أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالكوفيين، غير الصحابيّ، فمدنيّ، وشيخه، فنسائيّ، ثم بغداديّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - روى هذا الحديث عن أبي هريرة - ﵁ - جماعة من التابعين: منهم: أبو زرعة البجليّ، والأعرج، وأبو صالح السمّان، كلهم عند الشيخين، وهمّام بن منبّه عند مسلم، وسعيد المسيّب عند البخاريّ. (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله تعالى، وفي الرواية التالية: "تكفّل الله"، وفي رواية عند البخاريّ: "انتدب الله"،
_________________
(١) وفي نسخة: "لونه دمٌ".
[ ٣٢ / ٣٥٠ ]
وكلها متقاربة المعنى، ومحصّله تحقيق الوعد المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وذلك التحقيق على وجه الفضل منه - ﷾ -، وقد عبّر الله - ﷿ - بتفضّله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه مما جرت به عادة المتخاطبين فيما تطمئنّ به نفوسهم.
وقال القاضي عياض: قوله: "تضمّن الله"، معناه: أوجب له بفضله، قيل: وهذا الضمان والكفالة بما سبق في أول علمه، وما صرّح به في كتابه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١١]، قال بعض العلماء: وليس في الآية شرط أنهم يُقتلون بكلّ حال، بل ذَكر الحالين، فقال: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، ولهذا قال بعض الصحابة: ما أبالي قُتلت في سبيل الله، أو قَتَلت، ثم تلا الآية. انتهى (^١).
وقوله: (لَا يُخْرِجُهُ) بضمّ أوله، من الإخراج رباعيًّا، (إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ: "جهادًا" بالنصب، وكذا قال بعده: "وإيمانًا بي، وتصديقًا"، وهو منصوب على أنه مفعول له، وتقديره: لا يخرجه المخرجُ، ويحرِّكه المحرِّك إلا للجهاد، والإيمان، والتصديق. انتهى (^٢).
وقوله: (وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي) معناه: إلا محض الإيمان والإخلاص، وهو نصّ على اشتراط خلوص النيّة في الجهاد، وقوله في الرواية التالية: "وتصديق كلمته"؛ أي: كلمة الشهادتين، وقيل: تصديق كلام الله تعالى في الإخبار بما للمجاهدين من عظيم ثوابه.
وقوله: "لا يخرجه إلا جهادًا في سبيلي، وإيمانًا بي. . . إلخ" فيه التفات؛ لأن فيه انتقالًا من ضمير الغيبة إلى ضمير المتكلّم، وقال ابن مالك: فيه حَذْف القول، والاكتفاء بالمقول، وهو سائغ، شائع، سواء كان حالًا، أو غير حال، فمن الحال: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ﴾ الآية [غافر: ٧]؛ أي: قائلين: ربنا، وهذا مثله؛ أي: قائلًا: لا يخرجه. . . إلخ.
قال في "الفتح": وقد اختَلَفت الطرُق عن أبي هريرة - ﵁ - في سياقه،
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٩٤.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٢٠.
[ ٣٢ / ٣٥١ ]
فرواه مسلم من طريق الأعرج عنه بلفظ: "تكفّل الله لمن جاهد في سبيله، لا يخرجه من بيته إلا جهاد في سبيله، وتصديق كلمته"، وكذا هو عند البخاريّ من طريق أبي الزناد في "كتاب الخمس"، وكذلك أخرجه مالك في "الموطأ" عن أبي الزناد في "كتاب الخمس"، وأخرجه الدارميّ من وجه آخر، عن أبي الزناد، بلفظ: "لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، وتصديق كلماته"، نعم أخرجه أحمد، والنسائيّ من حديث ابن عمر - ﵄ -، فوقع في روايته التصريح بأنه من الأحاديث الإلهية، ولفظه: "عن رسول الله - ﷺ - فيما يَحْكِي عن ربه، قال: أيُّما عبد من عبادي، خرج مجاهدًا في سبيل ابتغاء مرضاتي، ضَمِنت له إن رجعته أن أرجعه بما أصاب من أجر، أو غنيمة. . ." الحديث، ورجاله ثقات، وأخرجه الترمذيّ من حديث عبادة - ﵁ - بلفظ: "يقول الله - ﷿ -: المجاهد في سبيلي هو عليّ ضامنٌ، إن رجعته رجعته بأجر، أو غنيمة. . ." الحديث، وصححه الترمذيّ (^١).
(فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ) قال النوويّ - ﵀ -: ذكروا في "ضامن" هنا وجهين: أحدهما أنه بمعنى مضمون، كماء دافقٍ؛ أي: مدفوق، والثاني: أنه بمعنى ذو ضمان. انتهى.
قال المازريّ: يجيء فاعل بمعنى مفعول، كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، بمعنى مدفوق، ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧]: بمعنى مرضيّة، فعلى هذا يكون "ضامن" بمعنى مضمون، وقيل: معناه: ذو ضمان على الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [النساء: ١٠٠]، ذكره القاضي عياض (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فهو عليّ ضامنٌ" قيل فيه: هو بمعنى مضمون، كما قالوا: ماء دافق؛ أي: مدفوق، و: لا عاصم اليوم؛ أي: معصوم، وقيل: معناه ذو ضمان، كما قال في الحديث الآخر: "تكفل الله"؛ أي: ضَمِنَ، وهذا كله عبارة عن أن هذا الجزاء لا بدّ منه؛ إذ قد سبق هذا في
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٤٥، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٧).
(٢) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٩٤.
[ ٣٢ / ٣٥٢ ]
علمه، ونافذ حكمه، وعن هذا المعنى عبَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]؛ لأن من اشترى شيئًا تعيّن عليه ثَمَنه، وكذلك مَنْ ضَمِنه. انتهى (^١).
(أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ)؛ أي: بغير حساب، ولا عذاب، أو المراد: أن يدخله الجنة ساعةَ موته، كما ورد: "أن أرواح الشهداء تَسْرَح في الجنة"، وبهذا التقرير يندفع إيراد من قال: ظاهر الحديث التسوية بين الشهيد والراجع سالِمًا؛ لأن حصول الأجر يستلزم دخول الجنة، ومحصّل الجواب: أن المراد بدخول الجنة دخول خاصّ، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: يَحْتَمِل أن يَدخُل الجنة عند موته، كما قال تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وفي الحديث: "أرواح الشهداء في الجنة"، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: دخوله الجنة عند دخول السابقين والمقربين، بلا حساب، ولا عذاب، ولا مؤاخذة بذنب، وتكون الشهادة مكفِّرةً لذنوبه، كما صُرِّح به في الحديث الصحيح. انتهى (^٣).
(أَوْ أَرْجِعَهُ) بفتح حرف المضارعة؛ أي: أرُدّه، يقال: رَجَعَ من سفره، وعن الأمر يَرْجِعُ رَجْعًا، ورُجُوعًا، ورُجْعَى، ومَرْجِعًا، قال ابن السِّكِّيت: هو نقيض الذَّهَاب، ويتعدّى بنفسه، في اللغة الفصحى، فيقال: رَجَعْتُهُ عن الشيء، وإليه، ورَجَعْتُ الكلامَ وغيرَه؛ أي: رددته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ الآية [التوبة: ٨٣]، وهذيل تُعدِّيه بالألف، قاله الفيّوميّ (^٤).
قال الجامع عفا الله عنه: المناسب هنا هو المتعدّي؛ لِعَمَله في ضمير من خرج، وهو منصوب على "أُدخله"، والله تعالى أعلم.
(إِلَى مَسْكَنِهِ) بفتح الكاف، وكسرها لغتان، حكاهما الجوهريّ وغيره، معناه: البيت، وجمعه مساكن، وقوله: (الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ) تأكيد؛ لِمَا جُبل عليه الإنسان من محبّة الوطن. (نَائِلًا) منصوب على الحال، وقوله: (مَا نَالَ) "ما"
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٥.
(٢) "الفتح" ٧/ ٤٥، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٧).
(٣) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٩٤.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ٢٢٠.
