أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالشاميين غير شيخه، فبغداديّ، والصحابيّ، فمدنيّ، وأما الزهريّ، فقد دخل الشام، وسَكَنها، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو سعيد - ﵁ - من المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك بن سنان - ﵄ -، وفي رواية البخاريّ: "عن الزهريّ، قال: حدّثني عطاء بن يزيد الليثيّ، أن أبا سعيد الخدريّ - ﵁ - حدّثه" (أَنَّ رَجُلًا) لم يُعرف اسمه (^١)، وفي رواية البخاريّ: "قيل: يا رسول الله. . . إلخ"، قال الحافظ: لم أقف على اسمه، وقد تقدّم أن أبا ذرّ سأله عن نحوه. انتهى (^٢). (أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: أي النَّاسِ أَفْضَلُ؟) وفي رواية النسائيّ: "أن رجلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أي النَّاسِ أَفْضَلُ؟ "، وفي رواية مالك، من طريق عطاء بن يسار، مرسلًا، ووصله الترمذيّ، والنسائيّ، وابن حبّان، من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن، عن عطاء بن يسار، عن ابن عبّاس: "خير الناس منزلًا". وفي رواية للحاكم: "أيّ الناس أكمل إيمانًا" (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "أيّ الناس أفضل؟ "؛ أي: أي الناس المجاهدين؟؛ بدليل أنه أجابه بقوله: "رجل مجاهِد بنفسه وماله"، ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزْلة عن الناس؛ إذ كل واحد من الرَّجُلَين مجاهد، فالأول للعدوِّ الخارجيِّ، والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهَدَهما بقطع المألوفات، والمستحسَنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات، وكلّ ذلك فرارًا بدينه، وخوفًا عليه، وهذا
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٣٢٨.
(٢) "الفتح" ٧/ ٤٣، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٦).
(٣) "الفتح" ٧/ ٤٣، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٦).
[ ٣٢ / ٤٤٧ ]
هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظَفِر بالكبريت الأحمر، غير أن العزلةَ إنما تكونُ مطلوبة إذا كَفَى المسلمون عدوَّهم، وقام بالجهاد بعضهم، فأما مع تعيّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمراد، ولذلك بدأ النبي - ﷺ - في هذا الحديث ببيان أفضلية الجهاد على العزلة؛ لِمَا قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا. انتهى (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - جوابًا عن سؤاله ("رَجُلٌ)، وفي رواية معمر التالية: "مؤمن"، وهو خبر لمبتدإ محذوف دلّ عليه السؤال؛ أي: أفضل الناس رجلٌ. . . إلخ، والمراد بالمؤمن: من قام بما تعيّن عليه القيام به، ثم حَصّل هذه الفضيلة، وليس المراد: من اقتصر على الجهاد، وأهمل الواجبات العينيّة، وحينئذ فيظهر فضل المجاهد؛ لِمَا فيه مِنْ بَذْل نفسه، وماله لله تعالى، ولِمَا فيه من النفع المتعدّي، وإنما كان المؤمن المعتزل يتلوه في الفضيلة؛ لأن من يخالط الناس لا يَسلَم من ارتكاب الآثام، فقد لا يفي هذا بهذا، وهو مقيّدٌ بوقوع الفتن (^٢).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: هذا عامّ مخصوص، وتقديره: هذا من أفضل الناس، وإلا فالعلماء أفضل، وكذا الصدّيقون، كما جاءت به الأحاديث. انتهى.
(يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللهِ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ")؛ أي: يبذل ماله ونفسه لإعلاء كلمة الله تعالى. (قَالَ) الرجل السائل (ثُمَّ مَنْ؟)؛ أي: ثم من هو أفضل الناس بعد هذا؟ (قَالَ) - ﷺ - ("مُؤْمِنٌ) وفي رواية معمر الآتية: "ثم رجلٌ معتزلٌ"، (فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ) - "الشِّعْبُ" - بكسر الشين المعجمة، وسكون العين المهملة -: هو ما انفرج بين جبلين، وليس المراد نفس الشِّعب خصوصًا، بل المراد الانفراد والاعتزال، وذَكَر الشِّعب مثالًا؛ لأنه خالٍ عن الناس غالبًا، وهذا الحديث نحو الحديث الآخر حين سئل - ﷺ - عن النجاة، فقال: "امْلِك عليك لسانك، وَلْيَسَعُك بيتك، وابْكِ على خطيئتك" (^٣)، قاله النوويّ (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٢٣ - ٧٢٤.
(٢) "الفتح" ٧/ ٤٣، كتاب "الجهاد" رقم (٢٧٨٦).
