أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين، إلا شيخه،
[ ٣٢ / ٤١٦ ]
فبغلانيّ، وليثًا، فمصريّ، وفيه تابعيّ عن تابعيّ، والابن عن أبيه، وأن صحابيّه - ﵁ - من مشاهير الصحابة - ﵃ -، فارس رسول الله - ﷺ -.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) الأنصاريّ المدنيّ (عَنْ) أبيه (أَبِي قَتَادَةَ) الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن رِبْعيّ بن بُلْدُدة الأنصاريّ - ﵁ - (أَنَّهُ) الضمير لعبد الله بن أبي قتادة، (سَمِعَهُ)؛ أي: سمع أبا قتادة - ﵁ - (يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ) - ﷺ - (قَامَ فِيهِمْ)؛ أي: الصحابة الحاضرين لديه، (فَذَكَرَ لَهُمْ: "أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَالإِيمَانَ بِاللهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ)؛ أي: على الإطلاق، فلا عمل أفضل منهما.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "إن الإيمان، والجهاد أفضل الأعمال": الإيمان هنا هو المذكور في حديث جبريل - ﵇ -، ولا شك في أنه أفضل الأعمال؛ فإنه راجع إلى معرفة الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وما جاء به، وهو المصحِّح لأعمال الطاعات كلها، المتقدم عليها في الرتبة والمرتبة، وإنما قَرَن به الجهاد هنا في الأفضلية، وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر - ﵄ -؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها، وكمالها، ولم يَظْهَر دينُ الإسلام على الأديان كلها إلا بالجهاد، فكأنه أصل في إقامة الدِّين والإيمانُ، أصلٌ في تصحيح الدِّين، فجَمع بين الأصلين في الأفضلية، والله تعالى أعلم.
قال: وقد حصل من مجموع هذه الأحاديث أن الجهاد أفضل من جميع العبادات العملية، ولا شكّ في هذا عند تعييّنه على كل مكلف يقدر عليه، كما كان في أوّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان؛ إذ قد استولى على المسلمين أهل الكفر والطغيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وأمَّا إذا لم يتعيّن فحينئذ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذرّ - ﵁ -؛ إذ سُئل عن أفضل الأعمال فقال: "الصلاة على مواقيتها". انتهى (^١).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٢ - ٧١٣.
[ ٣٢ / ٤١٧ ]
(فَقَامَ رَجُلٌ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه (^١). (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لإعلاء كلمة الله - ﷾ -، (تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟) وفي رواية النسائيّ من طريق يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن سعيد المقبريّ: "جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مُدْبِر، أيكفّر الله عنّي خطاياي؟ "، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ) يكفّرها عنك، (إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ)؛ أي: مخلص نيّتك، ومدّخر ثوابه عند ربّك، فلا تريد به غير وجه الله - ﷾ -، (مُقْبِلٌ) على العدوّ، وقوله: (غَيْرُ مُدْبِرٍ")؛ أي: عن العدوّ، زاده لبيان كون الإقبال في جميع الأحوال؛ إذ قد يُقبل مرّة، ويُدبر مرّةً أخرى، فيصدق عليه أنه مقبلٌ. (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "كَيْفَ قُلْتَ؟ ")، وفي رواية النسائيّ المذكورة: "فلما ولّى الرجل ناداه رسول الله - ﷺ -، أو أَمَر ربه فنودي له، فقال رسول الله - ﷺ -: كيف قُلت؟، فأعاد عليه قوله. (قَالَ) الرجل (أَرَأَيْتَ، إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "نَعَمْ) يكفّر عنك الخطايا كلّها، (وَأَنْتَ صَابِرٌ، مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ، غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ) بفتح الدال المهملة، والنصب على الاستثناء؛ يعني: أن القتل في سبيل الله على الصفة المذكورة لا يُكفر عنك ديون الخلق، فإن ديونهم لا يكفّرها إلا عفو صاحبه، أو استيفاؤه. (فَإِنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - قَالَ لِي ذَلِكَ")؛ أي: أخبرني بأن الدَّين لا يُكفَّر بالشهادة، وفي رواية عند أبي عمر: "إلا الدَّين، فإنه مأخوذٌ، كما زعم جبريل"؛ أي: قال، من إطلاق الزعم على القول الحقّ.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "أرأيت إن قتلت في سبيل؛ أيكفر عني خطاياي. . . إلخ": هذا بحكم عمومه يشمل جميع الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الآدميين، فجوابه - ﷺ - بـ "نعم" مطلقًا يقتضي تكفير جميع ذلك، لكن الاستثناء الوارد بعد هذا يبيّن أن هذا الخبر ليس على عمومه؛ وإنما يتناول حقوق الله تعالى خاصَّة لقوله - ﷺ -: "إلا الدَّين"،
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ٣٢٨.
