أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٤١) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ) بن عبد الله - ﵄ -، أنه (قَالَ: كُنَّا) معاشر الصحابة (يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) تقدّم بيان اختلاف الروايات، ووجه الجمع بينها في حديث أول الباب.
(فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ") هذا صريح في فضل أصحاب الشجرة، فقد كان من المسلمين إذ ذاك جماعة بمكة، وبالمدينة، وبغيرهما، وعند أحمد بإسناد حسن عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: لما كان بالحديبية، قال النبيّ - ﷺ -: "لا توقدوا نارًا بليل"، فلما كان بعد ذلك قال: "أوقدوا، واصطنعوا، فإنه لا يدرك قوم بعدكم صاعكم، ولا مُدّكم"، وعند مسلم من حديث جابر - ﵁ - مرفوعًا: "لا يدخل النار من شهد بدرًا، والحديبية"، وروى مسلم أيضًا من حديث أم مبشر، أنها سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "لا يدخل النار أحد من أصحاب الشجرة".
[ ٣٢ / ٢٣٥ ]
وتمسك به بعض الشيعة في تفضيل عليّ على عثمان؛ لأن عليًّا كان من جملة من خوطب بذلك، وممن بايع تحت الشجرة، وكان عثمان حينئذ غائبًا.
ورُدّ عليهم بأن النبيّ - ﷺ - بايع عنه، فاستوى معهم عثمان في الخيرية المذكورة، ولم يقصد في الحديث إلى تفضيل بعضهم على بعض.
واستُدِلّ به أيضًا على أن الخضر ليس بحيّ؛ لأنه لو كان حيًّا مع ثبوت كونه نبيًّا للزم تفضيل غير النبيّ على النبيّ، وهو باطل، فدلّ على أنه ليس بحيّ حينئذٍ.
وأجاب من زعم أنه حيّ باحتمال أن يكون حينئذٍ حاضرًا معهم، ولم يقصد إلى تفضيل بعضهم على بعض، أو لم يكن على وجه الأرض، بل كان في البحر، والثاني جواب ساقط.
وعَكَس ابن التين، فاستَدَلَّ به على أن الخضر ليس بنبيّ، فبنى الأمر على أنه حيّ، وأنه دخل في عموم مَن فَضَّل النبيّ - ﷺ - أهل الشجرة عليهم، قال الحافظ: وقد قدمنا الأدلة الواضحة على ثبوت نبوة الخضر في أحاديث الأنبياء.
وأغرب ابن التين، فجزم أن إلياس ليس بنبيّ، وبناه على قول مَن زعم أنه أيضًا حيّ، وهو ضعيف، أعني كونه حيًّا، وأما كونه ليس بنبي فنفيٌ باطل، ففي القرآن العظيم: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ [الصافات]، فكيف يكون أحد من بني آدم مرسَلًا، وليس بنبيّ؟ انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: كون الخضر نبيًّا هو الحقّ الذي دلّت عليه ظواهر النصوص، وكذلك موته هو الحقّ أيضًا، وسيأتي البحث في ذلك مستوفًى في "كتاب الفضائل" - إن شاء الله تعالى -.
(وَقَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ) إنما قال ذلك لأنه عَمِي في آخر عمره، (لأَرَيْتُكُمْ مَوْضِعَ الشَّجَرَةِ) هذا قاله جابر - ﵁ - ظنًّا منه أنه لا يزال يعرفها، لكن سيأتي عن سعيد بن الْمُسيِّب عن أبيه أنه قال: "فانطلقنا حاجِّين، فخفي علينا مكانها"، وفي لفظ: "فَنَسُوْها من العام المقبل"، وفي لفظ: "ثم
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٦١ - ٢٦٢، كتاب "المغازي" رقم (٤١٥٣).
[ ٣٢ / ٢٣٦ ]
أتيتها بعدُ، فلم أعرفها، ويَحْتَمل أن يكون جابر اختصّ بمعرفتها دون غيره، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله أوّل الباب، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ) بن عبد الله بن طارق الْجَمَليّ المراديّ الأعمى، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ، كان لا يدلّس، ورُمي بالإرجاء [٥] (ت ١١٨) أو قبلها (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٥/ ٤٥٢.
٢ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ) رافع الْغَطَفانيّ الأشجعيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ كان يرسل كثيرًا [٣] (٧ أو ٩٨) وقيل: مائة، أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الحيض" ٨/ ٧٢٨.
و"جابر - ﵁ -" ذُكر قبله، والباقون تقدّموا قريبًا.
وقوله: (قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ) هذا مختصر من الحديث الصحيح في بئر الحديبية، ومعناه أن الصحابة - ﵃ - لَمّا وصلوا الحديبية وجدوا بئرها إنما تَنِزّ مثل الشِّراك، فبسق النبيّ - ﷺ - فيها، ودعا فيها بالبركة، فجاشت، فهي إحدى المعجزات لرسول الله - ﷺ -، فكأن السائل في هذا الحديث عَلِمَ أصل الحديث، والمعجزة في تكثير الماء، وغير ذلك مما جرى فيها، ولم يَعْلَم عددهم، فقال جابر: كنا ألفًا وخمسمائة، ولو كنا مائة ألف أو أكثر لكفانا.