[ ٣٢ / ٣٥٣ ]
موصولة مفعول "نائلًا"، وقوله: (مِنْ أَجْرٍ) بيان لـ "ما"، (أَوْ غَنِيمَةٍ) قالوا: معناه: ما حصل له من الأجر بلا غنيمة، إن لم يَغْنَم، أو من الأجر والغنيمة معًا، إن غَنِموا، وقيل: إن "أو" هنا بمعنى الواو؛ أي: من أجر وغنيمة، وكذا وقع بالواو في رواية أبي داود، وكذا وقع في مسلم في رواية يحيى بن يحيى التي بعد هذه بالواو.
ومعنى الحديث: أن الله تعالى ضَمِن أن الخارج للجهاد ينال خيرًا بكل حال، فإما أن يُسْتَشْهَد، فيدخلَ الجنة، وإما أن يرجع بأجر، وإما أن يرجع بأجر وغنيمة، والله تعالى أعلم.
وقال عياض - ﵀ -: قوله: "أو يرجعه إلى مسكنه مع ما نال من أجر أو غنيمة" فيه وجهان، أحدهما: مع ما نال من أجر مجرّد إن لم تكن غنيمة، أو أجر وغنيمة إن كانت، فاكتفى بذكر الأجر أوّلًا عن تكراره، وقيل: "أو" هنا بمعنى الواو، وقد روى أبو داود: "من أجر وغنيمة"، وكذا وقع عند مسلم في رواية يحيى بن يحيى، وقيل: فيه أن الغنيمة لا تُنقص من الأجر؛ خلافًا لمن ذهب إلى ذلك؛ للأثر الذي ذكره بعد هذا، وقال أبو عبد الله بن أبي صفرة: فيه أن المجاهدين لَمّا وجدناهم غير متساوين في الأجر، متساوين في القسمة في الغنيمة دلّ أن أجورهم استحقّوها بالقتال، والغنيمة بفضل الله تعالى عليهم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه"؛ يعني: أن الله تعالى ضَمِن له إحدى الحسنيين: إما الشهادة، فيصير إلى الجنة حيًّا يُرزق فيها، وإما الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة.
وقوله: "نائلًا ما نال من أجر أو غنيمة" كذا لأكثر الرواة: "أو"، وهي هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وأنشدوا [من البسيط]:
نَالَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا … كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وقد دلَّ على هذا المعنى رواية أبي داود لهذه اللفظة، فإنه قال فيها: "من أجر وغنيمة" بالواو الجامعة، وقد رواه بعض رواة كتاب مسلم بالواو، وذهب
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٩٤.
[ ٣٢ / ٣٥٤ ]
بعض العلماء إلى أنها "أو" على بابها لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو، وقال: إن الحاصل لمن لم يُسْتَشْهَد من الجهاد أحد الأمرين: إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، وهذا ليس بصحيح؛ لِمَا يأتي من حديث عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما من غازية تغزو، فيصيبوا، ويَغْنَموا، إلا تعجّلوا ثلثي أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث"، وهذا نصّ في أنَّه يحصل له مجموع الأجر والغنيمة، فالوجة التأويل الأول، والله تعالى أعلم. انتهى (^١).
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ) - بفتح الكاف، وسكون اللام -؛ أي: ما من جَرْح (يُكْلَمُ) بالبناء للمجهول؛ أي: يُجرح (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله، وهو الجهاد الذي يُبْتَغَى به وجه الله تعالى، (إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كهَيْئَتِهِ)؛ أي: مثل صفته (حِينَ كُلِمَ) بالبناء للمجهول؛ أي: وقت جرحه؛ يعني: أن صفة دم الشهيد يوم القيامة؛ كصفته وقت جرحه، إلا أن هذا التشبيه ليس من جميع الوجوه، فإنه يوم جُرح كان دمًا لونًا وريحًا، وأما في القيامة فإن لونه لونُ دم، وأما ريحه فريحُ مسك، كما بيّن ذلك بقوله: (لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ) وفي بعض النسخ: "لونُهُ دمٌ"، (وَرِيحُهُ مِسْكٌ) بكسر الميم، وسكون السين المهملة: طِيْب معروف، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وهو مُعَرَّب، والعرب تسمّيه: المشموم، وهو عندهم أفضل الطيب، ولهذا ورد: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ المِسْكِ"؛ ترغيبًا في إبقاء أثر الصوم، قال الفراء: المِسْكُ مُذَكَّرٌ، وقال غيره: يُذَكَّر، ويُؤَنَّث، فيقال: هو المِسْكُ، وهي المِسْكُ، وأنشد أبو عبيدة على التأنيث قول الشاعر [من الرجز]:
وَالمِسْكُ وَالعَنْبَرُ خَيْرُ طِيبٍ … أُخِذَتَا بِالثَّمَنِ الرَّغِيبِ
وقال السجستانيّ: من أنّث المِسْكَ جعله جمعًا، فيكون تأنيثه بمنزلة تأنيث الذهب، والعسل، قال: وواحدته مِسْكَةٌ مِثْلُ ذهب، وذهبة، قال ابن السكيت: وأصله: مِسِكٌ بكسرتين، قال رؤبة [من الرجز]:
إِنْ تُشْفَ نَفْسِي مِنْ ذُبَابَاتِ الحَسَكِ … أَحْرِ بِهَا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ المِسِكِ
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٥ - ٧٠٦.
[ ٣٢ / ٣٥٥ ]
وهكذا رواه ثعلب عن ابن الأعرابيّ، وقال ابن الأنبارىّ: قال السجستانيّ: أصله السكون، والكسر في البيت اضطرار؛ لإقامة الوزن، وكان الأصمعيّ يُنشد البيت بفتح السين، ويقول: هو جمع مِسْكَةٍ، مثل خِرْقَة وخِرَقٍ، وقِرْبَة وقِرَب، ويؤيد قول السجستانيّ أنه لا يوجد فِعِلٌ بكسرتين إلا إِبِلٌ، وما ذُكِر معه، فتكون الكسرة لإقامة الوزن، كما قال:
عَلَّمَنَا إِخْوَانُنَا بَنُو عِجِلْ … شُرْبَ النَّبِيذِ وَاعْتِقَالًا بِالرِّجِلْ
والأصل هنا السكون باتفاق، أو تكون الكسرة حركةَ الكاف نُقِلت إلى السين؛ لأجل الوقف، وذلك سائغ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قال الجاحظ: المسك من دويبة تكون في الصين، تصاد لنوافجها، وسُرُرها، فإذا صيدت شُدّت بعصائب، وهي مدلية يجتمع فيها دمها، فإذا ذُبحت قُوِّرت السرّة التي عُصبت، ودُفنت في الشعر حتى يستحيل ذلك الدم المختنق الجامد مسكًا ذكيًّا، بعد أن كان لا يرام من النتن.
ومن ثَمّ قال القفال: إنها تندبغ بما فيها من المسك، فتطهر كما يطهر غيرها من المدبوغات. والمشهور أن غزال المسك كالظبي، لكن لونه أسود، وله نابان لطيفان أبيضان في فكّه الأسفل، وأن المسك دم يجتمع في سُرّته في وقت معلوم من السَّنة، فإذا اجتمع وَرِمَ الموضع، فمَرِض الغزال إلى أن يسقط منه، ويقال: إن أهل تلك البلاد يجعلون لها أوتادًا في البرية تحتك بها ليسقط.
ونَقَل ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" أن النافجة في جوف الظبية؛ كالإنفحة في جوف الجدي، وعن عليّ بن مهديّ الطبريّ الشافعيّ أنها تُلقيها من جوفها، كما تلقي الدجاجة البيضة.
ويمكن الجمع بأنها تُلقيها من سُرّتها، فتتعلق بها إلى أن تحتكّ. انتهى (^٢).
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ) من باب نصر، (عَلَى الْمُسْلِمِينَ)؛
_________________
(١) "المصباح" ٢/ ٥٧٣.
(٢) "الفتح" ١٢/ ٥١٨، كتاب "الذبائح" رقم (٥٥٣٣).
[ ٣٢ / ٣٥٦ ]
أي: بسبب تكلّفهم الخروج إذا خرج النبيّ - ﷺ -، وإن كان لهم عذر، (مَا) نافية (قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ)؛ يعني: بعد خروج سريّة إلى الغزو، و"الخلاف" بالكسر مصدر خالف؛ كالمخالفة، كما قال في "الخلاصة":
لِفَاعَلَ الْفِعَالُ وَالْمُفَاعَلَهْ … وَغَيْرُ مَا مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
و"السّريّة": قِطعة من الجيش، فَعِيلة بمعنى فاعلة، سُمّيت بذلك؛ لأنها تَسْري في خفية، والجمع سَرَايَا، وسَرِيّات، مثلُ عطيّة وعطيّات (^١).