[ ٣٢ / ٤١٨ ]
وذِكره الدَّين تنبيهٌ على ما في معناه من تعلّق حقوق الغير بالذمم؛ كالغصب، وأَخْذ المال بالباطل، وقَتْل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التبعات، فإن كل هذا أَولى بأن لا يُغفر بالجهاد من الدَّين، لكن هذا كله إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكّنه منه، وأما إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلًا؛ فالمرجوّ من كَرَم الله تعالى إذا صَدَق في قَصْده، وصحت توبته أن يُرضيَ اللهُ تعالى خصومه عنه، كما قد جاء نصًّا في حديث أبي سعيد الخدريّ المشهور في هذا، وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله - ﷺ -: "لَتُؤَدَّن الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة. . ."، الحديث، وسيأتي إن شاء الله تعالى، ولا يُلتفت إلى قول من قال: إن هذا الذي ذكره من الدَّين إنما كان قبل قوله - ﷺ -: "من ترك دَينًا أو ضَياعًا فعليَّ. . ."، الحديث؛ يشير بذلك إلى أن ذلك المعنى منسوخ، فإنه قول باطل مفسوخ؛ فإن المقصود من هذا الحديث بيان أحكام الديون في الدنيا، وذلك أنه كان من أحكامها دوام المطالبة، وإن كان الإعسار، وقال بعض الرواة: إن الحر كان يُباع في الدَّين، وامتنع النبيّ - ﷺ - من الصلاة على من مات، وعليه دينار، ولم يجد وفاءً له، فهذه الأحكام وأشباهها هي التي يمكن أن تُنسخ، والحديث الأول لم يتعرّض لهذه الأحكام؛ وإنما تعرّض لمغفرة الذنوب فقط، هذا إذا قلنا: إن هذا ناسخ، فأما إذا حقّقنا النظر فيه فلا يكون ناسخًا، وإنما غايته أنْ تَحَمَّل النبيّ - ﷺ - على مقتضى كَرَم خُلُقه عن المعسر دَيْنه، وسدّ ضيعة الضائع، وقد دل على ذلك قوله - ﷺ - في هذا الحديث بعينه: "أنا أَوْلى بكل مؤمن من نفسه، وأنا أَولى بالمؤمنين من أنفسهم"، فعلى هذا يكون هذا التحمل خصوصًا به، أو من جملة تبرعاته لمّا وسّع الله عليه، وعلى المسلمين، وقد قيل في معنى هذا الحديث: إن معنى ذلك: أن النبيّ - ﷺ - قام بذلك من مال الخُمس والفيء ليبيّن أن للغارمين، ولأهل الحاجة حقًّا في بيت مال المسلمين، وإن الناظر لهم يجب عليه القيام بذلك لهم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث نفيسٌ، وسيأتي زيادة التحقيق في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى - (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٣ - ٧١٤.
[ ٣٢ / ٤١٩ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٢/ ٤٨٧٢ و٤٨٧٣ و٤٨٧٤] (١٨٨٥)، و(الترمذيّ) في "فضل الجهاد" (١٧١٢)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ٣٤ - ٣٥) و"الكبرى" (٣/ ٢٢ و٢٣)، و(مالك) في "الموطأ" (٢/ ٤٦١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٥/ ٣١٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٥٥٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٠٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٦٧ و٤٦٩)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٩٦)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤٠١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن من قُتل في سبيل الله - ﷿ -، وعليه دَين، لا تُكفّر شهادته عنه دَينه، وقد تقدّم تفصيل ذلك مستوفًى قريبًا.
