أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين، سوى شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ بَعْجَةَ) - بفتح الموحّدة، وسكون العين المهملة - وفي الرواية التالية: "عن بَعْجة بن عبد الله بن بدر"، وفي الثالثة: "عن بعجة بن عبد الله الْجُهنيّ"، (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ) قال النوويّ - ﵀ -: المعاش: هو العيش، وهو الحياة، وتقديره - والله أعلم -: مِنْ خير أحوال عيشهم رجلٌ ممسكٌ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة، أو العيش؛ أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهادُ، ففيه دليلٌ على جواز نية أخذ المغانم، والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النية في الجهاد أن يجاهدَ؛ لتكون
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣٥.
[ ٣٢ / ٤٥٤ ]
كلمةُ الله هي العليا، ولهذا أشار في هذا الحديث بقوله: "رجل مُمسِك بعِنان فرسه في سبيل الله"، وبقوله: "يبتغي القتلَ مظانَّه".
فقوله: "من خير معاش الناس" جارّ ومجرور خبر مقدّم، على المبتدإ، وهو "رجل. . . إلخ"، وقوله: "لهم" متعلّق بـ "خير".
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "من خير معاش الناس": المعاش: التعيّش، يقال: عاش الرجل معاشًا، ومعيشًا، وما يُعاش به، فيقال له: معاشٌ، ومعيشٌ؛ كمَعَابٍ، ومَعِيبٍ، ومَحَالٍ، ومَحِيل، وفي الحديث يصحّ تفسيره بهما.
(رَجُلٌ مُمْسِكٌ) بكسر السين، اسم فاعل من الإمساك؛ أي: آخذ (عِنَانَ فَرَسِهِ) - بكسر العين المهملة، وتخفيف النون -؛ أي: بلجامه، قال المجد - ﵀ -: "العِنَانُ ككِتاب: سَيْرُ اللجام الذي تُمسك به الدابّة، جمعه أَعِنّةٌ، وعُنُنٌ" (^١). (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله - ﷾ -.
وقال الطيبيّ: قوله: "رجلٌ" رُفع بالابتداء على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي: معاشُ رجلٍ هذا شأنه: من خير معاش الناس لهم.
(يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ)؛ أي: ظهره؛ أي: يسارع حال كونه راكبًا على ظهر فرسه، وهو مستعارٌ من طيران الطائر.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "يطير" إما صفة بعد صفة، أو حال من الضمير في "ممسِكٌ"، وقوله: "طار" جواب "كلّما"، وهو مع جوابه حال من ضمير "يطير"، وفيه تصوير حالة هذا الرجل، وشدّة اهتمامه بما هو فيه من المجاهدة في سبيل الله تعالى، وهو أنه عادتُه، ودأبُهُ، ولا يهتمّ، ولا يلتفت إلى غير ذلك. انتهى (^٢).
(كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً) - بفتح الهاء، وإسكان الياء -: الصيحة التي يُفزَع منها، ويُجْبَنُ، يقال: هاع، يهيع، هُيُوعًا وهَيَعانًا: إذا جَبُن، وهاع، يهاع: إذا جاع، وأكثر ما تُستعمل الهيعة في الصوت عند حضور العدوّ. (أَوْ) للتقسيم،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٩٢١.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٨.
[ ٣٢ / ٤٥٥ ]
لا للشكّ؛ أي: أوْ كلما سمِع (فَزْعَةً) - بإسكان الزاي -، وهي المرّة من فَزِعَ: إذا خاف، أو نَهَضَ للإغاثة، وملاقاة العدوّ.
وقال الطيبيّ: "الفَزْعة" هنا فُسّرت بإغاثةِ مَن فَزِعَ، إذا استغاث، وأصل الْفَزَعِ: شدّة الخوف (^١).