وقال في "العمدة": قوله: "عن سريّة"؛ أي: قطعة من الجيش، يبلغ أقصاها أربعمائة، تُبْعث إلى العدوّ، وجَمْعه السرايا، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يكونون خلاصة العسكر، وخيارهم، من الشيء السَّريّ؛ أي: النفيس. انتهى (^٢).
ونصب "خلاف" على الحال؛ أي: حال كوني مخالفًا للسريّة.
وقوله: (تَغْزُو) صفة لـ "سريّة"، (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله - ﷿ -، (أَبَدًا) ظرف مستغرقٌ ما يُستقبل من الزمان، متعلّق بـ "قَعَدتُ"، (وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً) بفتح السين، وكسرها، والهاء عوض عن الواو، كعِدة، إذ أصله: وسع، مثلّث الواو؛ أي: غِنًى، وطاقةً، (فَأَحْمِلَهُمْ) من باب ضرب؛ يعني: أنه يشتري للفقراء ما يركبوه، حتى يغزوا معه، (وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً)؛ يعني: أنهم لا يجدون مالًا يشترون به ما يركبونه، (وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي)؛ أي: يتأخّروا عن الغزو معه - ﷺ -.
(وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ) بفتح الواو، وكسر الدال، يقال: وددت لو كان كذا أوَدّ وُدًّا، ووَدَادةً بالفتح: تمنّيتُه، وحَكَى الكسائيّ: وَدَدَت أَوَدّ بالفتح فيهما، وغلّطه البصريون، وقال الزجّاج: لم يقل الكسائيّ: إلا ما سمع، ولكن سمعه ممن لا يوثق بفصاحته (^٣). (أَنِّي أَغْزُو) بفتح همزة "أَنّ"؛ لأنها في تأويل المصدر مفعول "ودِدتُ"؛ أي: ودِدتُ غزوي (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمته - ﷿ -، (فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو) معطوف على مقدّر؛ أي: ثم أُحيا
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٢٧٥.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٩٥.
(٣) راجع: "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٣.
[ ٣٢ / ٣٥٧ ]
بعد قتلي، فأغزو (فَأُقْتَلُ) مرّةً ثانيةً (ثُمَّ) أحيا، (أَغْزُو) مرّة أخرى (فَأُقْتَلُ) وفي رواية للبخاريّ من طريق سعيد بن المسيِّب، أن أبا هريرة - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "والذي نفسي بيده، لولا أن رجالًا من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم، أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده، لوددت أني أُقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أُقتل".
قال الطيبيّ - ﵀ -: "ثُمّ" وإن دلّ على التراخي في الزمان هنا، لكن الحمل على التراخي في الرتبة هو الوجه؛ لأن المتمنَّى حصول درجات بعد القتل، والإحياء لم يحصل قبلُ، ومن ثمّة كرّرها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى الفردوس الأعلى.
[تنبيه]: قوله - ﷺ -: "أُقتل في سبيل الله. . . إلخ" استَشْكَل بعض الشراح صدور هذا التمني من النبيّ - ﷺ - مع علمه بأنه لا يُقْتَل.
وأجاب ابن التين بأن ذلك لعله كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وهو متعقَّب، فإن نزولها كان في أوائل ما قَدِم المدينة، وهذا الحديث صَرَّح أبو هريرة بأنه سمعه من النبيّ - ﷺ -، وإنما قَدِم أبو هريرة في أوائل سنة سبع من الهجرة.
قال الحافظ: والذي يظهر في الجواب أن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال - ﷺ -: "لودَدِنا لو صَبَر موسى حتى يقصّ علينا من أمرهما"، وكأنه - ﷺ - أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد، وتحريض المسلمين عليه، قال ابن التين: وهذا أشبه.
قال: وحَكَى شيخنا ابن الملقِّن أن بعض الناس زعم أن قوله: "ولوددت" مُدْرَج من كلام أبي هريرة، قال: وهو بعيد. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٩ - ٦٠.
[ ٣٢ / ٣٥٨ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٨/ ٤٨٥١ و٤٨٥٢ و٤٨٥٣ و٤٨٥٤ و٤٨٥٥ و٤٨٥٦ و٤٨٥٧ و٤٨٥٨] (١٨٧٦)، و(البخاريّ) في "الإيمان" (٣٦) و"الوضوء" (٢٣٧) و"الجهاد" (٢٧٨٧) و"فرض الخمس" (٣١٢٣) و"التوحيد" (٧٤٥٧ و٧٤٦٣)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ١٦) و"الأيمان" (٨/ ١١٩) و"الكبرى" (٣/ ١٢)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٥٣)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤)، و(ابن المبارك) في "الجهاد" (١/ ٤٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٩ و٤٢٤)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٥٣ و٤٥٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٣١١ و٢٣١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦١٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الجهاد، والخروج في سبيل الله - ﷿ -.
٢ - (ومنها): أنه استُدلّ به على أن الشهيد لا يُزال عنه الدم بغسل، ولا غيره، والحكمة في مجيئه يوم القيامة على هيئته، أن يكون معه شاهدُ فضيلته، وبَذْله نفسه في طاعة الله تعالى.
٣ - (ومنها): جواز اليمين، وانعقادها بقوله: "والذي نفسي بيده"، ونحو هذه الصيغة، من الحَلِف بما يدلّ على الذات، قال النوويّ: ولا خلاف في هذا، قال أصحابنا: اليمين تكون بأسماء الله تعالى، وصفاته، أو ما دلّ على ذاته.
[تنبيه]: قال القاضي عياض: واليد هنا بمعنى القدرة، والملك. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدّم غير مرّة أن هذا التأويل غير صحيح، وأن الحقّ، هو ما كان عليه السلف أن اليد صفة من صفات الله - ﷾ -، أثبتها النصّ، فنحن نُثبتها على مراد الله تعالى، وننزّهه تعالى عن مشابهة خلقه، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
٤ - (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الشفقة على المسلمين، والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمها.
[ ٣٢ / ٣٥٩ ]
٥ - (ومنها): مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم.
٦ - (ومنها): بيان فضيلة الغزو والشهادة.
٧ - (ومنها): مشروعيّة تمني الشهادة، والخير، وتمني ما لا يمكن في العادة من الخيرات، قال في "الفتح" ما حاصله: تمنّي الشهادة، والقصد لها مُرَغَّب فيه، مطلوب، وقد وردت أحاديث صريحة في ذلك، منها عن أنس - ﵁ - مرفوعًا: "من طلب الشهادة صادقًا أعطيها، ولو لم يصبها"؛ أي: أعطي ثوابها، ولو لم يُقتل، أخرجه مسلم، وأصرح منه في المراد: ما أخرجه الحاكم بلفظ: "من سأل القتل في سبيل الله صادقًا، ثم مات، أعطاه الله أجر شهيد"، وللنسائي من حديث معاذ - ﵁ - مثله، وللحاكم من حديث سهل بن حنيف - ﵁ -، مرفوعًا: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه". انتهى (^١).
٨ - (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين.
٩ - (ومنها): أن في قوله - ﷺ -: "والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله"، في الحديث الآتي تنبيه على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور فيه إنما هو لمن أخلص فيه، وقاتَل لتكون كلمة الله هي العليا.
قال النوويّ - ﵀ -: ظاهر قوله: "في سبيل الله" اختصاصه بمن وقع له ذلك في قتال الكفار، لكن يَلتحق به من قُتل في حرب البغاة، وقطاع الطريق، وإقامة المعروف؛ لاشتراك الجميع في كونهم شهداء.
وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: أصل الحديث في الكفار، ويُلْحَق هؤلاء بهم بالمعنى؛ لقوله - ﷺ -: "من قُتل دون ماله، فهو شهيد"، وتوقّف بعض المتأخرين في دخول من قاتَل دون ماله؛ لأنه يقصد صون ماله بداعية الطبع، وقد أشار في الحديث إلى اختصاص ذلك بالمخلص، حيث قال: "والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله".
