أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالكوفيين، فكلهم كوفيّون إلا إسحاق، وابن خشرم فمروزيّان، و"أبو سعيد الأشجّ" أحد التسعة الذين
[ ٣٢ / ١٢٢ ]
روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد تقدّموا غير مرّة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، أحد السابقين إلى الإسلام، ومن كبار علماء الصحابة، له مناقب جمّة، وأمّره عمر على الكوفة - ﵃ -.
شرح الحديث:
(عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ) قال في "الفتح": للأعمش فيه شيخ آخر، أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" من رواية يحيى بن عيسى الرمليّ، عن الأعمش، عن أبي حازم، عن أبي هريرة - ﵁ -، مثل رواية زيد بن وهب (^١). (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود - ﵁ -، صرّح به البخاريّ في "علامات النبوّة" من رواية الثوريّ، عن الأعمش (^٢). (قَالَ) ابن مسعود (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّهَا) هي ضمير القصّة، وهي كضمير الشأن، إلا أن الفرق بينهما أنه إذا كان بلفظ المذكر يسمّى ضمير الشأن، وإذا كان بلفظ المؤنّث يسمّى ضمير القصّة. (سَتَكُونُ بَعْدِي)؛ أي: بعد موتي، (أَثَرَةٌ) تقدّم ضَبْطها؛ أي: الاستئثار في الحظوظ الدنيوية، والاختيار لنفسه، والاختصاص بها، وقال النوويّ: المراد بها هنا: استئثار الأمراء بأموال بيت المال. (وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا")؛ يعني: من أمور الدين، (قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَأْمُرُ مَنْ أَدْرَكَ مِنَّا ذَلِكَ؟)؛ أي: بماذا تأمر من أدرك ذلك منّا؟ (قَالَ) - ﷺ - ("تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ"؛ أي: تؤدّون إلى الأمراء الحق الذي عليكم من بذل المال الواجب في الزكاة، والنفس في الخروج إلى الجهاد، عند التعيين، ونحو ذلك، ووقع في رواية البخاريّ بلفظ: "أدّوا إليهم حقّهم"؛ أي: حقّهم الذي وجب لهم المطالبة به، وقبضه، سواء كان يختص بهم، أو يعمّ. (وَتَسْأَلُونَ اللهَ الَّذِي لَكُمْ")؛ أي: بأن يلهمهم إنصافكم، أو يُبدلكم خيرًا منهم، وفي رواية البخاريّ: "وسلوا الله حقّكم"، قال الطيبيّ - ﵀ -: أي: لا تكافئوا استئثارهم باستئثاركم، ولا تقاتلوهم لاستيفاء حقّكم، بل وفّوا لهم حقّهم من السمع والطاعة، وحقوق الدِّين، واسألوا الله تعالى أن يوصل إليكم حقّكم من
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٣٦، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٢).
(٢) "الفتح" ١٦/ ٤٣٦، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٢).
[ ٣٢ / ١٢٣ ]
الغنيمة، والفيء، ونحوهما، وكِلُوا إليه أمركم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": الحديث ظاهره العموم في المخاطبين، ونقل ابن التين عن الداوديّ أنه خاصّ بالأنصار، ولكن لا يلزم من مخاطبة الأنصار بذلك أن يختص بهم، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين، ويختص ببعض المهاجرين دون بعض، فالمستأثر من يلي الأمر، ومن عداه هو الذي يستأثر عليه، ولمّا كان الأمر يختص بقريش، ولا حظ للأنصار فيه خوطب الأنصار بأنكم ستلقون أثرة، وخوطب الجميع بالنسبة لمن يلي الأمر، فقد ورد ما يدل على التعميم، ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفيّ، عند الطبرانيّ أنه قال: يا رسول الله إن كان علينا أمراء يأخذون بالحق الذي علينا، ويمنعونا الحق الذي لنا أنقاتلهم؟ قال: "لا، عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم".
وأخرج مسلم، من حديث أم سلمة، مرفوعًا: "سيكون أمراء، فيعرفون، وينكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سَلِم، ولكن مَن رَضِي وتابع"، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صَلَّوا".
ومن حديث عوف بن مالك، رفعه في حديث في هذا المعنى: "قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة"، وفي رواية له: "بالسيف"، وزاد: "وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة".
وفي حديث عمر في مسنده للإسماعيليّ، من طريق أبي مسلم الْخَوْلانيّ، عن أبي عُبيدة بن الجرّاح، عن عمر، رفعه: "قال: أتاني جبريل، فقال: إن أمتك مُفْتَتَنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قِبَل أمرائهم، وقرّائهم، يَمنع الأمراء الناس الحقوق، فيطلبون حقوقهم، فيُفتنون، ويتّبع القراء هؤلاء الأمراء، فيُفتنون، قلت: فكيف يَسلَم من سَلِم منهم؟ قال: بالكف، والصبر، إن أُعطوا الذي لهم أخذوه، وإن منعوه تركوه" (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٣.
(٢) "الفتح" ١٦/ ٤٣٧، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٥٢).
[ ٣٢ / ١٢٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٤٧٦٦] (١٨٤٣)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٦٠٣) و"الفتن" (٧٠٥٢)، و(الترمذيّ) في "الفتن" (٢٢٨٥)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٣٨)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٨٤ و٣٨٦ و٤٢٨ و٤٣٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٠/ ٩٦) و"الصغير" (٢/ ١٧٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤١٠)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٩/ ٨٨)، و(البزّار) في "مسنده" (٥/ ١٧٢)، و(الشاشيّ) في "مسنده" (٢/ ١٤٦)، و(البيهقيّ) في "شعب الإيمان" (٦/ ٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الوفاء ببيعة الأمراء.
٢ - (ومنها): أن هذا من معجزات النبيّ - ﷺ - الباهرة، حيث وقع هذا الإخبار متكررًّا.
٣ - (ومنها): الحثّ على السمع والطاعة، وإن كان المتولِّي ظالِمًا عَسُوفًا، فيُعْطَى حقّه من الطاعة، ولا يُخْرَج عليه، ولا يُخلَع.
٤ - (ومنها): أن حلّ مشكلة الأمراء لا تكون إلا بالتضرّع إلى الله تعالى في كشفها، ودَفْع شرّه، وإصلاحه، فإن الله - ﷿ - كافي من توكّل عليه، ومجيب من اضطّر، والتجأ إليه، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الآية [النمل: ٦٢]، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٧] (١٨٤٤) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ (^١) فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، فَأَتَيْتُهُمْ،
_________________
(١) وفي نسخة: "جالسًا".
[ ٣٢ / ١٢٥ ]
فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ، وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ، وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ، إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَقِّقُ (^١) بَعْضُهَا بَعْضًا، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ، هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ، وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ، وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا، فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ، وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ"، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقُلْتُ لَهُ: أَنْشُدُكَ اللهَ (^٢) آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟، فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ، وَقَالَ: سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ، وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء]، قَالَ: فَسَكَتَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ - بعين مهملة، وتحتانيّة، وقيل: بالصاد المهملة - الكوفيّ، حديثه في أهل الكوفة، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو.
وروى عنه زيد بن وهب، والشعبيّ، وعون بن أبي شداد العقيليّ. قال العجليّ: تابعيّ ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
_________________
(١) وفي نسخة: "فيرفُق"، وفي أخرى: "فيدفق"، وفي أخرى: "فيدقّق".
(٢) وفي نسخة: "فقلت: أنشدك الله".
[ ٣٢ / ١٢٦ ]
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات بالطائف سنة (٦٣) على الراجح (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
والباقون تقدّموا في الباب وقبله.