وقوله في الرواية التي قبل هذه: "دعا على بئر الحديبية"؛ أي: دعا فيها بالبركة. انتهى (^١).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤ - ٥.
[ ٣٢ / ٢٣٧ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٠٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْنِي: الطَّحَّانَ - كِلَاهُمَا يَقُولُ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ) بن الحكم، أبو سعيد الواسطيّ، مقبول [١٠] (م) تقدم في "الجمعة" ١٣/ ١٩٩٩، من أفراد المصنّف.
٣ - (خَالِدٌ الطَّحَّانُ) هو: خالد بن عبد الله الطحّان الواسطيّ، تقدّم قبل بابين.
٤ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرحمن السّلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر بآخره [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: هذه الرواية مختصرة من حديث جابر - ﵁ -، وقد ساقها البخاريّ - ﵀ - مطوّلةً، فقال:
(٣٥٧٦) - حدّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدّثنا حُصين، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: عَطِشَ الناس يوم الحديبية، والنبيّ - ﷺ - بين يديه رِكْوَةٌ، فتوضأ، فَجَهِشَ الناسُ نحوه، فقال: "ما لكم؟ " قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ، ولا نشرب، إلا ما بين يديك، فوضع يده في الرِّكْوة، فجعل الماء يثور بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا، وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة. انتهى (^١).
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٣١٠.
[ ٣٢ / ٢٣٨ ]
ثم ظاهر هذا الحديث أن المعجزة وقعت بفوران الماء من بين أصابع النبيّ - ﷺ -، ولكن وقع في حديث البراء - ﵁ - عند البخاريّ ما يدلّ على أن النبيّ - ﷺ - صبّ ماء وضوئه في البئر، فكثُر الماء فيها.
وجَمَع ابن حبّان بينهما بأن ذلك وقع مرتين.
ويَحْتَمل أن يكون الماء لَمّا تفجّر من بين أصابعه - ﷺ -، ويده في الركوة، وتوضأوا كلّهم، وشرِبوا أَمَر حينئذ بصبّ الماء الذي بقي في الركوة في البئر، فتكاثر الماء فيها.
ووقع في رواية أبي الأسود، عن عروة، عند البيهقيّ في "دلائل النبوّة" أنه - ﷺ - أمر بسهم، فوُضع في قعر البئر، فجاشت بالماء، قاله في "الفتح" (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٠٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قُلْتُ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد، تقدّم قريبًا.
٤ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ) نَصب "ألفًا" خبرًا لـ "كان" المحذوفة؛ أي: كنّا ألفًا وأربعمائة، وهذا العدد يخالف العدد المذكور في الحديث الذي قبله، ويُجمع بأنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، فمن اقتصر عليها ألغى الكسر، ومن قال:
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٦٠.
[ ٣٢ / ٢٣٩ ]
ألفًا وخمسمائة جَبَره، ومن العلماء من سلك مسلك الترجيح، كالبيهقيّ، فرجّح رواية: "كنا ألفًا وخمسمائة"؛ لكثرة رواتها، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: هذه الرواية أيضًا مختصرة، ساقها البخاريّ - ﵀ - في "الأشربة" من صحيحه" مطوّلةً، فقال:
(٥٦٣٩) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: حدّثني سالم بن أبي الجعد، عن جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا الحديث قال: قد رأيتني مع النبيّ - ﷺ -، وقد حضرت العصر، وليس معنا ماء، غير فَضْلة، فَجُعِل في إناء، فأُتي النبيّ - ﷺ - به، فأدخل يده فيه، وفَرَّج أصابعه، ثم قال: "حَيَّ على أهل الوضوء، البركة من الله"، فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه، فتوضأ الناس، وشربوا، فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه، فعلمت أنه بركة، قلت لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: ألفًا وأربعمائة. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٠٧] (١٨٥٧) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي: ابْنَ مُرَّةَ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ، وَكَانَتْ أَسْلَمُ ثُمُنَ الْمُهَاجِرِينَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ) العنبريّ البصريّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر العنبريّ البصريّ، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلميّ الصحابيّ ابن الصحابيّ (^٢)، وفي "الصحيح" أنه قال: "غزوت مع النبيّ - ﷺ - ستّ غزوات، نأكل الجراد"، وشَهِد الحديبية، وعُمّر بعد النبيّ - ﷺ - دهرًا، ومات - ﵁ - سنة (٨٧)، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة - ﵃ -، تقدم في "الصلاة" ٤١/ ١٠٧٢.
والباقيان ذُكرا قبل حديثين.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ" ٥/ ٢١٣٥.
(٢) راجع: "الإصابة" ٤/ ١٦ و٤٥٣.
[ ٣٢ / ٢٤٠ ]