أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن نصفه الأول مسلسل بالبصريين، والثاني بالكوفيين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، كما تقدّم قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) سلمان الأشجعيّ أنه (قَالَ: قَاعَدْتُ)؛ أي: جالست (أَبَا هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (خَمْسَ سِنِينَ، فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ)؛ أي: ذُرّيّة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - ﵈ -، وإسرائيل لقب يعقوب - ﵇ -.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "إسرائيل" هو: يعقوب - ﵇ -، وبنوه: أولاده، وهم الأسباط، وهم كالقبائل في أولاد إسماعيل، قال ابن عباس - ﵄ -: "إسرا" هو عبد، و"إيل" هو الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وفيه لغات، وقيل: هو عِبْرِيٌّ، اسم واحد بمعنى يعقوب.
(تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ)؛ أي: تدبّر أمورهم، يقال: ساس فلان الأمرَ يسوسه، من باب قال، سِيَاسَةً: إذا دبّره، وقام بأمره (^١).
والمعنى: أنهم كانوا إذا ظهر فيهم فسادٌ بَعَث الله لهم نبيًّا يقيم لهم أمرهم، ويزيل ما غَيَّروا من أحكام التوراة، وفيه إشارة إلى أنه لا بُدّ للرعيّة من قائم بأمورها، يحملها على الطريق الحسنة، ويُنصف المظلوم من الظالم (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: "تسوسهم"؛ أي: يتولون أمورهم، كما تفعل الأمراء، والولاة بالرعيّة، والسياسةُ القيام على الشيء بما يُصلحه، وفي هذا الحديث جواز قول: هلك فلان، إذا مات، وقد كَثُرت الأحاديث به، وجاء في
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٩٥.
(٢) "الفتح" ٨/ ٩٧، كتاب "أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٥٥).
[ ٣٢ / ١١٤ ]
القرآن العزيز قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ الآية [غافر: ٣٤]. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: معنى هذا الكلام أنّ بني إسرائيل كانوا إذا ظهر فيهم فساد، أو تحريفٌ في أحكام التوراة بعد موسى - ﵇ - بعث الله تعالى لهم نبيًّا يُقيم لهم أمرهم، ويصلح لهم حالهم، ويزيل ما غُبّرَ، وبُدِّلَ من التوراة، وأحكامها، فلم يزل أمرهم كذلك، إلى أن قَتَلوا يحيى بن زكريا - ﵉ - فقطع الله تعالى مُلكهم، وَبَدَّدَ شملهم ببختنصَّر وغيره، ثم جاءهم عيسى - ﵇ -، ثم محمد - ﷺ -، فكذّبوهما ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ [البقرة: ٩٠]، وهو في الدنيا ضَرْبُ الجزية، ولزوم الصَّغار والذلة، ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ [الرعد: ٣٤]، ولمّا كان نبيُّنا - ﷺ - آخر الأنبياء بعثًا، وكتابه لا يقبل التغيير أسلوبًا ونظمًا، وقد تَوَلَّى الله تعالى كلامه صيانةً وحفظًا، وجعل علماء أمته قائمين ببيان مشكله، وحفظ حروفه، وإقامة أحكامه، وحدوده، كما قال - ﷺ -: "يَحْمِل هذا العلم من كل خَلَفٍ عُدُوله، يَنفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (^٢)، ويروى عنه - ﷺ - أنه قال: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" (^٣)، ولَمّا كان أمر هذه الأمّة كذلك؛ اكتُفِي بعلمائها عمَّا كان من توالي الأنبياء هنالك. انتهى (^٤).
وقال الطيبيّ: قوله: "تسوسهم" خبر "كان"، وقوله: (كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ) حال من فاعل "تسوسهم؛ أي: كلما مات نبيّ أتى بعده نبيّ آخر، يقال: خلفت فلانًا على أهله، وماله، من باب نصر خِلافة: صرتُ خليفته،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣١.
(٢) قال الجامع: هذا الحديث ضعيف، ويُغني عنه ما في "الصحيحين" من حديث معاوية - ﵁ - مرفوعًا: "لا يزال من أمتي أمةٌ قائمةٌ بأمر الله، لا يضرّهم من خَذَلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتيهم أمر الله، وَهُم على ذلك"، فتنبّه.
(٣) قال الجامع: وهذا حديث لا أصل له، انظر: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ١/ ٦٧٩.
(٤) "المفهم" ٤/ ٤٧ - ٤٨.
[ ٣٢ / ١١٥ ]
وخَلَفته: جئتُ بعده (^١).