والجواب أنه يمكن فيه الإخلاص مع إرادة صون المال؛ كأن يقصد بقتال
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٨، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٩٨).
[ ٣٢ / ٣٦٠ ]
من أراد أَخْذه منه صون الذي يقاتله عن ارتكاب المعصية، وامتثال أمر الشارع بالدفع، ولا يُمحض القصد لصون المال، فهو كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، مع تشوّقه إلى الغنيمة. انتهى (^١).
١٠ - (ومنها): بيان أن الأعمال الصالحة لا تستلزم الثواب لأعيانها، وإنما يحصل بالنيّة الخالصة لله - ﷿ -.
١١ - (ومنها): أنه استُدلّ به على طهارة المسك، وقد استدلّ به البخاريّ في "صحيحه"، قال ابن المنيّر: وجه استدلال البخاريّ بهذا الحديث على طهارة المسك، وكذا بالذي بعده، وقوع تشبيه دم الشهيد به؛ لأنه في سياق التكريم والتعظيم، فلو كان نجسًا لكان من الخبائث، ولم يَحسُن التمثيل به في هذا المقام. انتهى (^٢).
قال النوويّ - ﵀ -: أجمعوا على أن المسك طاهر، يجوز استعماله في البدن والثوب، ويجوز بيعه، ونَقَل أصحابنا عن الشيعة فيه مذهبًا باطلًا، وهو مستثنى من القاعدة: ما أُبِين من حيّ فهو ميت. انتهى.
وحَكَى ابن التين عن ابن شعبان من المالكية، أن فأرة المسك إنما تؤخذ في حال الحياة، أو بذكاة من لا تصح ذكاته من الكفرة، وهي مع ذلك محكوم بطهارتها؛ لأنها تستحيل عن كونها دمًا حتى تصير مسكًا، كما يستحيل الدم إلى اللحم، فيطهر، ويحل أكله، وليست بحيوان، حتى يقال: نجست بالموت، وإنما هي شيء يحدُث بالحيوان؛ كالبيض، وقد أجمع المسلمون على طهارة المسك، إلا ما حُكي عن عُمَر من كراهته، وكذا حَكَى ابن المنذر عن جماعة، ثم قال: ولا يصح المنع فيه إلا عن عطاء؛ بناءً على أنه جزء منفصل.
وقد أخرج مسلم في أثناء حديث، عن أبي سعيد - ﵁ - أن النبيّ - ﷺ - قال: "المسك أطيب الطيب"، وأخرجه أبو داود مقتصرًا منه على هذا القدر. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ١٢/ ٥١٨ - ٥١٩، كتاب "الذبائح" رقم (٥٥٣٣).
(٢) "المتواري" ص ٢٠٨.
(٣) "الفتح" ١٢/ ٥١٨، كتاب "الذبائح" رقم (٥٥٣٣).
[ ٣٢ / ٣٦١ ]
١٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وقد يُسْتَدلّ بهذا الحديث على أن تغير ريح الماء بالمخالط النجس لا يخرجه عن أصله، كما لم يُخرج الدم عن كونه دمًا استحالةُ رائحته إلى رائحة المسك، وهو قول عبد الملك في رائحة الماء أنها لا تفسده، ولا تخرجه عن أصله، وقد استُدِلّ به أيضًا على نقيض ذلك، وهو أن تغيّر الرائحة يخرجه عن أصله، كما هو مذهب الجمهور، ووجه هذا الاستدلال أن الدم لمّا استحالت رائحته إلى رائحة المسك خرج عن كونه مستخبثًا نجسًا، وأنه صار مسكًا، وأن المسك بعض دم الغزال، فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته، وأخرج البخاريّ هذا الحديث في المياه، وتُؤُوِّل له كلا التأويلين. انتهى (^١).
وقال الحافظ ابن عبد البرّ - ﵀ -: وزعمت طائفة بأن في هذا الحديث دليلًا على أن الماء إذا تغيرت رائحته بشيء من النجاسات، ولونه لم يتغير أن الحكم للرائحة دون اللون، فزعموا أن الاعتبار باللون في ذلك لا معنى له؛ لأن دم الشهيد يوم القيامة يجيء، ولونه كلون الدماء، ولكن رائحته فَصَلَت بينه وبين سائر الدماء، وكان الحكم لها، فاستدلوا في زعمهم بهذا الحديث على أن الماء إذا تغير لونه لم يضرّه، وهذا لا يُفْهَم منه معنى تسكن النفس إليه، ولا في الدم معنى الماء، فيقاس عليه، ولا يَشتغل بمثل هذا من له فَهْم، وإنما اغتَرَّت هذه الطائفة بأن البخاريّ ذَكَر هذا الحديث في باب الماء، والذي ذكره البخاري لا وجه له يُعْرَف، وليس من شأن أهل العلم اللغو به، وإشكالُه، وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه، وبذلك أخذ الميثاق عليهم في قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وفي كتاب البخاريّ أبواب لو لم تكن فيه كان أصح لمعانيه، والله الموفق للصواب.
والماءُ لا يخلو تغيّره من أن يكون بنجاسة، أو بغير نجاسة، فإن كان بنجاسة، فقد أجمع العلماء على أنه غير طاهر، ولا مطهر، وكذلك أجمعوا أنه إذا تغيّر بغير نجاسة أنه طاهر على أصله، وقال الجمهور: إنه غير مطهر، إلا أن يكون تغيّره من تربته وحمأته، وما أجمعوا عليه فهو الحقّ الذي لا إشكال
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٧.
[ ٣٢ / ٣٦٢ ]
فيه، ولا التباس معه. انتهى كلام ابن عبد البرّ - ﵀ -، (^١) وهو تحقيقٌ نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): ذكر في "الفتح" بحثًا مطوّلًا عند شرح حديث أبي هريرة - ﵁ - الذي أخرجه البخاريّ - ﵀ - في "الجهاد" من "صحيحه" من طريق سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَثَلُ المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم، وتوكّل الله للمجاهد في سبيله بأن يتوفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه سالِمًا مع أجر، أو غنيمة".
فقال: قوله: "مع أجر أو غنيمة؛ أي: مع أجر خالص، إن لم يَغْنَم شيئًا، أو مع غنيمة خالصة معها أجر، وكأنه سكت عن الأجر الثاني الذي مع الغنيمة؛ لنقصه بالنسبة إلى الأجر الذي بلا غنيمة، والحامل على هذا التأويل أن ظاهر الحديث أنه إذا غَنِم لا يحصل له أجر، وليس ذلك مرادًا بل المراد: أو غنيمة معها أجر أنقص من أجر من لم يغنم؛ لأن القواعد تقتضي أنه عند عدم الغنيمة أفضل منه، وأتمّ أجرًا عند وجودها، فالحديث صريح في نفي الحرمان، وليس صريحًا في نفي الجمع.
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: معنى الحديث: أن المجاهد إما يُسْتَشهَد، أو لا، والثاني لا ينفكّ من أجر، أو غنيمة، مع إمكان اجتماعهما، فهي قضيةٌ مانعة الخلوّ، لا الجمع.
وقد قيل في الجواب عن هذا الإشكال: إن "أو" بمعنى الواو، وبه جزم ابن عبد البرّ، والقرطبيّ، ورجّحها التوربشتيّ، والتقدير: بأجر وغنيمة، وقد وقع كذلك في رواية لمسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة، رواه كذلك عن يحيى بن يحيى، عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، وقد رواه جعفر الفريابيّ، وجماعة، عن يحيى بن يحيى، فقالوا: "أجر، أو غنيمة" بصيغة "أو"، وقد رواه مالك في "الموطأ" بلفظ: "أو غنيمة"، ولم يُختلَف عليه، إلا في رواية يحيى بن بكير عنه، فوقع فيه بلفظ: "وغنيمة"، ورواية يحيى بن بكير عن مالك فيها مقال.
_________________
(١) "التمهيد" لابن عبد البرّ ١٩/ ١٦.
