أنه خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه أن صحابيّه من المقلّين من الرواية، فليس له في الكتب إلا حديثان فقط (^٢)، حديث الباب عند الشيخين، وحديث: "إن الجذع يوفّي مما يوفي منه الثنيّ"، عند أبي داود، وابن ماجه.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٥/ ٧٦٧.
(٢) راجع: "تحفة الأشراف" ٨/ ٣٥٠ - ٣٥١.
[ ٣٢ / ٢٦٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ) بفتح النون، وسكون الهاء، أنه قال: (حَدَّثَنِي مُجَاشِعُ) بضمّ الميم، وتخفيف الميم، (ابْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ) بضمّ السين المهملة، (قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -)، وقوله: (أُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ) جملة في محلّ نصب على الحال من الفاعل، (فَقَالَ) - ﷺ - ("إِنَّ الْهِجْرَةَ قَدْ مَضَتْ لأَهْلِهَا)؛ أي: ثبتت لمن هاجر قبل الفتح، وفازوا بها، وسقطت عن غيرهم؛ لِرَفْع وجوبها عنهم (^١). (وَلَكِنْ) بسكون النون، (عَلَى الإِسْلَامِ)؛ أي: ولكن بايع على ملازمة الإسلام، (وَالْجِهَادِ) في سبيل الله - ﷿ -، (وَالْخَيْرِ)؛ أي: وعلى فعل الخير أبدًا دائمًا.
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "قد مضت لأهلها. . . إلخ"؛ معناه: أن الهجرة الممدوحة الفاضلة التي لأصحابها المزيّةُ الظاهرةُ إنما كانت قبل الفتح، ولكن أبايعك على الإسلام، والجهاد، وسائر أفعال الخير، وهو من باب ذِكر العامّ بعد الخاصّ، فإن الخير أعم من الجهاد، ومعناه: أبايعك على أن تفعل هذه الأمور. انتهى (^٢).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: "قد مضت لأهلها" أهلُها هم الذين هاجروا من ديارهم، وأموالهم قبل الفتح؛ لمؤازرته - ﷺ -، ونُصرته، وضَبْط شريعته، ولم يُختَلَف في وجوب الهجرة قبل الفتح على أهل مكة، وأما غيرهم، فقيل: إنها واجبة، وحكى أبو عبيد في "كتاب الأموال" أنها مندوبةٌ، ليست بواجبة؛ لحديث: "لا هجرة بعد الفتح"، ولقوله - ﷺ - للأعرابيّ الذي سأله عن شأن الهجرة: "إن شأن الهجرة لشديد"، وحضّه على أن يلزم إبله، وأيضًا فإنه - ﷺ - لم يأمر الوافدين عليه قبل الفتح بأن يهاجروا، وقيل: إنها واجبة على من أسلم دون أهل بلده؛ لئلا يبقى في طوع أحكام الشرك، وخوف أن يُفتن في دينه. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٧٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٧ - ٨.
(٣) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٧٤ بزيادة من "شرح الأبيّ" ٥/ ٢١١.
[ ٣٢ / ٢٦٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث مجاشع بن مسعود السُّلَميّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٤٨١٨ و٤٨١٩ و٤٨٢٠] (١٨٦٣)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٦٢ و٢٩٦٣) و"الجزية" (٣٠٧٨ و٣٠٧٩) و"المغازي" (٤٣٠٥ و٤٣٠٦ و٤٣٠٧ و٤٣٠٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٤٠٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٤٦٨ و٤٦٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٣٤ - ٤٣٥)، و(ابن أبي عاصم) في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٨٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان مشروعيّة مبايعة الإمام الناس على الإسلام، والاستمرار فيه، وعلى الجهاد، والخير.
وقد استنبط بعضهم منه مشروعيّة بيعة الصوفيّة لمريديهم؛ لأنه - ﷺ - ذكر البيعة على الخير مستقلّة عن البيعة على الإسلام والجهاد، وفيه نظر لا يخفى لمن تأمّل ما يجري لديهم من أنواع البدع التي ليست في كتاب الله تعالى، ولا في سُنَّة رسوله - ﷺ -، فتأمل كثيرًا من أحوالهم يظهر لك الأمر جليًّا، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٢ - (ومنها): بيان ما كان عليه الصحابة - ﵃ - من المبادرة إلى الخير بأنفسهم، وبذويهم، حيث أتى مجاشع بأخيه؛ اغتنامًا لمبايعته - ﷺ -، ومسّ يده الكريمة حتى ينال بركتها.