(وَإِنَّهُ) الضمير للشأن، وهو الذي تفسّره الجملة بعده، كما قال ابن مالك في "الكافية الشافية" (^٢):
وَمُضْمَرُ الشَّأْنِ ضَمِيرٌ فُسِّرَا … بِجُمْلَةٍ كَـ "إِنَّهُ زَيْدٌ سَرَى"
للابْتِدَا أَوْ نَاسِخَاتِهِ انْتَسَبْ … إِذَا أَتَى مُرْتَفِعًا أَوِ انْتَصَبْ
وَإِنْ يَكُنْ مَرْفُوعَ فِعْلٍ اسْتَتَرْ … حَتْمًا وَإِلا فَتَرَاهُ قَدْ ظَهَرْ
فِي بَابِ "إِنَّ" اسْمًا كَثِيرًا يُحْذَفُ. . . كَـ "إِنَّ مَنْ يَجْهَلْ يَسَلْ مَنْ يَعْرِفُ"
وَجَائِزٌ تَأْنِيثُهُ مَتْلُوَّ مَا … أُنِّثَ أَوْ شَبِيهَ أُنْثَى أَفْهَمَا
وَقَبْلَ مَا أُنِّثَ عُمْدَةً فَشَا … تَأْنِيثُهُ كَـ "إِنَّهَا هِنْدٌ رَشَا"
(لَا نَبِيَّ بَعْدِي)؛ أي: فيفعلَ ما كان أولئك يفعلون، وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "وإنه لا نبيّ بعدي" معطوف على "كانت بنو إسرائيل"، واسم "إنّ" ضمير الشأن، وإنما خولف بين المعطوف والمعطوف عليه؛ لإرادة الثبات والتوكيد في الثاني؛ يعني: أن قصّة بني إسرائيل كيت وكيت، وقصّتنا كيت وكيت. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وإنه لا نبيّ بعدي": هذا النفي عامٌ في الأنبياء والرُّسل؛ لأن الرَّسول نبيٌّ وزيادة، وقد جاء نصًّا في كتاب الترمذيّ (^٤) قوله: "لا نبي بعدى ولا رسول"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ الآية [الأحزاب: ٤٠]، ومن أسمائه - ﷺ - في الكتب المتقدمة، وفيما أطلقته هذه الأمَّة: خاتم الأنبياء، ومن أسمائه: العاقب، والمقفِّي، فالعاقب: الذي يَعْقُبُ الأنبياءَ، والْمُقَفِّي: الذي يقفوهم؛ أي: يكون بعدهم.
وعلى الجملة: فهو أمرٌ مُجْمَع عليه، معلوم من دِين هذه الأمَّة، فمن ادَّعى أنَّه بَعْدَهُ نبيّ، أو رسولٌ؛ فإن كان مُسِرًّا لذلك، واطُّلِع عليه بالشهادة المعتبرة قُتِل قِتْلة زنديق، فإن صرَّح بذلك فهو مرتد، يُستتاب، فإن تاب، وإلا
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ١٧٨.
(٢) "الكافية الشافية" ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٤.
(٤) ليس عند الترمذيّ، بل هو عند الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٦٣١.
[ ٣٢ / ١١٦ ]
قُتِل قِتْلة مُرتدٍّ. انتهى (^١).
(وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ)؛ أي: بعدي، (فَتَكْثُرُ") بالثاء المثلّثة، وحَكَى عياض أن منهم مَن ضبطه بالموحّدة، وهو تصحيف، ووَجَّه بأن المراد: إكبار قبيح فِعْلهم، وفي رواية البخاريّ: "فيكثرون".
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "فتكثر" بالثاء المثلثة من الكثرة، هذا هو الصواب المعروف، قال القاضي: وضَبَطه بعضهم: "فتكبر" بالباء الموحّدة، كأنه من إكبار قبيح أفعالهم، وهذا تصحيف. انتهى (^٢).
(قَالُوا)؛ أي: الصحابة الحاضرون لديه - ﷺ - حين أخبر بهذا، (فَمَا تَأْمُرُنَا؟) وفي بعض النسخ: "فماذا تأمرنا؟ "؛ أي: أيُّ شيء تأمرنا به إذا أدركنا أولئك الخلفاء؟.
والفاء في قوله: "فما تأمرنا" جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كثر بعدك الخلفاء، فوقع التشاجر، والتنازع بينهم، فما تأمرنا نفعل؟ (^٣).
(قَالَ) - ﷺ - ("فُوا بِبَيْعَةِ الأَوَّلِ، فَالأَوَّلِ) "فُوْا" بضمّ الفاء، وسكون الواو: فعلُ أَمْر من الوفاء، والمعنى: أنه إذا بويع الخليفة بعد خليفة، فبيعة الأول صحيحةٌ، يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: الفاء في قوله: "فالأول" للتعقيب، والتكرار للاستمرار، ولم يُرد به في زمان واحد، بل الحكم هذا مستمرّ عند تجدّد كل زمان، وتجدّد كلّ بيعة (^٤).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث دليل على وجوب الوفاء ببيعة الأول، وسكت في هذا الحديث عمَّا يحكم به على الآخر، وقد نصَّ عليه في الحديث الآتي عند مسلم حيث قال: "فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر"، وفي رواية: "فاضربوه بالسيف كائنًا من كان"، وهذا الحكم مجمَعٌ عليه عند تقارب الأقطار، وإمكان استقلال واحد بأمور المسلمين وضَبْطها، فأمَّا لو تباعدت
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣١.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٤.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٤.