[ ٣٢ / ٣٦٣ ]
ووقع عند النسائيّ من طريق الزهريّ، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة - ﵁ - بالواو أيضًا، وكذا من طريق عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة - ﵁ -، وكذلك أخرجه أبو داود بإسناد صحيح، عن أبي أمامة، بلفظ: "بما نال من أجر، وغنيمة"، فإن كانت هذه الروايات محفوظة تعيّن القول بأن "أو" في هذا الحديث بمعنى الواو، كما هو مذهب النحاة الكوفيين، لكن فيه إشكال صعب؛ لأنه يقتضي من حيث المعنى أن يكون الضمان وقع بمجموع الأمرين لكل من رجع، وقد لا يتّفق ذلك، فإن كثيرًا من الغزاة يرجع بغير غنيمة، فما فَرّ منه الذي ادَّعَى أن "أو" بمعنى الواو وقع في نظيره؛ لأنه يلزم على ظاهرها أن من رجع بغنيمة رجع بغير أجر، كما يلزم على أنها بمعنى الواو أن كل غازٍ يُجمَع له بين الأجر والغنيمة معًا.
وقد رَوَى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - مرفوعًا: "ما من غازية تغزو في سبيل الله، فيصيبون الغنيمة إلا تعجّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تَمّ لهم أجرهم"، وهذا يؤيد التأويل الأول، وأن الذي يغنم يرجع بأجر، لكنه أنقص من أجر من لم يغنم، فتكون الغنيمة في مقابلة جزء من أجر الغزو، فإذا قوبل أجر الغانم بما حصل له من الدنيا، وتمتعه بأجر من لم يغنم، مع اشتراكهما في التعب والمشقة، كان أجر من غَنِم دون أجر من لم يغنم، وهذا موافق لقول خبّاب - ﵁ - في الحديث الصحيح الآتي: "فمنا من مات، ولم يأكل من أجره شيئًا. . ." الحديث.
واستَشْكَل بعضهم نقص ثواب المجاهد بأخذه الغنيمة، وهو مخالف لِمَا يدلّ عليه أكثر الأحاديث، وقد اشتَهَر تمدّح النبيّ - ﷺ - بحِل الغنيمة، وجَعْلها من فضائل أمته، فلو كانت تُنقص الأجرَ ما وقع التمدّح بها.
وأيضًا فإن ذلك يستلزم أن يكون أجر أهل بدر أنقص من أجر أهل أُحد مثلًا، مع أن أهل بدر أفضل بالاتفاق، وسَبَقَ إلى هذا الإشكال ابنُ عبد البرّ، وحكاه عياض، وذكر أن بعضهم أجاب عنه بأنه ضعَّف حديث عبد الله بن عمرو؛ لأنه من رواية حميد بن هانئ وليس بمشهور، وهذا مردود؛ لأنه ثقة يُحتجّ به عند مسلم، وقد وثقه النسائيّ، وابن يونس، وغيرهما، ولا يُعرف فيه تجريح لأحد.
[ ٣٢ / ٣٦٤ ]
ومنهم من حَمَل نقص الأجر على غنيمة أُخذت على غير وجهها، وظهورُ فساد هذا الوجه يغني عن الإطناب في ردّه؛ إذ لو كان الأمر كذلك لم يبق لهم ثلث الأجر، ولا أقلّ منه.
ومنهم من حَمَل نقص الأجر على من قَصَد الغنيمة في ابتداء جهاده، وحمل تمامه على من قصد الجهاد محضًا، وفيه نظر؛ لأن صدر الحديث مصرِّح بأن المقسَّم راجع إلى من أخلص؛ لقوله في أوله: "لا يُخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي".
وقال عياض: الوجه عندي إجراء الحديثين على ظاهرهما، واستعمالهما على وجههما، ولم يُجب عن الإشكال المتعلِّق بأهل بدر.
وقال ابن دقيق العيد: لا تعارض بين الحديثين، بل الحكم فيهما جارٍ على القياس؛ لأن الأجور تتفاوت بحسب زيادة المشقّة فيما كان أجره بحسب مشقته؛ إذ للمشقة دخول في الأجر، وإنما المشكل العمل المتصل بأخذ الغنائم؛ يعني: فلو كانت تنقص الأجر لَمَا كان السلف الصالح يثابرون عليها، فيمكن أن يجاب بأن أخْذها من جهة تقديم بعض المصالح الجزئية على بعض؛ لأن أخْذ الغنائم أوّل ما شُرع كان عونًا على الدين، وقوّة لضعفاء المسلمين، وهي مصلحة عظمى، يُغْتَفَر لها بعض النقص في الأجر من حيث هو.
وأما الجواب عما استُشْكِل ذلك بحال أهل بدر، فالذي ينبغي أن يكون التقابل بين كمال الأجر ونقصانه لمن يغزو بنفسه إذا لم يغنم، أو يغزو فيغنم، فغايته أن حال أهل بدر مثلًا عند عدم الغنيمة أفضل منه عند وجودها، ولا ينفي ذلك أن يكون حالهم أفضل من حال غيرهم من جهة أخرى، ولم يَرِد فيهم نصّ أنهم لو لم يغنموا كان أجرهم بحاله من غير زيادة، ولا يلزم من كونه مغفورًا لهم، وأنهم أفضل المجاهدين أن لا يكون وراءهم مرتبة أخرى.
وأما الاعتراض بِحِلّ الغنائم فغير وارد؛ إذ لا يلزم من الحل ثبوت وفاء الأجر لكل غاز، والمباح في الأصل لا يستلزم الثواب بنفسه، لكن ثبت أن أخذ الغنيمة، واستيلاءها من الكفار يحصل الثواب، ومع ذلك فمع صحة ثبوت الفضل في أخذ الغنيمة، وصحة التمدّح بأخذها، لا يلزم من ذلك أن كل غاز يحصل له من أجر غَزاته نظير من لم يغنم شيئًا البتة.
[ ٣٢ / ٣٦٥ ]
قال الحافظ - ﵀ -: والذي مَثَّل بأهل بدر أراد التهويل، وإلا فالأمر على ما تقرّر آخرًا: بأنه لا يلزم من كونهم مع أخذ الغنيمة أنقص أجرًا مما لو لم يحصل لهم أجر الغنيمة، أن يكونوا في حال أخذهم الغنيمة مفضولين بالنسبة إلى من بعدهم؛ كمن شهد أُحُدًا لكونهم لم يغنموا شيئًا، بل أجر البدريّ في الأصل أضعاف أجر من بعده، مثال ذلك أن يكون لو فُرض أن أجر البدريّ بغير غنيمة ستمائة، وأجر الأُحُدي مثلًا بغير غنيمة مائة، فإذا نَسَبنا ذلك باعتبار حديث عبد الله بن عمرو كان للبدريّ لكونه أخذ الغنيمة مائتان وهي ثلث الستمائة، فيكون أكثر أجرًا من الأُحديّ، وإنما امتاز أهل بدر بذلك لكونها أول غزوة شهدها النبيّ - ﷺ - في قتال الكفار، وكان مبدأ اشتهار الإسلام، وقوة أهله، فكان لمن شهدها مِثْل أجر من شهد المغازي التي بعدها جميعًا، فصارت لا يوازيها شيء في الفضل، والله أعلم.
واختار ابن عبد البرّ أن المراد بنقص أجر من غَنِم أن الذي لا يغنم يزداد أجره لحزنه على ما فاته من الغنيمة، كما يؤجر من أصيب بماله، فكان الأجر لمّا نقص عن المضاعفة بسبب الغنيمة عند ذلك كالنقص من أصل الأجر، ولا يخفى مباينة هذا التأويل لسياق حديث عبد الله بن عمرو الذي تقدّم ذكره.
وذَكَر بعض المتأخرين للتعبير بثلثي الأجر في حديث عبد الله بن عمرو حكمةً لطيفةً بالغةً، وذلك أن الله أعدّ للمجاهدين ثلاث كرامات: دنيويتان، وأخروية، فالدنيويتان السلامة والغنيمة، والأخروية دخول الجنة، فإذا رجع سالِمًا غانِمًا فقد حصل له ثلثًا ما أعد الله له، وبقي له عند الله الثلث، وإن رجع بغير غنيمة عوّضه الله عن ذلك ثوابًا في مقابلة ما فاته، وكأن معنى الحديث أنه يقال للمجاهد: إذا فات عليك شيء من أمر الدنيا عوّضتك عنه ثوابًا، وأما الثواب المختص بالجهاد فهو حاصل للفريقين معًا، قال: وغاية ما فيه عَدُّ ما يتعلق بالنعمتين الدنيويتين أجرًا بطريق المجاز. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٤٦ - ٤٨، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٧).
