أنه من سُباعيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمصريين غير بُسر، فمدنيّ، وجُنادة، فشاميّ، والصحابيّ، فمدنيّ، ثم شاميّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: بكير، عن بسر، عن جنادة، ورواية الأخيرين من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ بُسْرِ) بضمّ الموحّدة، وسكون المهملة، (ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ) بضمّ الجيم، وتخفيف النون، (ابْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) ووقع عند الإسماعيليّ، من طريق عثمان بن صالح: حدّثنا ابن وهب، أخبرني عمرو، أن بكيرًا حدّثه، أن بسر بن سعيد حدّثه، أن جُنادة حدّثه. (قَالَ) جُنادة (دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - ﵁ - (وَهُوَ مَرِيضٌ) جملة حاليّة، (فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ) وفي رواية البخاريّ: "فقلنا: أصلحك الله، حدّث بحديث"، قال في "الفتح": وقولهم: "أصلحك الله" يَحْتَمِل أنه أراد الدعاء له بالصلاح في جسمه؛ ليُعافَى من مرضه، أو أعمّ من ذلك، وهي كلمة اعتادوها عند افتتاح الطلب (^١)، وقوله: (يَنْفَعُ اللهُ بِهِ) جملة في محلّ جرّ صفة لـ "حديثٍ"، وفي رواية البخاريّ: "ينفعك الله به"؛ أي: ينفعك الله بأجر تحديثك به. (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -،
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٣٩، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٥).
[ ٣٢ / ١٠١ ]
فَقَالَ) عبادة - ﵁ - (دَعَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: ليلة العقبة، وهي عقبة منى، (فَبَايَعْنَاهُ) وفي بعض النسخ: "فبايعنا"، وتقدّم معنى المبايعة قريبًا. (فَكَانَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا)؛ أي: فيما اشترطه علينا من الشروط، (أَنْ بَايَعَنَا) بفتح العين، والفاعل ضمير النبيّ - ﷺ -، و"نا" مفعول به، (عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ)؛ أي: على أن نسمع قوله، ونطيع أمره.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع. . . إلخ" عدّاه بـ "على" لتضمّنه معنى عاهد، و"على" في قوله: "على أثرة" ليست بصلة المبايعة، بل هي متعلّقة بمقدّر؛ أي: بايعناه على أن نصبر على أثرة علينا، قال: وقال البيضاويّ: "بايعنا"؛ أي: عاهدنا بالتزام السمع والطاعة في حالَتَي الشدّة والرخاء، وتارَتَي الضرّاء والسرّاء، وإنما عبّر عنه بصيغة المفاعلة؛ للمبالغة، أو للإيذان بأنه التزم لهم أيضًا بالأجر والثواب، والشفاعة يوم الحساب على القيام بما التزموا. انتهى (^١).
(فِي مَنْشَطِنَا) بفتح الميم، والشين المعجمة، وسكون النون بينهما، (وَمَكْرَهِنَا) بوزن ما قبله؛ أي: في حالة نشاطنا، وفي الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: "المنشط"، و"المكره" مَفْعَلان من النشاط، والكراهة للمحلّ؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، أو الزمان؛ أي: في زماني انشراح صدورهم، وطيب قلوبهم، وما يُضادّ ذلك. انتهى (^٢).
ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقة في الخروج؛ ليطابق قوله: منشطنا، قال الحافظ: ويؤيده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد بن رفاعة، عن عبادة عند أحمد: "في النشاط، والكسل" (^٣). (وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا) وفي رواية إسماعيل بن عبيد: "وعلى النفقة في العسر واليسر"، وزاد: "وعلى الأمر
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٥٩.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٥٩ - ٢٥٦٠.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٤٣٩، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٥).
[ ٣٢ / ١٠٢ ]
بالمعروف، والنهي عن المنكر". (وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا) بفتح الهمزة، والمثلّثة، أو بضمّ، فسكون، أو بكسر، فسكون، والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم، بل عليهم الطاعة، ولو مَنَعهم حقهم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وكأنَّ هذا القول خاصٌّ بالأنصار، وقد ظهر أثر ذلك يوم حنين، حيث آثر النبيّ - ﷺ - قريشًا بالفيء، ولم يُعْط الأنصار شيئًا، فجرى من الحديث ما تقدّم في "كتاب الزكاة"، وهناك قال لهم - ﷺ -: "اصبروا حتى تلقوني على الحوض"، فقالوا: سنصبر إن شاء الله، وفيه أيضًا تنبيه لهم على أن الخلافة في غيرهم، وقد صرّح بذلك في قوله: "وعلى ألا ننازع الأمر أهله"، وكذلك فعلوا لَمّا عَلِموا أهلية أبي بكر - ﵁ - للخلافة، أذعنوا، وسلّموا، وسمعوا، وأطاعوا. انتهى (^١).