(طَارَ عَلَيْهِ)؛ أي: على متن فرسه، والطيران هنا، وفيما قبله كناية عن المسارعة إلى العدوّ، والمعنى: أنه يبادر فرسَه بسرعة، كلما سمِعَ صوت العدوّ، أو رأى النهضة إلى لقاء العدوّ (يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ) قال الطيبيّ: عَطَف الموت على القتل؛ لِمَا أريدَ به الأهوال والأفزاع في مواطن الحرب، كقول الحماسيّ [من الطويل]:
وَلَا يَكْشِفُ الْغَمَّاءَ إِلَّا ابْنُ حُرَّةٍ … يَرَى غَمَرَاتِ الْمَوْتِ ثُمَّ يَزُوْرُهَا
فيكون "مظانّه" بدل اشتمال من "الموت"؛ كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ الآية [مريم: ١٦]؛ أي: اذكر وقت انتباذها، فيكون مفعولًا به على الاتّساع، ومظانّ الموت في الحديث بمنزلة "غمرات الموت" في البيت، وذهب الشارحون إلى أنه منصوب على الظرفيّة لقوله: "يبتغي". انتهى.
وقوله: (مَظَانَّهُ) جمع مَظِنّة، بكسر الظاء؛ أي: في الأوقات التي يُظَنّ القتل فيها، وهو منصوب هنا على الظرف، قاله القرطبيّ، أو هو منصوب بنزع الخافض؛ أي: في مظانّه، ويَحتمل أن يكون منصوبًا بدلًا من "القتلَ"، والمعنى: أنه يطلب الشهادة في المواضع التي يُرجى فيها الموت؛ رغبة في أن يجود بنفسه لله - ﷾ -.
وقال النوويّ: معنى "يبتغي القتل مظانّه": يطلبه في مواطنه التي يرجى فيها؛ لشدة رغبته في الشهادة، وفي هذا الحديث فضيلة الجهاد، والرباط، والحرص على الشهادة. انتهى (^٢).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "يبتغي القتل والموت مظانّه"؛ أي: لا يبالي،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣٥.
[ ٣٢ / ٤٥٦ ]
ولا يحترز منه، بل يطلبه حيث يظنّ أنه يكون، و"مظانّه": جمع مظِنّة، وهي الموضع الذي يُعهَد فيه الشيء، ويُظَنّ أنه فيه، ووحّد الضمير في "مظانّه" إما لأن الحاصل، والمقصود منهما واحد، أو لأنه اكتفى بإعادة الضمير إلى الأقرب، كما اكتَفى بها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤] (^١).
(أَوْ) للتقسيم أيضًا، لا للشكّ، (رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ) تصغير غنم؛ أي: قطعة من الغنم؛ يعني: أنه قد أقنع نفسه بعدد يسير من الغنم، يعيش بها.
وقال الطيبيّ: قوله: "أو رجلٌ في غُنيمة"؛ أي: معاشُ رجلٍ، والظرف متعلّق به إن جُعل مصدرًا، أو بمحذوف هو صفة لـ "رجل"، و"غُنيمة" تصغير غنم، وهو مؤنّث سماعيّ، ولذلك صُغّر بالتاء (^٢).
(فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ) - بفتح الشين المعجمة، والعين المهملة - واحد الشَّعَف، وهي رؤوس الجبال. (مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ) يريد به الجنس لا العهد، قاله الطيبيّ (^٣). (أوْ) للتقسيم أيضًا، (بَطْنِ وَادٍ) بجرّ "بطن" عطفًا على قوله: "رأس شعفة"، (مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ) جمع وادٍ، قال الطيبيّ: قوله: "من هذه الشعَف"، و"هذه الأودية" للتحقير، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [العنكبوت: ٦٤]، و﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١]، ومن ثمّ صغّر "غُنيمة" وصفًا لقناعة هذا الرجل بأنه سكن في أحقر مكان، ويجتزئ بأدنى قُوت، واعتزل الناس يكفّ شرّه عنهم، ويستكفي شرّهم عنه، ويشتغل بعبادة ربّه حتى يجيئه الموت، وعبّر عن الموت باليقين؛ ليكون نُصب عينيه مزيدًا للتسلّي، فإن في ذِكْر هاذم اللذّات ما يصرفه عن أعراض الدنيا، ويشغله عن ملاذّها بعبادة ربّه، ألا ترى كيف سَلّى حبيبه - ﷺ - حين لقي ما لقي من أذى الكفّار بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾، إلى أن قال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩]؟
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٨.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٨.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٨.