[ ٣٢ / ٣٦٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (ابْنُ فُضَيْلٍ) هو: محمد تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية محمد بن فُضيل، عن عمارة بن القعقاع هذه ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
(١٩٣١٦) - حدّثنا محمد بن فُضيل، عن عُمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أعدّ الله لمن خرج في سبيله، لا يَخرُج إلا لجهاد في سبيلي، وإيمان بي، وتصديق برسلي، فهو عليّ ضامن، أن أُدخله الجنة، وأن أُرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلًا ما نال من أجر، أو غنيمة. ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لولا أن أشُقّ على المسلمين، ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل الله أبدًا، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم، فيتخلفون بعدي، والذي نفس محمد بيده، لوددت أن أغزو في سبيل الله، فأُقتل، ثم أغزو، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا جِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ بِأَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ يَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ، أَوْ غَنِيمَةٍ (^٢) ").
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٤/ ٢٠٢.
(٢) وفي نسخة: "من أجر وغنيمة".
[ ٣٢ / ٣٦٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ النيسابوريّ الإمام، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدّم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (تَكَفَّلَ اللهُ)؛ أي: ضَمِن الله تعالى، وفي رواية للبخاريّ: "انتدب الله"، قال في "النهاية": أي: أجابه إلى غفرانه، يقال: ندبته فانتدب؛ أي: بَغَيْتُه، ودَعَوْته، فأجاب، وقال التوربشتيّ: وفي بعض طرقه: "تضمّن الله"، وفي بعضها: "تكفّل الله"، وكلاهما أشبه بنسق الكلام من قوله: "انتدب الله"، وكلّ ذلك صحيح (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ (^٢) اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ").
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٤.
(٢) وفي نسخة: "يثعب دمًا، اللون لون دم".
[ ٣٢ / ٣٦٨ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير، أبو عثمان البغداديّ، نزيل الرَّقّة، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُجرح، والكُلُوم: الجراح، معروف ذلك في لسان العرب معرفةً يُستغنى بها عن الاستشهاد عليها بشيء، ومن أملح ما جاء في ذلك قول حسان بن ثابت - ﵁ - يصف امرأة ناعمةً، طريةً، زَعَم أن الذرّ لو مشى عليها لجرحها جراحًا تصيح منها، وتَندُب نفسها، فقال [من الخفيف]:
لَوْ يَدِبُّ الْحَوْلِيّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ … رِ عَلَيْهَا لأَنْدَبَتْهَا الْكُلُومُ
وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) معناه: الجهاد، وملاقاة أهل الحرب من الكفار، قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: على هذا خرج الحديث، ويدخل فيه بالمعنى كلُّ من جُرح في سبيل بِرٍّ وحَقٍّ، مما أباحه الله؛ كقتال أهل البغي، والخوارج، وغيرهم، واللصوص، والمحاربين، أو آمر بمعروف، أو ناهٍ عن منكر، ألا ترى قوله - ﷺ -: "مَن قُتِل دون ماله فهو شهيدٌ". انتهى (^١).
وقوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ) قال الزرقانيّ - ﵀ -: هذه الجملة معترضة بين المستثنى منه والمستثنى، مؤكِّدة، مقرِّرة لمعنى المعترَض فيه، وتفخيم شأن من يُكْلَم في سبيل الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ الآية [آل عمران: ٣٦]؛ أي: بالشيء الذي وضعت، وما عُلِّق به من عظائم الأمور، ويجوز أن يكون تتميمًا للصيانة عن الرياء، والسمعة، وتنبيهًا على الإخلاص في الغزو، وأن الثواب المذكور إنما هو لمن أخلص لتكون كلمة الله هي العليا. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "والله أعلم. . . إلخ" فيه تنبيه على وجوب
_________________
(١) "الاستذكار" ٥/ ٩٧.
(٢) "شرح الزرقانيّ على الموطّأ" ٣/ ٤٦.
[ ٣٢ / ٣٦٩ ]
الإخلاص في الجهاد، وتنويهٌ بالمخلَص فيه، واستبعاد للإخلاص، وإشعار بقلّته (^١).
وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: في قوله - ﷺ -: "والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله" دليلٌ على أنه ليس كل من خرج في الغزو تكون هذه حاله حتى تصح نيّته، ويعلم الله من قلبه أنه خرج يريد وجهه، ومرضاته، لا رياء، ولا سمعة، ولا مباهاة، ولا فخرًا، وفي هذا الحديث أيضًا دليل على أن الشهيد يُبعث على حاله التي قُبض عليها، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك في كل ميت - والله أعلم - يبعث على حاله التي مات فيها، إلا أن فضل الشهيد المقتول في سبيل الله بين الصفين أن يكون ريح دمه كريح المسك، وليس كذلك دم غيره، ومن قال: إن الموتى جملةً يبعثون على هيئاتهم، احتَجَّ بحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - أنه لمّا حضرته الوفاة دعا بثياب جدد، فلبسها، ثم قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها"، وهذا قد يَحْتَمِل أن يكون أبو سعيد سمع الحديث في الشهيد، فتأوّله على العموم، ويكون الميت المذكور في حديثه هو الشهيد الذي أُمر أن يزَمَّل بثيابه، ويُدفن فيها، ولا يغسل عنه دمه، ولا يغيّر شيء من حاله، بدليل حديث ابن عباس وغيره، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "إنكم محشورون يوم القيامة حُفاةً، عُراةً، غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم"، فلهذا الحديث وشِبهه تأوّلنا في حديث أبي سعيد ما ذَكَرنا، والله أعلم.
قال: وقد كان بعضهم يتأول في حديث أبي سعيد أنه يُبعث على العمل الذي يُختم له به، وظاهره على غير ذلك، والله أعلم.
وقد استَدَلّ جماعة من أهل العلم بهذا الحديث، وما كان مثله في سقوط غسل الشهيد المقتول في دار الحرب بين الصفين، ولا حاجة بنا إلى الاستدلال في ترك غسل الشهداء الموصوفين بذلك مع وجود النصّ، فقد أخرج أبو داود، عن جابر بن عبد الله - ﵄ -، عن النبي - ﷺ - قال في قتلى أُحد: "لا تغسلوهم،
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٧.
[ ٣٢ / ٣٧٠ ]
فإن كل جرح، أو دم يفوح مسكًا يوم القيامة"، ولم يصلِّ عليهم. انتهى.
وقال في "الاستذكار": وفي هذا الحديث دليل على أن الشهيد يبعث على حاله التي قُبض عليها وهيئته، بدليل هذا الحديث، ومثله حديث ابن عباس في المُحْرِم الذي وَقَصَتْه ناقته، فقال فيه رسول الله - ﷺ -: "لا تخمّروا وجهه، ولا رأسه، ولا تقرّبوه طِيبًا، فإنه يُبعث يوم القيامة يلبي"، وقد زعم بعض أهل العلم أن قوله - ﷺ -: "يبعث الميت في ثيابه التي قُبض فيها"؛ أي: يعاد خَلَق ثيابه له كما يعاد خَلْقُه، وقال غيره: إنما ذلك قول خرج على المجاز، فكنى بالثياب عن الأعمال، كما يقال: طاهر الثوب، ونَقِيّ الجيب.
قال أبو عمر: وحَمْلُ هذا الحديث على المجاز مرويّ من حديث ابن عباس، وغيره، عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "يُحشر الناس عُراةً، غُرْلًا، وأول من يكسى إبراهيم"، فعلى هذا يَحْتَمِل أن يُبعث على ما مات عليه من كفر، وإيمان، وشكّ، وإخلاص، ونحو ذلك.
والحقيقة في كلّ ما يَحتملها اللفظ من الكتاب والسُّنَّة أَوْلى من المجاز؛ لأن الذي يُعيده خَلْقًا سَوِيًّا يعيد ثيابه - إن شاء.
