أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالبصريين، إلى أبي
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٤٥.
(٢) وفي نسخة: "بإصبعيه".
[ ٣٢ / ٣٢٩ ]
زرعة، وهو والصحابي - ﵁ - كوفيّان، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض، ورواية الأولين من رواية الأقران؛ لأنهما من الطبقة الخامسة.
شرح الحديث:
(عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) البجليّ - ﵁ - أنه (قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَلْوي)؛ أي: يفتل، ويَعطف، ويميل من جانب إلى جانب، (نَاصِيَةَ فَرَسٍ) الناصية: هي الشعر المنسدل على الجبهة، وقوله: (بِإِصْبَعِهِ) وفي بعض النسخَ: "بإصبعيه"، وقد تقدّم أن في الإصبع عشر لغات، تثليث الهمزة، مع تثليث الباء، والعاشر، أُصبوع، بضمّ الهمزة، بوزن أُسبوع، وأفصحها كسر الهمزة، مع فتح الباء.
وفيه استحباب خدمة الرجل فرسه المعدّة للجهاد، قاله النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وَلَيُّ النبيّ - ﷺ - ناصية فرسه بيده؛ ليحسّها، ويتعاهدها، ويُكرمها بذلك، كما قال: "ارتبطوا الخيل، وامسحوا نواصيها، وأكفالها، وجلودها" (^٢). انتهى (^٣).
وقوله: (وَهُوَ يَقُولُ) جملة في محلّ نصب على الحال، ("الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا)؛ أي: ملازم لها أشدّ الملازمة حتى كأنه مربوط بها، وفي حديث عروة - ﵁ - الآتي: "معقوص" بالصاد المهملة، وهما بمعنى واحد؛ أي: مَلْويّ، ومضفور فيها (الْخَيْرُ) وقوله: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) متعلّق بـ "معقود"، وهو كناية عن كون الخير لا ينفكّ عنها في زمن من الأزمان، ويُفهم منه دوام حكم الجهاد إلى يوم المعاد (^٤).
وقوله: (الأَجْرُ، وَالْغَنِيمَةُ") تفسير للخير المذكور، وهو مرفوع على البدليّة، أو عطف البيان لـ "الخير"، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو الأجر والغنيمة، قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا المعنى هو الذي عُبّر عنه بالبركة في حديث أنس - ﵁ - الآتي (^٥).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ١٧.
(٢) حديث حسن، أخرجه أبو داود في "سننه" (٣/ ٢٤).
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٠٣.
(٤) "المفهم" ٣/ ٧٠٣.
(٥) "المفهم" ٣/ ٧٠٣.
[ ٣٢ / ٣٣٠ ]
وقال بعضهم: الغنيمة، والمغنم في الرواية الآتية بمعنى واحد، وكذا الْغُنْم بالضمّ، مثلُ القُفْل، والأصل في هذه المادّة: إصابة الشيء بلا بدل، ولا مشقّة، وذكر في "النهاية" أن الغنيمة، والمغنم، والْغُنْم هو ما أصيب من أموال أهل الحرب، وأوجف عليه المسلمون بالخيل والركاب. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جرير بن عبد الله - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٦/ ٤٨٣٩ و٤٨٤٠] (١٨٧٢)، و(النسائيّ) في "الخيل" (٦/ ٢٢١) و"الكبرى" (٣/ ٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٦٩)، و(الطحاويّ) في "شرح معاني الآثار" (٣/ ٢٧٤) و"مشكل الآثار" (٢٢٣ - ٢٢٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٤٠٩ و٢٤١٠ و٢٤١١ و٢٤١٢ و٢٤١٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٤٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٢٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٦٤٦)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٤٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ يُونُسَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) هو ابن عُليّة، تقدّم أيضًا قبل باب.
٣ - (وَكِيعُ) بن الْجَرّاح، تقدّم قريبًا.
٤ - (سُفْيَانُ) بن سعيد الثوريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله، و"يونس" هو: ابن عبيد.
[ ٣٢ / ٣٣١ ]
[تنبيه]: رواية ابن عليّة عن يونس بن عبيد، ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٦٦٩) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، حدّثنا أبو خيثمة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبي زرعة بن عمرو، عن جرير، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والغنيمة". انتهى (^١).