(وَأَنْ لَا نُنَازِعَ) وفي بعض النسخ: "ولا ننازع" بحذف "أن". (الأَمْرَ)؛ أي: الملك والإمارة، (أَهْلَهُ) زاد في رواية أحمد: "وإن رأيت أن لك"؛ أي: وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقًّا فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع، وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد عند ابن حبان وأحمد أيضًا: "وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك".
(قَالَ) - ﷺ - مستثنيًا الحالة التي تبيح الخروج على الأئمّة ("إِلَّا أَنْ تَرَوْا)؛ أي: تعلموا منهم (كُفْرًا بَوَاحًا) بموحّدة، ومهملة، قال الخطابيّ - ﵀ -: يريد: كفرًا ظاهرًا باديًا، من قولهم: باح بالشيء يبوح به بَوْحًا، وبَوَاحًا: إذا أذاعه، وأظهره، وأنكر ثابت في "الدلائل": بَوَاحًا، وقال: إنما يجوز بَوْحًا بسكون الواو، وبُؤاحًا بضم أوله، ثم همزة ممدودة، وقال الخطابيّ - ﵀ -: من رواه بالراء فهو قريب من هذا المعنى، وأصل البراح: الأرض القفراء التي لا أنيس فيها، ولا بناء، وقيل: البراح: البيان، يقال: بَرَح الخفاءُ: إذا ظهر، وقال النوويّ: هو في معظم النسخ من مسلم بالواو، وفي بعضها بالراء.
قال في "الفتح": ووقع عند الطبرانيّ من رواية أحمد بن صالح، عن ابن وهب في هذا الحديث: "كفرًا صُرَاحًا" بصاد مهملة مضمومة، ثم راء، ووقع
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٥.
[ ٣٢ / ١٠٣ ]
في رواية حبان أبي النضر: "إلا أن يكون معصية لله بَوَاحًا"، وعند أحمد من طريق عُمير بن هانئ، عن جُنادة: "ما لم يأمروك بإثم بواحًا"، وفي رواية إسماعيل بن عُبيد، عند أحمد، والطبرانيّ، والحاكم، من روايته عن أبيه، عن عبادة: "سَيَلي أموركم من بعدي رجال، يُعَرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تَعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله"، وعند أبي بكر بن أبي شيبة، من طريق أزهر بن عبد الله، عن عبادة، رفعه: "سيكون عليكم أمراء، يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة". انتهى (^١).
(عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ")؛ أي: حجة بيّنة، وأَمْر لا شكّ فيه يحصل به اليقين أنه كفرٌ، فحينئذٍ يجب أن يُخلَع مَن عُقدت له البيعة.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "برهان" مبتدأ، و"عندكم" خبره، و"من الله" متعلّق بالظرف، أو حال من المستتر في الظرف؛ أي: بُرهان حاصلٌ عندكم، كائنًا من الله؛ أي: من دين الله. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": قوله: "عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ"؛ أي: نصُّ آية، أو خبر صحيح، لا يَحتَمِل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يَحتمل التأويل، قال النوويّ: المراد بالكفر هنا: المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكرًا محقّقًا، تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم، وقولوا بالحقّ حيثما كنتم. انتهى.
وقال غيره: المراد بالإثم هنا: المعصية والكفر، فلا يُعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر.
قال الحافظ: والذي يظهر حَمْل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدَح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدَح في الولاية
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٣٩، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٥).
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٠.
[ ٣٢ / ١٠٤ ]
نازعه في المعصية، بأن يُنكر عليه برفق، ويتوصل إلى تثبيت الحقّ له بغير عُنف، ومحل ذلك إذا كان قادرًا، والله أعلم.
ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قُدر على خلعه بغير فتنة، ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع، إلا أن يَكْفُر، فيجب الخروج عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى بيان مسائله قبل حديثين، ولله الحمد والمنّة.
[خاتمة] نختم بها هذا الباب: قد كتب صاحب "تكملة فتح الملهم" هنا فائدة مهمّة، أحببت إيرادها هنا؛ لأهمّيتها، قال: قوله: "إنما الطاعة في المعروف" قد ثبت بأحاديث الباب مبدءان عظيمان من مبادئ السياسة الإسلاميّة، استعملها الفقهاء في كثير من المسائل:
الأول: مبدأ طاعة الأمير، وأن المسلم يجب عليه أن يطيع أميره في الأمور المباحة، فإن أَمَر بفعل مباح، وجبت مباشرته، وإن نهى عن أمر مباح حرُم ارتكابه؛ لأن الله - ﷾ - قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فلو كان المراد من طاعة أولي الأمر طاعتهم في الواجبات الشرعيّة فحسب، لَمَا كان هناك داع لاستقلالهم بالذِّكر في هذه الآية؛ لأن طاعتهم في الواجبات الشرعيّة ليست طاعة لأولي الأمر، وإنما هي طاعة لله تعالى، ورسوله - ﷺ -، فلمّا أفردهم الله تعالى بالذِّكر ظَهَر أن المراد طاعتهم في الأمور المباحة.
