أنه من خُماسيّات المصنّف، وله فيه شيخان قرن بينهما، وهما من مشايخ الأئمة الستّة بلا واسطة، كما سبق غير مرّة، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، غير أبي إسحاق، والبراء، فكوفيّان.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (أَنَّهُ سَمِعَ الْبَرَاءَ) بن عازب - ﵄ -، قال في "الفتح": ووقع في رواية الطبرانيّ من طريق أبي سنان الشيباني، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم، وأبو سنان اسمه ضِرَار بن مُرّة، وهو ثقة، إلا أن المحفوظ عن أبي إسحاق، عن البراء، كذا اتَّفَقَ الشيخان عليه من طريق شعبة، ومن طريق إسرائيل، وأخرجه الترمذيّ، وأحمد من رواية سفيان الثوريّ، والترمذيّ أيضًا، والنسائيّ، وابن حبان من رواية سليمان التيميّ، وأحمد أيضًا من رواية زهير، والنسائيّ أيضًا من رواية أبي بكر بن عياش، وأبو عوانة من طريق زكريا بن أبي زائدة، ومسعر، ثمانيتهم عن أبي إسحاق. انتهى (^١).
(يَقُولُ فِي هَذِهِ الآيَةِ) الإشارة إلى المتلوّ بعده، وهو: (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَيْدًا)؛ أي: ابن ثابت الأنصاريّ كاتب الوحي للنبيّ - ﷺ - المتوفّى سنة (٥ أو ٤٨) تقدّمت ترجمته في "الحيض" ٢٢/ ٧٩٣. (فَجَاءَ) زيد - ﵁ - (بِكَتِفٍ) بفتح الكاف، وكسر التاء، ويجوز إسكان التاء مع فتح الكاف، أو كسرها، ففيه وفي نظائره ثلاث لغات،
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٦، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٩٣).
[ ٣٢ / ٥٠٩ ]
قال المجد: الْكَتِفُ، كفَرِحٍ، ومِثْلٍ، وحَبْلٍ، جمعه كقِرَدَة، وأصحاب. انتهى (^١).
[فائدة]: كلّ ما جاء على فَعِلٍ، وكان وسطه غير حرف حلق، ككَتِفٍ، يجوز فيه ثلاث لغات، أن يكون كالفَرِح بفتح، فكسر، وكالحَمْلِ، بفتح، فسكون، وكالْحِمْل، بكسر، فسكون، وأما إذا كان وسطه حرف حلق، فيجوز فيه أربع لغات، الثلاثة المذكورة، والرابعة كونه بكسرتين؛ إتباعًا لقوّة حرف الحلق، سواء كان اسمًا، كفَخِذٍ، أم فعلًا، كشَهِدَ، وقد نظمت ذلك بقولي:
إِذَا ثُلَاثِيٌّ أَتَى عَلَى فَعِلْ … بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ فِيهِ نُقِلْ
فِي ضَبْطِهِ ثَلَاثَة كَالْكَتِفِ … بِفَتْحَةٍ فَكَسْرَةٍ فَلْتَقْتَفِ
ثُمَّ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ وَرَدَا … كَالْحَمْلِ وَالثَّالِثُ كَالرِّجْلِ بَدَا
بِكَسْرَةٍ ثُمَّ سُكُونٍ كُلُّ ذَا … إِنْ لَمْ يَكُنْ وَسَطُهُ حَلْقًا خُذَا
فَإِنْ يَكُنْ كَفَخِذٍ فَإِنَّهُ … يَزِيدُ رَابِعًا فَخُذْ بَيَانَهُ
بِكَسْرَتِيْنِ ثُمَّ ذَا الْحُكْمُ يَعُمّْ … سْمًا وَفِعْلًا مِثْلُ شِهْدَ فَلْتُؤُمّْ
و"الْكَتِفِ": عَظْم عَرِيضٌ، خلف المنكب، وهي مؤنّثةٌ، وتكون للناس، وغيرهم، كانوا يكتبون فيها لقلّة القراطيس عندهم، أفاده في "اللسان" (^٢).
