أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -؛ كلاحقه، وهو (٣٤٥) من رباعيّات الكتاب، وأنه أصحّ الأسانيد مطلقًا، نُقل عن البخاريّ - ﵀ - أنه قال: أصحّ الأسانيد مالك، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -، وأخرج الخطيب أنه قال لأبي زرعة الرازيّ: يا أبا زرعة ليس ذا زعزعة عن زوبعة، إنما تَرفع السِّتر، فتنظر إلى النبيّ - ﷺ -، وأصحابُهُ بين يديه: "حدّثنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر"، ويُسمّى هذا السند بسلسلة الذهب (^١).
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُسَافَرَ) بالبناء للمفعول، (بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ)؛ أي: إلى دار الحرب، زاد في الرواية التالية: "مخافةَ أن يناله العدوّ"، وفي الرواية الثالثة: "فإني لا آمن أن يناله العدوّ".
قال في "الفتح" بعد أن أورد رواية البخاريّ بلفظ المصنّف ما نصّه:
_________________
(١) راجع: "الكفاية في علم الرواية" للخطيب البغداديّ ١/ ٣٩٩، و"إسعاف ذوي الوطر في شرح ألفيّة الأثر" ١/ ٣١.
[ ٣٢ / ٣٠٤ ]
وأورده ابن ماجه من طريق عبد الرحمن بن مهديّ، عن مالك، وزاد: "مخافة أن يناله العدوّ"، رواه ابن وهب، عن مالك، فقال: "خشيةَ أن يناله العدوّ"، وأخرجه أبو داود، عن القعنبيّ، عن مالك، فقال: قال مالك: أراه مخافة، فذكره، قال أبو عمر: كذا قال يحيى بن يحيى الأندلسيّ، ويحيى بن بُكير، وأكثر الرواة عن مالك جعلوا التعليل من كلامه، ولم يرفعوه، وأشار إلى أن ابن وهب تفرّد برفعها، قال الحافظ: وليس كذلك لِمَا قدّمته من رواية ابن ماجه، وهذه الزيادة رفعها ابن إسحاق أيضًا، كما تقدّم، وكذلك أخرجها مسلم، والنسائيّ، وابن ماجه، من طريق الليث، عن نافع، ومسلم من طريق أيوب، بلفظ: "فإني لا آمن أن يناله العدوّ"، فصحّ أنه مرفوع، وليس بمدرَج، ولعلّ مالكًا كان يجزم به، ثم صار يشكّ في رفعه، فجعله من تفسير نفسه. انتهى (^١).
وقال ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه": في قوله: "مخافةَ أن يناله العدوّ" بيان واضح أن العدوّ إذا كان فيهم ضعف، وقلةٌ، والمسلمون فيهم قوّة، وكثرة، ثم سافر أحدهم بالقرآن، وهو في وسط الجيش، يأمن أن لا يقع ذلك في أيدي العدوّ، كان استعمال ذلك الفعل مباحًا له، ومتى أيس مما وَصفنا، لم يَجُز له السفر بالقرآن إلى دار الحرب. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٤/ ٤٨٣١ و٤٨٣٢ و٤٨٣٣ و٤٨٣٤] (١٨٦٩)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٩٠)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦١٠)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٣ و٢٤٣)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٩٠٩
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٤، كتاب "الجهاد" رقم (٢٩٩٠).
(٢) "صحيح ابن حبان" ١١/ ١٦.
[ ٣٢ / ٣٠٥ ]
و٢٩١٠)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٤٤٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٨٥٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٤١٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٢٧٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٦٩٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٦ و٧ و١٠ و٥٥ و٦٣ و٧٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠٦٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧١٥ و٤٧١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٣٩ و٤٤٠)، و(ابن أبي داود) في "المصاحف" (ص ٢٠٥ و٢٠٦ و٢٠٧ و٢٠٨ و٢٠٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في "مسند عليّ بن الجعد" (١٢٢٣ و٢٦٨٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٠٨)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (١٢٣٣ و١٢٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه النهيَ عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار؛ للعلة المذكورة في الحديث، وهي خوف أن ينالوه، فينتهكوا حرمته، فإن أُمنت هذه العلة، بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم، فلا كراهة، ولا مَنْع منه حينئذ؛ لعدم العلة، قال النوويّ - ﵀ -: هذا هو الصحيح، وبه قال أبو حنيفة، والبخاريّ، وآخرون، وقال مالك، وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقًا، وحَكَى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقًا، والصحيح عنه ما سبق، وهذه العلة المذكورة في الحديث هي من كلام النبيّ - ﷺ -، وغَلِط بعض المالكية، فزعم أنها من كلام مالك، واتَّفَقَ العلماء على أنه يجوز أن يَكتب إليهم كتابٌ فيه آية، أو آيات، والحجة فيه كتاب النبيّ - ﷺ - إلى هرقل، قال القاضي عياض: وكَرِه مالك وغيره معاملة الكفار بالدراهم والدنانير التي فيها اسم الله تعالى، وذِكْره - ﷾ -. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن عبد البرّ: أجمع الفقهاء أن لا يسافَر بالمصحف في السرايا والعسكر الصغير الْمَخُوف عليه، واختلفوا في الكبير المأمون عليه، فمنَعَ مالك أيضًا مطلقًا، وفصَّل أبو حنيفة، وأدار الشافعية الكراهة مع الخوف وجودًا وعدمًا، وقال بعضهم كالمالكية.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ١٣.
[ ٣٢ / ٣٠٦ ]
٢ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على مَنْع بيع المصحف من الكافر؛ لوجود المعنى المذكور فيه، وهو التمكن من الاستهانة به، ولا خلاف في تحريم ذلك، وإنما وقع الاختلاف: هل يصحّ لو وقع، ويؤمر بإزالة مُلكه عنه، أم لا؟.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به أيضًا على منع تعلم الكافر القرآن، فمَنَع مالك مطلقًا، وأجاز الحنفية مطلقًا، وعن الشافعيّ قولان، وفَصّل بعض المالكية بين القليل؛ لأجل مصلحة قيام الحجة عليهم، فأجازه، وبين الكثير فمَنَعه، ويؤيده قصّة هرقل، حيث كتب إليه النبيّ - ﷺ - بعض الآيات، وقد نقل النوويّ الاتفاق على جواز الكتابة إليهم بمثل ذلك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إِلَىَ أَرْضِ الْعَدُوِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ) بن سعيد، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ رُمْحٍ) هو: محمد بن رُمْح بن مهاجر التجيبيّ المصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد الإمام المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا. والباقيان ذُكرا قبله.