أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه ابن المسيّب أحد الفقهاء السبعة، وفيه رواية الابن عن أبيه، وأن صحابيّه ليس له راو إلا ابنه، وأنه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا ثلاثة أحاديث فقط، حديث في وفاة أبي طالب عند الشيخين، والنسائيّ، وحديث الباب عند الشيخين فقط، وحديث عند البخاريّ فقط أن أباه جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فقال له: "ما اسمك. . ." الحديث (^١).
شرح الحديث:
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ) تقدّم أن كسر الياء المشدّدة هو الأصحّ من فتحها، أنه (قَالَ: كَانَ أَبِي) المسيِّب بن حَزْنِ (مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ) وفي بعض النسخ: "النبيّ" (- ﷺ - عِنْدَ الشَّجَرَةِ) "أل" فيه للعهد الذهنيّ؛ أي: الشجرة المعروفة التي بايع تحتها النبيّ - ﷺ - أصحابه، كما قال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. (قَالَ) المسيِّب (فَانْطَلَقْنَا)؛ أي: ذهبنا من المدينة إلى مكة (فِي قَابِلٍ)؛ أي: في السنة التي بعدها (حَاجِّينَ) بصيغة الجمع؛ أي: معتمرِين، أطلق على العمرة الحج؛ لأنه يجوز إطلاقه عليه، كما يقال: العمرة الحجّ الأصغر، (فَخَفِيَ عَلَيْنَا مَكَانُهَا) وفي رواية سفيان: "أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ"، وفي رواية شعبة: "لقد رأيت الشجرة، ثم أتيتها بعدُ، فلم أعرفها"، وفي رواية للبخاريّ: "فرجعنا إليها العام المقبل فعَمِيت علينا"، وللبخاريّ من حديث ابن عمر - ﵄ - قال: "رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من الله"، وذكر في "الفتح" أن الحكمة في ذلك هو أن لا يحصل بها افتتان لِمَا وقع تحتها من الخير، فلو بَقِيت لَمَا أُمِن تعظيم بعض الجهال لها، حتى ربما أفضى بهم إلى اعتقاد أن لها قوّةَ نفع أو ضرّ، كما
_________________
(١) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٣٨٦ - ٣٨٨.
[ ٣٢ / ٢٤٧ ]
نراه الآن مشاهدًا فيما هو دونها، وإلى ذلك أشار ابن عمر - ﵄ - بقوله: "كانت رحمةً من الله"؛ أي: كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمةً من الله تعالى، ويَحْتَمِل أن يكون معنى قوله: "رحمةً من الله"؛ أي: كانت الشجرة موضع رحمة الله، ومحلّ رضوانه؛ لنزول الرضا عن المؤمنين عندها. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى بُعدُ هذا الاحتمال الثاني، فالأول هو الذي يقتضيه سياق الحديث، فتأمله بالإمعان.
وقد أجاد النوويّ - ﵀ - حيث قال: سبب خفائها أن لا يفتتن الناس بها لِمَا جرى تحتها من الخير، ونزول الرضوان، والسكينة، وغير ذلك، فلو بقيت ظاهرةً معلومةً لخيف تعظيم الأعراب والجهال إياها، وعبادتهم إياها، وكان خفاؤها رحمةً من الله تعالى. انتهى (^٢).
(فَإِنْ كَانَتْ تَبَيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ) هذا الكلام من ابن الْمُسّيِّب إنكار على من يدّعي معرفتها من التابعين الذين لم يشاهدوا البيعة تحتها؛ لأنها خفيت على الصحابة الذين بايعوا تحتها، فكيف يعرفها من لم يشاهدها؟.
وفي رواية للبخاريّ: "ذُكرت عند سعيد بن المسيِّب الشجرةُ، فضَحِك، فقال: أخبرني أبي، وكان شهدها". قال في "الفتح" عند شرح هذا الموضع ما نصّه: لكن إنكار سعيد بن المسيِّب على مَن زعم أنه عرفها معتمدًا على قول أبيه: إنهم لم يعرفوها في العام المقبل، لا يدلّ على رفع معرفتها أصلًا، فقد ثبت قول جابر الذي سبق في الباب: "لو كنت أُبصر اليومَ لأريتكم مكان الشجرة"، فهذا يدلّ على أنه كان يضبط مكانها بعينه، وإذا كان في آخر عمره بعد الزمان الطويل يضبط موضعها، ففيه دلالة على أنه كان يعرفها بعينها؛ لأن الظاهر أنها حين مقالته تلك كانت هلكت، إما بجفاف، أو بغيره، واستمرّ هو يعرف موضعها بعينه، وعند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع، أن عمر - ﵁ - بلغه أن قومًا يأتون الشجرة، فيصلّون عندها، فتوعّدهم، ثم أمر بقطعها، فقُطِعت. انتهى.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢١٨، كتاب "الجهاد" رقم (٢٩٥٨).
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٥.
[ ٣٢ / ٢٤٨ ]
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن قول جابر - ﵁ - هذا لا يدلّ إلا على أنه يظنّ معرفتها، لا أنه مستيقن لذلك، بدليل قول ابن عمر: "فما اجتمع منا اثنان على الشجرة"، وقول والد سعيد: "فَنَسُوها من العام المقبل"، وقول سعيد: "إن أصحاب محمد - ﷺ - لم يعلموها"، فتأمّل.
