أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالكوفيين، غير شيخيه، فالأول نسائيّ، ثم بغداديّ، والثاني مروزيّ، والصحابيّ مدنيّ، ومصريّ، وفلسطينيّ، وطائفيّ، وفيه ثلاثة من التابعين روى بعضهم عن بعض: الأعمش، عن زيد، عن ابن عبد ربّ الكعبة، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، من السابقين إلى الإسلام، ومن العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ) العائذيّ، أو الصائديّ أنه (قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ)؛ أي: المسجد الحرام، وقوله: (فَإِذَا) هي الفجائيّة؛ أي: ففاجأني (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ) - ﵄ -، وقوله: (جَالِسٌ) مرفوع على أنه خبر "عبد الله"، وفي بعض النسخ: "جالسًا" بالنصب، وعليه فيكون الخبر "إذا" الفجائيّة؛ لأنها ظرف عند بعضهم، و"جالسًا" منصوب على الحال. (فِي ظِلَّ الْكَعْبَةِ، وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ) جملة في محلّ نصب على الحال، (فَأَتَيْتُهُمْ)؛ أي: القوم المجتمعين، (فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ)؛ أي: إلى عبد الله بن عمرو - ﵄ -، (فَقَالَ) عبد الله - ﵁ - (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي سَفَرٍ) لا يُعرف ذلك السفر (^١). (فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ) بضمّ أوله، من الإصلاح، (خِبَاءَهُ) بكسر الخاء المعجمة: ما يُعمَل من وَبَرٍ، أو صوفٍ، وقد يكون من شَعْرٍ، والجمع: أخبيةٌ، بغير همز، مثلُ كساء وأكسيةٍ، ويكون على عَمُودين، أو ثلاثةٍ، وما فوق ذلك، فهو بيتٌ (^٢).
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٣٢٤.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٦٣.
[ ٣٢ / ١٢٧ ]
(وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ)؛ أي: يرمي بالسهام تدرّبًا، ومداومةً، والمناضلة: المراماة بالسهام، قاله القرطبيّ. (وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ) هكذا هو عند مسلم بإضافة "جشر" إلى ضمير الغائب، ووقع عند النسائيّ: "فِي جَشْرَتِهِ" بإضافة "جشرة" إلى ضمير الغائب، وقال السنديّ في "شرحه": أي: في إخراج الدوابّ إلى المرعى (^١).
قال النوويّ: هو بفتح الجيم والشين: وهي الدّوابّ التي تَرْعَى، وتبيت مكانها. انتهى (^٢).
وقال في "اللسان": وجَشَرُوا الخيلَ، وجَشَّرُوها: أرسلوها في الْجَشْر، والْجَشْرُ: أن يخرجوا بخيلهم، فيَرْعَوها أمام بيوتهم، وأصبحوا جَشْرًا - أي: بالسكون - وجَشَرًا - أي: بفتحتين -: إذا كانوا يبيتون مكانهم، لا يرجعون إلى أهليهم، وقال أيضًا: وجَشَرنا دوابّنا: أخرجناها إلى المرعى نَجشُرُها جَشْرًا - بالإسكان، قال: وفي حديث عثمان - ﵁ -، أنه قال: لا يغُرّنّكم جَشَرُكم من صلاتكم، فإنما يقصُر الصلاة من كان شاخصًا، أو يحضره عدوّ، قال أبو عبيد: الجَشَر: القوم يخرجون بدوابّهم إلى المرعى، ويبيتون مكانهم، ولا يأوون إلى البيوت، وربّما رأوه سفرًا، فقصروا الصلاة، فنهاهم عن ذلك؛ لأن المقام في المرعَى، وإن طال فليس بسفر. انتهى المقصود من "اللسان" باختصار، وتصرّف (^٣).
وقال في "القاموس": "الْجَشْرُ"؛ أي: بالسكون: إخراج الدوابّ للرَّعْي، كالتجشير. قال: وبالتحريك: المال الذي يَرعى في مكانه، لا يرجع إلى أهله بالليل، والقوم يبيتون مع الإبل. انتهى باختصار (^٤).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أفاد ما ذُكر أن الجشر إذا كان مصدرًا بمعنى إخراج الدوابّ للرعي يُضبط بسكون الشين، وأما الجشَر بالتحريك، فهي الإبل التي ترعى في مكانها، والمعنيان مناسبان هنا، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٧/ ١٥٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٣.
(٣) "لسان العرب" ٤/ ١٣٧.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٢١٧.
[ ٣٢ / ١٢٨ ]
(إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) لا يعرف اسمه (^١). (الصَّلَاةَ جَامِعَةً) قال النوويّ - ﵀ -: هو بنصب "الصلاة" على الإغراء، و"جامعةً" على الحال.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذه الجملة تَحْتَمِل أربعة أوجه: رفع الجزءين على الابتداء والخبر، ونَصْبهما على ما قاله النوويّ، ورَفْعُ الأول، ونَصْبُ الثاني، على أن الأول مبتدأ، حُذِف خبره؛ أي: الصلاة محضورةٌ، والثاني منصوب على الحال، ونَصْبُ الأول على الإغراء، ورَفْع الثاني على تقدير مبتدإ؛ أي: هي جامعةٌ، والله تعالى أعلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "الصلاة جامعة" خبر بمعنى الأمر، كأنه قال: اجتمعوا للصلاة، وكأنه كان وقت صلاة، فلما جاؤوا صلَّوا معه، وسكت الراوي عن ذلك، وإلا فمن المحال أن ينادي منادي الصادق بالصلاة، ولا صلاة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: كلام القرطبيّ هذا فيه نظر لا يخفى، بل الذي يظهر أن ذلك الوقت غير وقت صلاة، وإلا فالصلوات الخمس لا يُنادى لها بـ "الصلاةُ جامعة"، وإنما يؤذّن لها الأذان المعروف، بل هذه الصلاة عارضة أراد النبيّ - ﷺ - جَمْعهم بسببها، ثم خُطبتهم بعدها، وهذا واضح، والله تعالى أعلم.
(فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "إِنَّهُ) الضمير للشأن، كما سبق قريبًا، وهو الضمير الذي تفسّره الجملة بعده، وهي هنا قوله: (لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ)؛ أي: واجبًا عليه؛ لأن ذلك من طريق النصيحة، والاجتهاد في التبليغ، والبيان. (أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ) ولفظ النسائيّ: "على ما يعلمه خيرًا لهم"، قال السنديّ: أي: على شيء يعلم النبيّ - ﷺ - ذلك الشيء خيرًا لهم، (وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا)؛ أي: سلامتها، واستقامتها، واجتماع كلمتها (فِي أَوَّلِهَا، وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ، وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا) قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني بأول الأمة: زمانه، وزمان الخلفاء الثلاثة إلى قَتْل عثمان، فهذه الأزمنة كانت أزمنة اتّفاق هذه
_________________
(١) راجع: "تنبيه المعلم" ص ٣٢٤.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٠ - ٥١.
[ ٣٢ / ١٢٩ ]
الأمّة، واستقامة أمرها، وعافية دينها، فلمّا قُتل عثمان - ﵁ - ماجت الفتن، كموج البحر، وتتابعت كقِطَع الليل المظلم، ثم لم تزل، ولا تزال متواليةً إلى يوم القيامة، وعلى هذا فأول آخر هذه الأمة المعنيّ في هذا الحديث مقتل عثمان - ﵁ -، وهو آخرٌ بالنسبة إلى ما قبله، من زمان الاستقامة والعافية، وقد دلّ على هذا قوله: "وأمورٌ تنكرونها"، والخطاب لأصحابه، فدلّ على أن منهم من يُدرك أوّل ما سمّاه آخرًا، وكذلك كان. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: كان الأَولى للقرطبيّ أن يجعل مقتل عمر - ﵁ - مبدأ الفتن، كما هو منصوص عليه في حديث حذيفة الذي ذكره حين سأل عمر عن الفتنة، قال حذيفة - ﵁ -: كنا جلوسًا عند عمر - ﵁ -، فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قلت: أنا، كما قاله، قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: فتنة الرجل في أهله، وماله، وولده، وجاره، تكفّرها الصلاة، والصوم، والصدقة، والأمر، والنهي، قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر، قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أيُكسَر أم يُفْتَح؟ قال: يكسر، قال: إذًا لا يُغْلَق أبدًا،. . . الحديث.
وقد فسّر البابَ حذيفةُ بأنه عمر - ﵁ -، فأفاد أن ابتداء الفتن هو موت عمر - ﵁ -، لا موت عثمان - ﵁ -، فتبصّر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
(وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ، فَيُرَقِّقُ (^٢) بَعْضُهَا بَعْضًا) قال النوويّ - ﵀ -: هذه اللفظة رُويت على أوجه:
[أحدها]: وهو الذي نقله القاضي عن جمهور الرواة: يُرقّق بضمّ الياء، وفتح الراء، وبقافين: أن يَصِير بعضها رقيقًا؛ أي: خفيفًا؛ لِعِظَم ما بعده، فالثاني يَجعل الأول رقيقًا. وقيل: معناه: يُشبه بعضها بعضًا، وقيل: يدور بعضها في بعض، ويذهب، ويجيء، وقيل: معناه: يسوق بعضها إلى بعض بتحسينها، وتسويلها.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٥١.
(٢) وفي نسخة: "فيرفُق"، وفي أخرى: "فيدفق"، وفي أخرى: "فيدقّق".
[ ٣٢ / ١٣٠ ]
[والوجه الثاني]: فيَرْفُقُ بفتح الياء، وإسكان الراء، وبعدها فاء مضمومة.
[والثالث]: فيَدْفِقُ بالدال المهملة الساكنة، وبالفاء المكسورة؛ أي: يدفع، ويصبّ، والدفق: الصبّ. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فَيَدْفِقُ بعضها بعضًا": الرواية: "يَدْفِق" بالتخفيف، وفتح الياء، هذه رواية الطبريّ، عن الفارسيّ، ومعنى: فيدفق: يدفع، والدَّفْقُ: الدَّفْعُ، ومنه: الماء الدَّافِق، ويعني: أنها كموج البحر الذي يَدْفِق بعضه بعضًا، وشُبِّه المؤمنُ في هذه الفتن بالعائِم الغريق بين الأمواج، فإذا أقبلت عليه موجة قال: هذه مهلكتي، ثم تروح عنه تلك، فتأتيه أخرى، فيقول: هذه، هذه إلى أن يَغْرَق بالكلّية، وهذا تشبيه واقع، ورواه أكثر الرُّواة: "يُرَقِّقُ" بالراء المفتوحة، والقاف الأولى المكسورة؛ أي: يُسَبِّبُ بعضها بعضًا، ويشيرُ إليه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: حاصل المعنى: أن المتأخّرة من تلك الفتن أعظم من المتقدّمة، فتصير المتقدّمة بالنسبة للمتأخّرة هيّنةً خفيفة، أعاذنا الله تعالى من جميع الفتن، ما ظهر منها وما بطن، إنه رؤوف رحيم.
(وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ، فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي) يَحْتَمِل أن يكون بضم الميم، وكسر اللام، بصيغة اسم الفاعل، وأن يكون بفتح الميم، واللام، ظرفًا؛ أي: هذه الفتنة محل هلاكي، أو زمانه. (ثُمَّ تَنْكَشِفُ)؛ أي: تزول تلك الفتنة، (وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ) غير هذه، (فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ: هَذِهِ، هَذِهِ)؛ أي: هذه مهلكتي، وهذه مهلكتي، وفي رواية النسائيّ: "ثُمَّ تَجِيءُ، فَيَقُولُ: هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ"، (فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ) ببناء الفعل للمفعول؛ أي: يُنحّى عنها، ويُباعَد منها (وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ) ببناء الفعل للمفعول أيضًا، ويَحْتَمِل هنا بناءه للفاعل، (فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ)؛ أي: موته، قال المجد - ﵀ -: الْمَنَى - أي: بوزن الفَتَى -: الموت، كالْمَنِيّة. انتهى (^٣)، وقوله: (وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) جملة في محلّ نصب على الحال، ولفظ النسائيّ: "فلتُدركه منيّته، وهو مؤمن بالله واليوم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٣.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥١.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١٢٤٥.
[ ٣٢ / ١٣١ ]
الآخر"، قال الأبيّ - ﵀ -: هو إرشاد لعدم التلبّس بالفتنة؛ لأن الإيمان إنما يحصل بتحصيب خصاله، والتلبّسُ بخصاله مناف للفتنة. انتهى (^١). (وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)؛ أي: ليؤدّ إليهم، ويفعل بهم الشيء الذي يُحِبّ أن يَفعَلوه به، وقال القرطبيّ - ﵀ -: أي: يجيء إلى الناس بحقوقهم من النصح، والنيّة الحسنة بمثل الذي يُحب أن يُجاء إليه به، وهذا مثلُ قوله - ﷺ -: "لا يؤمن أحدكم حتى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه"، متّفقٌ عليه، والناس هنا: الأئمة، والأمراء، فيَجب عليه لهم من السمع، والطاعة، والنصرة، والنصيحة، مثل ما لو كان هو الأمير لكان يُحبّ أن يُجاء له به. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "والناس هنا الأئمة إلخ" فيه نظرٌ لا يخفى، بل الأَولى كونه على عمومه، فالمراد بالناس جميع المسلمين، ومما يردّ عليه دعوى الخصوص هذا الحديث الذي مثّل هو به، فإنه صريح في العموم، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا) قال الأبيّ - ﵀ - أي: من بايع إمامًا مباشرةً، أو باندراجه تحت من عَقَدها له من أهل الحلّ والعقد لزمت الجميع، كتب عليٌّ إلى معاوية - ﵄ -: أما بعد فإن بيعتي بالمدينة لزمتك، وأنت بالشام؛ لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يردّ. انتهى (^٣).
(فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ)؛ أي: ضرب يده على يده عند المبايعة، وأصل الصفقة: الضرب بالكفّ على الكفّ، أو بأصبعين على الكفّ، وهو التصفيق، وقال ابن الأثير - ﵀ -: الصفقة: المرّة من التصفيق باليد؛ لأن المتعاهدين يضع أحدهما يده في يد الآخر، كما يفعل المتبايعان. (وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ)؛ أي: خالص عهده، أو محبّته بقلبه، قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ على أن البيعة لا يُكتَفَى فيها بمجرّد عقد اللسان فقط، بل لا بدّ من الضرب باليد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]،
_________________
(١) "شرح الأبّيّ" ٥/ ١٨٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٢.
(٣) "شرح الأبّيّ" ٥/ ١٨٩.
[ ٣٢ / ١٣٢ ]
ولكن ذلك للرجال فقط، على ما يأتي، ولا بُدّ من التزام البيعة بالقلب، وترك الغشّ والخديعة، فإنها من أعظم العبادات، فلا بدّ فيها من النيّة والنصيحة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "بل لا بدّ من الضرب باليد"، فيه نظرٌ، لا يخفى، فإن الحديث لا يدلّ على هذا، بل غاية ما فيه إيجاب الطاعة لمن بايع على هذه الصفة، وهذا لا ينفي جواز البيعة باللسان فقط، دون الضرب باليد، فتبصّر. والله تعالى أعلم.
(فَلْيُطِعْهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُنَازِعُهُ، فَاضْرِبُوا رَقَبَةَ الْآخَرِ") قال النوويّ - ﵀ -: معناه: ادفعوا الثاني، فإنه خارجٌ على الإمام، فإن لم يندفع إلا بحرب، وقتال، فقاتِلُوه، فإن دعت المقاتَلة إلى قَتْله جاز قَتْله، ولا ضمان فيه؛ لأنه ظالم مُعتدٍ في قتاله.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: الفاء في قوله: "فأعطاه صفقة يده" كما هي في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٥٤] إذا كانت التوبة عين القتل؛ إذ الصفقة الحاصلة بين المتبايعين، وكذلك إعطاء ثمرة القلب التي هي خلاصة الإنسان ليست إلا عين المبايعة، فإذا اجتمع الظاهر والباطن مع صاحبه، فوجب أن يقاتل مع من ينازعه، وجَمَع الضمير في "فاضربوا" بعدما أفرد في "فليُطعه" نظرًا إلى لَفْظِه "مَنْ" تارةً، ومعناها أخرى، وقوله: "عنق الآخر" وُضع موضع عنقه؛ إيذانًا بأن كونه آخرًا يستحقّ ضرب العنق تقريرًا للمراد، وتحقيقًا له. انتهى (^٢).
