أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية الراوي عن عمّه، فعبد الله بن زيد عم عبّاد بن تميم، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين من عَمْرو، وشيخه مروزيّ، والباقيان بصريّان، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ) - ﵁ -، وقوله: (قَالَ) فاعله ضمير عبّاد؛ أي: عبّاد، (أَتَاهُ)؛ أي: عبدَ الله بن زيد، (آتٍ) اسم فاعل من أَتَى؛ أي: شخص، (فَقَالَ) ذلك الآتي، ولا يُعرف اسم هذا الآتي، قاله صاحب "التنبيه" (^١).
وفي رواية البخاريّ: "عن عبد الله بن زيد - ﵁ - قال: لَمّا كان زمن الْحَرّة أتاه آتٍ، فقال: إن ابن الحنظليّة يبايع الناس. . ." الحديث.
وقوله: "لمّا كان زمن الحرّة"؛ أي: الوقعة التي كانت بالمدينة في زمن يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين، لمّا خلع أهل المدينة بيعة يزيد بن معاوية، وبايعوا عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاريّ، كما سبق بيان ذلك مستوفًى في "باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين عند ظهور الفتن" [١٣/ ٤٧٨٤] (١٨٥١).
(هَذَاكَ) مبتدأ خبره قوله: (ابْنُ حَنْظَلَةَ) ويَحْتَمل أن يكون "ابن حنظلة" بدلًا، أو عطف بيان لاسم الإشارة، والخبر قوله: (يُبَايعُ النَّاس)؛ أي: على الطاعة له، وخَلْع يزيد بن معاوية، وفي رواية البخاريّ: "إن ابن حنظلة يبايع الناس على الموت".
وابن حنظلة هذا هو: عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الذي يُعْرَف أبوه بغسيل الملائكة، والسبب في تلقيبه بذلك أنه قُتل بأحد، وهو جُنُب، فغسلته
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٣٢٥.
[ ٣٢ / ٢٥٤ ]
الملائكة، وعَلِقَت امرأته تلك الليلة بابنه عبد الله بن حنظلة، فمات النبيّ - ﷺ -، وله سبع سنين، وقد حفظ عنه.
قال الحافظ: وأتى الكرمانيّ بأعجوبة، فقال: ابن حنظلة، هو الذي كان يأخذ البيعة ليزيد بن معاوية، والمراد به: نَفْس يزيد؛ لأن جدّه أبا سفيان كان يُكنى أيضًا أبا حنظلة، فيكون التقدير: إن ابن أبي حنظلة، ثم حذف لفظ "أَبِي" تخفيفًا، أو يكون نُسِب إلى عمه حنظلة بن أبي سفيان؛ استخفافًا، واستهجانًا، واستبشاعًا بهذه الكلمة الْمُرّة. انتهى.
قال: ولقد أطال - ﵀ - في غير طائل، وأتى بغير الصواب، ولو راجع موضعًا آخر من البخاريّ لهذا الحديث بعينه، لرأى فيه ما نصّه: "لَمّا كان يوم الحرّة، والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة، فقال عبد الله بن زيد: علام يبايع ابن حنظلةُ الناس. . ." الحديث، وهذا الموضع في أثناء غزوة الحديبية من "كتاب المغازي"، فهذا يرُدّ احتماله الثاني، وأما احتماله الأول فيردّه اتفاق أهل النقل على أن الأمير الذي كان من قِبَل يزيد بن معاوية اسمه مسلم بن عقبة، لا عبد الله بن حنظلة، وأن ابن حنظلة كان الأمير على الأنصار، وأن عبد الله بن مطيع كان الأمير على من سواهم، وأنهما قُتِلا جميعًا في تلك الوقعة، والله المستعان.
(فَقَالَ) عبد الله بن زيد (عَلَى مَاذَا؟)؛ أي: على أي شيء يبايعهم؟ (قَالَ) الآتي (عَلَى الْمَوْتِ)؛ أي: يبايعهم على أن يموتوا مقاتلين العدوّ دون فرار. (قَالَ) عبد الله - ﵁ - (لَا أُبَايِعُ عَلَى هَذَا)؛ أي: على الموت، (أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وقع في رواية الإسماعيليّ من الزيادة قوله: "وقُتل عبد الله بن زيد يوم الحرّة".
قال في "الفتح": فيه إيماء إلى أنه بايع رسول الله - ﷺ - على ذلك، وليس بصريح، ولذلك عقّبه البخاريّ بحديث سلمة بن الأكوع - يعني: الحديث الذي قبل هذا عند مسلم - لتصريحه فيه بذلك.
قال ابن المنير - ﵀ -: والحكمة في قول الصحابيّ: إنه لا يفعل ذلك بعد النبيّ - ﷺ - أنه كان مستحَقًّا للنبيّ - ﷺ - على كل مسلم أن يقيه بنفسه، وكان فرضًا
[ ٣٢ / ٢٥٥ ]
عليهم أن لا يَفِرُّوا عنه حتى يموتوا دونه، وذلك بخلاف غيره. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن زيد - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٨/ ٤٨١٦] (١٨٦١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٥٩) و"المغازي" (٤١٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٣١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٥٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤٦)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٢٧/ ٤٢٩)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.