أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم.
شرح الحديث:
(عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ) - ﵁ - (عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا)؛ أي: هيّأ له أسباب سفره، أو أعطاه عُدّة الغزو، ومنه تجهيز العروس،
[ ٣٢ / ٤٨٩ ]
وتجهيز الميت، (فِي سَبِيلِ اللهِ)؛ أي: لأجل إعلاء كلمة الله - ﷿ -، (فَقَدْ غَزَا) قال ابن حبان - ﵀ - معناه: أنه مِثله في الأجر، وإن لم يَغْزُ حقيقةً، ثم أخرجه بلفظ: "كُتِب له مثلُ أجره، غير أنه لا ينقص من أجره شيء"، ولابن ماجه، وابن حبان من حديث عُمر - ﵁ - نحوه، بلفظ: "من جهّز غازيًا حتى يستقلّ، كان له مِثل أجره حتى يموت، أو يرجع"؛ أي: يستوي معه في الأجر إلى انقضاء غزوه بموته، أو فراغ الوَقْعة، فالوعد مرتَّب على تمام التجهيز المشار إليه بقوله: "حتى يستقلّ"، وعلى انقضاء الغزو، وذهب بعضهم إلى أن المراد بالأخبار الواردة بمثل ثواب الفعل حصول الأجر بغير تضعيف، وأن التضعيف يختص بالمباشرة، والأول هو الصحيح، وهل هذا الثواب مقصور على من جَهَّز من لا يستطيع الجهاد، أو عامّ؟ احتمالان: أرجحهما الثاني، ومِثْل المجهِّز: المُعِين، وأفاد قوله: "يستقلّ" أنه لو جهز بعضًا وترك بعضًا لا يحصل له الثواب الموعود، بل له بقَدْر ما جَهَّز، وكذا جميع الطاعات من أعان عليها، كان له مِثلها، كما ذكره بعضهم، أفاد المناويّ (^١).
وقال في "الفتح": وأفادت هذه الرواية - يعني: رواية حتى يستقلّ. . . إلخ" - فائدتين:
إحداهما: أن الوعد المذكور مُرَتَّبٌ على تمام التجهيز، وهو المراد بقوله: "حتى يستقلّ.
ثانيهما: أنه يستوي معه في الأجر إلى أن تنقضي تلك الغزوة، وأما ما يأتي من حديث أبي سعيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - بَعَث بعثًا، وقال: "ليخرج من كل رجلين رجل، والأجر بينهما"، وفي رواية له: "ثم قال للقاعد: وأيكم خَلَف الخارج في أهله وماله بخير كان له مِثل نصف أجر الخارج"، ففيه إشارة إلى أن الغازي إذا جَهَّز نفسه، أو قام بكفاية من يخلفه بعده كان له الأجر مرتين.
وقال القرطبيّ: لفظة "نصف" يُشبه أن تكون مقحمةً؛ أي: مَزيدة من بعض الرواة، وقد احتَجّ بها من ذهب إلى أن المراد بالأحاديث التي وردت
_________________
(١) "فيض القدير" ٦/ ١١٤.
[ ٣٢ / ٤٩٠ ]
بمثل ثواب الفعل: حصول أصل الأجر له بغير تضعيف، وأن التضعيف يَختصّ بمن باشر العمل، قال القرطبيّ: ولا حجة له في هذا الحديث؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لا يتناول محل النزاع؛ لأن المطلوب إنما هو أن الدالّ على الخير مثلًا هل له مثل أجر فاعله مع التضعيف، أو بغير تضعيف؟ وحديث الباب إنما يقتضي المشاركة، والمشاطرة، فافترقا.
ثانيهما: ما تقدم من احتمال كون لفظة "نصف" زائدة.
وتعقّبه الحافظ - ﵀ -، فقال: ولا حاجة لدعوى زيادتها بعد ثبوتها في "الصحيح"، والذي يظهر في توجيهها أنها أُطلقت بالنسبة إلى مجموع الثواب الحاصل للغازي والخالف له بخير، فإن الثواب إذا انقسم بينهما نصفين كان لكل منهما مِثل ما للآخر، فلا تعارض بين الحديثين، وأما من وُعد بمثل ثواب العمل، وإن لم يعمله، إذا كانت له فيه دلالةٌ، أو مشاركةٌ، أو نية صالحةٌ، فليس على إطلاقه في عدم التضعيف لكل أحد، وصَرْفُ الخبر عن ظاهره يَحتاج إلى مستند، وكأن مستند القائل أن العامل يباشر المشقّة بنفسه، بخلاف الدالّ ونحوه، لكن من يجهّز الغازي بماله مثلًا، وكذا من يخلُفه فيمن يترك بعده يباشر شيئًا من المشقّة أيضًا، فإن الغازي لا يتأتى منه الغزو إلا بعد أن يُكْفَى ذلك العمل، فصار كأنه يباشر معه الغزو، بخلاف من اقتصر على النية مثلًا. انتهى كلام الحافظ (^١)، وهو بحث حسنٌ، والله تعالى أعلم.
(وَمَنْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ) بتخفيف اللام، يقال: خلفتُ الرجلَ في أهله، من باب نصر: إذا قُمت بعده فيهم، وقُمت عنه بما كان يفعله، أفاده ابن الأثير (^٢).
وقال البيضاويّ: يقال: خَلَفه في أهله: إذا قام مقامه في إصلاح حالهم، ومحافظة أمرهم؛ أي: من تولّى أمر الغازي، وناب منابه في مراعاة أهله زمان غيبته، شاركه في الثواب؛ لأن تفرّغ الغازي لغزوه، واشتغاله به بسبب قيامه بأمر عياله، فكأنه مسبّب من فعله. انتهى (^٣).
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١١١ - ١١٢، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٤٣).
(٢) "النهاية في غريب الحديث والأثر" ص ٢٨٠.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣٠.
[ ٣٢ / ٤٩١ ]
(بِخَيْرٍ)؛ أي: بالإحسان إليهم بما كان يُحسنه هو حين كان معهم، (فَقَدْ غَزَا")؛ أي: فقد نال أجر الغزو، قال النوويّ - ﵀ -: قوله: "فقد غزا"؛ أي: حصل له أجر بسبب الغزو، وهذا الأجر يحصل بكل جهاد، وسواء قليله وكثيره، ولكلِّ خالِف له في أهله بخير، من قضاء حاجة لهم، وإنفاق عليهم، أو مساعدتهم في أمرهم، ويَختلف قدر الثواب بقلّة ذلك وكثرته، وفي هذا الحديث الحثّ على الإحسان إلى من فَعَل مصلحة للمسلمين، أو قام بأمر من مهماتهم. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن خالد الْجُهَنيّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٨/ ٤٨٩٤ و٤٨٩٥] (١٨٩٥)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٤٨٣)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٥٠٩ و٢٥١٠)، و(الترمذيّ) في "فضائل الجهاد" (١٦٢٨)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ٤٦) و"الكبرى" (٢/ ٢٥٦)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٧٥٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٩٥٦)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٨١٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٥ و٤/ ١١٤ و١١٥ و١١٦ و١١٧ و٥/ ١٩٣)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٠٩)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٣٢٦ و٢٣٢٨)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٢٧٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٣٠ و٤٦٣١ و٤٦٣٢ و٤٦٣٣)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١٠٣٧ و١٠٣٨)، و(عبد بن حُميد) في "مسنده" (١/ ١١٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٢٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٩)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٢٢٥ و٥٢٢٦ و٥٢٢٧ و٥٢٢٨ و٥٢٢٩ و٥٢٣٠ و٥٢٣١ و٥٢٣٢ و٥٢٣٣ و٥٢٣٤) و"الأوسط" (٧/ ٣٥١) و"الصغير" (٨٣٦)، و(ابن أبي عاصم) في "الجهاد" (١/ ٢٨٤ و٢٨٥ و٢٨٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٤/ ٢٤٠ و٩/ ٢٨ و٤٧ و١٧٢)، والله تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٤٩٢ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٩٥] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ - يَعْنِي: ابْنَ زُرَيْعٍ - حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ - ﷺ -: "مَن جَهَّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ) سليمان بن داود الْعَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدّم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) الْعَيْشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ) ابن ذكوان الْعَوْذيّ البصريّ، ثقةٌ، ربّما وَهِمَ [٦] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "الإيمان" ١٩/ ١٧٩.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) صالح بن المتوكّل البصريّ، ثمّ اليماميّ، ثقةٌ ثبتٌ، يُدلّس، ويرسل [٥] (ت ١٣٢) أو قبل ذلك (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٤.
٥ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقةٌ فقيهٌ مكثرٌ [٣] (ت ٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ٢ ص ٤٢٣.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٩٦] (١٨٩٦) - (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ - مِنْ هُذَيْلٍ - فَقَالَ: "لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا، وَالأَجْرُ بَيْنَهُمَا").
[ ٣٢ / ٤٩٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ) هو ابن إبراهيم بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، أبو بِشْر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ) الْهُنَائيّ البصريّ، ثقةٌ كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان، أحدهما سماع، والآخر إرسال، فحديث الكوفيين عنه فيه شيء، من كبار [٧] (ع) تقدّم في "الإيمان" ٧٩/ ٤١٧.
٤ - (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) المذكور في السند الماضي.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ) ثقةٌ (^١) [٣] (م د ت س) تقدّم في "الحج" ٨٣/ ٣٣٣٧.
٦ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك - ﵄ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.