أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، ويحيى بن يحيى، فنيسابوريّ، وزهير، فبغداديّ، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَكْرَهُ) بفتح أوله، وثالثه، يقال: كَرِهْتُ الأمرَ أكْرَهُه، من باب تَعِبَ كُرْهًا، بضمّ الكاف، وفتحها: ضِدُّ أحببته، فهو مكروه، وكَرُهَ الأمرُ والمنظر كَرَاهَةً، فهو كَرِيهٌ، مثلُ قَبُح قَبَاحةً، فهو قَبِيحٌ وزنًا ومعنًى، وكَرَاهِيَةً بالتخفيف أيضًا، والكَرْهُ بالفتح: المشقة، وبالضم: القهرُ، وقيل: بالفتح: الإكراه، وبالضم المشقة، وأَكْرَهْتُهُ على الأمر إكْرَاهًا: حملته عليه قهرًا، يقال: فعلته كَرْهًا، بالفتح؛ أي: إكْرَاهًا، وعليه قوله تعالى: ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣]، فقابَل بين الضدّين، قال الزجاج: كلّ ما في القرآن من الكُرْهِ بالضم، فالفتح فيه جائز، إلا قوله في سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، والكَرِيهَةُ: الشدة في الحرب، أفاده الفيّوميّ (^١).
(الشِّكَالَ) منصوب على المفعوليّة لِمَا قبله، وقوله: (مِنَ الْخَيْلِ) بيان لـ "الشكال"، و"الشِّكال" بكسر الشين المعجمة فسّره في الرواية التالية بأن يكون في رجله اليمنى بياض، وفي يده اليسرى، أو يده اليمنى، ورجله اليسرى، قال النوويّ - ﵀ -: وهذا التفسير أحد الأقوال في الشِّكال، وقال أبو عبيد، وجمهور أهل اللغة، والغريب: هو أن يكون منه ثلاث قوائم مُحَجَّلةً، وواحدة مطلَقَة؛
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢.
[ ٣٢ / ٣٤٤ ]
تشبيهًا بالشِّكال الذي تُشْكَل به الخيل، فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، قال أبو عبيد: وقد يكون الشِّكال ثلاث قوائم مطلقةً، وواحدة مُحَجَّلة، قال: ولا تكون المطلقة من الأرجل، أو المحجلة إلا الرِّجل، وقال ابن دريد: الشِّكال أن يكون محجَّلًا من شقّ واحد في يده ورجله، فإن كان مخالفًا قيل: شِكالٌ مخالف.
وقال ابن الأثير - ﵀ -: الشِّكال في الخَيل هو أن تكون ثلاث قَوَائم منه مُحجَّلةً، وواحدة مُطْلَقة؛ تشبيهًا بالشِّكال الذي تُشْكل به الخَيل؛ لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، وقيل: هو أن تكون الواحدة مُحجَّلة، والثلاث مُطْلقة، وقيل: هو أن تكون إِحْدَى يَدَيه، وإحْدَى رِجْليه من خلافٍ مُحجَّلَتين، وإنما كَرِهه؛ لأنه كالمشكول صُورة تَفاؤلًا، ويمكن أن يكون جَرَّب ذلك الجنْس، فلم يكن فيه نَجَابةٌ، وقيل: إذا كانَ مع ذلك أغَرَّ زالَت الكراهة؛ لِزَوال شِبْه الشِّكال، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال الشيخ وليّ الدين العراقيّ - ﵀ -: اختُلِف في تفسير الشكال المنهيّ عنه على عشرة أقوال، فذكر الثلاثة المتقدّمة.
[والرابع]: أن يكون التحجيل في يد ورجل من شقّ واحد، فإن كان مخالفًا قيل: شِكال مخالف.
[والخامس]: أن الشِّكال بياض الرجل اليمنى.
[والسادس]: أنه بياض اليسرى.
[والسابع]: أنه بياض الرجلين.
[والثامن]: أنه بياض اليدين.
[والتاسع]: بياض اليدين، ورجل واحدة.
[والعاشر]: بياض الرجلين، ويد واحدة، حَكَى هذه الأقوال السبعة المنذريّ في "حواشيه"، والثلاثة الأُوَل مشهورة، والثالث منها هو الذي فَسَّر به الشِّكال في حديث أبي داود، فالأخذ به أَولى؛ لأنه إما من كلام النبيّ - ﷺ -، أو
_________________
(١) "النهاية في غريب الأثر" ٢/ ١٢٠٤.
[ ٣٢ / ٣٤٥ ]
من كلام الراوي، وهو أعرف بتفسير الحديث. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ - بعد ذكر الأقوال ما نصّه: وليس فيها ما يوافق ذلك التفسير إلا ما حكاه ابن دُريد من الشِّكال المخالف، فإن صحّ أن ذلك من قول النبيّ - ﷺ - فهو حقّ - والله تعالى أعلم - وإن كان ذلك من قول بعض الرواة، فالمعروف عند اللغويين ما قدّمته من قول أبي عُبيد.
قال الجامع عفا الله عنه: الذي قاله أبو عبيد هو الذي ذكره النسائيّ في كتابه، حيث قال: قال أبو عبد الرحمن: الشِّكال من الخيل: أن تكون ثلاث قوائم محجّلةً، وواحدةٌ مطلقةً، أو تكون الثلاث مطلقةً، ورِجْلٌ محجّلة، وليس يكون الشِّكال إلا في رجل، ولا يكون في يدٍ. انتهى.
