أنه من سداسيات المصنف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من الزهريّ، وفيه رواية تابعي عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد الخدريّ - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عَن عَطَاء بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ (أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ)؛ أي: حدّث ابن شهاب الزهريّ، ومن معه (قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك الصحابيّ ابن
_________________
(١) وفي نسخة: "تؤدّي صدقتها".
[ ٣٢ / ٢٧٨ ]
الصحابيّ - ﵄ - (أَنَّ أَعْرَابِيًّا) قال الحافظ: ما عرفت اسمه، (سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ الْهِجْرَةِ)؛ أي: تَرْك الوطن، والانتقال من بلده إلى المدينة، تأييدًا، وتقويةً للنبيّ - ﷺ - والمسلمين، وإعانةً لهم على قتال الكفرة، وكانت فرضًا في أول الأمر، ثم صارت مندوبة، فلعلّ السؤال كان في آخر الأمر، أو لعله - ﷺ - خاف عليه؛ لِمَا كان عليه الأعراب من الضعف، حتى إن أحدهم ليقول إذا حصل له مرض في المدينة: أقلني بيعتك، ونحو ذلك، ولذلك قال: "إن شأن الهجرة لشديد".
وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابيّ ملازمة المدينة، مع النبيّ - ﷺ -، وتَرْك أهله ووطنه، فخاف عليه النبيّ - ﷺ - أن لا يَقْوَى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأن يَنْكُص على عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك، وحيثما كنت، فهو ينفعك، ولا يُنقصك الله منه شيئًا، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": والهجرة المسئول عنها مفارقة دار الكفر إذ ذاك، والتزام أحكام المهاجرين مع النبيّ - ﷺ -، وكأن ذلك وقع بعد فتح مكة؛ لأنها كانت إذ ذاك فرض عَيْن، ثم نُسخ ذلك بقوله - ﷺ -: "لا هجرة بعد الفتح". انتهى.
(فَقَالَ) - ﷺ - ("وَيْحَكَ) قال في "النهاية": وَيْحَ كلمة ترحّم، وتوجّعٍ، تقال لمن وقع في هلكة، لا يستحقّها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجّب، وهي منصوبة على المصدر، وقد تُرفع، وتضاف، ولا تُضاف، يقال: ويحَ زيد، وويحًا له، وويحٌ له. انتهى (^٢).
(إِنَّ شَأْنَ الْهِجْرَةِ) "الشأن" بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة: الخطب، والأمر (لَشَدِيدٌ) قال القرطبيّ - ﵀ -: سؤال الأعرابيّ عن الهجرة إنما هو عن وجوبها عليه، فأجابه النبيّ - ﷺ - بقوله: "إن شأنها لشديد"؛ أي: إن أمرها صعبٌ، وشروطها عظيمة، ثم أخبره بعد ذلك بما يدلّ على أنها ليست بواجبة عليه. ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خاصًّا بذلك الأعرابيّ، لِمَا عَلِم من
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٩.
(٢) "النهاية" ٥/ ٢٣٥.
[ ٣٢ / ٢٧٩ ]
حاله، وضعفه عن المقام بالمدينة، فأشفق عليه، ورَحِمَه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابيّ: ملازمة المدينة مع النبيّ - ﷺ -، وتَرْك أهله، ووطنه، فخاف عليه النبيّ - ﷺ - أن لا يقوى لها، ولا يقوم بحقوقها، وأن ينكُص على عقبيه، فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد، ولكن اعمل بالخير في وطنك، وحيث ما كنت، فهو ينفعك، ولا ينقصك الله منه شيئًا، والله أعلم. انتهى (^٢).
(فَهَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَهَلْ تُؤْتِي)، وفي بعض النسخ: "تؤدّي" (صَدَقَتَهَا؟)؛ أي: زكاتها، (قَالَ: نَعَمْ) زاد في رواية: "هل تحلُبها يوم وِرْدها؟ "؛ يعني: أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند ورود المياه، حَلَبُوا مواشيهم، فسَقَوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه.
(قَالَ: "فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ الْبحَارِ)؛ أي: فات بالخيرات كلّها، وإن كنت وراء القرى، وسكنت أقصى الأرض، فلا يضرّك بُعدك عن المسلمين. قال النوويّ: قال العلماء: والمراد بالبحار هنا: القرى، والعرب تسمّي القرى: البحار، والقريةُ: البحيرة. انتهى. وقال في "الفتح": هذا مبالغة في إعلامه بأن عمله لا يضيع في أي موضع كان.
(فَإِنَّ اللهَ لَنْ يَتِرَكَ) بفتح التحتانيّة، وكسر المثنّاة، ثم راء، وكاف؛ أي: لن ينقُصك، يقال: وتَره يتره، من باب وعد: إذا نقصه، فهو من التِّرَة؛ كالعِدَة، والكاف مفعول به. وقال السنديّ: ويحتمل أنه من الترك، فالكاف من الكلمة؛ أي: لا يترك شيئًا من عملك، مهمَلًا، بل يُجازيك على جميع أعمالك، في أي محلّ فعلت. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الاحتمال الذي ذكره السنديّ رحمه الله تعالى، إن صحّت الرواية به، فذاك، والا فالضبط الأول متعيّنٌ. والله تعالى أعلم.
(مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا")؛ أي: من ثواب عملك شيئًا، حيث كنت.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٧١ - ٧٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٩.
