أنه من سُداسيّات المصنّف، وأنه مسلسل بالكوفيين إلى علقمة، والباقيان مروزيّان، وفيه رواية الراوي عن أبيه.
شرح الحديث:
(عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ) الأسلميّ (عَنْ أَبِيهِ) بُريدة - ﵁ -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "حُرْمَةُ) - بضم الحاء المهملة، وسكون الراء - مبتدأ، خبره "كتحريم أمهاتهم"؛ أي: تحريم (نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ)؛ أي: الذين
_________________
(١) وفي نسخة: "وُقِّف" بتشديد القاف.
[ ٣٢ / ٥٠١ ]
تخلّفوا عن الجهاد لعذر، أو غيره، (كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ)؛ أي: مثل تحريم أمهاتهم عليهم، وهذا من باب التشديد، وإلا فحرمة الأمهات مؤبّدة، دون حرمة نساء المجاهدين.
قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني أنه يجب على القاعدين من احترامهنّ، والكفّ عن أذاهنّ، والتعرّض لهنّ ما يجب عليهم في أمهاتهم. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا في شيئين: أحدهما: تحريم التعرّض لهنّ بريبة، من نَظَر محرّم، وخلوة، وحديث محرّم، وغير ذلك، والثاني: في برّهنّ، والإحسان إليهنّ، وقضاء حوائجهنّ التي لا يترتّب عليها مفسدة، ولا يُتوصّل بها إلى ريبة، ونحوها. انتهى (^٢).
(وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَخْلُفُ) - بضمّ اللام - من باب قعد: أي يصير يعقبه، وقال السنديّ: يَحْتَمِل أنه مِن خَلَفه: إذا نابه، أو مِن خَلَفَه: إذا جاء بعده، وهما من حدّ نصر، وذلك لأن الخائن في الأهل كالنائب للأصل، وقد جاء بعده في الأهل. انتهى (^٣). (رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ في أَهْلِهِ)؛ أي: في امرأته، (فَيَخُونُهُ فِيهِمْ) قال الطيبيّ - ﵀ -: الضمير المفعول عائد إلى "رجلًا"، وفي "فيهم" إلى الأهل؛ تعظيمًا، وتفخيمًا لشأنهنّ، كقول الشاعر:
وَإِنْ شِئْتُ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمُ
فإنهنّ ممن تجب مراعاتهنّ، وتوقيرهنّ، وإلى هذا المعنى أشار - ﷺ - بقوله: "كحرمة أمهاتهم". انتهى (^٤).
وقال بعضهم: الخيانة تكون بوجهين: إما بالتعرّض بنظر محرّم، وأمثاله، وإما بعدم دفع احتياجاتهم، والتساهل في تدبير مصالحهم، وهما حرام عليه. انتهى.
(إِلَّا وُقِفَ) بالبناء للمفعول، من الوقوف؛ أي: جُعل الخائن واقفًا، ووقع في بعض النسخ: "وُقّف" بتشديد القاف، من التوقيف. (لَهُ)؛ أي: للرجل، أو
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٣٢.
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤٤.
(٣) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ٦/ ٥٠ - ٥١.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣٠ - ٢٦٣١.
[ ٣٢ / ٥٠٢ ]
لأجل ما فعل من سوء الخلافة للغازي، وقال الطيبيّ - ﵀ -: الضمير في "له" يعود إلى "رجلًا"، والأظهر أن يكون بمنزلة اسم الإشارة، كما في قول رؤبة:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ … كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ
يعني: يوقَف الخائن لأجل ما فَعَل من سوء الخلافة للغازي في أهله. انتهى (^١).
(يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية للنسائيّ: "قيل له يوم القيامة: هذا خانك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت". (فَيَأْخُذُ) ذلك الرجل (مِنْ عَمَلِهِ)؛ أي: من عمل الخائن (مَا شَاءَ)؛ أي: في مقابلة ما شاء من عمله بالنسبة إلى أهل الغازي، وقوله: (فَمَا ظَنُّكُمْ؟ ") فيه تهديد عظيم، وقال القرطبيّ - ﵀ -: يعني أن المخُون في أهله إذا مُكّن من أخذ حسنات الخائن، لم يُبق منها شيئًا، ويكون مصيره إلى النار، وقد اقْتُصِرَ على مفعولي الظنّ. انتهى (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: فما تظنّون في رغبة المجاهد في أخذ حسناته، والاستكثار منها في ذلك المقام؟؛ أي: لا يُبقِي منها شيئًا إن أمكنه. انتهى (^٣).
