أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وهو مسلسل بالمدنيين غير شيوخه الثلاثة: فالأول بغداديّ، والثاني بغلانيّ، والثالث مروزيّ، وفيه رواية الابن عن أبيه، وتابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ -، تقدّم الكلام فيه قريبًا.
[ ٣٢ / ٤٦٩ ]
شرح الحديث:
(عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن يعقوب (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا") وفي الرواية التالية: "لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضرّ أحدهما الآخر، قيل: من هم يا رسول الله، قال: مؤمن قتل كافرًا، ثم سدّد"، قال القاضي عياض - ﵀ -: في الرواية الأولى يَحْتَمِل أن هذا مختصّ بمن قتل كافرًا في الجهاد، فيكون ذلك مكفِّرًا لذنوبه، حتى لا يعاقَب عليها، أو يكون بنيّة مخصوصة، أو حالة مخصوصة، ويَحْتَمِل أن يكون عقابه إن عوقب بغير النار؛ كالحبس في الأعراف عن دخول الجنة أوّلًا، ولا يدخل النار، أو يكون إن عوقب بها في غير موضع عقاب الكفار، ولا يجتمعان في أدراكها. انتهى (^١).
وقال الطيبيّ - ﵀ - بعد كلام عياض المذكور ما نصّه: أقول: والوجه هو الأول - يعني: الاحتمال الأول - وهو من الكناية التلويحيّة، نفي الاجتماع، فيلزم منه نفي المساواة بينهما، فيلزم أن لا يدخل المجاهد النار أبدًا، فإنه لو دخلها لساواه، ويؤيّده قوله - ﷺ -: "ولا يجتمع على عبد غبار في سبيل الله ودخان جهنّم" (^٢)، وفي رواية: "في منخري مسلم".
قال: وقوله: "أبدًا" بمعنى "قط" في الماضي، و"عَوْضُ" في المستقبل، تنزيلًا للمستقبل منزلة الماضي، قال الجوهريّ: يقال: لا أفعله أبد الآباد، وأبد الآبدين، كما يقال: دهر الداهرين، وعَوْضَ العائضين، والمقام يقتضيه؛ لأنه ترغيب في الجهاد، وحثّ عليه، ونحوه قوله - ﷺ -: "ما اغبرّت قدما عبد في سبيل الله، فتمسّه النار"، رواه البخاريّ. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا يجتمع كافر وقاتلُه في النار أبدًا" ظاهِرُ هذا أنَ المسلِمَ إذا قَتَل كافرًا لم يدخل النَّارَ بوجهٍ من الوجوه، ولم يقيّده في هذا الطريق بقيدٍ؛ لكن قال في الرِّواية الأخرى: "ثم سَدد"، وقد استشكل بعضُ الأئمة هذا اللفظ، وجهةُ الإشكال أن مآلَ السَّداد هو الاستقامة على
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣١٣.
(٢) حديث صحيحٌ، رواه النسائيّ.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٢٨.
[ ٣٢ / ٤٧٠ ]
الطريقة من غير زيغ، ومَن كان هذا حالُه فإنه لا يدخل النار؛ قتل كافرًا أو لم يقتله، وسلك في الانفصال عن هذا الإشكال أنْ حَمَلَ "سَدَّد" على "أسلم"، بمعنى: أن القاتلَ كان كافرًا، ثم أسلم، وصَرَفه للحديث الآخر؛ الذي قال فيه: "يضحك الله لرجلين".
قال القرطبيّ: وهذا الإشكالُ إنما وقع لهذا القائل من حيث فسَّر السَّداد بما ذُكر، والذي يظهرُ لي أنه ليس المراد بالسَّداد هنا ما ذُكِر؛ بل بعض ما ذُكِر، وهو أن يسدّد حالَه في التخلص من حقوق الآدميين؛ التي تقدَّم الكلامُ عليها في قوله - ﷺ -: "القتل في سبيل الله يكفِّر كل شيءٍ إلا الدَّين"، فإذا لم تكفِّر الشهادةُ الدينَ كان أبعد أن يكفره قتل الكافر.
ويحتملُ أن يقالَ: سدَّد بدوام الإسلام حتى الموت، أو باجتناب الموبقات التي لا تُغفَر إلا بالتوبة، كما تقدَّم في الطهارة. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٦/ ٤٨٨٧ و٤٨٨٨] (١٨٩١)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٤٩٥)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٣١٠٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٦٨ و٣٧٨ و٣٩٧ و٤١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ٣٩٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٦٥)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٨٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ اجْتِمَاعًا، يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ"، قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافِرًا، ثُمَّ سَدَّدَ").
