أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه وأبيه، فكوفيّان، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن فيه عبيد الله بن عمر من أثبت الناس في نافع، والقاسمِ بن محمد، بل قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة - ﵂ - على الزهريّ، عن عروة عنها، وأن نافعًا من أثبت الناس في ابن عمر - ﵄ -، بل قدّمه بعضهم على سالم فيه.
شرح الحديث:
(عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) من باب ضرب: يقال: عَرَضتُ الجندَ: إذا أمرَرْتَهم، ونظرت إليهم؛ لتعرّفهم. قاله الفيّوميّ، وقال في "الفتح": وعرضُ الجيش: اختبارُ أحوالهم قبل مباشرة القتال للنظر في هيئتهم، وترتيب منازلهم، وغير ذلك. (يَوْمَ أُحُدٍ) بضمّ الهمزة، والحاء المهملة: الجبل المشهور بالمدينة، من جهة الشام، كانت به الوقعة، في أوائل شوّال سنة ثلاث من الهجرة، وهو مذكّر، فينصرف، وقيل: يجوز تأنيثه على توهّم البقعة، فيُمنع من الصرف، وليس بالقويّ، أفاده الفيّوميّ، والمراد به: الغزوة الواقعة فيه؛ أي: يوم غزوة أُحد. (فِي الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً) جملة في محلّ نصب على الحال من المفعول، (فَلَمْ يُجِزْنِي) وفي بعض النسخ: "فلم يُجز لي"، بضمّ أوّله، من الإجازة، يقال: جاز العقدُ وغيره: نَفَذ، ومضى على الصحّة، وأجزتُ العقدَ: جعلته جائزًا نافذًا؛ يعني: أنه لم يجعله في ديوان المقاتلين.
وفي رواية: "فاستصغرني". وفي "صحيح ابن حبّان": "فلم يُجزني، ولم يَرَني بلغت".
(وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ) قال في "القاموس": الخندق كجَعْفَر: حَفِيرٌ حولَ أَسْوَار الْمُدُن، مُعرَّبُ كَنْدَه. انتهى؛ أي: يوم غزوة الخندق، وقد تقدّم بيان الاختلاف في وقتها في بابه. (وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي)؛ أي: أمضاني، وأَذِن لي في القتال، وقال النوويّ - ﵀ -: المراد: جَعَلَه رجُلًا، له حُكم الرجال المقاتلين.
[ ٣٢ / ٢٩٦ ]
قال في "الفتح": ولم تختلف الرواة عن عبيد الله بن عمر في ذلك، وهو الاقتصار على ذكر أُحُدٍ والخندق. وكذا أخرجه ابن حبّان من طريق مالك، عن نافع، وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" عن يزيد بن هارون، عن أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر، فزاد فيه ذِكر بدرٍ، ولفظه: "عُرِضت على رسول الله - ﷺ - يوم بدرٍ، وأنا ابن ثلاث عشرة، فردّني، وعُرِضتُ عليه يوم أحد. . ." الحديث، قال ابن سعد: قال يزيد بن هارون: ينبغي أن يكون في الخندق ابن ستّ عشرة سنة. انتهى، وهو أقدم من نعرفه استشكل قول ابن عمر هذا، وإنما بناه على قول ابن إسحاق، وأكثر أهل السِّيَر أن الخندق كانت في سنة خمس من الهجرة، وإن اختلفوا في تعيين شهرها، واتّفقوا على أن أُحُدًا كانت في شوّال سنة ثلاث، وإذا كان كذلك جاء ما قال يزيد: إنه يكون حينئذ ابن ستّ عشرة سنة، لكن البخاريّ جنح إلى قول موسى بن عقبة في "المغازي": إن الخندقَ كانت في شوّال سنة أربع، وقد روى يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، ومن طريقه البيهقيّ، عن عروة نحو قول موسى بن عقبة. وعن مالك الجزم بذلك، وعلى هذا لا إشكال، لكن اتّفق أهل المغازي على أن المشركين لَمّا توجّهوا في أُحُد نادَوُا المسلمين: موعدُكم العامَ المقبلَ بدرٌ، وأنه - ﷺ - خرج إليها من السنة المقبلة في شوّال، فلم يَجِد بها أَحَدًا، وهذه هي التي تُسمّى "بدر الموعد"، ولم يقع بها قتالٌ، فتعيّن ما قال ابن إسحاق: إن الخندق كانت في سنة خمس، فيحتاج حينئذ إلى الجواب عن الإشكال، وقد أجاب عنه البيهقيّ وغيره بأن قول ابن عمر: "عُرضت يوم أُحد، وأنا ابن أربع عشرة"؛ أي: دخلت فيها، وأن قوله: "عُرضتُ يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة"؛ أي: تجاوزتها، فألغى الكسر في الأولى، وجَبَره في الثانية، وهو شائعٌ مسموعٌ في كلامهم، وبه يرتفع الإشكال المذكور، وهو أولى من الترجيح، والله أعلم.