وقال المظهر: أي ما ظنّكم بالله مع هذه الخيانة؟، هل تشكّون في هذه المجازاة، أم لا؟ يعني: فإذا علمتم صدق ما أقول، فاحذروا من الخيانة في نساء المجاهدين.
وقال التوربشتيّ: أي فما ظنّكم بمن أحلّه الله بهذه المنزلة، وخصّه بهذه الفضيلة، فربّما يكون وراء ذلك من الكرامة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: ما قاله التوربشتيّ بعيد عن معنى الحديث، يردّه ما جاء في الرواية الأخرى من قوله - ﷺ -: "تُرَون يَدَعُ له من حسناته شيئًا؟ "، ولذا قال الطيبيّ - ﵁ - بعد ذِكر قول المظهر، والتوربشتيّ ما نصّه: الأقرب قول المظهر، فإن سياق الكلام جاء في حرمة نساء المجاهدين، وتوقير شأنهنّ، وتنزيلهنّ منزلة الأمّهات، وأن الخيانة معهنّ منافية للدِّين
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٧٣٢.
(٣) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤٤.
[ ٣٢ / ٥٠٣ ]
والمروءة؛ يعني: ما تظنّون في ارتكابكم هذه الجريمة العظيمة، هل تُتْرَكون مع تلك الخيانة، أم ينتقم الله تعالى منكم؟ ويلزم من هذا تعظيم شأن المجاهدين. انتهى (^١)، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال السنديّ - ﵀ -: أي إذا كان حالُ من خانه خيانةً واحدةً، فما حال من زاد على ذلك، وما ظنّكم به؟. أو إذا خُيّر الغازي فما ظنّكم بحسابه؟ هل يأخذ الكلّ، أو يترك شيئًا؟ وهو الموافق؛ لما سيجيء. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الاحتمال الأول مما ذكره السنديّ بعيد من معنى الحديث أيضًا، يردّه ما تقدّم. فالصواب في معنى الحديث ما تقدّم آنفًا في تحقيق الطيبيّ - ﵀ -، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بُريدة بن الْحُصيب - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣٩/ ٤٩٠٠ و٤٩٠١ و٤٩٠٢] (١٨٩٧)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٤٩٦)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ٥١) و"الكبرى" (٣/ ٣٣ - ٣٤)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٩٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٥٢)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٣٣١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٣٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٨١ - ٤٨٢)، و(ابن أبي عاصم) في "الجهاد" (١/ ٣١٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٧٣) و"شعب الإيمان" (٤/ ٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان حرمة نساء المجاهدين على القاعدين تحريمًا مغلّظًا، حيث شُبّه بتحريم الأمهات.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٣١.
(٢) "حاشية السنديّ على النسائيّ" ٦/ ٥٠ - ٥١.
[ ٣٢ / ٥٠٤ ]
٢ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: وظهر من هذا الحديث أن خيانة الغازي في أهله أعظم من كلّ خيانة؛ لأن ما عداها لا يُخيّر في أخذ كلّ الحسنات، وإنما يأخذ بكلّ خيانة قَدْرًا معلومًا من حسنات الخائن.
٣ - (ومنها): إثبات المجازاة بين العباد في المظالم يوم القيامة، فيأخذ المظلوم من حسنات ظالمه بدل حقّه، وقد أخرج مسلم - ﵀ - من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ -، قال: "أتدرون ما المفلس؟ "، قالوا: المفلس فينا، من لا درهم له، ولا متاع، فقال: "إن المفلس من أمتي، يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة، ويأتي قد شَتَم هذا، وقَذَف هذا، وأكل مال هذا، وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَت حسناتُهُ، قبل أن يُقضَى ما عليه، أُخِذ من خطاياهم، فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار"، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠١] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ - يَعْنِي: النَّبِيَّ - ﷺ -. بِمَعْنَى حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ).