قال القرطبيّ: ويَحْتَمل كَرِه اسم الشكال من جهة اللفظ؛ لأنه يُشعر بنقيض ما تراد به الخيل له، وهذا كما قال: "لا أُحبّ العقوق".
ويَحْتَمِل أن يكرهه لِمَا يقال: إن حوافر المشكل، وأعضاءه ليس فيها من القوّة ما فيما ليس كذلك. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٧/ ٤٨٤٨ و٤٨٤٩ و٤٨٥٠] (١٨٧٥)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٥٤٧)، و(الترمذيّ) في "الجهاد" (١٦٩٨)، و(النسائيّ) في "الخيل" (٦/ ٢١٩) و"الكبرى" (٣/ ٣٧)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٩٠)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٢٨)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤٢٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٥٠ و٤٣٦ و٤٦١ و٤٧٦ و٤٥٧)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٢٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٧٧)،
_________________
(١) "شرح السيوطيّ لسنن النسائيّ" ٦/ ٢٢٠ - ٢٢١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٠٤.
[ ٣٢ / ٣٤٦ ]
و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٤٩ و٤٥٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٣٠)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٤٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: وَالشِّكَالُ أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ، وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى (^١)، وَرِجْلِهِ الْيُسْرَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ) بن الْحَكَم الْعَبديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب، والباب الماضي، و"سفيان" هو: الثوريّ.
وقوله: (جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ) بيّن به أن كلًّا من عبد الله بن نُمير، وعبد الرزّاق رويا هذا الحديث عن سفيان الثوريّ بسنده الماضي.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن نمير، وعبد الرزّاق كليهما عن سفيان الثوريّ لم أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنِي وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ النَّخَعِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ وَكِيعٍ، وَفِي رِوَايَةِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، وَلَمْ يَذْكُرِ النَّخَعِيَّ).
_________________
(١) وفي نسخة: "أو يده اليمنى".
[ ٣٢ / ٣٤٧ ]
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ) بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله، و"عبد الله بن يزيد النخعيّ" هو سلم بن عبد الرحمن، أخطأ فيه شعبة، كما يأتي تحقيقه في التنبيه الثاني - إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة ساقها النسائيّ - ﵀ - في "سننه" (^١)، فقال:
(٣٥٦٦) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة (ح) وأنبأنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدّثنا بشر، قال: حدّثنا شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: "كان النبيّ - ﷺ - يَكْرَه الشِّكال من الخيل". انتهى.
ورواية وهب بن جرير، عن شعبة ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٢٩٧) - وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا وهب بن جرير، قال: ثنا شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - كان يَكره الشِّكال من الخيل. انتهى (^٢).
[تنبيه آخر]: قوله في رواية شعبة هذه: "عبد الله بن يزيد" خطأ من شعبة، والصواب كما في رواية الثوريّ: سلم بن عبد الرحمن، قال الحافظ المزيّ في "تهذيب الكمال": وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: في حديث شعبة، عن عبد الله بن يزيد، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، شعبة يُخطئ في هذا، يقول: عبد الله بن يزيد، وإنما هو سَلْم بن عبد الرحمن النخعيّ. انتهى (^٣).
وقال في "تهذيب التهذيب": فممن زعم أن مسلمًا أخرج للصهبانيّ
_________________
(١) "المجتبى" ٦/ ٢١٩، و"الكبرى" ٣/ ٣٧.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٥٠.
(٣) "تهذيب الكمال" ١٦/ ٣١٣.
[ ٣٢ / ٣٤٨ ]
- يعني: عبد الله بن يزيد النخعي الصهبانيّ - الحاكم، وأبو القاسم اللالكائيّ، ومحمد بن إسماعيل بن عبد الله بن يزيد الأزديّ، والصواب أنه لم يُخرج له، بل في حكاية عبد الله بن أحمد، عن أبيه ما يُصرّح بأن الحديث ليس هو عن عبد الله بن يزيد بحال، بل هو من حديث سَلْم بن عبد الرحمن، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: يُستفاد من مجموع ما ذُكر أن شعبة أخطأ في اسم شيخه، فقال: عبد الله بن يزيد النخعيّ الصهبانيّ (^٢)، وإنما صوابه سَلْم بن عبد الرحمن كما قال الثوريّ، وهذا من أغرب ما يُسمع عن مثل شعبة، يُخطئ في اسم شيخه مثل هذا الخطأ البعيد، إن هذا لهو العجب الْعُجاب.
وبالجملة فالمحلّ عندي محلّ توقّف ونظر؛ لأن مسلمًا لم يُشر إلى هذا الغلط، ولا النسائيّ في "سننه"، مع أنهما كثيرًا ينبّهان على مثل هذا الخطأ، وأيضًا فقد ذكر الأئمة الذين ذكرهم في "تهذيب التهذيب" آنفًا أن مسلمًا أخرج لعبد الله بن يزيد النخعيّ المذكور، فدعوى الغلط لمجرّد ما حُكي عن أحمد في كلامه السابق، غير واضح؛ إذ لم يتبيّن لنا صحّة ما حُكي عنه حيث لم يُذكر سنده.
والحاصل أن تصويب الحافظ دعوى التغليط المذكور - كما مشى عليه، في "التقريب"، وأصله - دون حجة واضحة عجيب منه، فليُتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