[ ٣٢ / ٤٥٧ ]
وقوله: (يُقِيمُ الصَّلَاةَ) جملة في محلّ نصب على الحال، وكذا المعطوفات، (وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ)؛ أي: يعطيها مستحقّها، (وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ) المتيقّن، وهو الموت، سُمّي به؛ لتحقّق وقوعه.
(لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ")؛ أي: ليس له اجتماع مع الناس، ولا اختلاط بهم إلا فيما كان خيرًا؛ كالجماعة، والجمعة، والعيدين، وصلاة الجنازة، وعيادة المريض، وتشييع الجنازة، ونحو ذلك من أنواع الخيرات.
والحاصل أنه معتزل عن الناس إلا فيما هو خير محض؛ كالأشياء المذكورة، ونحوها.
ثم إن هذه العزلة المحمودة في هذا الحديث ليست الرهبانية المذمومة في القرآن؛ لأن الرهبانية تتضمّن إهمال الحقوق الواجبة للنفس، والأهل، والعباد، بخلاف هذه العزلة، فإن المقصود منها ترك الاختلاط مع الناس، مع أداء حقوق النفس، والأهل في العزلة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٤/ ٤٨٨١ و٤٨٨٢ و٤٨٨٣] (١٨٨٩)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٣٧٥)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٧٧)، و(ابن المبارك) في "الزهد" (١/ ١٤٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٠٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٩٦ و٤٤٣ و٥٢٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٢٠٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٢ و٤٧٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٩) و"شُعَب الإيمان" (٤/ ٤١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الجهاد في سبيل الله، وفضل الرباط، والحرص على الشهادة.
٢ - (ومنها): بيان فضل العزلة عن الناس؛ فرارًا بدينه، وهذا محمول
[ ٣٢ / ٤٥٨ ]
على زمان الفتنة، كما تقدّم تفصيله في المسألة الرابعة من الحديث الماضي.
٣ - (ومنها): ما قاله الطيبيّ - ﵀ -: وفي تخصيص ذكر المعاش في الحديث تلميح، فإن العيش المتعارف بين أبناء الدهر هو استيفاء اللذّات، والانهماك في الشهوات، كما سُمّيت البيداء المهلكة بالمفازة والمنجاة، واللديغ بالسليم، وتلميح إلى قوله - ﷺ -: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة"، متّفقٌ عليه، وفيه أن لا عيش ألذّ، وأمرأ، وأشهى، وأهنأ مما يجد العبد من طاعة ربّه، ويستروح إليها حتى يرفع تكاليفها، ومشاقّها عنه، بل إذا فقدها كان أصعب عليه مما إذا وُتر أهله وماله، وإليه ينظر قوله - ﷺ -: "أرحنا بالصلاة يا بلال" (^١)، وقوله: "وجُعلت قرّة عيني في الصلاة" (^٢)، وتعريضٌ بذمّ عيش الدنيا؛ لِمَا ورد: "تَعِس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة" إلى قوله: "طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله. . ." (^٣).
وجِمَاعُ معنى الحديث: الحثّ على مجاهدة أعداء الدين، وعلى مجاهدة النفس، والشيطان، والإعراض عن استيفاء اللذّات العاجلة. انتهى كلام الطيبيّ - ﵀ - (^٤)، وهو تحقيق مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٨٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، وَيَعْقُوبُ - يَعْنِي: ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ - كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي حَازِمٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأبو داود.
(٢) حديث صحيح، أخرجه النسائيّ.