[ ٣٢ / ٢٨٠ ]
قال الأبيّ - ﵀ -: [فإن قلت]: مفهومه أنه لو لم يؤدّ صدقتها لكان يَتِرَه من عمله، والسيّئات عندكم لا تُحبط الحسنات.
[قلت]: المفهوم حقّ، لكن النقص إنما هو أجر الصدقة، لا أنه ينقص من أجر غيرها. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٠/ ٤٨٢٤ و٤٨٢٥] (١٨٦٥)، و(البخاريّ) في "الزكاة" (١٤٥٢) و"الهبة" (٢٦٣٣ و٣٩٢٣) و"المناقب" (٣٩٢٣) و"الأدب" (٦١٦٥)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٤٧٧)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٤١٦٦) و"الكبرى" (٧٧٨٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤ و٦٤)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٥٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٣٢٤٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٤٥٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٣٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٣٤/ ١٦٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان شدّة شأن الهجرة، وأنها لا تصلح لكلّ أحد، فربّما يقع الشخص في صعوبة أمر، فيندم على هجرته، كما وقع أن أعرابيًّا بايع النبيّ - ﷺ -، ثم وُعِكَ - أي: حُمَّ - فقال: "يا رسول الله أقلني بيعتي" الحديث.
٢ - (ومنها): التنويه بشأن الهجرة، وأنها من أفضل الأعمال، ولذا كانت واجبة في أول الإسلام، وقد أخرج النسائيّ عن أبي فاطمة أنه قال: يا رسول الله حدّثني بعمل أستقيم عليه، وأعمله، قال له رسول الله - ﷺ -: "عليك بالهجرة، فإنه لا مِثْل لها".
٣ - (ومنها): فضل أداء زكاة الإبل، ومعادلة إخراج حقّ الله تعالى منها
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٥/ ٢١٢ - ٢١٣.
[ ٣٢ / ٢٨١ ]
لفضل الهجرة، فإن في الحديث إشارةً إلى أن استقراره بوطنه، إذا أدّى زكاة إبله يقوم مقام ثواب هجرته، وإقامته بالمدينة. قاله في "الفتح" (^١).
٤ - (ومنها): أنه إذا قام الإنسان بما يتعيّن عليه من الحقوق، وبما يفعله من الخير، فإن الله تعالى يُثيبه على ذلك، ولا يضيّع شيئًا من عمله أينما كان من الأرض، ولا بُعد في أن يحصُل له ثواب من هاجر بحسن نيّته، وفعله الخير (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٢٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا"، وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: قَالَ: "فَهَلْ تَحْلُبُهَا (^٣) يَوْمَ وِرْدِهَا؟ "، قَالَ: نَعَمْ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ الشهير، تقدّم قريبًا.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم الْفِريابيّ، نزيل قيسارية، من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدّم في "القسامة" ٢/ ٤٣٤٩.
و"الأوزاعيّ" ذُكر قبله.
وقوله: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ) الضمير لمحمد بن يوسف، وكذا في قوله: "وزاد".
وقوله أيضًا: (غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ لَنْ يَتْرُكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) فيه إشارة إلى اختلاف روايتي الوليد بن مسلم، ومحمد بن يوسف في لفظ: "لن يترك"، فأحدهما رواه بلفظ: "لن يَتِرَك" بفتح الياء، وكسر التاء، مِنْ وَتَر يَتِر وَتْرًا، كوَعَد يَعِد وَعْدًا: بمعنى نقصه، والآخر رواه بلفظ: "لن يَتْرُك" بفتح أوله، وسكون ثانيه، من الترك، لكن لم يتبيّن لي الجزم بتعيين أحد الضبطين لأحدهما، والآخر للآخر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٤/ ٢٨٦، كتاب "الزكاة" رقم (١٤٥٢).
(٢) "المفهم" ٤/ ٧٢.
(٣) وفي نسخة: "فهل تحتلبها".
[ ٣٢ / ٢٨٢ ]
وأما قول بعض الشرّاح: إنه ترك قوله: "فاعمل من وراء البحار"، ففيه نظر، ويردّه ما يأتي في التنبيه، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (فَهَلْ تَحْلُبُهَا) بضمّ اللام، من باب نصر، وفي بعض النسخ: "تحتلبها".
وقوله: (يَوْمَ وِرْدِهَا؟) بكسر الواو، وسكون الراء، قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: أنهم كانوا إذا اجتمعوا عند وُرُود المياه حلبوا مواشيهم، فسَقَوا المحتاجين، والفقراء المجتمعين على المياه. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية محمد بن يوسف الفريابي عن الأوزاعيّ هذه ساقها ابن الجارود في "المنتقى"، فقال:
(١٠٢٩) - حدّثنا محمد بن يحيى، قال: "ثنا محمد بن يوسف، قال: ثنا الأوزاعيّ، قال: ثني الزهريّ، قال: ثنا عطاء بن يزيد الليثيّ، قال: ثني أبو سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ - ﷺ -، فسأله عن الهجرة، فقال: "ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، هل لك من إبل؟ " قال: نعم، قال: "فتعطي صدقتها؟ " قال: نعم، قال: "تمنح منها؟ " قال: نعم، قال: "فتحلبها يوم وردها؟ " قال: نعم، قال: "فاعْمَل من وراء البحار، فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا". انتهى (^٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.