وأما أمْر عمر - ﵁ - بقطعها، فلا يدلّ على معرفتهم لها، بل على ظنّهم، فإنه لَمّا رآهم يعظّمون الشجرة، خاف المفسدة في ذلك، فقطعها، سواء كانت هي، أو غيرها؛ لأن مبنى الافتتان يكفيه الظنّ، فتأمله.
والحاصل أن تلك الشجرة الأصليّة لم تُعرف، بل أخفاها الله تعالى رحمة بالأمة، كما قال ابن عمر - ﵄ -، وأما العبادة تحت الشجرة فلا يدلّ على معرفتها، بل على ظنهم لها، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى وليّ التوفيق.
[تنبيه]: مما رأيت التنبيه عليه ما كتبه صاحب "تكملة فتح الملهم" فيه (٣/ ٣٦٣ - ٣٦٧) حيث تكلّم عن مسألة التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين، ثم تطرّق لزيارة هذه المشاهد التي امتلأت الدنيا بها، وافتتن بها العوامّ، بل وبعض من يزعم أنه من الخواصّ، وأورد أحاديث وآثارًا، وليس في شيء منها التبرّك بآثار الصالحين، بل كلّها آثار للنبيّ - ﷺ -، ولا خلاف في التبرّك بآثاره - ﷺ -، وإنما الكلام في غيره، ولا تراه أورد شيئًا من تبرّك الصحابة بالصدّيق، ولا بأحد من الخلفاء الراشدين، ولا تبرّك التابعين بآثار الصحابة - ﵃ -؛ لأنه لم يوجد ذلك في التاريخ، فهلّا يُثبت لنا شيئًا من ذلك، هيهات هيهات.
وبالجملة إن هذا الذي كتبه، وبحث فيه في كتابه المذكور فيه فتحٌ لباب الشرّ، ونشرٌ لوسائل الشرك، وحثٌّ على الانحراف عن الصراط المستقيم، فلا تغترّ به، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سعيد بن الْمُسَيِّب، عن أبيه هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٤٨١١ و٤٨١٢ و٤٨١٣] (١٨٥٩)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤١٦٢ و٤١٦٣ و٤١٦٤ و٤١٦٥)، و(أحمد) في
[ ٣٢ / ٢٤٩ ]
"مسنده" (٥/ ٤٣٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠/ ٣٤٨)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٢٦/ ٨٦)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٢/ ٩٩)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ١٨٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: وَقَرَأْتُهُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَنَسُوهَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو أَحْمَدَ) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عُمَر بن درهم الزبيريّ الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٤.
٣ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ) بن نصر بن عليّ الْجَهْضميّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد بن مسروق الثوريّ، أبو عبد الله الكوفيّ الإمام الحافظ الحجة الفقيه، من رؤوس [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ١/ ١.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَقَرَأْتُهُ عَلَى نَصْرِ بْنِ عَلِيٍّ) قائل "قرأته" هو المصنّف - ﵀ -، ووقع في بعض النسخ: "قال مسلم: وقرأته على نصر بن عليّ"، وغالب عادته في مثل هذا أن يكتب (ح) إشارة إلى التحويل، فتنبّه.
وقوله: (فَنَسُوهَا) بفتح النون، وضمّ السين المهملة، أصله: نَسِيُوها، بفتح النون، وكسر السين، وضمّ الياء، بوزن عَلِمُوها، فنُقلت ضمّة الياء إلى السين بعد سَلْب حركتها، فصار نَسُوها، بضم السين، وإنما نبّهت عليه، وإن كان واضحًا لمن عنده معرفة بالقواعد الصرفيّة؛ لأني أسمع كثيرًا من الناس يغلطون فيه، فيقولون: "نَسَوْها" بفتح السين، وهو غلط، فتنبّه، وبالله تعالى التوفيق.
وقوله: (مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ)؛ أي: في السنة التالية، فـ "من" بمعنى "في".
[ ٣٢ / ٢٥٠ ]
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ الشَّجَرَةَ، ثُمَّ أَتَيْتُهَا بَعْدُ فَلَمْ أَعْرِفْهَا).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (شَبَابَةُ) بن سوّار المدائنيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (قَتَادَةُ) بن دِعامة السَّدُوسيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذكروا في الباب.
وقوله: (بَعْدُ) بالبناء على الضمِّ، من الظروف المبنيّة على الضمّ؛ لِقَطْعه عن الإضافة، ونيّة معناها؛ أي: بعد تلك السنة.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى قبل حديث.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٤] (١٨٦٠) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ: عَلَى أي شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ذُكر أول الباب.
٢ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، كوفيّ الأصل، صدوقٌ يَهِمُ، صحيح الكتاب [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدّم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٦.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) الأسلميّ المدنيّ، ثقةٌ [٤] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤٠.
٤ - (سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ) هو: سلمة بن عَمْرو بن الأكوع الأسلميّ، أبو
[ ٣٢ / ٢٥١ ]
مسلم، أو أبو إياس الصحابيّ الشهير، شَهِد بيعة الرضوان، ومات بالمدينة سنة (٦٤) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٤٤/ ٢٨٨.