قال عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة: (فَدَنَوْتُ مِنْهُ)؛ أي: قرُبتُ من عبد الله بن عمرو - ﵄ - (فَقُلْتُ لَهُ) هذا الجارّ والمجرور سقط من بعض النسخ، (أَنْشُدُكَ اللهَ)؛ أي: سألتك بالله، قال ابن الأثير - ﵀ -: يقال: نشدتك الله، وأنشدك الله، وبالله، وناشدتك الله، وبالله؛ أي: سألتك، وأقسمت عليك.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٥٢ - ٥٣.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٦.
[ ٣٢ / ١٣٣ ]
انتهى (^١). (آنْتَ) بمدّ الهمزة، أصله: أأنت بهمزتين الأُولى همزة الاستفهام، فقُلبت الثانية مَدّة، (سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟) قال القرطبيّ - ﵀ -: واستحلاف عبد الرحمن زيادةٌ في الاستيثاق، لا أنه كذّبه، ولا اتّهمه، (فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ، وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ)؛ أي: مدّ يديه مشيرًا بهما إلى أذنيه وقلبه ليؤكّد قوله: "سمعته أذناي، ووعاه قلبي"، قال ابن الأثير - ﵀ -: "فأهوى بيده إليه"؛ أي: مدّها نحوه، وأمالها إليه، يقال: أهوى يده، وبيده إلى الشيء ليأخذه. انتهى (^٢).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: أهوى إلى سيفه بالألف: تناوله بيده، وأهوى إلى الشيء بيده: مدّها ليأخذه إذا كان عن قُرب، فإن كان عن بُعْد قيل: هَوَى إليه بغير ألف، وأهويتُ بالشيء بالألف: أومأت به. انتهى (^٣).
(وَقَالَ) عبد الله بن عمرو - ﵄ -: (سَمِعَتْهُ)؛ أي: هذا الكلام من النبيّ - ﷺ - (أُذُنَايَ) مرفوع على الفاعليّة بالألف؛ لأنه مثنّى مضاف إلى ياء المتكلّم، وهي مبنيّة على الفتح، كما قال في "الخلاصة":
آخِرَ مَا أُضِيفَ لِلْيَا اكْسِرْ إِذَا … لَمْ يَكُ مُعْتَلًّا كَـ "رَامٍ" و"قَذَا"
أَوْ يَكُ كَـ "ابْنَيْنِ" و"زَيْدِينَ" فَذِي … جَمِيعُهَا الْيَا بَعْدُ فَتْحُهَا احْتُذِي
وَتُدْغَمُ الْيَا فِيهِ وَالْوَاوُ وَإِنْ … مَا قَبْلَ وَاوٍ ضُمَّ فَاكْسِرْهُ يَهُنْ
وَأَلِفًا سَلِّمْ وَفِي الْقُصُورِ عَنْ … هُذَيْلٍ انْقِلَابُهَا يَاءً حَسَنْ
(وَوَعَاهُ)؛ أي: حفظه (قَلْبِي، فَقُلْتُ لَهُ: هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ) بن أبي سفيان - ﵄ -، (يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ)؛ أي: بإنفاقها في مقاتلة بعض المسلمين بعضهم، (وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا)؛ أي: يقتل بعضنا بعضًا.
وقال القاضي عياض - ﵀ -: إنما قال ذلك حين رآه ذَكَر الحديث في حرمة منازعة الخليفة، وقَتْل منازعه، واعتقد أن ذلك في معاوية؛ لِتَقَدُّم بيعة عليّ،
_________________
(١) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/ ٥٣.
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ٥/ ٢٨٥.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٤٣ - ٦٤٤.
[ ٣٢ / ١٣٤ ]
ورأى أن ما ينفق معاوية على الجند في منازعة عليّ من أكل المال بالباطل، وقتل النفس. انتهى (^١).
(وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾)؛ أي: بما لم تُبحه الشريعة، من نحو السرقة، والخيانة، والقمار، وعقود الربا، (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾) قُرئ برفع ﴿تِجَارَةً﴾؛ أي: إلا أن تقع تجارةٌ، وبنصبها؛ أي: إلا أن تكون الأموال أموالَ تجارة.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ هذا استثناء منقطع؛ أي: ولكن تجارة عن تراض.
والتجارة هي البيع والشراء، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وقرئ ﴿تِجَارَةً﴾، بالرفع؛ أي: إلا أن تقع تجارةٌ، وعليه أنشد سيبويه [من الطويل]:
فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتِي … إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَوَاكِبَ أَشْهَبُ
وتسمى هذه "كان" التامة؛ لأنها تمّت بفاعلها، ولم تحتج إلى مفعول.
وقُرئ ﴿تِجَارَةً﴾ بالنصب، فتكون "كان" ناقصة؛ لأنها لا تتم بالاسم دون الخبر، فاسمها مُضْمَر فيها، وإن شئت قدّرته؛ أي: إلا أن تكون الأموالُ أموالَ تجارة، فحُذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قال: والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه البارئ - ﷾ - العبد عوضًا عن الأعمال الصالحة التي هي بعضٌ من فعله، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ [الصف: ١٠]، وقال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١١١]
فسمى ذلك كله بيعًا وشراءً على وجه المجاز، تشبيهًا بعقود الأشرية
_________________
(١) "شرح الأبيّ" ٥/ ١٩٠.