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٢٥.
[ ٣٢ / ٤٧١ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ الْهِلَالِيُّ) الخَرّاز - بخاء معجمة، فراء مهملة، آخره زاي - أبو محمد البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٢) على الصحيح (م س) تقدّم في "شرح المقدمة" جـ ١ ص ٣٠٣.
٢ - (أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ) بن الحارث بن أسماء بن خارجة الكوفيّ، ثم المصّيصيّ، ثقةٌ حافظٌ له تصانيف [٨] (ت ١٨٥) أو بعدها (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٨٨.
٣ - (سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ) المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٤ - (أَبُوه) أبو صالح ذكوان السمّان، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (اجْتِمَاعًا، يَضُرُّ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) هذا يدلّ على أنه اجتماع مخصوص، قال القاضي عياض: وهو مشكل المعنى، وأوجه ما فيه أن يكون معناه ما أشرنا إليه أنهما لا يجتمعان في وقت إن استحق العقاب، فيُعَيِّره بدخوله معه، وأنه لم ينفعه إيمانه، وقَتْله إياه، وقد جاء مثل هذا في بعض الآثار، لكن قوله في هذا الحديث: "مؤمن قتل كافرًا، ثم سَدَّد"، مشكل؛ لأن المؤمن إذا سدّد، ومعناه استقام على الطريقة الْمُثْلَى، ولم يَخلط، لم يدخل النار أصلًا، سواء قَتَل كافرًا، أو لم يقتله، قال: ووجهه عندي أن يكون قوله: "ثم سَدَّد" عائدًا على الكافر القاتل، ويكون بمعنى الحديث السابق: "يضحك الله إلى رجلين، يقتل أحدهما الآخر، يدخلان الجنة"، ورأى بعضهم أن هذا اللفظ تغيّر من بعض الرواة، وأن صوابه: مؤمن قتله كافر، ثم سدّد، ويكون معنى قوله: "لا يجتمعان في النار، اجتماعًا يضر أحدهما الآخر"؛ أي: لا يدخلانها للعقاب، ويكون هذا استثناء من اجتماع الورود، وتخاصمهم على جسر جهنم. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ - (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا يجتمعان في النار اجتماعًا يضرُّ أحدُهما الآخر" مخالف للرواية الأولى الأخرى، فإن ظاهرَ تلك الرواية نفي الاجتماع
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٣١٣ - ٣١٤.
[ ٣٢ / ٤٧٢ ]
مطلقًا، وظاهرُ هذه نفي اجتماع مخصوص، فتعارض الظاهران، ووجهُ الجمع حملُ المطلق على المقيَّد، بمعنى: أنَّ من قتَل كافرًا ثمَّ مات مرتكبَ كبيرةِ، غير تائبٍ منها، فامرُه إلى الله تعالى؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه بها، وأُدخل النار، ثم إن أُدخل النار فإنما يدخل حيث يدخلُ المؤمنون المذنبون، لا حيث يدخل الكافرون، فلا يجتمعُ ذلك المؤمنُ مع مقتوله الكافر أبدًا، ولا يلقاه حتى يخاصمه، كما قد جاء: أن بعضَ الكفار يجتمعُ ببعض المؤمنين في النار، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم ولا عبادتكم؛ إذ أنتم معنا، فيضجُّ المؤمنون إلى الله تعالى حتى يخرجوا، فإذا خرجوا، وتفقّدهم الكافرون، فلم يروهم، قال بعضُهم لبعضِ: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص: ٦٢، ٦٣]. وقيل في الآية غير هذا، والله تعالى أعلم.
(قِيلَ) قال صاحب "التنبيه": لا أعرف القائل (^١). (مَنْ هُمْ) هكذا بضمير الجمع، مع مرجعه مثنّى، وقد سبق أن إطلاق ضمير الجمع على الاثنين جائز لغةً، وهو القول الراجح، كما حقّقته في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" في الأصول، قال الله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] بعد قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية [الأنبياء: ٧٨]. (يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - ﷺ - ("مُؤْمِنٌ قَتَلَ كَافرًا، ثُمَّ سَدَّدَ")؛ أي: استقام على طريق الهدى.
والحديث من أفراد المصنّف، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.