٢ - (ومنها): أن الأجر في ذلك لمن صدقت نيّته، واحتسب أجره، ولم يُقاتل حميّة، ولا لطلب دنيا، ولِطَلَب ذِكر وثناء.
٣ - (ومنها): أن من قُتل مدبرًا، فإنه ليس له من هذا الأجر شيء.
٤ - (ومنها): أن حقوق الآدميين، والتبعات التي للعباد لا تكفّرها الأعمال الصالحة، وإنما تكفِّر ما بين العبد وربّه.
٥ - (ومنها): أن فيه أن جبريل - ﵇ - كان ينزل على النبيّ - ﷺ - من الوحي بما يُتلى من القرآن، وبما لا يُتلى من السُّنَّة، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٤]: إن الآيات القرآنُ، والحكمة السُّنَّة، وكلٌّ من الله، فإنه - ﷺ - لا ينطق عن الهوى، والله تعالى أعلم بالصواب.
٦ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وفيه من الفقه جواز تأخير الاستثناء قَدْرًا قليلًا؛ لأنه أَطلق أولًا، فلمّا ولّى دعاه، فذَكر له الاستثناء، وقد يجاب عنه بأنه لمّا أراد أن يستثني أعاد اللفظ الأوّل، ووصلَ الاستثناء به في الحال،
[ ٣٢ / ٤٢٠ ]
فلا يجوز التأخير، ويدل على ذلك أن الاستثناء، والتخصيص، وغيرهما الصادرة عنه - ﷺ - كلٌّ من عند الله، لا من عند النبيّ - ﷺ - بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلاف في هذا الأصل. انتهى (^١).
٧ - (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ - ﵀ -: فيه أن الخطايا تكفَّر بالأعمال الصالحة مع الاحتساب، والنيّة في العمل، وأن أعمال البرّ المقبولة لا تُكفِّرُ من الذنوب إلا ما بين العبد، وبين ربّه، فأما التبعات فلا بدّ فيها من القصاص. قال: وهذا في دَين تَرك له وفاءً، ولم يوصِ به، أو قَدَر على الأداء، فلم يؤدّ، أو أدّاه في غير حقّ، أو أسرف، ومات، ولم يوفّه، أما من ادّانَ في حقّ واجب؛ لِفَاقة، وعُسر، ومات، ولم يترك وفاءً، فلا يُحبس عن الجنّة؛ لأن على السلطان فرضًا أن يؤدّي عنه دَينه من الصدقات، أو سهم الغارمين، أو الفيء. وقد قيل: إن تشديده - ﷺ - في الدَّين كان قبل الفتوح. انتهى.
وقال الحافظ - ﵀ -: يستفاد منه أن الشهادة لا تكفّر التبعات، وهي لا تمنع درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن تُثبت لمن حصلت له ثوابًا مخصوصًا، وتُكرِمه كرامة زائدةً، وقد بيّن في الحديث أنه يكفّر عنه ما عدا التبعات، فإن كان له عملٌ صالحٌ كفّرت الشهادة سيّئاته، غير التبعات، ونَفَعه عمله الصالح في مُوازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصةً، فإن لم يكن له عملٌ صالحٌ فهو تحت المشيئة. انتهى.
وقال ابن الزملكانيّ - ﵀ -: فيه تنبيهٌ على أن حقوق الآدميين لا تكفَّر؛ لكونها مبنيّة على المشاحّة والتضييق، ويمكن أن يقال: هذا محمول على الدَّين الذي هو خطيئة، وهو ما استدانه صاحبه على وجه لا يجوز له فِعله، بأن أخَذَه بحيلة، أو غَصَبَه، فثبت في ذمّته البدلُ، أو ادّان غير عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك من الخطايا، والأصل في الاستثناء أن يكون من الجنس، ويكون الدَّين المأذون فيه مسكوتًا عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لِمَا يلطف الله بعبده من استيهابه له، وتعويض صاحبه من فضل الله.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٥.
