أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو سند البخاريّ في "صحيحه"، فقد أخرجه عن شيخه، وهو مسلسلٌ بالشاميين، غير شيخه، فبصريّ، والصحابي مدائنيّ، ومسلسلٌ أيضًا بالتحديث والسماع، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، وفيه حذيفة - ﵁ - ابن صحابيّ، ومن أكابر الصحابة - ﵃ -، ومن السابقين إلى الإسلام، وصحّ في "صحيح مسلم" أنه - ﷺ - أعلمه بما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
عن بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الْحَضْرَمِيِّ (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيَّ) عائذ الله بن عبد الله، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ - يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء - ﵁ -. (يَقُولُ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ) - ﵄ - (يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ) قال القرطبيّ - ﵀ -: يعني: أنه كان أكثر مسائل الناس
[ ٣٢ / ١٥٦ ]
عن الخير، وكانت أكثر مسائله عن الشر، وإلَّا فقد سأل غيره رسول الله - ﷺ - عن كثير من الشر، وقد كان حذيفة أيضًا يسأل رسول الله - ﷺ - عن كثير من الخير، والخير والشر المعْنِيّان في هذا الحديث إنما هما استقامة أمر دِين هذه الأمة، والفتن الطارئة عليها؛ بدليل باقي الحديث، وجواب النبيّ - ﷺ - له بذلك. انتهى (^١).
(مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي) وفي رواية نصر بن عاصم، عن حذيفة، عند ابن أبي شيبة: "وعَرَفت أن الخير لن يسبقني".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "مخافة أن يدركني" يدلّ على حزم حذيفة - ﵁ -، وأخْذه بالحذر، وذلك: أنه كان يتوقع موت النبيّ - ﷺ -، فيتغير الحال، وتظهر الفتن، كما اتفق، وفيه دليل: على فرض المسائل، والكلام عليها قبل وقوعها، إذا خيف مَوْتُ العالم. انتهى (^٢).
(فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرٍّ) يشير إلى ما كان قبل الإسلام، من الكفر، وقَتْل بعضهم بعضًا، ونَهْب بعضهم بعضًا، وإتيان الفواحش، (فَجَاءَنَا اللهُ بِهَذَا الْخَيْرِ)؛ يعني: الإيمان، والأمن، وصلاح الحال، واجتناب الفواحش، وفي رواية أبي سلّام، عن حذيفة التالية: "فجاء الله بخير، فنحن فيه"، (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟، قَالَ: "نَعَمْ") في رواية نصر بن عاصم: "فتنة"، وفي رواية سبيع بن خالد، عن حذيفة، عند ابن أبي شيبة: "فما العصمة منه؟ قال: السيف، قال: فهل بعد السيف من تَقِيَّة؟ قال: نعم، هُدْنة"، والمراد بالشرّ: ما يقع من الفتن من بعد قتل عثمان، وهَلُمّ جَرّا، أو ما يترتب على ذلك من عقوبات الآخرة (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: يعني به: الطارئة بعد انقراض زمان الخليفتين، والصدر من زمان عثمان - ﵃ -، كما تقدّم (^٤).
(فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:، نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ") - بفتح
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٥٥.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٥.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٤٨٥، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٨٤).
(٤) "المفهم" ٤/ ٥٥.
[ ٣٢ / ١٥٧ ]
الدال المهملة، ثم الخاء المعجمة، بعدها نون - وهو الحقد، وقيل: الدَّغَلُ، وقيل: فساد في القلب، ومعنى الثلاثة متقارب، يشير إلى أن الخير الذي يجيء بعد الشرّ لا يكون خيرًا خالصًا، بل فيه كَدَرٌ، وقيل: المراد بالدَّخَن: الدُّخان، ويشير بذلك إلى كدر الحال، وقيل: الدخن كل أمر مكروه، وقال أبو عبيد: يفسر المراد بهذا الحديث الحديثُ الآخر: "لا ترجع قلوب قوم على ما كانت عليه"، وأصله أن يكون في لون الدابة كُدُورةٌ، فكأن المعنى: أن قلوبهم لا يصفو بعضها لبعض، ولا يزول خبثها، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصفا (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فهل بعد ذلك الشرّ من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن" بفتح الدال، والخاء لا غير، وهو عبارةٌ عن الكدر، ومنه قولهم: هُدْنَةٌ على دخنٍ، حَكَى معناه أبو عبيد، وقيل: هي لغة في الدُّخان، ومنه الحديث، وذكر فتنة فقال: "دَخَنُهَا من تحت قدمِي، رجلٌ من أهل بيتي. . ." (^٢).
