أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه قيل فيه: إن أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ -: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "إِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ) بضم الجيم، وتشديد النون، قال النوويّ - ﵀ -: أي: كالترس؛ لأنه يَمنع العدوّ من أذى المسلمين، ويمنع الناس بعضهم من بعض، ويَحمي بيضة الإسلام، ويتّقيه الناس، ويخافون سطوته. انتهى (^١).
وقال الخطابيّ - ﵀ -: معناه أن الإمام هو الذي يَعْقِد العهد والهدنة بين المسلمين، وبين أهل الشرك، فإذا رأى ذلك صلاحًا لهم، وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يُجيزوا أمانه لهم، ومعنى الْجُنّة: العصمة، والوقاية، وليس لغير الإمام أن يَجعل لأمّة بأسرها من الكفار أمانًا. انتهى (^٢).
وقال السيوطيّ في "الديباج": قوله: "جُنّةٌ"؛ أي: ساتر لمن خلفه، ومانع لخلل يَعْرِض لصلاتهم بسهو، أو مرور مارّ، كالْجُنّة، وهي التُّرْس الذي يَستُر مَن وراءه، ويمنع من وصول المكروه إليه. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": قوله: "إنما الإمام جُنّة" بضم الجيم؛ أي: سترة؛ لأنه يمنع العدوّ من أذى المسلمين، ويكُفّ أذى بعضهم عن بعض، والمراد بالإمام: كلّ قائم بأمور الناس، والله أعلم. انتهى (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٠.
(٢) "عون المعبود" ٧/ ٣١٠.
(٣) "الديباج على مسلم" ٢/ ١٤٢.
(٤) "الفتح" ٧/ ٢١٥ - ٢١٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٩٥٨).
[ ٣٢ / ١٠٨ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "إنما الإمام جُنَّة": الْمِجَنُّ، والْجُنَّةُ، والْجَانُّ، والْجَنَّةُ، والْجِنَّةُ: كله راجع إلى معنى السِّتر، والتَّوَقِّي؛ يعني: أنه يُتَّقى بنظره، ورأيه في الأمور العظام، والوقائع الخطيرة، ولا يُتَقدّم على رأيه، ولا يُنفرد دونه بأمر مهمّ حتى يكون هو الذي يَشْرَع في ذلك. انتهى (^١).
(يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يقاتَل معه الكفّار، والبُغاة، والخوارج، وسائر أهل الفساد والظلم مطلقًا.
وقال في "الفتح": قوله: "يُقاتل من ورائه" بفتح المثناة، والمراد به: المقاتلة للدفع عن الإمام، سواء كان ذلك من خلفه حقيقةً، أو قُدّامه، ووراء يُطلق على المعنيين. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "يُقاتَل من ورائه"؛ أي: أمامه، ووراء من الأضداد، يقال: بمعنى: خلف، وبمعنى: أمام، وعلى هذا حَمَل أكثر المفسرين قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: ٧٩]؛ أي: أمامهم، وأنشدوا قول الشاعر [من الطويل]:
أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَانَ سَمْعِي وَطَاعَتِي … وَقَوْمِي تَمِيمٌ وَالْفَلَاةُ وَرَائِيَا؟!
وأصله: أن كل ما توارى عنك؛ أي: غاب، فهو وراء، وهذا خبرٌ منه - ﷺ - عن المشروعية، فكأنه قال: الذي يجب، أو يتعيَّن أن يقاتل أمام الإمام، ولا يترك يباشر القتال بنفسه؛ لِمَا فيه من تعرّضه للهلاك؛ فيهلك كل من معه، ويكفي دليلًا في هذا المعنى تغبية (^٣) رسولِ الله - ﷺ - أصحابُهُ يوم بدر وغيره، فإنه - ﷺ - كان في العريش، في القلب، والمقاتِلة أمامه.
وقد تضمَّن هذا اللفظ - على إيجازه - أمرين:
أحدهما: أن الإمام يُقتدى برأيه، ويُقاتَل بين يديه، فهما خبران عن أمرين متغايرين، وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث، على أن ظاهره أنه يكون أمامَ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٥.
(٢) "الفتح" ٧/ ٢١٥ - ٢١٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٩٥٧).