وإن كان قد رُوي بالوجه الآخر خبر، ذكره أبو داود في "باب من يغزو ويلتمس الدنيا" بإسناده عن عبد الله بن عمرو، أنه قال: يا رسول الله أخبرني عن الجهاد، والغزو، فقال: "يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتسبًا، بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مرائيًا مكاثرًا بعثك الله مرائيًا مكاثرًا، يا عبد الله بن عمرو على أي حال قاتلت، أو قُتلت بعثك الله على تلك الحال". انتهى (^١).
وقوله: (وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ) زاد في بعض: النسخ: "دمًا"، و"الجُرح" بضمّ الجيم: اسم كالجراحة بكسرها، والمصدر: الْجَرْح بالفتح، و"يَثْعُبُ" - بفتح الياء، والعين، وإسكان المثلثة بينهما - ومعناه: يجري متفجّرًا؛ أي: كثيرًا، وهو بمعنى الرواية الأخرى: "يتفجر دمًا" (^٢).
وإسناد الثعب إلى الجرح مع أن الذي يثعُب على الحقيقة إنما هو دمه؛
_________________
(١) "الاستذكار" ٥/ ٩٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٢٢.
[ ٣٢ / ٣٧١ ]
لإفادة المبالغة على حدّ قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فإن الذي يفيض هو الدمع، لا العين، لكن جُعلت العين تَفِيض مبالغةً.
وقال التوربشتيّ: قوله: "يثعُب دمًا"، يقال: ثعبت الماءَ: فجّرته، فانثعب، وإضافة الفعل إلى الجرح؛ لأنه السبب في فجر الدم، و"دمًا" يكون مفعولًا، ولو أراد به التمييز لكان من حقّه أن يقول: ينثعب دمًا، أو يُثعَب، على بناء المجهول، قال: ولم أجده روايةً.
قال الطيبيّ: مجيؤه متعدّيًا نُقل عن الجوهريّ، وظاهر كلام صاحب "النهاية" أنه لازم، حيث فسّره بقوله: "يجري"، ولأنه جاء في حديث آخر: "وجرحه يشخب دمًا"، والشخب: السيلان، فحينئذ يكون من قوله تعالى: ﴿وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]، فإن الظاهر أن يقال: إن الدمع تفيض من العين، فجعل العين فائضةً مبالغةً، كذلك الدم هو السائل من الجرح لا الجرح. انتهى (^١).
وقوله: (اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ) قال ابن عبد البرّ - ﵀ -: هذا من أحسن حديث في فضل الغزو في سبيل الله، والحضّ على الثبوت عند لقاء العدوّ. انتهى (^٢).
وقال الزرقانيّ - ﵀ -: قوله: "اللون لون الدم، والريح ريح المسك"؛ أي: كريحه؛ إذ ليس هو مسكًا حقيقةً، بخلاف لون الدم، فلا تقدير فيه؛ لأنه دم حقيقةً، فليس له من أحكام الدماء وصفاتها إلا اللون فقط.
قال العلماء: الحكمة في بعثه كذلك؛ ليكون معه شاهد فضيلته ببذله نفسه في طاعة الله تعالى، وعلى من ظَلَمه، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن يُستشهَد، أو تبرأ جراحته.
قال الحافظ: ويَحْتَمِل أن المراد: ما مات صاحبه به قبل اندماله، لا ما اندمل في الدنيا، فإن أثر الجراحة وسيلان الدم يزول، ولا ينفي ذلك أن له فضلًا في الجملة، لكن الظاهر أن الذي يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا من
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣٣.
(٢) "التمهيد" لابن عبد البرّ ١٩/ ١٣.
[ ٣٢ / ٣٧٢ ]
فارق الدنيا كذلك، ويؤيده ما لابن حبان عن معاذ: "عليه طابع الشهداء"، ولأصحاب "السنن"، وصححه الترمذيّ، وابن حبان، والحاكم، عن معاذ مرفوعًا: "من جُرح في سبيل الله، أو نُكِب نكبةً، فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت، لونها الزعفران، وريحها المسك"، قال: وعُرِف بهذه الزيادة أن الصفة المذكورة لا تختص بالشهيد، بل تحصل لكل من جُرح. انتهى (^١).
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٥] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَهَيْئَتِهَا إِذَا طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً، فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ، من كبار [٨] (ت ١٥٨) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
_________________
(١) "شرح الزرقانيّ على الموطّأ" ٣/ ٤٧.
[ ٣٢ / ٣٧٣ ]
شرح الحديث:
(عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) أنه (قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: (كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف، وإسكان اللام، (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضمّ حرف المضارعة، وإسكان الكاف، وفتح اللام، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يُجرحه، وقوله: (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيْدٌ يُخرج ما يصيب المسلم من الجراحات في غير سبيل الله، وزاد في "الجهاد" من طريق الأعرج، عن أبي هريرة: "والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله"، وفيه إشارة إلى أن ذلك إنما يحصل لمن خلصت نيته (^١).
(ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هكذا في عامّة النسخ، بـ "ثُمّ"، وفي رواية البخاريّ: "تكون" بدونها، ولا يظهر لها معنى هنا، ولعلّها جاءت زائدة، فقد جوّز الأخفش، والكوفيّون تجرّدها عن معنى العطف، ومجيئها زائدةً، وحَمَلوا على ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية [التوبة: ١١٨]؛ أي: حتى إذا ضاقت الأرض. . . إلخ، تاب عليهم، والله تعالى أعلم.
(كَهَيْئَتِهَا) الضمير يعود على الكَلْم باعتبار أنه بمعنى الْكَلْمة، أو الجراحة، ويوضّحه رواية القابسيّ، عن أبي زيد المروزيّ، عن الفربريّ: "كلُّ كلمة يُكلمها"، وكذا هو في رواية ابن عساكر، قاله في "الفتح" (^٢).
(إِذَا طُعِنَتْ) بالبناء للمفعول، وهكذا في عامّة النسخ: "إذا" بالألف بعد الذال، قال القسطلّانيّ: وهي هنا لمجرّد الظرفيّة، أو هي بمعنى "إذ"، وقد يتقارضان، أو عبَّر بـ "إذا" لاستحضار صورة الطعن؛ لأن الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع، نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ الآية [الروم: ٤٨] يكون بما في معنى المضارع، كما فيما نحن فيه.
وقوله: (تَفَجَّرُ) بفتح الجيم المشدّدة، وحَذْف إحدى التاءين؛ إذ أصله تتفجّر، كما في قوله تعالى: ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ﴿فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦)﴾
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٨٧، كتاب "الوضوء" رقم (٢٣٧).
(٢) "الفتح" ١/ ٥٨٧، كتاب "الوضوء" رقم (٢٣٧).
[ ٣٢ / ٣٧٤ ]
[عبس: ٦]، و﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كَـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
وقوله: (دَمًا) منصوب على التمييز المحوّل من الفاعل، إذ أصله يتفجّر دمه.
(اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ")؛ أي: رائحته رائحة المسك، و"العرف" بفتح العين المهملة، وسكون الراء، في الأصل: الرائحة مطلقًا، ثم كَثُر استعماله في الرائحة الطيّبة.
والحكمة في كون الدم يأتي يوم القيامة على هيئته أنه يَشْهَد لصاحبه بفضله، وعلى ظالمه بفعله، وفائدة رائحته الطيبة أن تنتشر في أهل الموقف؛ إظهارًا لفضيلته أيضًا، ومن ثَمّ لم يُشرع غسل الشهيد في المعركة (^١).
(وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) تقدّم بلفظ "المسلمين"؛ إذ هو بمعناه، فهما كالفقير والمسكين إذا افترقا اجتمعا، وإذا اجتمعا افترقا، ففي حديث سؤال جبريل النبيّ - ﷺ - عن الإيمان، والإسلام، افترقا، فقد فسّر له كلًّا منهما بغير ما فسّر به الآخر.
وفي رواية البخاريّ: "والذي نفسي بيده لولا أن رجالًا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم"، في رواية: "لولا أن أشق على أمتي".
وفي هذه الرواية تفسير للمراد بالمشقة المذكورة، وهي أن نفوسهم لا تطيب بالتخلّف، ولا يقدرون على التأهب؛ لعجزهم عن آلة السفر، من مركوب وغيره، وتعذّر وجوده عند النبيّ - ﷺ -، وصرّح بذلك في قوله: "ولكن لا أجد سعةً، فأحملهم، ولا يجدون سعةً، فيتبعوني. . ."، وعند الطبرانيّ من حديث أبي مالك الأشعريّ: "ولو خرجت ما بقي أحد فيه خير إلا انطلق معي، وذلك يشقّ عليّ، وعليهم".