(٣) حديث صحيح أخرجه الترمذيّ، من حديث عقبة بن عامر - ﵁ -.
(٤) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣٤.
[ ٣٢ / ٤٤٨ ]
(يَعْبُدُ اللهَ رَبَّهُ) وفي رواية البخاريّ: "يَتَّقِي اللهَ"، وفي حديث ابن عبّاس - ﵄ -: "معتزل في شِعب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعتزل شرور الناس"، وللترمذيّ، وحسّنه، والحاكم، وصحّحه من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رجلًا مرّ بشِعْب فيه عينٌ عَذْبة، فأعجبه، فقال: لو اعتزلتُ، ثم استأذن النبيّ - ﷺ -، فقال: "لا تفعل، فإن مُقام أحدهم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عامًا".
(وَيَدَعُ) - بفتح الياء، والدال -؛ أي: يترك (النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ")؛ يعني: أنه يُبعد عنهم شرّه، وفيه إشارة إلى أن صاحب العزلة ينبغي له أن ينظر في العزلة إلى ترك الناس عن شرّه، لا إلى خلاصه عن شرّهم، ففي الأول تحقير النفس، وفي الثاني تحقيرهم، قاله السنديّ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٤٨٧٨ و٤٨٧٩ و٤٨٨٠] (١٨٨٨)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٧٨٦) و"الرقاق" (٦٤٩٤)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٤٨٥)، و(الترمذيّ) في "فضل الجهاد" (١٦٦٠)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ١١١) و"الكبرى" (٣/ ٨)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٧٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٣٦٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٦ و٣٧ و٥٦ و٨٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٠٦ و٤٥٩٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٤٢٥)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٠١)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤٠٣ و٥٣٧ و٥٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٩) و"شعب الإيمان" (٤/ ٨)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٦٢٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٦/ ١١ - ١٢.
[ ٣٢ / ٤٤٩ ]
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل من يُجاهد في سبيل الله بنفسه وماله.
٢ - (ومنها): بيان تفضيل العزلة على الاجتماع؛ لِمَا فيه من السلامة من الغيبة، واللغو، ونحو ذلك، وأما اعتزال الناس أصلًا، فقال الجمهور: محل ذلك عند وقوع الفتن، كما سيأتي في المسألة التالية - إن شاء الله تعالى -.
٣ - (ومنها): بيان فائدة العزلة، وهو السلامة من الشرور التي تشمل الدينية، والدنيويّة.
٤ - (ومنها): بيان أن مِن أَدَب من يريد العزلة أن يقصد إبعاد شره عن المسلمين، لا إبعاد شرورهم عنه، وإن كان حاصلًا ضمنًا، وذلك هضمًا لنفسه؛ كيلا يرى الفضل له عليهم، وامتثالًا للأمر بالتواضع الذي أمر الله تعالى به، كما قال النبيّ - ﷺ -: "أوحى الله إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد"، أخرجه مسلم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في العزلة، والْخُلْطة (^١) أيهما أفضل؟
(اعلم): أنه اختَلَف السلف في أصل العزلة، فقال الجمهور: الاختلاط أَولى؛ لِمَا فيه من اكتساب الفوائد الدينيّة للقيام بشعائر الإسلام، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال أنواع الخير إليهم، من إعانة، وإغاثة، وعيادة، وغير ذلك.
وقال قوم: العزلة أَولى؛ لتحقّق السلامة، بشرط معرفة ما يتعيّن.
وقال الخطّابيّ في "كتاب العزلة": إن العزلة والاختلاط يختلفان باختلاف متعلّقهما، فتُحمل الأدلّة الواردة في الحضّ على الاجتماع على ما يتعلّق بطاعة الأئمة، وأمور الدِّين، وعكسها في عكسه، وأما الاجتماع والافتراق بالأبدان، فمن عَرَف الاكتفاء بنفسه في حقّ معاشه، ومحافظة دِينه، فالأَولى له الانكفاف عن مخالطة الناس، بشرط أن يحافظ على الجماعة، والسلام، والردّ، وحقوق
_________________
(١) "الْخُلْطة" بالضمّ: اسم من الاختلاط، مثلُ الفُرقة من الافتراق، وهو المناسب هنا، وأما الْخِلطة بالكسر، فهو مثل الْعِشرة وزنًا ومعنًى.
[ ٣٢ / ٤٥٠ ]
المسلمين، من العيادة، وشهود الجنازة، ونحو ذلك، والمطلوب إنما هو ترك فضول الصحبة؛ لِمَا في ذلك من شغل البال، وتضييع الوقت عن المهمّات، ويُجعل بمنزلة الاحتياج إلى الغداء والعشاء، فيُقتصر منه على ما لا بدّ له منه، فهو أروح للبدن والقلب، والله أعلم. انتهى.
