أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه طريقان، فرّق بينهما بالتحويل، وكلاهما مسلسل بالبصريين، وفيه أنس - ﵁ - المشهور بخدمة النبيّ - ﷺ -، ومن المكثرين السبعة، ومن المعمّرين، وآخر من مات من الصحابة بالبصرة.
_________________
(١) وفي نسخة: "أخبرنا".
(٢) وفي نسخة: "ولا تحبسين".
[ ٣٢ / ٤٨٥ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) - ﵁ - (أَنَّ فَتًى) قال صاحب "التنبيه": لا أعرفه، ولا الذي أتاه، ولا فلانة. انتهى (^١). (مِنْ أَسْلَمَ) أبو قبيلة، وهو أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، قاله في "اللباب" (^٢).
ووقع في رواية أحمد بلفظ: "أن فتًى من الأنصار"، فأفاد أن المراد بـ "أسلم" هنا قبيلة من الأنصار، والله تعالى أعلم.
(قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْغَزْوَ) بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي: مصدر غزا، يقال: غزا غَزْوًا: أراده، وطلبه، وقصده، كاغتزاه، وغزا العدوّ: سار إلى قتالهم، وانتهابهم غَزْوًا، وغَزَوَانًا، وغزاوَةً، قاله المجد - ﵀ - (^٣). (وَلَيْسَ مَعِي مَا أَتَجَهَّزُ) "ما" موصولة، اسم "ليس" مؤخّرًا، وخبرها الظرف قبله، والعائد محذوف؛ أي: به، وفي بعض النسخ: "ما أتجهّز به"، فَذَكر العائد؛ أي: ليس لي شيء أتهيّأ به للسفر للجهاد، قال الفيّوميّ - ﵀ -: جَهَازُ السفرِ: أُهْبته، وما يُحتاج إليه في قطع المسافة، بالفتح، وبه قرأ السبعة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ [يوسف: ٧٠]، والكسر لغة قليلة، وجَهَازُ الْعَرُوس، والميت باللغتين أيضًا، يقال: جَهَّزَهُمَا أهلهما بالتثقيل، وجَهَّزْتُ المسافرَ بالتثقيل أيضًا: هَيَّأتُ له جِهازه. انتهى (^٤).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: جهاز الغازي: ما يَحتاج إليه في غزوه، من الْعُدّة، والسلاح، والنفقة، وغير ذلك. انتهى (^٥).
(قَالَ) - ﷺ - ("ائْتِ فُلَانًا) تقدّم أنه لا يُعرف، (فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ تَجَهَّزَ)؛ أي: تأهّب للخروج للجهاد (فَمَرِضَ") بكسر الراء، من باب تَعِبَ، قال المجد - ﵀ -: الْمَرَضُ: إظلام الطبيعة، واضطرابها بعد صفائها، واعتدالها، يقال: مَرِضَ، كفَرِحَ مَرَضًا - بفتحتين - ومَرْضًا - بفتح، فسكون -، فهو مَرِضٌ ومَرِيضٌ،
_________________
(١) "تنبيه المعلم" ص ٣٢٩.
(٢) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٥٨.
(٣) "القاموس المحيط" ص ٩٤٧.
(٤) "المصباح المنير" ١/ ١١٣.
(٥) "المفهم" ٣/ ٧٣٠.
[ ٣٢ / ٤٨٦ ]
ومارضٌ، جَمْعه مِرَاضٌ، ومَرْضَى، ومَرَاضَى، أو الْمَرْضُ - بفتح، فسكون - للقلب خاصّةً، وبالتحريك، أو كلاهما: الشكُّ، والنفاقُ، والفُتُور، والظُّلْمة، والنقصانُ. انتهى (^١).
والمعنى: أن ذلك الرجل مرض بعد أن تجهّز للخروج للجهاد في سبيل الله، مرضًا منعه من الخروج، فأمره - ﷺ - أن يدفع جهازه لهذا الرجل؛ لينال أجر من غزا، كما قال - ﷺ - في الحديث التالي: "من جهّز غازيًا في سبيل الله، فقد غزا"، ولذا أوصى الرجل امرأته أن لا تحبس من جهازه شيئًا، والله تعالى أعلم.