[ ٣٢ / ٤٢١ ]
[فإن قيل]: ما تقول فيمن مات، وهو عاجز عن الوفاء، ولو وجد وفاءً وفَّى؟.
[قلت]: إن كان المال الذي لَزِم ذمّته إنما لَزِمها بطريق لا يجوز تعاطي مثله، كغصب، وإتلافٍ مقصودٍ، فلا تبرأ الذّمّة من ذلك إلا بوصوله إلى من وجب له، أو بإبرائه منه، ولا تُسقِطه التوبةُ، وإنما تنفع التوبة في إسقاط العقوبة الأخرويّة فيما يختصّ بحقّ الله تعالى؛ لمخالفته لِمَا نهى الله عنه، وإن كان المال لَزِمه بطريق سائغ، وهو عازم على الوفاء، ولم يَقْدِر، فهذا ليس بصاحب ذنب، حتى يتوب عنه، ويُرجى له الخير في العقبى، ما دام على هذا الحال. انتهى.
قال الزرقانيّ - ﵀ -: وهو نفيس، وقد سبقه إلى معناه أبو عمر، كما رأيته. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا التقرير حسنٌ جدًا، فقد أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق أبي الغيث، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيّ - ﷺ -، قال: "من أخذ أموال الناس، يريد أداءها، أَدَّى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها، أتلفه الله". فقد بيّن - ﷺ - أن من أخذ أموال الناس، سواء كان بالاستدانة، أو غيره من الأوجه المشروعة، وفي نيّته أن يؤدّيها إليهم، أدّى الله تعالى عنه، وإن لم يتمكّن هو من أدائها، وأما من أخذها، ومن نيّته أن لا يؤدّيها إليهم، فإنه آثم، يؤاخَذ بجريمته، ومثله من كان أخَذَه على وجه غير مشروع؛ كالغصب، والسرقة، ونحوهما.
فيستفاد منه أن الشهيد الذي يُمنع من تكفير الشهادة الدَّين عنه هو القسم الثاني، والله تعالى أعلم بالصواب.
[تنبيه] إن قلت: يعارض حديث الباب ما أخرجه الطبرانيّ برجالٍ ثقات، عن ابن مسعود - ﵁ -، رفعه: "القتل في سبيل الله، يكفّر الذنوب كلّها، إلا الأمانة، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع".
_________________
(١) "شرح الزرقانيّ على الموطأ" ٣/ ٣٦ - ٣٧.
[ ٣٢ / ٤٢٢ ]
فإنه يدلّ على أن الشهادة لا تُكَفِّرُ الأمانة بمعناها المذكور، وحديث الباب ظاهرٌ في أنه يكفّر جميع حقوق الله، ومنها الصلاة، والصوم، فكيف يُجمع بينهما؟.
[قلت]: حديث الطبرانيّ ضعيف (^١)، فلا يُعارض ما في "الصحيح"، وعلى تقدير صحّته يُحمَل على مطلق القتل، وحديث الباب مقيّدٌ بأنه صابرٌ، محتسبٌ، مقبلٌ غيرُ مُدْبِر، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٧٣] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: ابْنَ سَعِيدٍ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ. بِمَعْنَى حَدِيثِ اللَّيْثِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل بابين.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ) السلميّ مولاهم، أبو خالد الواسطيّ، ثقةٌ متقنٌ عابدٌ [٩] (ت ٢٠٦) وقد قارب التسعين (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٤٥.
٤ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيد) بن قيس الأنصاريّ المدنيّ القاضي، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٣٦٤) - حدّثنا محمد بن يحيى، وعمار بن رجاء، والصغانيّ، قالوا: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأ يحيى بن سعيد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبريّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، أن أباه كان يحدّث أن رجلًا أتى
_________________
(١) راجع: "ضعيف الجامع" للشيخ الألبانيّ - ﵀ - ص ٦٠٢ رقم (٤١٣٠).