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (مِسْعَرُ) بن كِدَام بن ظُهير الهلاليّ، أبو سلمة الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ [٧] (ت ٣ أو ١٥٥) (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية مِسْعر، عن علقمة بن مرثد هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٤١٩) - حدّثني عمار بن رجاء من كتابي (^١)، قال: ثنا يحيى بن آدم،
_________________
(١) هكذا النسخة، والظاهر أن صوابه "من كتابه"، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٥٠٥ ]
قال: ثنا مِسْعَر، عن علقمة بن مَرْثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال النبيّ - ﷺ -: "نساء المجاهدين على القاعدين في الحرمة كأمهاتهم، ما أحدٌ من القاعدين يخالف إلى امرأة رجل منهم، فيخونه في أهله، إلا وُقف له يوم القيامة، فقيل له: إن هذا خانك في أهلك، فخذ من عمله ما شئت، قال: فما ظنكم؟ ". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٢] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ قَعْنَبٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، "فَقَالَ (^٢): فَخُذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا شِئْتَ"، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: "فَمَا ظَنُّكُمْ؟ ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (سُفْيَانُ) بن عيينة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (قَعْنَبٌ) التميميّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦].
رَوَى عن علقمة بن مرثد، وأبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود.
وروى عنه يزيد بن عبد العزيز بن سِيَاه، وسفيان بن عيينة.
قال الحميديّ عن سفيان: ثنا قعنبٌ التميميّ، وكان ثقةً خيارًا، وقال أبو داود: كان رجلًا صالِحًا، كان ابن أبي ليلى أراده على القضاء، فامتنع، وقال: أَخِّرني حتى أنظر، فتوارى، فوقع عليه البيت، فقتله، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلا هذا الحديث.
[تنبيه]: الْقَعْنب كجَعْفر في الأصل هو الشديد الصلب من كل شيء، ومنه القعنب للأسد، والقعنب للثعلب الذَّكر.
[تنبيه] آخر]: وقع لبعض الشرّاح (^٣) هنا غلط، وهو أنه ذكر أن قعنبًا هذا
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٨٢.
(٢) وفي نسخة: "وقال".
(٣) هو: الشيخ الهرريّ، راجع: شرحه لـ "صحيح مسلم" ٢٠/ ٢٢١.
[ ٣٢ / ٥٠٦ ]
هو قعنب بن عتّاب بن الحارث، وهو الذي عناه جرير الشاعر حيث يقول يفخر على الفرزدق:
قُلْ لِحَفِيفِ الْقَصَبَاتِ الْجَوْفَانِ … جِيئُوا بِمِثْلِ قَعْنَبٍ وَالْعلهانِ
وهذا غلطٌ، فإن المترجَم هنا لم ينسبه أحد من أصحاب الرجال، والأطراف إلى أبيه، فلا يُعرف أبوه، وأما قعنب بن عتاب المذكور، فإنه رجل آخر، وهو قعنب بن عتّاب بن الحارث الملقّب بالمبير، هكذا بيّنه محمد مرتضى في "شرح القاموس" (^١)، وليس من رواة الحديث، ولذا لم يُذكره أحد من أصحاب الرجال فيهم، والظاهر أنه من الشجعان المشهورين، كما يدلّ عليه وصفه بالمبير، وافتخار جرير على الفرزدق به، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والباقيان ذُكرا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية قَعْنب عن علقمة هذه ساقها أبو داود في "سننه"، فقال:
(٢٤٩٦) - حدّثنا سعيد بن منصور، ثنا سفيان، عن قعنب، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حرمة نساء المجاهدين على القاعدين، كحرمة أمهاتهم، وما من رجل من القاعدين يَخْلُف رجلًا من المجاهدين في أهله، إلا نُصِب له يوم القيامة، فقيل له: هذا قد خلفك في أهلك، فخذ من حسناته ما شئت"، فالتفت إلينا رسول الله - ﷺ -، فقال: "ما ظنّكم؟ ".
قال أبو داود: كان قعنب رجلًا صالِحًا، وكان ابن أبي ليلى أراد قعنبًا على القضاء، فأبى عليه، وقال: أنا أريد الحاجة بدرهم، فأستعين عليها برجل، قال: وأيّنا لا يستعين في حاجته، قال: أخرجوني حتى أنظر، فأُخرج، فتوارى، قال سفيان: بينما هو مُتَوَارٍ إذ وقع عليه البيت، فمات. انتهى (^٢).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "تاج العروس من جواهر القاموس" ١/ ٤٣٦.
(٢) سنن أبي داود ٣/ ٨.
[ ٣٢ / ٥٠٧ ]