[ ٣٢ / ١١٧ ]
الأقطار، وخِيْفَ ضَيْعَةُ البعيد من المسلمين، ولم يتمكن الواحد من ضبط أمور من بَعُدَ عنه؛ فقد ذكر بعضُ الأصوليين أنهم يُقيمون لأنفسهم واليًا يدبّرهم، ويستقلُّ بأمورهم، وقد ذكر أنَّ ذلك مذهب الشافعي في "الأم".
قال القرطبيّ: ويمكن أن يقال: إنهم يقيمون من يدبّر أمورهم على جهة النيابة عن الإمام الأعظم، لا أنّهم يخلعون الإمام المتقدم حُكمًا، ويُوَلُّونَ هذا بنفسه مستقلًا، هذا ما لا يوجد نصًّا عن أحدٍ ممن يُعتبر قوله، والذي يمكن أن يُفعل في مثل هذا؛ إذا تعذر الوصول إلى الإمام الأعظم أن يُقيموا لأنفسهم من يدبّرهم ممن يعترفُ للإمام بالسَّمع والطَّاعة، فمتى أمكنهم الوصول إلى الإمام، فالأمر له في إبقاء ذلك أو عَزْلِه.
ثم للإمام أن يفوِّض لأهل الأقاليم البعيدة التفويض العام، ويجعل للوالي عليهم الاستقلال بالأُمور كلِّها؛ لتعذّر المراجعة عليهم، كما قد اتَّفَق لأهل الأندلس، وأقصى بلاد العجم، فأمَّا لو عُقِدتْ البيعةُ لإمامين معًا في وقتٍ واحدٍ في بلدين متقاربين، فالإمامة لأرجحهما، وهل قرابة أحدهما من الإمام المتوفى موجبة للرجحان أم لا؟ اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: يُقَدّم الأقعد، فالأقعد به؛ كولاية النكاح، ومنهم من لم يعتبر ذلك، وفرَّق بين الولايتين، والفرق واضحٌ، فأمَّا لو تساويا من كل وجه فَيُقْرعُ بينهما، والفرض في اثنين كل واحد منهما كامل أهلية الإمامة، باجتماع الشروط المعتبَرة المنصوص عليها في كتب أئمتنا المتكلمين. انتهى (^١).
(وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ) قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا كالبدل من قوله: "فُوا ببيعة الأول"؛ أي: أطيعوهم، وعاشروهم بالسمع والطاعة، فان الله يحاسبهم على ما يفعلونه بكم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "أعطوهم حقهم"؛ يعني به: السَّمع، والطاعة، والذَّبَّ عنهم عِرضًا، ونفسًا، والاحترام، والنُّصرة لهم على مَنْ بَغَى عليهم (^٢).
(فَإِنَّ اللهَ سَائِلُهُمْ) قال الطيبيّ - ﵀ -: هذا تعليل للأمر بإعطائهم حقّهم،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٠.
[ ٣٢ / ١١٨ ]
وفيه اختصار؛ أي: فأعطوهم حقّهم، وإن لم يُعطوكم حقّكم؛ لأن الله سائلهم عما استرعاهم، ويُثيبكم بما لكم عليهم من الحقّ؛ لقوله في الحديث الآخر: "أدُّوا إليهم حقّهم، واسألوا الله حقّكم".
وقوله: (عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ")؛ أي: استحفظهم، وجعلهم راعين لكم، ومحافظين على حقوقكم، فهو كحديث ابن عمر - ﵄ - المتقدم: "كُلُّكُم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيته"، وتقدّم شرحه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٤٧٦٤ و٤٧٦٥] (١٨٤٢)، و(البخاريّ) في "أحاديث الأنبياء" (٣٤٥٥)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٧١)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩٧)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٥٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٥٥ و٦٢٤٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٩ و٤١٠)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنّة" (٢/ ٥١٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤٤)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٢٤٦٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول، فالأول.
٢ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: "وستكون خلفاء فتكثر" معجزة ظاهرة له - ﷺ - حيث أخبر بما سيقع بعده، فوقع على نحو ما أخبر عنه، ووُجد كذلك في غير ما وقت؛ فمن ذلك: مبايعة الناس لابن الزبير بمكة، ولمروان بالشام، ولبني العباس بالعراق، ولبني مروان بالأندلس، ولبني عُبيد بمصر، ثم لبني عبد المؤمن بالمغرب، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
٣ - (ومنها): أن فيه تقديمَ أمر الدين على أمر الدنيا؛ لأنه - ﷺ - أمر بتوفية
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٨ - ٤٩.
