أنه من سُداسيّات المصنف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران، فيه ابن عبّاس من العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة روى (١٦٩٦) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، قال في "الفتح": كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش، فرواه عن مجاهد، عن النبيّ - ﷺ -، مرسلًا، أخرجه سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عنه. وأخرجه أيضًا عن سفيان، عن داود بن شابور، عن مجاهد، مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله. انتهى (^١).
(قَالَ) ابن عبّاس - ﵄ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الْفَتْحِ) ظرف متعلّق بـ "قال"، وقوله: (فَتْحِ مَكَّةَ) بالجرّ بدلٌ، أو عطف بيان لـ "الفتح" ("لَا هِجْرَةَ) زاد في حديث عائشة الآتي: "بعد الفتح"؛ أي: بعد فتح مكة، أو المراد ما هو أعمّ من ذلك؛ فيكون حكم غير مكة في ذلك كحكمها، فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحه المسلمون، أما قبل فتح البلد فمَن به من المسلمين أحد ثلاثة:
_________________
(١) "الفتح" ٥/ ١١٩.
[ ٣٢ / ٢٦٨ ]
الأول: قادر على الهجرة منها، لا يمكنه إظهار دينه بها، ولا أداء واجباته، فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادرٌ لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته، فمستحبة؛ لتكثير المسلمين، ومعونتهم، وجهاد الكفار، والأمن من غدرهم، والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر من أَسْرٍ، أو مرض، أو غيره فتجوز له الإقامة، فإن حَمَل على نفسه، وتكلف الخروج منها أُجِر، قاله في "الفتح" (^١).
(وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)؛ أي: لكن لكم طريقٌ إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة، وذلك بالجهاد، ونية الخير في كل شيء، من لقاء رسول الله - ﷺ - ونحوه، وارتفاع "جهادٌ" على الابتداء، وخبره محذوف مقدّمًا، تقديره: لكم جهادٌ، قاله في "العمدة" (^٢).
(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا") بصيغة المجهول؛ أي: إذا طُلبتم للنَّفْر، وهو الخروج إلى الجهاد (فَانْفِرُوا) بكسر الفاء؛ أي: اخرجوا، والمعنى: إذا دعاكم السلطان إلى غزو فاذهبوا.
وقال في "النهاية": الاستنفار: الاستنجاد، والاستنصار؛ أي: إذا طُلب منكم النُّصْرة، فأجيبوا، وانصروا، خارجين إلى الإعانة. انتهى (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: يريد: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد، والنية الصالحة، وإذا أَمركم الإمام بالخروج إلى الجهاد ونحوه، من الأعمال الصالحة فاخرجوا إليه، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الحديث متّفقٌ علية، وقد تقدّم في "كتاب الحجّ" برقم [٧٩/ ٣٣٠٣] (١٣٥٣) "باب تحريم مكة، وتحريم صيدها" مطوّلًا، وقد استوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٣٣٤، كتاب "الجهاد" رقم (٣٠٧٧).
(٢) "عمدة القاري" ١٠/ ١٩١.
(٣) "النهاية" ٥/ ٩٢.
[ ٣٢ / ٢٦٩ ]
وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَابْنُ رَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ - يَعْنِي: ابْنَ مُهَلْهِلٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنَ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، كُلُّهُمْ عَنْ مَنْصُورٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: اثنا عشر:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.
٢ - (وَكِيعُ) بن الجرّاح، تقدّم أيضًا.
٣ - (سُفْيَانُ) الثوريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ) الكَوْسج، أبو يعقوب التميمي المروزيّ، ثقةٌ ثبتٌ [١١] (ت ٢٥١) (خ م ت س ق) تقدّم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (ابْنُ رَافِعٍ) هو: محمد، تقدّم قبل باب.
٦ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٧ - (مُفَضَّلُ بْنُ مُهَلْهِلٍ) السعديّ، أبو عبد الرحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ نبيلٌ عابدٌ [٧] (ت ١٦٧) (م س ت) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٨ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ) الكِسّيّ، أبو محمد، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدّم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٩ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى) العبسيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
١٠ - (إِسْرَائِيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعيّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية سفيان الثوريّ، عن منصور هذه ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
(٣٦٩٣٠) - حدّثنا وكيع، عن سفيان، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنْفِرتم فانفروا". انتهى (^١).
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٤٠٧.
[ ٣٢ / ٢٧٠ ]
وأما رواية مفضّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، فقد ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٣٧٢٠) - أخبرنا المفضل بن محمد الجنديّ، قال: حدّثنا الحسن بن عليّ الْحَلْوَانيّ، قال: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: حدّثنا مُفَضَّل بن مُهَلْهَل، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرامٌ، حَرَّمه الله إلى يوم القيامة، لا يُنَفَّر صيده، ولا يُعضَد شوكة، ولا تُلتقط لقطته، إلا مَن عَرَّفها، ولا يختلى خلاؤه، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنه لبيوتهم، فقال: إلا الإذخر، ولا هجرة، ولكن جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنفِرتم فانفروا". انتهى (^١).
وأما رواية إسرائيل، عن منصور، فقد ساقها الدارميّ - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٢٥١٢) - أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: لَمّا كان يوم فتح مكة قال رسول الله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ، ونيةٌ، وإذا استُنفِرتم فانفروا". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٣] (١٨٦٤) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا").
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ) الهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (أَبُوه) عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ الكوفيّ، تقدّم قريبًا.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ٩/ ٣٥ - ٣٦.
(٢) "سنن الدارميّ" ٢/ ٣١٢.
[ ٣٢ / ٢٧١ ]
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ) قيس بن دينار الأسديّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حُسين، وحمزة بن عبد الله، وطاووس، وإياس بن معاوية، وسعيد بن جبير، والشعبيّ، وعطاء بن أبي رَبَاح، وجماعة.
وروى عنه الثوريّ، ووكيعٌ، وأبو أحمد الزبيريّ، وعبد الله بن نُمير، وابن المبارك، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال أبو القاسم الطبرانيّ، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطنيّ: عبد الله، وعبيد الله، وعبد السلام بنو حَبِيب بن أبي ثابت، وكلهم ثقات، وقال ابن خلفون: وَثَّقه ابن نُمَير.
انفرد به المصنّف، والنسائيّ في "خصائص عليّ"، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وعند النسائيّ في "الخصائص": "أنت مني بمنزلة هارون من موسى".
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ) بن الحارث النوفلي المكيّ، ثقةٌ عالمٌ بالمناسك [٥] (ع) تقدّم في "الحج" ٣٦/ ٣٠٥٨.
٥ - (عَطَاءُ) بن أبي رباح أسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ، لكنه كثير الإرسال [٣] (ت ١١٤) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٢.
٦ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ - ماتت سنة (٥٧) على الصحيح (ع) تقدّمت في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣١٥.