[ ٣٢ / ١٣٥ ]
والبِياعات التي تحصل بها الأغراض، وهي نوعان: تقلُّب في الحضر من غير نُقْلة ولا سفر، وهذا تربصٌ واحتكارٌ قد رَغِب عنه أولو الأقدار، وزَهِد فيه ذوو الأخطار.
والثاني: تقلّب المال بالأسفار ونقله إلى الأمصار، فهذا أليق بأهل المروءة، وأعم جدوى ومنفعة، غير أنه أكثر خطرًا وأعظم غَرَرًا.
قال: واعلم أن كل معاوضة تجارةٌ على أيّ وجه كان العوض، إلا أن قوله: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ أخرج منها كل عِوَض لا يجوز شرعًا من ربًا، أو جهالة، أو تقدير عوض فاسد، كالخمر، والخنزير، وغير ذلك.
وخرج منها أيضًا كل عقد جائز لا عوض فيه، كالقرض، والصدقة، والهبة، لا للثواب.
وجازت عقود التبرعات بأدلة أخرى مذكورة في مواضعها، فهذان طرفان متفق عليهما. انتهى (^١).
وقوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ صفة لـ "تجارة"؛ أي: تجارة صادرةً عن تراض، أو: ولكن كونُ تجارة عن تراض غيرُ منهيّ عنه، قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾؛ أي: عن رِضًى، إلا أنها جاءت من المفاعلة؛ إذ التجارة من اثنين.
واختلف العلماء في التراضي، فقالت طائفة: تمامه وجزمه بافتراق الأبدان بعد عقدة البيع، أو بأن يقول أحدهما لصاحبه: اختر، فيقول: قد اخترت، وذلك بعد العقدة أيضًا فينجزم أيضًا وإن لم يتفرقا، قاله جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، وابن عيينة، وإسحاق، وغيرهم (^٢). وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب البيوع"، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وقال النسفيّ - ﵀ -: وخصّ التجارة بالذكر؛ لأن أسباب الرزق أكثرها متعلّق بها.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبيّ - ﵀ - ٥/ ١٥٠ - ١٥٢.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبيّ - ﵀ - ٥/ ١٥٢.
[ ٣٢ / ١٣٦ ]
(﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾)؛ أي: مَن كان من جنسكم من المؤمنين؛ لأن المؤمنين كنفس واحدة، أو: ولا يقتل الشخص نفسه، كما يفعله بعض الجهلة، أو معنى القتل: أكلُ الأموال بالباطل، فظالم غيره كمهلك نفسه، أو: لا تتبعوا أهواءها، فتقتلوها، أو ترتكبوا ما يوجب قتلها، ثم لَفْظُها يتناول أن يقتل الرجل نفسه بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا، وطلب المال (^١).
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: قرأ الحسن: (تُقَتِّلوا) على التكثير.
وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية: النهي أن يقتل بعضُ الناس بعضًا، بأن يَحْمِل نفسه على الغرر المؤدِّي إلى التلف، ويَحْتَمل أن يقال: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ في حال ضجر، أو غضب، فهذا كله يتناول النهي، وقد احتَجَّ عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل؛ خوفًا على نفسه منه، فقرّر النبيّ - ﷺ - احتجاجه، وضحك عنده، ولم يقل شيئًا. حديث صحيحٌ، أخرجه أبو داود (^٢).
(﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾)؛ أي: ولرحمته بكم نبّهكم على ما فيه صيانة أموالكم، وبقاء أبدانكم، وقيل: معناه أنه أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم؛ ليكون توبةً لهم، وتمحيصًا لخطاياهم، وكان بكم يا أمّة محمد - ﷺ - رحيمًا، حيث لم يكلّفكم تلك التكاليف الصعبة (^٣).
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: ما ذكره عبد الرحمن عن معاوية - ﵁ - إغياء في الكلام على حسب ظنّه، وتأويله، وإلا فمعاوية - ﵁ - لم يُعرف من حاله، ولا من سيرته شيء مما قال له، وإنما هذا كما قالت طائفة من الأعراب: إن ناسًا من المصدّقين يظلموننا، فسَمَّوا أخذ الصدقة ظلمًا؛ حسب ما وقع لهم. انتهى (^٤).
وقال النوويّ - ﵀ -: المقصود بهذا الكلام: أن هذا القائل لَمّا سمع كلام
_________________
(١) "تفسير النسفيّ" ١/ ٢٢١.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبيّ - ﵀ - ٥/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٣) "تفسير النسفيّ" ١/ ٢٢١.
(٤) "المفهم" ٤/ ٥٤.
[ ٣٢ / ١٣٧ ]
عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -، وذكر الحديث في تحريم منازعة الخليفة الأول، وأن الثاني يُقتل، فاعتقد هذا القائل هذا الوصف في معاوية؛ لمنازعته عليًّا - ﵄ -، وكانت قد سبقت بيعة عليّ - ﵁ -، فرأى هذا أن نفقة معاوية على أجناده، وأتباعه في حرب عليّ، ومنازعته، ومقاتلته إياه، من أَكْل المال بالباطل، ومن قَتْل النفس؛ لأنه قتال بغير حقّ، فلا يستحقّ أحد مالًا في مقاتلته. انتهى (^١).
(قَالَ) ابن عبد ربّ الكعبة (فَسَكَتَ) عبد الله بن عمرو (سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: أَطِعْهُ)؛ أي: معاوية - ﵁ -، (في طَاعَةِ اللهِ)؛ أي: فيما إذا أمرك بطاعة الله، (وَاعْصِهِ)؛ أي: خالف أمره (فِي مَعْصِيَةِ اللهِ)؛ أي: فيما إذا أمرك بمعصية الله، قول عبد الله بن عمرو - ﵄ - هذا هو معنى ما سبق من قوله - ﷺ -: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكَرِهَ، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة"، متّفقٌ عليه.