ثم إن إيراد هذه الجملة - أعني قوله: "والذي نفسي بيده. . . إلخ" - عَقِب ما تقدّم إرادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، وكأنه قال:
_________________
(١) "الفتح" ١/ ٥٨٧، كتاب "الوضوء" رقم (٢٣٧).
[ ٣٢ / ٣٧٥ ]
الوجه الذي يسيرون له فيه من الفضل ما أتمنى لأجله أني أُقتل مرات، فمهما فاتكم من مرافقتي، والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله، أو فوقه، من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع، وقد خرج النبيّ - ﷺ - في بعض المغازي، وتخلّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رَجَحَت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم، قاله في "الفتح" (^١).
(مَا) نافية، (قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ)؛ أي: بعد خروجها للجهاد، (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً)؛ أي: مالًا أشتري به رواحل يركبونها (فَأَحْمِلَهُمْ) عليها، (وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً)؛ أي: مالًا يشترون به رواحل، فيركبونها (فَيَتَّبِعُونِي، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي")، أي: بعد خروجي للغزو.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، ما قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ"، بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ، وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ (^٢) فِي سَبِيلِ اللهِ، ثُمَّ أُحْيَى"، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبل حديث، و"سفيان" هو: ابن عيينة.
وقوله: (بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ) هكذا النسخ الموجودة عندنا، بضمير الجماعة، مع أن مرجعه اثنان، وهما أبو زرعة، وهمّام بن منبّه، وله وجه، وهو أنه أعاده
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ٥٩، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٩٨).
(٢) وفي نسخة: "لوددت أن أقتل".
[ ٣٢ / ٣٧٦ ]
على القول بأن أقلّ الجمع اثنان، وهو القول الراجح، كما حققته في "التحفة المَرْضيّة"، و"شرحها" في الأصول.
وأما ما وقع عند بعض الشرّاح (^١) من تغليط ما وقع في النسخ، وإصلاحه بقوله: "بمثل حديثهما"، مع أنه لا يوجد على هذا الإصلاح نسخة من نُسخ الكتاب، فمما لا ينبغي، وهو تصرّف غير مقبول، فتنبّه، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ) قال في "العمدة": في الحديث أنه - ﷺ - كان يتمنى من أفعال الخير ما يعلم أنه لا يعطاه؛ حرصًا منه على الوصول إلى أعلى درجات الشاكرين، وبذلًا لنفسه في مرضاة ربه، وإعلاء كلمة دينه، ورغبته في الازدياد من ثواب ربه، ولتتأسى به أمته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيته.
وفيه إباحة القَسَم بالله على كلّ ما يعتقده المرء بما يحتاج فيه إلى يمين، وما لا يحتاج، وكذا ما كان يقول في كلامه: "لا، ومقلِّب القلوب"؛ لأن في اليمين بالله توحيدًا وتعظيمًا له تعالى، وإنما يُكره تعمّد الحنْث.
وفيه أن الجهاد ليس بفرض عين على كل أحد، ولو كان عينًا ما تخلف النبيّ - ﷺ -، ولا أباح لغيره التخلف عنه، ولو شقّ على أمته إذا كانوا يطيقونه، هذا إذا كان العدوّ لم يفجأ المسلمين في دارهم، ولا ظهر عليهم، وإلا فهو فرض عَيْن على كل من له قوّة.
وفيه أن الإمام والعالم يجوز لهما ترك فعل الطاعة، إذا لم يُطق أصحابه، ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو منها، إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصحبة، وآداب الأخلاق.
وفيه عِظَم فضل الشهادة. انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٣٠٩) - حدّثنا الترمذيّ، قال: ثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال:
_________________
(١) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه ٢٠/ ١٧٥.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٩٦.
[ ٣٢ / ٣٧٧ ]
ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لولا أن أشقّ على المؤمنين ما قعدت خلاف سرية، أتخلّف عنها، ليس عندي ما أحملهم عليه، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا بعدي". انتهى (^١).
وأما رواية سفيان التي أشار إليها مسلم بقوله: "وبهذا الإسناد. . . إلخ"، فقد ساقها الحميديّ - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١٠٤٠) - حدّثنا الحميديّ، قال: ثنا سفيان، قال: ثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "والذي نفسي بيده، لوددت أني أقتل في سبيل الله، ثم أحيا، ثم أُقتل، ثم أحيا، ثم أقتل"، قال أبو هريرة: ثلاثًا أشهد لله. انتهى.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٧] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ - (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَتَخَلَّفَ خَلْفَ سَرِيَّةٍ"، نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِم في حديث غيره، ورُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدّم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ) بن الحارث بن أسماء الفزاريّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل مكة، ثم دمشق، ثقةٌ حافظ، وكان يدلّس أسماء الشيوخ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٨/ ١٣٨.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٥٣.
[ ٣٢ / ٣٧٨ ]
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ [٥] (ت ١٤٤) أو بعدها (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٣٦.
٥ - (أَبُو صَالِحٍ) ذكوان السّمّان الزيّات المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (١٠١) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ)؛ يعني: أن الثلاثة، وهم: عبد الوهّاب الثقفيّ، وأبو معاوية، ومروان بن معاوية رووا هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ بسنده المذكور.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ) يعني: أن حديث أبي صالح هنا نحو حديث الثلاثة المتقدّمين، وهم: أبو زرعة، والأعرج، وهمّام بن منبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية يحيى بن سعيد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٣١٦) - حدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أنبأ ابن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، وحدّثنا أبو أمية، قال: ثنا أحمد بن يونس، قثنا زهير، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا أن أشقّ على أمتي لأحببت أن لا أتخلف خلف سرية، تخرج في سبيل الله، ولكن لا أجد ما أحملهم عليه، ولا يجدون ما يتحملون عليه، فيخرجوا، ويشقّ عليهم أن يتخلفوا بعدي، فلوددت أني أقاتل في سبيل الله، فأقتل، ثم أحيى، ثم أقتل، ثم أحيى، ثم أقتل"، ثلاثًا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٥٨] (. . .) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ - إِلَى قَوْلِهِ - مَا تَخَلَّفْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ، تَغْزُو في سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى (^٢) ").
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٥٥.
(٢) سقط من بعض النسخ لفظة: "تعالى".
[ ٣٢ / ٣٧٩ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سُهَيْلُ) بن أبي صالح السمّان، أبو يزيد المدنيّ، صدوقٌ تغيّر بآخره [٦] (ت ١٣٨) (ع) تقدّم في "الإيمان" ١٤/ ١٦١.
والباقون ذُكروا في الباب، و"جَرِيرٌ" هو: ابن عبد الحميد.
وقوله: (تَضَمَّنَ اللهُ) معناه: أوجب له ذلك وقضاه (^١)، وقال في "العمدة": لفظ الضمان، والتكفل، والتوكل، والانتداب الذي وقع في الأحاديث كلّها بمعنى تحقيق الوعد على وجه الفضل منه، وعبَّر - ﷺ - عن الله - ﷾ - بتفضيله بالثواب بلفظ الضمان، ونحوه بما جرت به العادة بين الناس بما تطمئنّ به النفوس، وتركن إليه القلوب. انتهى (^٢).
[تنبيه]: رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(١٧٦٦٩) - أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأ حاجب بن أحمد الطوسيّ، ثنا عبد الرحيم بن منيب، ثنا جرير بن عبد الحميد (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأ جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ - قال: "تضمَّن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمانًا به، وتصديقًا برسوله، أن يدخله الجنة، أو يرجعه إذا رجع إلى منزله نائلًا ما نال، من أجر، أو غنيمة، والذي نفسي بيده، لولا أن أشقّ على أمتي، ما تخلّفت خلاف سرية، تغزو في سبيل الله". انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "مشارق الأنوار" ٢/ ٦٠.
(٢) "عمدة القاري" ١٤/ ٨٤.
(٣) "سنن البيهقيّ الكبرى" ٩/ ٣٩.
[ ٣٢ / ٣٨٠ ]