(فَأَتَاهُ)؛ أي: أتى الرجل الطالب للجهاز الرجلَ الذي تجهّز، فمرض (فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُقْرِئُكَ السَّلَامَ) بضمّ حرف المضارع، من الإقراء، ولا يجوز فتح الياء؛ لأنه لا يتعدّى بنفسه، قال الفيّوميّ - ﵀ -: يقال: قرأت على زيد السلامَ أَقْرَؤه عليه قراءةً، وإذا أمرتَ منه قلتَ: اقرَأْ ﵇، قال الأصمعيّ، وتَعْدِيَته بنفسه خطأٌ، فلا يقال: اقرَأْهُ السلامَ؛ لأنه بمعنى اتلُ عليه، وحَكَى ابن القطّاع أنه يتعدّى بنفسه رُباعيًّا، فيقال: فلانٌ يُقرئك السلامَ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الصواب أن ثلاثيّه يتعدّى بـ "على"، فيقال: فلانٌ يَقْرَأُ عليك السلام بفتح الياء، وأن رباعيّه يتعدّى بنفسه، فيقال: فلان يُقْرئك السلام بضمّ الياء، ولا يجوز العكس، فتنبّه، فكثيرًا ما نسمع الغلط فيه من عوامّ الطلبة، وبالله تعالى التوفيق.
وقد أشرت إلى ما ذكرت بقولي:
وَلَا تَقُلْ يَقْرَؤُكَ السَّلَامَا … بِفَتْحِ يَائِهِ إِذًا تُلَامَا
بَلْ عَدِّهِ بِحَرْفِ جَرٍّ فَقُلِ … عَلَيْكَ يَقْرَأُ السَّلَامَ الْمُعْتَلِي
وَإِنْ تَقُلْ يُقْرِئُكَ السَّلَامَا … بَضَمِّ يَائِهِ فَلَا مَلَامَا
لأَنَّهُ بِنَفْسِهِ مُعَدّى … وَمَنْ يُخَالِفْ مَا مَضَى تَعَدَّى
(وَيَقُولُ: أَعْطِنِي الَّذِي تَجَهَّزْتَ بِهِ) قال النوويّ - ﵀ -: فيه فضيلة الدلالة
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١٢١٧ - ١٢١٨ بزيادة بعض الإيضاح.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٢.
[ ٣٢ / ٤٨٧ ]
على الخير، وفيه أن ما نوى الإنسان صرفه في جهة بِرّ، فتعذرت عليه تلك الجهة، يُستحب له بَذْله في جهة أخرى من البرّ، ولا يلزمه ذلك ما لم يلتزمه بالنذر. انتهى (^١).
(قَالَ) الرجل لامرأته ممتثلًا أمر النبيّ - ﷺ - له، (يَا فُلَانَةُ) تقدّم أنها لا تُعرف، (أَعْطِيهِ الَّذِي تَجَهَّزْتُ بِهِ) وفي رواية أحمد: "ادفعي إليه ما جهّزتني به"، (وَلَا تَحْبِسِي عَنْهُ شَيْئًا)؛ أي: لا تنقصي من ذلك الجَهاز شيئًا لا كثيرًا، ولا قليلًا، بل أعطيه كلّه، و"لا" ناهيّة، ولذا جُزم الفعل بعدها بها فحُذِفت نونه، ووقع في بعض النسخ: "ولا تحبسين منه شيئًا" بإثبات نون الرفع، وعليها فـ "لا" نافية، والجملة في محلّ نصب حال من الفاعل. (فَوَاللهِ لَا تَحْبِسِي مِنْهُ شَيْئًا، فَيُبَارَكَ لَكِ فِيهِ) بنصب "يبارك" بـ "أن" مضمرة بعد الفاء السببيّة الواقعة في جواب النهي، كما قال في "الخلاصة":
وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ أَوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ "أَنْ" وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ
والفعل مبنيّ للمفعول، ووقع عند أبي داود بلفظ: "فيبارك الله لك فيه"، فالفعل فيه مبنيّ للفاعل، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أنس بن مالك - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٤٨٩٣] (١٨٩٤)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٧٨٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٢٠٧)، و(ابن أبي عاصم) في "الجهاد" (١/ ٣٢٤)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٣٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٣٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٨)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٣٣٠٩)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٣٩.
[ ٣٢ / ٤٨٨ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٩٤] (١٨٩٥) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَأَبُو الطَّاهِرِ، قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ، فَقَدْ غَزَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) الْخُراسانيّ، ثم المكيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق ق) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) المصريّ الحافظ، تقدّم قريبًا.
٤ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدّم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٥ - (بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ) هو: بُكير بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) أو بعدها (ع) تقدّم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٦ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) المدنيّ العابد مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدّم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٧ - (زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ) المدنيّ الصحابيّ المشهور، مات بالكوفة سنة ثمان وستّين، أو سبعين، وله خمس وثمانون سنةً (ع) تقدّم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٣٨.