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا فيه دليل على وجوب طاعة المتولّين للإمامة بالقهر (^٢)، من غير إجماع، ولا عهد. انتهى (^٣).
وقال الأبّيّ - ﵀ -: يريد: لزوم طاعتهم بعد استقلالهم، وذهاب الأول؛ لحرمة المخالفة عليهم حينئذٍ؛ لانعقادها في حقّهم على ما تقدّم، وأما في حال قيامهم فلا طاعة لهم؛ لأنهم يقاتلون، فكيف تكون لهم طاعة؟ وعلى هذا فيُشكل قول عبد الله: "أطعه في طاعة الله"؛ لأنه لا طاعة له مع وجود عليّ - ﵁ -، وانعقاد الخلافة له بأهل الحلّ والعقد من المهاجرين والأنصار.
قال الجامع عفا الله عنه: الجواب السديد عن معاوية ومن معه - ﵃ - في هذا أن يقال: إنهم متأوّلون، مجتهدون، والمجتهد المخطئ يُعذر باجتهاده، ونسأل الله تعالى أن يطهّر قلوبنا وألسنتنا عن الخوض فيما لا يعنينا، ﴿رَبَّنَا لَا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٤.
(٢) قال الجامع: استدلال النوويّ على ما ذكره بالحديث المذكور محلّ بحث، فليُتأمّل، والله تعالى أعلم.
(٣) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٤.
[ ٣٢ / ١٣٨ ]
تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٠/ ٤٧٦٧ و٤٧٦٨ و٤٧٦٩] (١٨٤٤)، و(أبو داود) في "الفتن" (٤٢٤٨)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٥٢) و"الكبرى" (٤/ ٤٣١)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٣٩٥٦)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٤٤٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦١ و١٩١ و١٩٢ و١٩٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٩٦١)، و(الطبرانيّ) في "مسند الشاميين" (١/ ٣٥٣)، و(الطبريّ) في "تهذيب الآثار" (٢/ ٩٢١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه معجزةً للنبيّ - ﷺ - حيث أخبر بما سيكون في أمته بعده، فوقع طبق ما قال.
٢ - (ومنها): أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - ناصحون لأممهم، يعلّمونهم خير ما يعلمون، ويُحذّرونهم من شرّ ما يعلمون، وهذا فضل من الله عظيم على خلقه حيث لم يتركهم سُدًى، بل بعث إليهم رسلًا مبشّرين ومنذرين، فله الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير.
٣ - (ومنها): ما كان عليه النبيّ - ﷺ - من الأسوة بمن قبله من الأنبياء، - عليهم الصلاة والسلام - في بيان الخير والشر لأمته، فلم يبق شيء منهما إلا بيّنه لها، ومن ذلك ما ذكره في هذا الحديث، مما سيحدث بعده من الفتن المتتابعة، والبلايا المتناسقة، بحيث تدع الحليم حيران، والعاقل سكران.
٤ - (ومنها): بيان أن أول هذه الأمة قد فضّلها الله تعالى بما أمدّها من
[ ٣٢ / ١٣٩ ]
اجتماع الكلمة، وعدم التفرّق، وإنما أتى البلاء في آخرها، فقد اقتتلوا، وتفرّقوا، واختلفوا، فإنا لله، وإنا إليه راجعون.
٥ - (ومنها): بيان توالي الفتن على المؤمن بحيث يُنسيه آخرها أولها، وكلما جاءت فتنة يرى أنها ستهلكه، ثم يرحمه الله تعالى، فيكشفها عنه ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾ [الحجرات].
٦ - (ومنها): بيان أن من مات يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، دخل الجنّة.
٧ - (ومنها): أن قوله - ﷺ -: "وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه" من جوامع كلمه - ﷺ -، وبديع حِكَمه، وهذه قاعدة مهمّة ينبغي الاعتناء بها، وأنه يلزم الإنسان أن لا يفعل مع الناس إلا ما يُحبّ أن يفعلوه معه.
٨ - (ومنها): أنّ الآية الكريمة تدلّ على تحريم أكل الأموال بالباطل، كالربا، والرشوة، والسرقة، والغصب، ونحو ذلك، وعلى تحريم قتل النفس بغير حقّ، وكلّ هذا من تمام رحمة الله بعباده، ورأفته بهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣]، والله تعالى أعلم.
٩ - (ومنها): أن الآية الكريمة أيضًا تردّ قول من يُنكر طلب الأقوات بالتجارات، والصناعات، من المتصوفة الجهلة؛ لأن الله تعالى حرّم أكلها بالباطل، وأحلّها بالتجارة، وهذا بَيِّنٌ، قاله القرطبيّ (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٨] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ، قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ (ح) وَحَدَّثَنَا (^٢) أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، كِلَاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب.
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبيّ - ﵀ - ٥/ ١٥٦.
(٢) وفي نسخة: "وحدّثناه".