[ ٣٢ / ٤٢٣ ]
النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، إن قُتلتُ في سبيل الله كَفَّر الله به خطاياي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إن قُتلتَ في سبيل الله، صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غير مُدْبِر، كفَّر الله به خطاياك"، ثم مَكَث ساعةً، ثم قال رسول الله - ﷺ -: "إن قُتلت في سبيل الله صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غيرَ مدبر كَفَّر الله به خطاياك، إلا الدَّين، قال لي جبريل - ﵇ -"، هذا لفظ الصغانيّ، وعمار. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٧٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ - أَن رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ (^٢)، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ، إِنْ ضَرَبْتُ بِسَيْفِي (^٣). بِمَعْنَى حَدِيثِ الْمَقْبُرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ مولاهم، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ) المدنيّ، قاصّ عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو أيوب، ويقال: أبو عثمان، مولى يعقوب القبطيّ، ويقال: مولى آل أبي سفيان، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبي هريرة، وجابر، يقال: مرسلٌ، وأبي صرمة الأنصاريّ، وعن أبيه، وأمه، وعبد الله بن أبي قتادة، وعمر بن عبد العزيز، وأبي بردة بن أبي موسى، وغيرهم.
ورَوَى عنه إسماعيل بن أمية، وابن إسحاق، وابن أبي ذئب، وأسامة بن
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٦٨.
(٢) وفي نسخة: "على المنبر يخطب".
(٣) وفي نسخة: "بسيفي هذا".
[ ٣٢ / ٤٢٤ ]
زيد الليثيّ، وعمرو بن دينار، وسليمان بن طرخان، وأبو معشر، وعبد العزيز بن عياض، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان كثير الحديث، عالِمًا، وقال يعقوب بن سفيان، وأبو داود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال خليفة: تُوُفّي أيام الوليد بن يزيد.
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا حديثان فقط، هذا برقم (١٨٨٥)، وحديث (٢٧٤٨): "لولا أنكم تُذنبون لَخَلَق الله خلقًا يُذنبون. . ." الحديث.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) المدنيّ، مولى فاطمة بنت الوليد، أبو عبد الله، صدوقٌ [٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدّم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ) فاعل "قال" ضمير سفيان بن عيينة، فلسفيان في هذا الحديث طريقان: طريق عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس. . . إلخ، وطريق محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس. . . إلخ.
وقوله: (يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ) جملة في محلّ نصب على الحال؛ أي: كون كلّ واحد من عمرو بن دينار، ومحمد بن عجلان يزيد في لفظ الحديث على صاحبه، وزيادة أحدهما على الآخر تتبيّن في التنبيه الثاني.
وقوله: (وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ) زاد في نسخة: "يخطب"، والجملة في محلّ نصب على الحال.
[تنبيه]: تقدّم في مقدّمة "شرح المقدّمة" أن أبا الفضل بن عمار الحافظ انتقد هذا الحديث، ودونك نصّه: وهذا حديث رواه بكير بن عبد الله بن الأشجّ، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن رجل من أهل نجران، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواه عمرو بن الحارث، فأفسده بكير بن عبد الله بن الأشجّ، وهو أحد علماء مصر، ورواه عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس مرسلًا، وقال محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس، عن ابن أبي قتادة، عن أبيه، وعمرو بن دينار أثبت من ابن عجلان، وقد أرسله. انتهى كلامه.
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما أشار إليه أبو الفضل الطعن في رواية
[ ٣٢ / ٤٢٥ ]
عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس بأنها مرسلة، وذلك فيما رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢٥٥٣)، فقال: حدّثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس، عن النبيّ - ﷺ -، وابن عجلان عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، يزيد أحدهما على صاحبه. . . الحديث.
والجواب عن مسلم أنه لم ير إرسال عمرو بن دينار علّةً؛ لأن ابن عجلان وَصَله، ولا يقال: إن عمرًا أحفظ منه؛ لأن عمرًا رواه أيضًا متّصلًا، فقد أخرجه النسائيّ من طريقه متّصلًا، كما سيأتي في التنبيه التالي، فلعل عمرًا كان يرويه تارةً متّصلًا، وتارةً مرسلًا، فرجّح مسلم وَصْله؛ لمتابعة ابن عجلان له فيه.