وقوله: (يَكْتُبُهَا) جملة في محل جرّ صفة لـ "كتف"، وفي بعض النسخ: "فكتبها"، ومعلّقه محذوف، تقديره "فيه"؛ أي: في ذلك الكتف. (فَشَكَا إِلَيْهِ) - ﷺ - (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وفي رواية للبخاريّ: "فجاء ابن أم مكتوم"، وفي رواية له: "وخلْفَ النبيّ - ﷺ - ابنُ أمّ مكتوم"، ويُجمع بأن معنى "جاء" أنه قام من مقامه خلف النبيّ - ﷺ - حتى جاء مواجهه، فخاطبه.
وفي رواية للبخاريّ: "فجاء عبد الله ابن أم مكتوم"، وعند الترمذيّ من طريق الثوريّ، وسليمان التيميّ كلاهما عن أبي إسحاق، عن البراء: "جاء عمرو ابن أم مكتوم"، وقد نَبّه الترمذيّ على أنه يقال له: عبد الله، وعمرو، وأن اسم أبيه زائدة، وأن أم مكتوم أمه، قال الحافظ: واسمها عاتكة. انتهى،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١١١٣.
(٢) "لسان العرب" ٩/ ٢٩٤.
[ ٣٢ / ٥١٠ ]
قاله في "الفتح" (^١).
(ضَرَارَتَهُ)؛ أي: عماه، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا: "ضرارته" بفتح الضاد، وحَكَى صاحب "المشارق"، و"المطالع" عن بعض الرواة أنه ضبطه: "ضَرَرًا به"، والصواب الأول. انتهى (^٢).
وفي رواية للبخاريّ: "قال: والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت" - أي: لو استطعت، وعَبّر بالمضارع إشارةً إلى الاستمرار، واستحضارًا لصورة الحال - "قال: وكان أعمى"، هذا يفسِّر ما في حديث البراء: فشكا ضرارته، وفي الرواية الأخرى عنه: "فقال: أنا ضرير"، وفي رواية خارجة: "فقام حين سمعها ابن أم مكتوم، وكان أعمى، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد، ممن هو أعمى، وأشباه ذلك؟ "، وفي رواية: "فقال: إني أُحبّ الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الزمانة ما ترى، ذهب بصري" (^٣).
(فَنَزَلَتْ) وفي رواية للبخاريّ: "فنزلت مكانها"، قال ابن التين: يقال: إن جبريل هبط، ورجع قبل أن يجفّ القلم.
وقوله: (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾) فاعل "نزلت"، فهو محكيّ؛ لِقَصْد لفظه.
قال ابن الْمُنَيِّر: لم يقتصر الراوي في الحال الثاني على ذِكر الكلمة الزائدة، وهي ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فإن كان الوحي نزل بزيادة قوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ فقط، فكأنه رأى إعادة الآية من أولها حتى يتصل الاستثناء بالمستثنى منه، وإن كان الوحي نزل بإعادة الآية بالزيادة بعد أن نزل بدونها، فقد حَكَى الراوي صورة الحال.
قال الحافظ: الأول أظهر؛ فإن في رواية سهل بن سعد: "فأنزل الله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، وأوضحُ من ذلك رواية خارجة بن زيد، عن أبيه، ففيها: "ثُمّ سُرِي عنه، فقال: اقرأ، فقرأت عليه: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾،
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٦ - ٦٧، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٩٣).
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤٣.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٦٦، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٩٣).
[ ٣٢ / ٥١١ ]
فقال النبيّ - ﷺ -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، وفي حديث الْفَلَتان - بفتح الفاء، واللام، وبمثناة فوقانية - ابن عاصم في هذه القصّة: "قال: فقال الأعمى: ما ذنبنا؟ فأنزل الله، فقلنا له: إنه يوحى إليه، فخاف أن ينزل في أمره شيء، فجعل يقول: أتوب إلى الله، فقال النبيّ - ﷺ - للكاتب: اكتُب ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ "، أخرجه البزار، والطبرانيّ، وصححه ابن حبان.