ومن هنا صرّح الفقهاء بأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، قال ابن عابدين في "باب الاستسقاء" من "ردّ المحتار" (١/ ٧٩٢): إذا أمر الإمام بالصيام في غير الأيام المنهية وَجَب؛ لأن طاعة الإمام فيما ليس بمعصية واجبة، وحكى ابنه علاء الدين عن البيريّ أن الحاكم لو أمر أهل بلدة بصيام أيام بسبب الغلاء، أو الوباء وجب امتثال أمره، راجع: "قرّة عيون الأخيار" (٢/ ٥٤).
ولكن هذه الطاعة كما أنها مشروطة بكون أَمْر الحاكم غير معصية، فإنها
[ ٣٢ / ١٠٥ ]
مشروطة أيضًا بكون الأمر صادرًا عن مصلحة، لا عن هوى، أو ظلم؛ لأن الحاكم لا يطاع لذاته، وإنما يطاع من حيث إنه مُتَوَلٍّ لمصالح العامّة، فإن أمر بشيء اتباعًا لهوى نفسه دون نَظَرٍ إلى مصالح المسلمين، فإنه أمْر صَدَر من ذاته وشخصه، لا من حيث كونه حاكمًا، فلا يقع بمثابة أوامره من حيث كونه حاكمًا، ولذلك قال الفقهاء: تصرّف الإمام على الرعيّة منوط بالمصلحة.
فال الجامع عفا الله عنه: قوله: "ولكن هذه الطاعة. . . إلخ" لا يخفى ما فيه لمن تأمله، فإن قوله في الحديث: "في منشطنا، ومكرهنا، وفي أثرة علينا"، يخالفه تمامًا، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم.
قال: وتفريعًا على هذا المبدأ قرّر الفقهاء أن حكم الحاكم رافع للخلاف في الأمور المجتهَد فيها، فمتى صادف أمره فصلًا مجتهَدًا فيه نفذ، ووجب اتّباعه، ولو كان الرجل لا يرى رأيه في تلك المسألة، ولذا لمّا أَمَر هارون الرشيد أبا يوسف ومحمدًا أن يكبّرا في العيدين بتكبيرة جدّه امتثلا أمره، مع أنهما لا يريان التكبيرات الزوائد على الستّ (^١).
وأما المبدأ الثاني: فهو لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا يُطاع أمير، ولا إمام إن أمر بما هو معصيةٌ، وإن هذا المبدأ لو عُمِل به في بلاد المسلمين اليوم لأغنى عن كثير من الإضرابات، والاضطرابات الجارية في كثير من البلدان، ولاضطرّت به الحكومات إلى تطبيق الشريعة الإسلاميّة في جميع نواحي الحياة، فلو امتنع القضاة عن إصدار حكم لا يوافق شرع الله، وامتنع الموظّفون من امتثال الأوامر المصادمة لأوامر الله، وامتنع أصحاب البنوك من التمويل على أساس الربا المحرّم شرعًا، وامتنع العامّة من إيداع أموالهم في البنوك الربويّة، وامتنع كل مسلم من الخضوع للأحكام المصادمة للشريعة الغراء، لاضطرّت الحكومات إلى إلغاء القوانين الوضعيّة التي لا توافق الشريعة الإسلاميّة.
وهذا هو الطريق المشروع للضغط على الحكومات في سبيل إقامة
_________________
(١) راجع: "ردّ المحتار" ١/ ٧٨.
[ ٣٢ / ١٠٦ ]
شرع الله، وتطبيق أحكامه، وأما ما تعلّمه الناس من الغرب من وسائل الضغط على الحكومات، كالإضرابات، والمظاهرات، وسدّ الشوارع، وسفك الدماء، وتخريب العمران، فليس من الإسلام بشيء. انتهى كلامه بنوع اختصار (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد صاحب "التكملة" في هذا البحث، وأفاد، لو وجد أُذنًا صاغية، وقلوبًا واعية، ولكن هيهات هيهات.
لَقَدْ أَسْمَعْتَ لَوْ نَادَيتَ … حَيًّا وَلَكِنْ لَا حَيَاةَ لِمَنْ تُنَادِي
وَلَوْ نَارًا نَفَخْتَ بِهَا أَضَاءَتْ … وَلَكِنْ أَنْتَ تَنْفُخُ فِي الرَّمَادِ
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.