وقيل: إنَّ خبر حذيفة هذا إشارةٌ إلى مُدَّة عمر بن عبد العزيز، قال القرطبيّ: وفيه بُعْدٌ، بل الأَولى أن الإشارة بذلك إلى مُدّة خلافة معاوية، فإنها كانت تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر، وهي مدّة الهدنة التي كان فيها الدَّخن؛ لأنه لمّا بايع الحسنُ معاويةَ، واجتمع الناس عليه كره ذلك كثير من الناس بقلوبهم، وبقيت الكراهة فيهم، ولم تُمكِنُهم المخالفة في مدة معاوية، ولا إظهارها إلى زمن يزيد بن معاوية، فأظهرها كثير من الناس، ومدة خلافة معاوية كان الشرّ فيها قليلًا، والخير غالبًا، فعليهم يصدق قوله - ﷺ -: "تَعْرِف منهم، وتُنْكِر"، وأمَّا خلافة ابنه فهي أول الشرِّ الثالث، ويزيد، وأكثر ولاته، ومَن بعده من خلفاء بني أميةَ هم الذين يَصْدُق عليهم أنّهم: "دُعَاةٌ على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، فإنهم لم يسيروا بالسَّواء، ولا عدلوا في القضاء؛ يدلّ على ذلك تَصَفُّحُ أخبارهم، ومطالعة سِيَرهم، ولا يُعْتَرضُ على هذا بمدة خلافة
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٨٥، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٨٤).
(٢) رواه أحمد ٢/ ١٣٣، و"أبو داود" (٤٢٤٢).
[ ٣٢ / ١٥٨ ]
عمر بن عبد العزيز، بأنها كانت خلافةَ عدلٍ؛ لِقِصَرها، ونُدُورها في بني أمية، فقد كانت سنتين وخمسة أشهر، فكأنَّ هذا الحديث لم يتعرض لها، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن مدة خلافة معاوية - ﵁ - محلّ نظر، بل الأَولى حمله على مدّة خلافة عمر بن العزيز - ﵀ -، كما لا يخفى على من تتبّع سِيَرهم، وسِيَر أهل زمانهم، والله تعالى أعلم.
(قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: "قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ) بفتح أوله (بِغَيْرِ هَدْيِي) بياء الإضافة بعد الياء للأكثر، وبياء واحدة مع التنوين للكشميهنيّ، والهدي: الهيئة، والسيرة، والطريقة، وفي رواية أبي سلّام التالية: "يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي"، (تَعْرِفُ) بفتح أوله، وكسر ثالثه، من المعرفة. (مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ) بضمّ أوله، وكسر ثالثه، من الإنكار؛ يعني: تعرف بعض أعمالهم، وتُنكر بعضها، وفي حديث أم سلمة - ﵂ - الآتي: "ستكون أمراء، فتَعرفون، وتُنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكَر سَلِم، لكن من رضي، وتابع". (فَقُلْتُ: هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، دُعَاةٌ) بضمّ الدال المهملة: جمع داع، كقاضٍ وقُضاة؛ أي: يدعون الناس إلى غير الحقّ، (عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ) أَطْلَق عليهم ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، كما يقال لمن أمر بفعل مُحَرَّم: وَقَفَ على شفير جهنم، وحاصل المعنى: أنهم دعاة إلى الشرّ والفساد المؤدّي بصاحبه إلى دخول جهنّم، فالكلام تمثيل لتسويلهم، وتزيينهم للناس الأعمال التي تستوجب العذاب، فكأنهم إذ يدعون إلى تلك الأعمال وقوفٌ على أبواب جهنّم يدعون الناس إلى الدخول فيها، والله تعالى أعلم.
(مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا")؛ أي: رَمَوه في نار جهنّم، يعني بذلك مَن وافقهم على آرائهم، واتّبعهم على أهوائهم كانوا قائديه إلى النار. (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: "نَعَمْ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا)؛ أي: من أنفسنا، وعشيرتنا، وقيل: معناه: من أهل ملّتنا، وقيل: من أبناء جنسنا، وفيه إشارة إلى أنهم من
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٥٦.