ووقع في غير هذا الحديث ما يؤيد الثاني، وهو في حديث البراء بن عازب: "فأُنزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر)، فقرأناها ما شاء الله، ثم نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾. انتهى (^١).
وقوله: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قُرئ بالنصب، والرفع قراءتان مشهورتان في السبع، قرأ نافع، وابن عامر، والكسائيّ بالنصب، والباقون بالرفع، وقرئ في الشاذّ بالجرّ، فمن نَصَب فعلى الاستثناء، ومن رَفَع، فوصفٌ للقاعدين، أو بدلٌ منهم، ومن جرّ فوصف للمؤمنين، أو بدل منهم، قاله النوويّ - ﵀ - (^٢).
(قَالَ شُعْبَةُ) بن الحجّاج، وهو موصول بالإسناد السابق، وليس معلّقًا، فتنبّه. (وَأَخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهريّ المدنيّ المتوفّى سنة (١٢٥) وقيل: بعدها، تقدّمت ترجمته في "المقدمة" ٥/ ٣١. (عَنْ رَجُلٍ) لا يُعرف، (عَنْ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي هَذِهِ الآيَةِ) وقوله: (﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾) بدل من "هذه الآية"، (بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَرَاءِ) - ﵁ -.
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ بَشَّارٍ) أشار به إلى اختلاف شيخيه: محمد بن المثنّى، ومحمد بن بشار، فقال الأول: "قال شعبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، عن رجل، عن زيد بن ثابت"، وقال الثاني: "قال شعبة: أخبرني سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن رجل، عن زيد بن ثابت"، فأدخل أبا سعد، بينه وبين الرجل المبهم.
وقوله: (سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) برفع "سعد" على أنه فاعل لمقدّر دلّ عليه ما مضى؛ أي: أخبرني سعد بن إبراهيم (عَنْ أَبِيهِ) إبراهيم بن عبد الرحمن بن
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٧، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٩٣).
(٢) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤٣.
[ ٣٢ / ٥١٢ ]
عوف الزهريّ المدنيّ المتوفّى سنة (٥ أو ٩٦) تقدّمت ترجمته في "الجهاد والسِّيَر" ١٣/ ٤٥٥٩. (عَنْ رَجُلٍ) تقدّم أنه لا يُعرف.
[تنبيه]: كتب بعض الشرّاح (^١) ما نصّه: وقوله: "عن رجل" لعله بدل غلط عما قبله، أو تحريف من النساخ. انتهى.
وهذا الكلام غلط بلا شكّ؛ لأنه يدلّ على أن الرجل هو نفس إبراهيم والد سعد، وليس كذلك، بل هو شيخ له مجهول، ولهذا تكلّم الحافظ رشيد الدين ابن العطّار - ﵀ - على رواية مسلم هذه في بحثه الآتي، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) - ﵁ -.
[تنبيه]: قد تكلّم الحافظ رشيد الدين ابن العطّار - ﵀ - في كتابه "غرر الفوائد المجموعة"، وقد أسلفت نصّ الرسالة في مقدّمة "شرح المقدّمة"، ودونك خلاصة ما قاله:
قال - ﵀ - بعد أن ساق نصّ مسلم بتمامه -: هكذا أورده مسلم في "صحيحه"، وقد اشتمل هذا الحديث على طريقين عن صحابيين - ﵄ -، فالأول منهما: حديث البراء بن عازب - ﵄ -، وهو صحيح متصل، ثابت متفق عليه، والثاني: حديث زيد بن ثابت، وفي إسناده اختلاف، ورجل غير مسمى، فهو داخل في باب المقطوع على مذهب الحاكم وغيره، إذا لم يُعرف ذلك الرجل.
والجواب عن ذلك: أن مسلمًا - ﵀ -، إنما احتج بحديث البراء وحده، وإنما أورد الإسناد الثاني؛ لأن شعبة حَدّث به غندرًا هكذا، فأورده مسلم كما سمعه من أصحاب غندر، والظاهر من مذهبه أنه لا يختصر من الحديث شيئًا، وإن اختصر منه شيئًا لضرورة نَبَّه عليه.
