أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالكوفيين، غير شيخه، فمروزيّ، وقد دخل الكوفة للأخذ عن أهلها، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ مخضرم، وفيه أن صحابيّه يقال له: البدريّ؛ لشهوده غزوة بدر الكبرى، على ما قاله البخاريّ، وهو الأصحّ، أو لسكناه بدرًا، لا لشهود الغزوة، كما هو المشهور عند الأكثرين، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ) عقبة بن عمرو - ﵁ - أنه (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) لا يُعرف اسمه (^٢). (بِنَاقَةٍ) هي الأنثى من الإبل، قال أبو عبيدة: ولا تُسمّى ناقةً حتّى تُجْذِعَ، والجمع: أينُقٌ (^٣)، ونُوقٌ، ونِيَاقٌ، واستنوق الْجَمَلُ: تشبّه بالناقة،
_________________
(١) وفي نسخة: "فقال له رسول الله".
(٢) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٣٢٨.
(٣) دخله القَلْب المكانيّ بتقديم عين الكلمة على فائها، وقال في "النهاية" ص ٩٤٧: الأينُق جمع قلّة لناقة، وأصله أنوُقٌ، فقُلب، وأبدل واوه ياءً، وقيل: هو على حذف العين، وزيادة الياء عِوضًا عنها، فوزنه على الأول: أعفُلٌ؛ لأنه قدّم العين، وعلى الثاني: أيفُلٌ؛ لأنه حَذَف العين. انتهى.
[ ٣٢ / ٤٧٤ ]
قاله الفيّوميّ (^١).
(مَخْطُومَةٍ)؛ أي: فيها خِطام، يقال: خطمه بالخطام: جعله على أنفه، والْخِطام ككتاب: كل ما وُضِع في أنف البعير ليُقتاد به، جمعه كَكُتُب، قاله المجد (^٢)، وقال ابن الأثير - ﵀ -: خِطام البعير أن يؤخذ حبْلٌ من لِيفٍ، أو شعر، أو كتّان، فيُجعل في أحد طرفه، حَلْقةٌ، ثم يُشدّ فيه الطرَفُ الآخر حتى يصير كالْحَلْقة، ثم يقاد البعير، ثم يُثَنَّى على مِخْطَمه، وأما الذي يُجعل في الأنف دقيقًا، فهو الزمام. انتهى (^٣).
(فَقَالَ) الرجل (هَذِهِ) الناقة المخطومة (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: صدقة للجهاد في إعلاء كلمة الله - ﷿ -، (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) وفي بعض النسخ: "فقال له رسول الله - ﷺ -" ("لَكَ) خبر مقدّم لقوله: "سبعُمائة"، (بِهَا)؛ أي: بسبب حبسها، (يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبْعُمِائَةِ نَاقِةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ") قال النوويّ - ﵀ -: قيل: يَحْتَمِل أن المراد: له أجر سبعمائة ناقة، ويَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنّة بها سبعمائة، كل واحدة منهنّ مخطومة، يَرْكبهنّ حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنّة، ونُجُبها (^٤)، وهذا الاحتمال أظهر (^٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٣١.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٣٨١.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ص ٢٧٢.
(٤) أشار به إلى ما أخرجه الترمذيّ في "جامعه" ٤/ ٦٨٢ فقال:
(٥) - حدّثنا محمد بن إسماعيل بن سَمُرة الأحمسيُّ، حدّثنا أبو معاوية، عن واصل هو ابن السائب، عن أبي سورة، عن أبي أيوب، قال: أتى النبيّ - ﷺ - أعرابي، فقال: يا رسول الله، إني أحب الخيل، أفي الجنة خيل؟ قال رسول الله - ﷺ -: "إن أُدخلت الجنة أُتيت بفرس، من ياقوتة، له جناحان، فحُملت عليه، ثم طار بك حيث شئت". قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بالقويّ، ولا نعرفه من حديث أبي أيوب إلا من هذا الوجه، وأبو سورة هو ابن أخي أبي أيوب، يُضَعَّف في الحديث، ضعّفه يحيى بن معين جدًّا، قال: وسمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكَر الحديث، يروي مناكير، عن أبي أيوب، لا يتابَع عليها. انتهى.
(٦) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣٨.
[ ٣٢ / ٤٧٥ ]
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأخير هو الحقّ، كما استظهره النوويّ؛ لأن نصوص الشارع إذا أمكن حَمْلها على ظاهرها تعيّن ذلك، ولا يُصار إلى التأويل إلا عند وجود دليل عليه، ومما يؤيّد هذا الاحتمال الظاهر - كما قال القاضي عياض - ﵀ - قوله: "مخطومة"، فإنه ظاهر في كونها ناقةً عليها خطامها، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذه الحسنةُ مما ضوعفت إلى سبعمائة ضِعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة التي تضاعَف الحسنات إليها، وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]، وبقي بعد هذا المضاعفةُ من غير حصر، ولا حدّ، وهي مفهومة من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. انتهى (^١)، والله تعالى اعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي مسعود الأنصاريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٧/ ٤٨٨٩ و٤٨٩٠] (١٨٩٢)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ٤٩) و"الكبرى" (٣/ ٣٣)، و(ابن المبارك) في "الزهد" (١/ ٢٠٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٣١١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ١٢١ و٥/ ٢٧٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٤٩ و٦٤٥٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٧)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٦٨)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٩٥)، و(ابن أبي عاصم) في "الجهاد" (١/ ٢٧٠ - ٢٧١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٧٢)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٦٢٥)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٢٦ - ٧٢٧.
[ ٣٢ / ٤٧٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٩٠] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ (ح) وَحَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ - يَعْنِي: ابْنَ جَعْفَرٍ - حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (٢٠١)، وهو ابن (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (زَائِدَةُ) بن قُدامة الثقفيّ، أبو الصَّلْت الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، سنّيّ [٧] (١٦٠) أو بعدها (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٤ - (بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ) العسكريّ، أبو محمد الفرائضيّ، نزيل البصرة، ثقةٌ يُغْرب [١٠] (ت ٣ أو ٢٥٥) (خ م د س) تقدّم في "الإيمان" ٢٣/ ٢٠٠.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، تقدّم قريبًا.
٦ - (شُعْبَةُ) بن الحجَّاج، تقدّم أيضًا قريبًا.
و"الأعمش" ذُكر قبله.
وقوله: (كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ)؛ يعني: أن كلًّا من زائدة، وشعبة رويا عن الأعمش بالإسناد السابق.
[تنبيه]: رواية زائدة عن الأعمش ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(١٨٣٥٠) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا الحسن بن عليّ بن عفان العامريّ، ثنا أبو أسامة، عن زائدة، عن الأعمش، عن أبي عمرو الشيبانيّ، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبيّ - ﷺ - بناقة مخطومة، فقال: هي لي يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال له رسول الله - ﷺ -: "لك بها يوم القيامة سبعمائة، كلها مخطومة". انتهى (^١).
_________________
(١) "سنن البيهقيّ الكبرى" ٩/ ١٧٢.
[ ٣٢ / ٤٧٧ ]
وأما رواية شعبة، عن الأعمش، فقد ساقها النسائيّ في "سننه"، فقال:
(٣١٨٧) - أخبرنا بشر بن خالد، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن سليمان، قال: سمعت أبا عمرو الشيبانيّ، عن أبي مسعود، أن رجلًا تصدّق بناقة مخطومة، في سبيل الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "ليأتينّ يوم القيامة بسبعمائة ناقة، مخطومة". انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.