وقال النوويّ: المختار تفضيل المخالطة لمن لا يغلب على ظنّه أنه يقع في معصية، فإن أَشْكَل الأمر فالعزلة أَولى.
وقال غيره: يختلف باختلاف الأشخاص، فمنهم: من يتحتّم عليه أحد الأمرين، ومنهم: من يترجّح، وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا، فيختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات، فمن يتحتّم عليه المخالطة: من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه، إما عينًا، وإما كفايةً، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجّح عليه: من يغلب على ظنّه أنه يَسْلم في نفسه إذا قام في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وممن يستوي: من يأمن على نفسه، ولكن لا يتحقّق أنه لا يطاع، وهذا حيث لا يكون هناك فتنة عامّة، فإن وقعت الفتنة ترجّحت العزلة؛ لِمَا ينشأ فيها غالبًا من الوقوع في المحذور، وقد تقع العقوبة بأصحاب الفتنة، فتعمّ من ليس من أهلها، كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن التفصيل المذكور هو الأرجح؛ لأنه يؤيّده حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - المذكور في الباب، وحديث أبي هريرة - ﵁ -، وفيه: "أو رجل في غنيمة، في رأس شَعَفَة، من هذه الشَّعَفِ، أو بطن وادِ، من هذه الأودية، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد ربه، حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير".
والحاصل أن العزلة، والْخُلْطة من الأمور النسبيّة التي تختلف خيريتها باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأمكنة، كما بُيِّن في التفصيل المذكور، فتأمله، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٦/ ٤٩٦ - ٤٩٧، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٨٨).
[ ٣٢ / ٤٥١ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٧٩] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أي النَّاسِ أَفْضَلُ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ، يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الكسّيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام الصنعانيّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد، تقدّم أيضًا قريبًا.
والباقون ذُكروا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوَّل الكتاب قال:
[٤٨٨٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، فَقَالَ (^١): "وَرَجُلٌ فِي شِعْبٍ"، وَلَمْ يَقُلْ: "ثُمَّ رَجُلٌ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) الحافظ، صاحب "المسند"، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) بن واقد بن عثمان الضبيّ مولاهم، الفريابيّ، نزيل قيسارية من ساحل الشام، ثقةٌ فاضلٌ [٩] (ت ٢١٢) (ع) تقدم في "القسامة" ٢/ ٤٣٤٩.
_________________
(١) وفي نسخة: "قال".
[ ٣٢ / ٤٥٢ ]
٣ - (الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضلٌ [٧] (ت ١٥٧) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٨.
و"ابن شهاب" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية الأوزاعيّ، عن ابن شهاب هذه ساقها أبو يعلى - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(١٢٢٥) - حدّثنا زهيرٌ، حدّثنا محمد بن يوسف، عن الأوزاعيّ، عن الزهريّ، عن عطاء بن يزيد الليثيّ، عن أبي سعيد الخدريّ، قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ -، فقال: أي الناس خير؟ قال: "رجل جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ورجل - يعني - في شعب من الشعاب، يعبد ربه، ويَدَعُ الناسَ من شرّه". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٨١] (١٨٨٩) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بَعْجَةَ (^٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً، أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ، أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ، فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ، أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ، لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ) النيسابوريّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ) المدنيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُوهُ) سلمة بن دينار، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٤ - (بَعْجَةُ) بن عبد الله بن بدر الْجُهنيّ المدنيّ، ثقةٌ [٣].
_________________
(١) "مسند أبي يعلى" ٢/ ٤٢٥.
(٢) وفي نسخة: "عن بعجة بن عبد الله بن بدر".
[ ٣٢ / ٤٥٣ ]
رَوَى عن أبيه، وله صحبة، وعقبة بن عامر، وأبي هريرة.
ورَوى عنه أسامة بن زيد الليثيّ، وأبو حازم المدنيّ، وعبد الله، ومعاوية ابنا بعجة، ويحيى بن أبي كثير، ويزيد بن أبي حبيب.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال البخاريّ: مات قبل القاسم بن محمد، ومات القاسم سنة (١٠١)، وأَرَّخ ابن حبان في "الثقات" وفاته سنة (١٠٠)، وذكره مسلم في الطبقة الأولى من أهل المدينة، ونقل أبو موسى المدينيّ عن عبدان أن بعجة رَوَى أيضًا عن عليّ، وعثمان - ﵄ -.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود في "القدر"، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٨٩)، وحديث (١٩٦٥): "ضَحِّ به".
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ -، تقدّم قريبًا.