وقد أخرج البخاريّ حديث البراء هذا في "صحيحه" في غير موضع من رواية شعبة، عن أبي إسحاق عنه، ولم يذكر فيه حديث زيد بن ثابت، فيَحْتَمِل (^٢) أن يكون تَرَكه عمدًا؛ لِمَا فيه من الاعتلال، ويَحْتَمِل أن يكون إنما سمعه كذلك من غير زيادة، على ما أورده، لكنه أخرج حديث زيد بن ثابت
_________________
(١) هو: الشيخ الهرري، راجع: شرحه لهذا الكتاب ٢٠/ ٢٢٣.
(٢) النسخة: "محتمل"، والظاهر أنه تصحيف. والله تعالى أعلم.
[ ٣٢ / ٥١٣ ]
المذكور من طريق آخر، من حديث الزهريّ، عن سهل بن سعد، عن مروان بن الحكم عنه، وهو إسناد اجتمع فيه ثلاثة من الصحابة - ﵃ -، يروي بعضهم عن بعض، ويدخل أيضًا في رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأن سهلا أكبر من مروان، ومروان وإن لم يثبت سماعه من النبيّ - ﷺ -، فهو معدود في الصحابة - ﵃ -، وقد أخرج له البخاريّ في "صحيحه" حديثًا عن النبيّ - ﷺ - مقرونًا بالمسور بن مخرمة، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رشيد الدين ابن العطّار - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: ما يُجاب به عن مسلم - ﵀ -: أنه لا اعتراض عليه في هذا الحديث؛ لأنه أخرجه من حديث البراء - ﵁ - متّصلًا، ثم أورده من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -، وفيه مجهول متابعةً، والمتابعة يُغتفر فيها ما لا يُغتفر في الأصول، على أن حديث زيد هذا ثابت صحيح، فقد أخرجه البخاريّ في "صحيحه"، فتنبّه.
ويَحْتَمِل أن يكون مسلم لم يُرد به الاحتجاج لا أصالةً، ولا متابعةً، وإنما أورده؛ لأنه سمعه كذلك من أصحاب غندر، وغندر سمعه من شعبة هكذا، فأورده كما سمعه؛ لكونه لا يرى الاختصار، وهذا هو الذي مشى عليه الحافظ العطّار في تحقيقه المذكور آنفًا، والله تعالى أعلم.
[تنبيه آخر]: أخرج البخاريّ في "صحيحه" من طريق ابن جريج، عن عبد الكريم الجزريّ، أن مِقسمًا مولى عبد الله بن الحارث أخبره أن ابن عباس - ﵄ - أخبره: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر. انتهى.
قال في "الفتح": قوله: " ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عن بدر، والخارجون إلى بدر" كذا أورده مختصرًا، وظن ابن التين أنه مغاير لحديثي سهل والبراء، فقال: القرآن ينزل في الشيء، ويشتمل على ما في معناه، وقد أخرجه الترمذيّ من طريق حجاج بن محمد، عن ابن جريج بهذا مثله، وزاد: "لمّا نزلت غزوة بدر، قال عبد الله بن جحش، وابن أم مكتوم الأعميان: يا رسول الله هل لنا رخصة، فنزلت: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ
_________________
(١) راجع: "قرّة عين المحتاج" ١/ ١١٣ - ١١٤.
[ ٣٢ / ٥١٤ ]
وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ " - فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر - ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ [النساء: ٩٥، ٩٦] على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر، هكذا أورده سياقًا واحدًا، ومن قوله: ﴿دَرَجَةً﴾. . . إلخ مدرج في الخبر من كلام ابن جريج، بيَّنه الطبريّ، فأخرج من طريق حجاج نحو ما أخرجه الترمذيّ إلى قوله: ﴿دَرَجَةً﴾، ووقع عنده: فقال عبد الله ابن أم مكتوم، وأبو أحمد بن جحش، وهو الصواب في ابن جحش، فإن عبد الله أخوه، وأما هو فاسمه: عبد، بغير إضافة، وهو مشهور بكنيته، ثم أخرجه بالسند المذكور عن ابن جريج، قال: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾، قال: على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
وحاصل تفسير ابن جريج: أن المفضل عليه غير أولي الضرر، وأما أولو الضرر فمُلحقون في الفضل بأهل الجهاد، إذا صدقت نياتهم، كما تقدم في "المغازي" من حديث أنس: "إن بالمدينة لأقوامًا، ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم، حبسهم العذر".