[ ٣٢ / ١٤٠ ]
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٦٧٩٣) - حدّثنا عبد الله (^١)، حدّثني أبي، ثنا وكيعٌ، ثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، عن عبد الله بن عمرو، قال: كنت جالسًا معه في ظل الكعبة، وهو يحدّث الناس، قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فنزلنا منزلًا، فمنا من يضرب خباءه، ومنّا من هو في جَشَرَةٍ، ومنا من يَنتضل، إذ نادى منادي رسول الله - ﷺ -: "الصلاة جامعة"، قال: فانتهيت إليه، وهو يخطب الناس، ويقول: "أيها الناس إنه لم يكن نبيّ قبلي، إلا كان حقًّا عليه أن يدُلّ أمته على ما يعلمه خيرًا لهم، ويُنذرهم ما يعلمه شرًّا لهم، ألا وإن عافية هذه الأمة في أولها، وسيصيب آخرها بلاء، وفِتَنٌ يُرَقِّق بعضها بعضًا، تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء، فيقول: هذه، هذه، ثم تجيء، فيقول: هذه، هذه، ثم تنكشف، فمن أحبّ أن يُزَحْزَح عن النار، ويُدْخَل الجنةَ، فلتدركه منيّته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وياتي إلى الناس ما يُحِبّ أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع - وقال مرّةً -: ما استطاع"، فلمّا سمعتها أدخلت رأسي بين رَجُلين، وقلت: فإن ابن عمك معاوية يأمرنا، فوضع جُمْعَه على جبهته، ثم نكس، ثم رفع رأسه، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله، قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي. انتهى (^٢).
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" أيضًا، فقال:
(٦٥٠٣) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو جالس في ظل الكعبة، فسمعته يقول: بينا
_________________
(١) هو: ولد الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ١٩١.
[ ٣٢ / ١٤١ ]
نحن مع رسول الله - ﷺ - في سفر، إذ نزل منزلًا، فمنا من يضرب خباءه، ومنا من هو في جَشَرَةٍ، ومنا من ينتضل، إذ نادى مناديه: "الصلاة جامعة"، قال: فاجتمعنا، قال: فقام رسول الله - ﷺ -، فخطبنا، فقال: "إنه لم يكن نبيّ قبلي، إلا دلّ أمته على ما يعلمه خيرًا لهم، ويحذّرهم ما يعلمه شرًّا لهم، وإن أمتكم هذه جُعلت عافيتها في أولها، وإن آخرها سيصيبهم بلاء شديد، وأمور تنكرونها، تجيء فتن يُرَقِّق بعضها لبعض، تجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، ثم تجيء الفتنة، فيقول المؤمن: هذه، ثم تنكشف، فمن سرّه منكم أن يُزَحْزَحَ عن النار، وأن يُدْخَل الجنةَ، فلتدركه موتته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا، فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن جاء آخر ينازعه، فاضربوا عنق الآخر"، قال: فأدخلت رأسي من بين الناس، فقلت: أنشدك بالله آنت سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -؟ قال: فأشار بيده إلى أذنيه، فقال: سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قال: فقلت: هذا ابن عمك معاوية - يعني: يأمرنا بأكل أموالنا بيننا بالباطل، وأن نقتل أنفسنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. قال: فجمع يديه، فوضعهما على جبهته، ثم نكس هُنَيَّةً، ثم رفع رأسه، فقال: أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله - ﷿ -. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٩] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا (^٢) عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرحمن بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ الصَّائِدِيِّ (^٣)، قَالَ: رَأَيْتُ جَمَاعَةً عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ).
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ١٦١.
(٢) وفي نسخة: "حدّثني".
(٣) وفي نسخة: "العائذيّ".
[ ٣٢ / ١٤٢ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) النيسابوريّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الْمُنْذِرِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ) الواسطيّ، نزيل بغداد، ثقة [٩].
رَوَى عن مالك بن أنس، ومالك بن مِغْوَل، والمسعوديّ، وعيسى بن طَهْمان، والثوريّ، وورقاء، ويونس بن أبي إسحاق، وداود بن قيس الفرّاء، وغيرهم.
ورَوَى عنه محمد بن سعد، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، ومحمد بن رافع، وأبو خيثمة، والحسن بن الصباح، وأحمد بن الوليد الفَحّام، وغيرهم.
قال أحمد بن منصور: قلت لأحمد: عمن أكتُبُ من المشيخة؟ قال: أبو المنذر إسماعيل بن عمر، قال: وكان عابدًا، ووثّقه ابن المدينيّ، وقال ابن معين: من تُجّار أهل واسط، ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوقٌ، وقال أبو بكر الخطيب: كان ثقةً، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات بعد المائتين.
أخرج له البخاريّ في "خلق أفعال العباد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤٤)، وحديث (١٩٣٥): "بعث رسول الله - ﷺ - سريّة ثلاثمائة، وأمّر عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح. . ." الحديث.
٣ - (يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ عمرو بن عبد الله الْهَمْدَانِيُّ) السَّبِيعيّ، أبو إسرائيل الكوفيّ، صدوقٌ يَهِم قليلًا [٥].
رَوَى عن أبيه، وأنس، وأبي بردة، وأبي بكر ابني أبي موسى الأشعريّ، وأبي السفر سعيد بن يُحْمِد، ويزيد بن أبي مريم، وإبراهيم بن محمد بن سعد، وغيرهم.
وروى عنه ابنه عيسى، والثوريّ، وابن المبارك، وابن مهديّ، والقطان، ووكيع، وأبو إسحاق الفزاريّ، والفضل بن موسى، وأبو المنذر إسماعيل بن عمر، وغيرهم.
