥.
[ ٣٢ / ٢٢٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عوف بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -، لم يُخرجه من أصحاب الأصول غيره.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٧/ ٤٧٩٥ و٤٧٩٦ و٤٧٩٧ و٤٧٩٨] (١٨٥٥)، و(ابن المبارك) في "مسنده" (١/ ١٤٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٢٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٢٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٦٣) و"مسند الشاميين" (١/ ٣٣٣ و٣٦٨)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٤/ ١٢٨)، و(البزّار) في "مسنده" (٧/ ١٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٨٩)، و(محمد بن نصر) في "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٩٠٩)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنّة" (٢/ ٥٠٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان خيار الأئمة، وهم الذين تحبهم رعيّتهم، ويحبّونهم، وشرارهم، وهم الذين يكونون بعكس ذلك.
٢ - (ومنها): بيان قَدْر عِظَم الصلاة، فإن الأئمة، وإن كانوا ضدّ رعيّتهم، إلا أنه لا يجوز لأحد أن يخرج عليهم ما داموا يقيمون الصلاة.
٣ - (ومنها): وجوب إنكار المنكر على ولاة الأمور، ولكن لا يُبيح ذلك نزع اليد من الطاعة، بل يجب الصبر عليهم.
٤ - (ومنها): التثبّت في سماع من يؤخذ عنه العلم، هل سمع ذلك من شيخه، وشافهه به، فإن ابن جابر ناشد رزيقًا بالله في سماعه لهذا الحديث من مسلم، وسماع مسلم، من عوف، وسماع عوف من النبيّ - ﷺ -، كلّ ذلك استيثاقًا لاتصال السند، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ، وَقَالَ: رُزَيْقٌ مَوْلَى بَنِي فَزَارَةَ).
[ ٣٢ / ٢٢١ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ) الْخطميّ، أبو موسى المدنيّ، قاضي نيسابور، ثقةٌ متقنٌ [١٠] (ت ٢٤٤) (م ت س ق) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَقَالَ: رُزَيْقٌ مَوْلَى بَنِي فزَارَةَ) هذا هو الفرق بين روايتي الوليد هذه، والسابقة، فإنه قال في الأولى: "أخبرني مولى بني فزارة"، ولم يقل: "رزيق"، وأما ما تقدّم من قوله: "وهو رُزيق بن حيّان"، فملحق من أحد الرواة، ويَحتمل أن يكون من مسلم، وأما هنا فقال: "حدّثني رُزيق مولى بني فزارة"، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية الوليد، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧١٨٢) - حدّثنا عليّ بن سهل الرمليّ، قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، قال: حدّثني رُزيق مولى بني فزارة، قال: سمعت مسلم بن قرظة الأشجعي يقول: سمعت عمي عوف بن مالك - ﵁ - يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "خياركم أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، وتصلّون عليهم، ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم"، قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ فقال: "لا، ما أقاموا فيكم الصلاة - مرّتين - ألا مَن وَلِيَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله - ﷿ -، فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنّ يدًا من طاعة"، قال الوليد: قال ابن جابر: قلت لرزيق حين حدّثني بهذا الحديث: بالله يا أبا مقدام، سمعت مسلم بن قرظة يقول: سمعت عمي عوف بن مالك يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول؟، قال: فجثا رزيق على ركبته، واستقبل القبلة، وحلف على ما سألته أن يحلف عليه، قال ابن جابر: فلم أستحلفه اتّهامًا، ولكن استحلفته استثباتًا. انتهى (^١).
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٢٤.
[ ٣٢ / ٢٢٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٩٨] (. . .) - (قَالَ مُسْلِمٌ: وَرَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ قَرَظَةَ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحِ) بن حُدَير الْحَضْرميّ، أبو عمرو، أو أبو عبد الرحمن الْحِمْصيّ، قاضي الأندلس، ثقة له أفرادٌ [٥] (ت) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
٢ - (رَبِيعَةُ بْنُ يَزِيدَ) الدمشقيّ، أبو شعيب الإياديّ القصير، ثقةٌ عابدٌ [٤] (ت ١ أو ١٢٣) (ع) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٥٩.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الحديث أحد الأحاديث التي وقعت في "صحيح مسلم" منقطعة، وهي بضعة عشر حديثًا (^١)، كما أسلفناها في مقدّمة هذا الشرح، قال الحافظ أبو الحسين رشيد الدين العطّار - ﵀ - في "فوائده": الحديث الثالث عشر، أخرج مسلم في "كتاب الإمارة" حديث مسلم بن قَرَظة، عن عوف بن مالك - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ - قال: "خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم. . ." الحديث، فأورده من طريقين متصلين، عن رُزيق بن حَيّان، عن مسلم بن قَرَظة بإسناده الذي ذكرناه، ثم قال عقبه: ورواه معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن مسلم بن قَرَظة، عن عوف، عن النبيّ - ﷺ -.
وهذا الحديث متصل في كتاب مسلم كما بيَّناه، وذِكْرُ المتابعة بعد إيراده متصلًا يؤيده، ولا يوهنه، كما قدمناه، والله أعلم (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه الحافظ رشيد الدين - ﵀ - في هذا الكلام أن هذا الحديث عند مسلم - ﵀ - معلّق، حيث لم يذكر الواسطة بينه وبين معاوية بن صالح، وهذا مخالف لمنهج كتابه، حيث إنه التزم أن لا يورد فيه إلا ما كان صحيحًا متّصل الإسناد، خاليًا من العلل.
_________________
(١) تقدّم هذا البحث مستوفًى في "قرّة عين المحتاج شرح مقدّمة صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج" ١/ ٨٧ - ١٤١.
(٢) "غرر الفوائد" ١/ ١٧٦ - ١٧٨.
[ ٣٢ / ٢٢٣ ]
وحاصل الجواب أن هذا لا يُخالف منهجه؛ لأنه روى الحديث أوّلًا بإسنادين متّصلين صحيحين، ثم ذكر هذا متابعًا للإسنادين، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فالحديث صحيح متّصلٌ، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه آخر]: رواية معاوية بن صالح، عن مسلم بن قرظة هذه ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٥٨٩) - أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة، قال: حدّثنا حرملة بن يحيى، قال: حدّثنا ابن وهب، قال: حدّثني معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن مسلم بن قَرَظة، عن عوف بن مالك الأشجعيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "خياركم وخيار أئمتكم الذين تحبونهم، ويحبونكم، ويصلّون عليكم، وتصلّون عليهم، وشراركم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم، ويبغضونكم، وتلعنونهم، ويلعنونكم"، قيل: أفلا ننابذهم يا رسول الله؟ قال: "لا، ما أقاموا الصلوات الخمس، ألا ومَن له والٍ، فيراه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزع يدًا من طاعته". انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.