[ ٣٢ / ١١٩ ]
حقّ السلطان؛ لِمَا فيه من إعلاء كلمة الدين، وكفّ الفتنة، والشر، وتأخيرُ أمر المطالبة بحقّه لا يسقطه، وقد وعده الله أنه يُخَلِّصه، ويوفّيه إياه، ولو في الدار الآخرة (^١).
٤ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: معنى هذا الحديث أنه إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالِمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين، أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل، والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا، وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عُقدت له في بلد الإمام، وقيل: يُقرع بينهم، وهذان فاسدان، واتَّفَق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصر واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه "الإرشاد": قال أصحابنا: لا يجوز عَقْدُها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عَقْدها لاثنين في صُقْع واحد، وهذا مُجْمَع عليه، قال: فإن بَعُد ما بين الإمامين، وتخللت بينهما شُسوع، فللاحتمال فيه مجال، قال: وهو خارج من القواطع، وحَكَى المازريّ هذا القول عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمام الحرمين، وهو قول فاسد مخالفٌ لِمَا عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث، والله أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي في قوله: قول فاسد. . . إلخ نظرٌ فيما إذا اختلفت الأقاليم، كما صوّره إمام الحرمين، وظواهر النصوص إنما تدلّ على المنع فيما إذا وقع التنازع في إقليم واحد، فما مال إليه إمام الحرمين هو الظاهر، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ، عَنْ أَبِيهِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ).
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٩٧، كتاب "أحاديث الأنبياء" رقم (٣٤٥٥).
[ ٣٢ / ١٢٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (الْحَسَنُ بْنُ فُرَاتِ) بن أبي عبد الرحمن التميميّ القزّاز الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم [٧].
رَوَى عن أبي مَعْشر زياد بن كليب، وابن أبي مليكة، وغيلان بن جرير، وأبيه فُرات.
وروى عنه ابنه زياد، وابن إدريس، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو عاصم، وغيرهم.
قال ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، نقله عنه ابنه في "مقدمة الجرح والتعديل"، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وابن ماجه، وليس له عند المصنّف، وابن ماجه إلا هذا الحديث، وعند الترمذيّ له حديث واحد فقط.
والباقون تقدّموا في الباب، وقبل باب.
[تنبيه]: رواية الحسن بن الفرات، عن أبيه هذه ساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٢٨٧١) - حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن إدريس، عن حسن بن فُرات، عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما ذَهَب نبيّ خَلَفه نبيّ، وأنه ليس كائن بعدي نبيّ فيكم"، قالوا: فما يكون يا رسول الله؟ قال: "تكون خلفاء، فتكثر"، قالوا: فكيف نصنع؟ قال: "أوفوا ببيعة الأولِ، فالأولِ، أدُّوا الذي عليكم، فسيسألهم الله - ﷿ - عن الذي عليهم". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٦] (١٨٤٣) - (حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، وَوَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ،
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" ٢/ ٩٥٨.
[ ٣٢ / ١٢١ ]
قَالَا: أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ (ح) وَحَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّهَا سَتَكُونُ بَعْدِي أثَرَةٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟ قَالَ: "تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة عشر:
١ - (أَبُو الأَحْوَصِ) سلّام بن سُليم الحنفيّ مولاهم، الكوفيّ، ثقةٌ متقنٌ صاحب حديث [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٥.
٢ - (عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ) المروزيّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) أو بعدها، وقد قارب المائة (م ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٥.
٣ - (عِيسَى بْنُ يُونُسَ) بن أبي إسحاق السَّبيعيّ، الكوفيّ، نزل الشام مرابطًا، ثقةٌ مأمونٌ [٨] (ت ١٨٧ أو ١٩١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
٤ - (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان العبسيّ، أبو الحسن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٩) (خ م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٦.
٥ - (زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الْجُهنيّ، أبو سليمان الكوفيّ، ثقةٌ مخضرمٌ جليلٌ [٢] مات بعد الثمانين، وقيل: (٩٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٧/ ٣٧٤.
٦ - (عَبْدُ اللهِ) بن مسعود بن غافل بن حبيب الْهُذليّ، أبو عبد الرحمن الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٣٢) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١١.
والباقون تقدّموا في الأبواب الثلاثة الماضية، و"أبو سعيد الأشجّ" هو: عبد الله بن سعيد، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"أبو معاوية" هو: محمد بن خازم الضرير، و"إسحاق بن إبراهيم" هو: ابن راهويه، و"جرير" هو ابن عبد الحميد.