(٣) أخرجه البخاريّ في "صحيحه": عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال: "تَعِس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، إن أُعطي رضي وإن لم يُعط سَخِط، تَعِسَ، وانتُكِس، وإذا شِيك فلا انتُقِش، طوبى لعبد آخذ بعِنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرّة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذَن له، وإن شفع لم يشفَّع". انتهى.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣٠.
[ ٣٢ / ٤٥٩ ]
مِثْلَهُ، وَقَالَ: عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ، وَقَالَ: "فِي شِعْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الشِّعَابِ"، خِلَافَ رِوَايَةِ يَحْيَى).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ) - بتشديد التحتانيّة - المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدّم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (الْقَارِيَّ) بتشديد الياء التحتانيّة: نسبة إلى قارة قبيلة مشهورة بجودة الرمي، وليس نسبة إلى القارئ، من القراءة، كما يوجد في بعض النسخ غلطًا.
وقوله: (كِلَاهُمَا) الضمير لعبد العزيز بن أبي حازم، ويعقوب بن عبد الرحمن.
وقوله: (وَقَالَ: عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَدْرٍ) فاعل "قال" في الموضعين ضمير قُتيبة.
وقوله: (خِلَافَ رِوَايَةِ يَحْيَى) بنصب خلاف على الحال؛ أي: حال كون قتيبة مخالفًا في روايته لرواية يحيى بن يحيى التميميّ، حيث قال قتيبة: "في شِعْبة من هذه الشعاب"، بدل قول يحيى: "في رأس شَعَفَة من هذه الشِّعاف"، و"يحيى" هو التميميّ، شيخ المصنّف في السند السابق.
[تنبيه]: رواية قتيبة بن سعيد عن عبد العزيز، ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم، أخرجها الحافظ أبو طاهر الذهليّ، في "جزئه"، فقال:
(١٤٥) - حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبي حازم، عن بعجة بن عبد الله بن بدر الجهنيّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: "خير ما عاش الناس له رجل ممسك بعِنان فرسه، في سبيل الله - ﷿ -، كلما سَمِع هَيْعةً، أو فَزْعة طار عن متن فرسه، فالتمس القتل، أو الموت في مظانّه، أو رجل في شِعْبة من هذه الشِّعاب، أو في بطن وادٍ من هذه الأودية،
[ ٣٢ / ٤٦٠ ]
أو غنيمة له، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد الله - ﷿ - حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير". انتهى (^١).
وساق النسائيّ في "الكبرى" رواية قتيبة، عن يعقوب فقط، فقال:
(١١٢٧٧) - أنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب، عن أبي حازم، عن بعجة بن بدر الجهنيّ، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: "خير ما عاش الناس له رحل يمسك بعنان فرسه، في سبيل الله، كلما سَمِع هَيْعةً، أو فَزْعةً طار على متن فرسه، فالتمس الموت في مظانّه، أو رجل في شِعبة من هذه الشعاب، أو في بطن واد من هذه الأودية، في غنيمة له، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويعبد الله حتى يأتيه اليقين، ليس من الناس إلا في خير". انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٨٣] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ بَعْجَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَعْنَى حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ بَعْجَةَ، وَقَالَ: "فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٣ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قريبًا.
٤ - (وَكِيعُ) بنَ الجرّاح، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ) الليثيّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: رواية أسامة بن زيد عن بعجة بن عبد الله بن بدر هذه ساقها ابن حبّان في "صحيحه"، فقال:
_________________
(١) "جزء أبي الطاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر الذهليّ" ١/ ٤٨ - ٤٩.
(٢) "السنن الكبرى" ٦/ ٣٧٥.
[ ٣٢ / ٤٦١ ]
(٤٦٠٠) - أخبرنا الحسن بن سفيان، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن أسامة بن زيد، عن بعجة بن عبد الله الجهنيّ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يأتي على الناس زمان يكون خير الناس فيه منزلةً رجل آخذ بعنان فرسه، في سبيل الله، كلما سمع بِهَيعة استوى على متنه، ثم طلب الموت مظانّه، ورجل في شِعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويَدَعُ الناس إلا من خيره". انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.