(٣) هكذا النسخة بالغين المعجمة، والظاهر أنه مِنْ غبَّى بمعنى أخفى، فيكون من إضافة المصدر إلى مفعوله، ورفع الفاعل، وهو "أصحابُهُ"، والله تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ١٠٩ ]
الناس في القتال وغيره، وليس الأمر كذلك، بل كما بينَّاه، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال السنديّ - ﵀ -: قيل: المراد أنه يقاتَل قُدّامه، فـ "وراءه" ههنا بمعنى: "أمام"، ولا يُترك يباشر القتال بنفسه؛ لِمَا فيه من تعرّضه للهلاك، وفيه هلاك الكلّ، قال: وهذا لا يناسب التشبيه بالْجُنّة، مع كونه خلاف ظاهر اللفظ في نفسه، فالوجه أن المراد: أنه يُقاتَل على وِفْق رأيه، وأَمْره، ولا يُختلَف عليه في القتال، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله السنديّ - ﵀ - في معنى "من ورائه" حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَيُتَّقَى بِهِ)؛ أي: يُعتصم برأيه، أو يَلتجئ إليه من يَحتاج إلى ذلك، وقال ابن الأثير - ﵀ -: أي: يُدفَع به العدوّ، ويُتَّقَى بقوّته، والتاء فيها مبدلة من الواو؛ لأن أصلها من الوقاية، وتقديرها اوْتَقَى، فقُلبت، وأدغمت، فلمَّا كَثُر استعماله توهّموا أن التاء من نفس الحرف، فقالوا: اتَقَى يَتَقِي بفتح التاء فيهما، وربما قالوا: تَقَى يَتْقِي، مثلُ رَمَى يَرْمِي. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "ويُتّقَى به" بيان لقوله: "يُقاتَلُ من ورائه"، والبيان مع المبيّن تفسير لقوله: "إنما الإمام جنّةٌ". انتهى (^٣).
(فَإِنْ أَمَرَ) الإمام (بِتَقْوَى اللهِ - ﷿ -، وَعَدَلَ)؛ أي: في حكمه، (كَانَ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرٌ) التنوين للتعظيم؛ أي: أجر عظيم، وقال القرطبيّ (^٤): أي: أجر عظيم، فَسَكَتَ عن الصفة؛ للعلم بها، وقد دلّ على ذلك ما تقدَّم من قوله - ﷺ -: "إن المقسطين على منابر من نور"، وقوله في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: "وإمام عادلٌ"، متّفقٌ عليه.
(وَإِنْ يَأْمُرْ بِغَيْرِهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْهُ") قال القرطبيّ - ﵀ -: أي: إنْ يأمر بِجَور كان عليه الحظّ الأكبر من إثم الجور، و"من" هنا للتبعيض؛ أي: لا يختص هو بالإثم، بل الْمُنَفِّذ لذلك الْجَوْر يكون عليه أيضًا حظه من الإثم، والراضي به،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٦.
(٢) "النهاية في غريب الأثر" ١/ ١٩٢.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٥٧.
(٤) "المفهم" ٤/ ٢٦.
[ ٣٢ / ١١٠ ]
فالكل يشتركون في إثم الْجَوْر، غير أن الإمام أعظمهم حظًّا منه؛ لأنه مُمْضِيه، وَحَامِلٌ عليه. انتهى (^١).
ولفظ البخاريّ: "وإن قال بغيره، فإن عليه منه"، قال في "الفتح": قيل: استَعْمَل القول بمعنى الفعل، حيث قال: فإن قال بغيره، كذا قال بعض الشرّاح، وليس بظاهر، فإنه قسيم قوله: "فإن أَمَر" فيُحْمَل على أن المراد: "وإن أَمَر"، والتعبير عن الأمر بالقول لا إشكال فيه، وقيل: معنى قال هنا: حَكَمَ، ثم قيل: إنه مشتقّ من القَيْل، بفتح القاف، وسكون التحتانية، وهو الْمَلِك الذي يُنَفَّذ حكمه، بلغة حِمْيَر.