٣ - (ومنها): بيان فضل المهاجرين الأولين، حيث لم يلحقهم في فضلهم أحد من أتى بعد فتح مكة، كما بيّنه الله تعالى بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]، والله تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٢٦٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨١٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُجَاشِعُ بْنُ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ، قَالَ: جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ الْفَتْحِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بَايِعْهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، قَالَ: "قَدْ مَضَتِ الْهِجْرَةُ بِأَهْلِهَا"، قُلْتُ: فَبِأَيِّ شَيْءٍ تُبَايِعُهُ؟ قَالَ: "عَلَى الإِسْلَامِ، وَالْجِهَادِ، وَالْخَيْرِ"، قَالَ أَبُو عُثْمَانَ: فَلَقِيتُ أَبَا مَعْبَدٍ، فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ مُجَاشِعٍ، فَقَالَ: صَدَقَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ) الحَدَثَانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ) القرشيّ الكوفيّ، قاضي الْمَوْصِل، ثقةٌ [٨] (ت ١٨٩) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٦.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (جِئْتُ بِأَخِي أَبِي مَعْبَدٍ) هو مُجالد بن مسعود السُّلَميّ، رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أبو عثمان النَّهْديّ.
قال ابن حبان: قُتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين.
وتعقّبه الحافظ بأن هذا أخوه مجاشع، وأما هو فذكر أبو القاسم البغويّ ما يدلّ على أنه بقي إلى حدود الأربعين.
وقال عمرو بن عليّ: لا أعلم له روايةً؛ يعني: لم ينفرد برواية حديث، إنما صدّق أخاه في روايته، وذكر أبو عثمان النَّهْديّ أنه كان أكبر من مجاشع.
له عند البخاريّ، والمصنّف هذا الموضع فقط، صدّق فيه ما حدّث به أخوه مجاشع.
وقوله: (بَعْدَ الْفَتْحِ)؛ أي: بعد فتح مكة.
وقوله: (قَالَ أَبُو عُثْمَانَ) هو النّهْديّ المذكور الراوي عن مجاشع.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه مستوفًى في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[ ٣٢ / ٢٦٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، قَالَ: فَلَقِيتُ أَخَاهُ، فَقَالَ: صَدَقَ مُجَاشِعٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبَا مَعْبَدٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ) بن غَزْوان الضبّيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ عارفٌ، رُمي بالتشيّع [٩] (ت ١٩٥) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦٣/ ٣٥٨.
و"عاصم الأحول" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عاصم الأحول هذه ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
(٣٦٩٣٣) - حدّثنا محمد بن فُضيل، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن مُجاشع بن مسعود، قال: أتيت النبيّ - ﷺ - أنا وأخي، قال: فقلت: يا رسول الله، بايعنا على الهجرة، فقال: "مَضَت الهجرة لأهلها"، فقلت: علام نبايعك يا رسول الله؟ قال: "على الإسلام، والجهاد"، قال: فلقيت أخاه، فسألته، فقال: صدق مجاشع. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢١] (١٣٥٣) (^٢) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٤٠٨.
(٢) هذا الرقم مكرّر.
[ ٣٢ / ٢٦٧ ]
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد الضبيّ الكوفيّ، تقدّم أيضًا قبل باب.
٤ - (مَنْصُورُ) بن المعتمر بن عبد الله السلميّ، أبو عتّاب الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٦] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٢٩٦.
٥ - (مُجَاهِدُ) بن جَبْر المخزوميّ مولاهم، أبو الحجّاج المكيّ، ثقةٌ ثبت إمام حجة [٣] (ت ١ أو ٢ أو ٣ أو ١٠٤) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ٢١.
٦ - (طَاوُسُ) بن كيسان الْحِمْيريّ مولاهم الفارسيّ، أبو عبد الرحمن اليمانيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ فاضلٌ [٣] (ت ١٠٦) أو بعد ذلك (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، تقدّم قريبًا.