وأما رواية سفيان الثوريّ، عن يونس، فساقها الطحاويّ - ﵀ - في "شرح معاني الآثار"، فقال:
حدّثنا أبو بشر الرَّقّيّ، قال: ثنا الفريابيّ، عن سفيان، عن يونس بن عبيد (^٢)، عن عَمْرو (^٣) بن سعيد، عن أبي زُرعة، عن جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر، والغنيمة". انتهى (^٤).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٤١] (١٨٧٣) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (^٥): الأَجْرُ، وَالْمَغْنَمُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة خالد، ويقال: هُبيرة بن ميمون بن فيروز الْهَمْدانيّ الوادعيّ، أبو يحيى الكوفيّ، ثقةٌ، يدلّس [٦] (ت ٧ أو ٨ أو ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨٣/ ٤٤٩.
٢ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشعبيّ، أبو عمرو الْهَمْدانيّ الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٠/ ٥٢٥.
(٢) كان وقع في النسخة: "يونس بن عبيد الله"، وهو غلط بلا شكّ، فتنبّه.
(٣) كان وقع في النسخة أيضًا: "عُمَر" بضمّ العين، وهو غلط بلا شكّ أيضًا.
(٤) "شرح معاني الآثار" ٣/ ٢٧٤.
(٥) وفي نسخة: "إلى يوم القيامة، وحدّثنا أبو بكر".
[ ٣٢ / ٣٣٢ ]
فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (عُرْوَةً الْبَارِقِيُّ) هو: عروة بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد، ويقال: عروة بن عياض بن أبي الجعد الأزديّ البارقيّ صحابيّ سكن الكوفة، وبارق - بالموحّدة، والقاف - جَبَل نزله سعد بن عديّ بن مازن.
رَوَى عن النبيّ - ﷺ -، وعن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وعنه شَبيب بن غَرْقدة، والشعبيّ، والعيزار بن حُريث، وأبو لَبِيد لِمَازة بن زبار الجهضميّ، وقيس بن أبي حازم، وأبو إسحاق السبيعيّ، وسماك بن حرب، ونعيم بن أبي هند، وآخرون.
قال ابن الْبَرْقيّ: جاء عنه ثلاثة أحاديث، وقال غيره: استعمله عمر - ﵁ - على قضاء الكوفة (^١)، وضم إليه سليمانَ بنَ ربيعة قبل شُرَيح، وقال الشعبيّ: أول من قضى على الكوفة عروة بن الجعد البارقيّ.
قال ابن المدينيّ: من قال فيه: عروة بن الجعد فقد أخطأ، وإنما هو ابن أبي الجعد، وأما ابن حبان، فقال: عروة بن الجعد بن أبي الجعد، وقال ابن قانع: اسم أبي الجعد سعد. انتهى.
وقال الرشاطيّ: هو عروة بن عياض بن أبي الجعد، نُسب في الرواية إلى جدّه، قال: وكان ممن شَهِد فتح الشام ونزلها، ثم نقله عثمان إلى الكوفة، وكان يرتبط الخيل الكثيرة، حتى قال الراوي: رأيت في داره سبعين فرسًا (^٢).
وذكر في "الإصابة": "أن عروة هذا هو الذي أرسله النبيّ - ﷺ - ليشتري الشاة بدينار، فاشترى شاتين. . ." والحديث مشهور في البخاريّ وغيره (^٣).
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث، وأعاده بعده.
_________________
(١) قال الحافظ بعد نقل ما تقدّم ما نصّه: الذي قيل: إن عمر استعمل عروة بن عياض بن أبي الجعد، فلعله غير هذا. انتهى. "تهذيب التهذيب" ٣/ ٩١.
(٢) هذا هو الذي في "صحيح البخاريّ"، والذي في "الإصابة" (٦/ ٤١٤): عن شبيب بن غَرْقدة قال: رأيت في دار عروة بن الجعد ستين فرسًا. وما في "الصحيح" أصحّ.
(٣) راجع: "الإصابة" ٦/ ٤١٤.
[ ٣٢ / ٣٣٣ ]
والباقيان ذُكرا في الباب.