قال عمرو بن عليّ، عن ابن مهديّ: لم يكن به بأس، قال: وحدّث عنه
[ ٣٢ / ١٤٣ ]
يحيى، وعبد الرحمن، وقال صالح بن أحمد، عن عليّ ابن المدينيّ: سمعت يحيى، وذكر يونس بن أبي إسحاق، فقال: كانت فيه غفلة شديدة، وقال الأثر: سمعت أحمد يضعّف حديث يونس، عن أبيه، وقال: حديث إسرائيل أحب إليّ منه، وقال أبو طالب عن أحمد: في حديثه زيادة على حديث الناس، وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: حديثه مضطربٌ، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ثقةٌ، قلت: فيونس، أو إسرائيل من أحب إليك؟ قال: كلٌّ ثقة، وقال إسحاق بن منصور وغيره، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو حاتم: كان صدوقًا، إلا أنه لا يُحتجّ بحديثه، وقال النسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن عديّ: له أحاديث حسان، وروى عنه الناس، وحديث أهل الكوفة عامته تدور على ذلك البيت، وقال ابن سعد: كانت له سُنَنٌ عاليةٌ، ورَوَى عن عامة رجال أبيه، وكان ثقةً إن شاء الله تعالى، وقال الساجيّ: صدوقٌ، كان يُقَدِّم عثمان على عليّ، وضعّفه بعضهم، وقال أبو أحمد الحاكم: ربما وَهِم في روايته، وقال العجليّ: جائز الحديث، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال ابن معين: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة تسع وخمسين ومائة، وكذا قال ابن سعد، وغيره في تاريخ وفاته، وقال ابن المدينيّ: مات سنة اثنتين، ويقال: سنة تسع، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ثمان وخمسين ومائة.
أخرج له البخاريّ في "جزء القراءة"، والمصنّف، والأربعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ) - بفتح الفاء - واسمه سعيد بن يُحْمِد، ويقال: أحمد الْهَمْدانيّ الثوريّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن أبيه، وأبي بردة بن أبي موسى، وعامر الشعبيّ، ومصعب بن شيبة، وأرقم بن شُرَحْبيل.
وروى عنه شعبة، وعُمر بن أبي زائدة، ويونس بن أبي إسحاق، وعيسى بن يونس، والثوريّ، وشريك، وغيرهم.
قال أحمد، وابن معين، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال ابن سعد: مات في خلافة مروان بن محمد، قال: وكان ثقةً، وليس بكثير الحديث، وقال العجليّ: كوفيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
[ ٣٢ / ١٤٤ ]
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب أربعة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨٤٤) وحديث (١٩٢٩) و(٢٦٩٣) و(٢٧١١).
٥ - (عَامِرُ) بن شَرَاحيل الشَّعْبيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهورٌ، فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحوٌ من ثمانين سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
و"عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة" ذُكر قبله.
وقوله: (الصَّائِدِيِّ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع النسخ بالصاد، والدال المهملة، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وهو غلطٌ، وصوابه "العائذي" بالعين، والذال المعجمة، قاله ابن الحباب، والنسابة، هذا كلام القاضي، وقد ذكره البخاريّ في "تاريخه"، والسمعانيّ في "الأنساب"، فقالا: هو الصائديّ، ولم يذكرا غير ذلك، فقد اجتمع مسلم، والبخاريّ، والسمعانيّ على "الصائدي"، قال السمعانيّ: هو منسوب إلى صائدٍ بطنٍ من هَمْدان، قال: وصائد اسم كعب بن شُرَحْبيل بن شراحيل بن عَمْرو بن جُشَم بن حاشد بن جُشَم بن خيوان بن نوف بن همدان بن مالك بن زيد بن كهلان بن سلمة بن ربيعة بن الخيار بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. انتهى (^١).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الأَعْمَشِ) فاعل "ذَكَرَ" الظاهر أنه ضمير عبد الله بن أبي السفر.
[تنبيه]: رواية عامر الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عبد ربّ الكعبة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧١٤٩) - حدّثنا أبو فروة الرهاويّ، قال: ثنا أبو الجوّاب، قال: ثنا يونس بن أبي إسحاق الهمدانيّ، قال: حدّثني عبد الله بن أبي السَّفَر، عن عامر الشعبيّ، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة، قال: رأيت جماعةً عند الكعبة، فأقبلت، فإذا شيخ يحدِّثهم، وإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فنزل الناس، فنزلنا، فمنا من يبني خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جَشَرةٍ، إذ نادى منادي رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٥، و"الأنساب" للسمعانيّ ٣/ ٥٢٥.
[ ٣٢ / ١٤٥ ]
"الصلاة جامعة"، فانتهيت إلى النبيّ - ﷺ -، وهو يقول: "إنه لم يكن نبيّ قبلي، إلا حقّ على الله أن ينصر (^١) أمته ما يعلم أنه خير لهم، ويحذِّرهم، أو ينذرهم ما يرى أنه شرّ لهم، ألا وإن أمتكم جُعلت عافيتها في أولها، ألا وتكون فتن، وأمور يرمق بعضها بعضًا، فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الأخرى، فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، فمن سرّه أن يُزَحْزَح من النار، ويُدْخَل الجنةَ، فلتدركه منيّته، وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه، ومن أعطى إمامًا صفقة يمينه، وثمرة قلبه، فليطعه ما استطاع، فإن خالف عليه رجل، فاجلدوا رأسه"، قال: ففرجت بين رجلين، فقلت: أنت سمعت هذا من رسول اللهﷺ -؟، قال: نعم، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، قال: فقلت: كيف يأمرنا هذا ابن عمك معاوية؟ فذكر مثله، فوضع يده على جبهته، ثم قال: اذهبوا، فأطيعوه ما أطاع الله، واعصوه إذا عصى الله. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