وقوله: "فإن عليه منه"؛ أي: وزرًا، وحُذِف في هذه الرواية على طريق الاكتفاء؛ لدلالة مقابله عليه، وقد ثبت في غير هذه الرواية، ويَحْتَمِل أن يكون "من" في قوله: "فإن عليه منه" تبعيضية؛ أي فإن عليه بعض ما يقول، وفي رواية أبي زيد المروزيّ: "مُنّة" بضم الميم، وتشديد النون، بعدها هاء تأنيث، وهو تصحيف بلا ريب، وبالأول جزم أبو ذَرّ. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "وإن قال بغيره": قال في "شرح السنّة": أي: حَكَم، يقال: قال الرجل: إذا حكم، ومنه الْقَيْلُ، وهو المَلِك الذي يُنفّذ قوله وحُكمه.
وقال التوربشتيّ: "قال بغيره"؛ أي: أحبّه، وأخذ به إيثارًا له، وميلًا إليه، وذلك مثل قولك: فلان يقول بالقَدَر، ونحو ذلك، فالمعنى: أنه يحبّه، ويؤثره.
وقال البيضاويّ: "قال بغيره"؛ أي: أمر بما ليس فيه تقوى، ولا عدلٌ، بدليل أنه جُعِل قسيم: "فإن أَمَر بتقوى الله، وعَدَل"، ويَحْتَمِل أن يكون المراد به: القول المطلق، أو أعمّ منه، وهو ما يراه، ويؤثره، من قولهم: فلان يقول بالقدر؛ أي: إن رأى غير ذلك، وآثر قولًا كان، أو فعلًا؛ ليكون مقابلًا لقسيمه، وسدّ الطرق المخالفة المؤدّية إلى هَيْج الفتن.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٧.
(٢) "الفتح" ٧/ ٢١٥ - ٢١٦، كتاب "الجهاد" رقم (٢٩٥٧).
[ ٣٢ / ١١١ ]
قال: قوله: "فإن عليه منه" كذا وجدنا "منه" بحرف الجرّ في "الصحيحين"، و"كتاب الحميديّ"، و"جامع الأصول"، قال التوربشتيّ: "منه"؛ أي: عليه وزرٌ من صنيعه ذلك، وقد وجدناه في أكثر نسخ "المصابيح": "فإن عليه مُنّةً" بتشديد النون، مع ضمّ الميم، وبتاء التأنيث آخره، على أنها كلمة واحدةٌ، وهو تصحيفٌ، غير مُحْتَمِلٍ لوجه ها هنا، وإنما هو حرف الجرّ مع الضمير المتّصل به.
وقال البيضاويّ: "فإن عليه منه"؛ أي: وزرًا وثِقَلًا، وهو في الأصل مشترك بين القوّة والضعف. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٩/ ٤٧٦٣] (١٨٤١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٥٧) و"الأحكام" (٧١٣٧)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٧٥٧)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٤١٩٩) و"الكبرى" (٧٨١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥٢٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٢١٢ و٢٢٨)، و(الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (٤/ ٢٧٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما يجب للإمام، على الرعيّة، فقد بيّن - ﷺ - أنه يجب أن يُجْعل جُنّةً يُستتر به من الشرّ والفساد، وتنظيم أمور العباد، وأنه يجب أن يقاتَل دونه، فلا يُترك عُرضة للهلاك.
٢ - (ومنها): بيان ما له من الأجر العظيم، إن عَدَل في حكمه، وسياسته لرعيّته، وقد تقدّم عند مسلم حديث: "إن المقسطين على منابر من نور"،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٥٨.
[ ٣٢ / ١١٢ ]
وأخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل. . ." الحديث.
٣ - (ومنها): أنه إن جار، وعدل عن الحقّ فعليه الوزر العظيم، فإنه يتحمّل أوزاره، وأوزار من تبعه في ذلك من وزرائه، وأهل مملكته، كما قال النبيّ - ﷺ - فيما أخرجه الشيخان، من حديث أبي سفيان في قصّة هرقل: "فإن تولّيت فإن عليك إثم الأريسيّين"؛ أي: إثم أتباعك الفلّاحين.
وأخرج مسلم في حديثه الطويل أنه - ﷺ - قال: "ومن سنّ في الإسلام سُنَّةً سيئةً فعليه وِزرها، ووِزر من عَمِل بها مِنْ بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيءٌ"، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.