ويَحْتَمِل أن يكون المراد بقوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾؛ أي: من أولي الضرر وغيرهم، وقوله: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾؛ أي: على القاعدين من غير أولي الضرر، ولا ينافي ذلك الحديث المذكور عن أنس، ولا ما دلت عليه الآية من استواء أولي الضرر مع المجاهدين؛ لأنها استثنت أولي الضرر من عدم الاستواء، فأفهمت إدخالهم في الاستواء؛ إذ لا واسطة بين الاستواء وعدمه؛ لأن المراد منه: استواؤهم في أصل الثواب، لا في المضاعفة؛ لأنها تتعلق بالفعل.
ويَحْتَمِل أن يلتحق بالجهاد في ذلك سائر الأعمال الصالحة. انتهى (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث البراء - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٨ - ٦٩، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٩٥).
[ ٣٢ / ٥١٥ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٠/ ٤٩٠٣ و٤٩٠٤] (١٨٩٨)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٨٣٢) و"التفسير" (٤٥٩٤) و"فضائل القرآن" (٤٩٩٠)، و(الترمذيّ) في "فضل الجهاد" (١٦٧٠)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ١٠) و"الكبرى" (٣/ ٨ و٦/ ٣٢٧)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٧٠٤)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٤/ ٢٢٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٢٨٤ و٢٩٠ و٢٩٩ و٣٠٠ و٣٠١)، و(الطبريّ) في "التفسير" (٥/ ٢٢٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٠ و٤١ و٤٢)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢٠٩)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٢٦٩)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣٦٥)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤٠٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٨٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٢٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان سقوط فرض الجهاد عن المعذورين، ولكن لا يكون ثوابهم ثواب المجاهدين، بل لهم ثواب نيّاتهم، إن كانت لهم نيّة صالحة، كما قال - ﷺ -: "ولكن جهاد ونيّة"
٢ - (ومنها): بيان فضل المجاهدين في سبيل الله تعالى على القاعدين منه.
٣ - (ومنها): بيان أن الجهاد فرض كفاية، وليس فرض عين.
قال النوويّ - ﵀ -: وفيه ردّ على من يقول: إنه كان في زمن النبيّ - ﷺ - فرض عين، وبعده فرض كفاية، والصحيح أنه لم يزل فرض كفاية من حين شُرع، وهذه الآية ظاهرة في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): بيان سبب نزول الآية الكريمة، وهو شكوى ابن أمّ مكتوم ضرارته إلى النبيّ - ﷺ -.
٥ - (ومنها): جواز تأخير التخصيص بغير المستقلّ لمصلحة، ولازِمُه جواز الاستثناء المتأخّر، والجمهور على خلافه.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ٤٥.
[ ٣٢ / ٥١٦ ]
٦ - (ومنها): مشروعية اتخاذ الكاتب، وتقريبه.
٧ - (ومنها): جواز تقييد العلم بالكتابة.
٨ - (ومنها): جواز كتابة القرآن في الألواح، والأكتاف.
٩ - (ومنها): طهارة عَظْم المذكّى، وجواز الانتفاع به، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٩٠٤] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرٍ، عَنْ مِسْعَرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، كَلَّمَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ) محمد بن العلاء، تقدّم قبل باب.
٢ - (ابْنُ بِشْرٍ) هو: محمد بن بشر العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٣ - (مِسْعَرُ) بن كِدام، تقدّم قبل حديثين.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كَلَّمَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ)؛ أي: كلّم النبيّ - ﷺ - عبد الله، أو عمرو ابن أم مكتوم - ﵁ -.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.