وعلى تقدير تأثير العلّة المذكورة، فالحديث صحيح متّصل من رواية سعيد المقبريّ، كما أخرجه مسلم قبل هذا، فرواية محمد بن قيس من باب المتابعة، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: رواية عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس ساقها النسائيّ - ﵀ - في "المجتبى"، فقال:
(٣١٥٨) - أخبرنا عبد الجبار بن العلاء، قال: حدَّثنا سفيان، عن عمرو، سمع محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن ضربت بسيفي في سبيل الله، صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غيرَ مدبر، حتى أُقتل، أيكفِّر الله عني خطاياي؟ قال: "نعم"، فلما أدبر دعاه، فقال: "هذا جبريل يقول: إلا أن يكون عليك دَيْن". انتهى (^١).
ورواية سفيان عن محمد بن عجلان، عن محمد بن قيس، ساقها الشافعيّ - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٦٨١) - حدّثنا المزنيّ (^٢)، قال: حدّثنا الشافعيّ - ﵀ -، قال: حدّثنا
_________________
(١) "سنن النسائيّ" "المجتبى" ٦/ ٣٥.
(٢) قائل: "حدّثني المزنيّ" هو الراوي عن المزنيّ، وهو أبو جعفر الطحاويّ، والمزنيّ تلميذ الشافعيّ، وهو خال الطحاويّ، فتنبّه.
[ ٣٢ / ٤٢٦ ]
سفيان بن عيينة، عن ابن عجلان، عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، أن رجلًا أتى النبيّ - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن ضَربت بسيفي هذا في سبيل الله، صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غير مُدبِر، أيكفِّر عني خطاياي؟ فقال: "نعم"، فلمّا أدبر، قال: "هذا جبريل - ﵇ - يقول: إلا أن يكون عليك دَيْن". انتهى (^١).
وقد ساق أبو عوانة الروايتين مساقًا واحدًا في "مسنده"، فقال:
(٧٣٦٣) - حدّثنا شعيب بن عمرو الدمشقيّ، قال: ثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن قيس، وابنِ عجلان، عن محمد بن قيس، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: أرأيت إن ضَربت بسيفي في سبيل الله، صابرًا، محتسبًا، مقبلًا، غير مُدْبر، يكفّر عني خطاياي؟ قال: "نعم"، فلمّا أدبر قال: "تعالَ، هذا جبريلُ يقول: إلا أن يكون عليك دَيْن". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٧٥] (١٨٨٦) - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُفَضَّلُ - يَعْنِي: ابْنَ فَضَالَةَ - عَنْ عَيَّاشٍ - وَهُوَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ) الحَرَسيّ، كاتب العمريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٢) (م) من أفراد المصنّف تقدّم في "النذر" ٤/ ٤٢٤٢.
٢ - (الْمُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ) بن عُبيد الْقِتْبانيّ، أبو معاوية القاضي، ثقةٌ فاضلٌ عابدٌ، أخطأ ابن سعد في تضعيفه [٨] (ت ١٨١) تقدّم في "صلاة المسافرين وقصرها" ٦/ ١٦٢٥.
_________________
(١) "السنن المأثورة" ١/ ٤٤٤.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٦٨.
[ ٣٢ / ٤٢٧ ]
٣ - (عَيَّاشُ بْنُ عَبَّاسٍ الْقِتْبَانِيُّ) (^١) المصريّ، ثقةٌ (^٢) [٥] (١٣٢) (ز م ٤) تقدّم في "النكاح" ٢٥/ ٣٥٦٧.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) تقدّم في الباب الماضي.
٥ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) بن وائل بن هاشم بن سُعيد السَّهْميّ، أبو محمد، أو أبو عبد الرحمن، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة سنة (٦٣) على الأصحّ بالطائف (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٨.