[ ٣٢ / ١٥٩ ]
العرب، وقال الداوديّ: أي: من بني آدم، وقال القابسيّ: معناه أنهم في الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون، وجِلْدَة الشيء ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن، قيل: ويؤيد إرادة العرب أن السُّمْرة غالبة عليهم، واللون إنما يظهر في الجلد، ووقع في رواية أبي سلّام التالية: "فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين، في جثمان إنس"، وقوله: "جُثمان" بضم الجيم، وسكون المثلثة: هو الجسد، ويُطلق على الشخص.
قال القاضي عياض - ﵀ -: المراد بالشر الأول: الفتن التي وقعت بعد عثمان، والمراد بالخير الذي بعده: ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز، والمراد بالذين تَعْرِف منهم وتُنكِر: الأمراء بعده، فكان فيهم من يتمسك بالسُّنَّة والعدل، وفيهم من يدعو إلى البدعة، ويعمل بالْجَوْر.
قال الحافظ - ﵀ -: والذي يظهر أن المراد بالشر الأول: ما أشار إليه من الفتن الأولى، وبالخير: ما وقع من الاجتماع مع عليّ ومعاوية، وبالدَّخَن: ما كان في زمنهما من بعض الأمراء، كزياد بالعراق، وخلاف من خالف عليه من الخوارج، وبالدعاة على أبواب جهنم: من قام في طلب الملك، من الخوارج وغيرهم، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "الزَمْ جماعة المسلمين، وإمامهم"؛ يعني: ولو جار، ويوضح ذلك رواية أبي سلّام: "ولو ضَرَب ظهرك، وأخذ مالك"، وكان مثل ذلك كثيرًا في إمارة الحجاج ونحوه (^١). (وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا")؛ أي: بالعربيّة، وفيه إشارة إلى أنهم من العرب، وقيل: معناه: يتكلّمون بلسان الشريعة، مما قال الله تعالى ورسوله - ﷺ -، وليس في قلوبهم شيء من الخير.
وقال القرطبيّ: يعني أنهم ينتمون إلى نَسَبِهِ، فإنهم من قريشٍ، ويتكلمون بكلام العرب، وكذلك كانت أحوال بني أُميَّة (^٢).
(قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَرَى) وفي بعض النسخ: "فما تأمرني" (إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِمَامَهُمْ") بكسر الهمزة؛ أي: أميرهم، زاد في رواية أبي سلّام: "تسمع، وتطيع وإن ضَرَب ظهرك، وأخذ
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٨٥، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٨٤).
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٧.
[ ٣٢ / ١٦٠ ]
مالك"، وكذا في رواية خالد بن سبيع، عند الطبرانيّ: "فإن رأيت خليفة فالزمه، وإن ضرب ظهرك، فإن لم يكن خليفة فالهرب".
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"؛ يعني: أنه متى اجتمع المسلمون على إمام، فلا يُخرَج عليه، وإنْ جَارَ؛ كما تقدّم، وكما قال في الرواية الأخرى: "فاسمع، وأطع"، وعلى هذا فتُشْهَد مع أئمة الْجَوْر الصلوات، والجمعات، والجهاد، والحج، وتُجْتَنَبُ معاصيهم، ولا يطاعون فيها (^١).
(فَقُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ، وَلَا إِمَامٌ؟) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا إشارة إلى مثل الحالة التي اتفقت للناس عند موت معاوية بن يزيد بن معاوية، فإنه توفي لخمسٍ بقين من ربيع الأول سنة أربع وستين، ولم يَعْهَدْ لأحدٍ، وبَقِي الناس بعده بقية ربيع الأول، والجمادين، وأيامًا من رجب من السَّنة المذكورة، ولا إمام لهم، حتى بايع الناس بمكة لابن الزبير، وفي الشام لمروان بن الحكم (^٢).
(قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ) بكسر الفاء، وفتح الراء: جمع فِرْقة، بكسر، فسكون؛ أي: الجماعة.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا أمرٌ بالاعتزال عند الفتن، وهو على جهة الوجوب؛ لأنه لا يَسْلَمُ الدِّينُ إلَّا بذلك، وهذا الاعتزال عبارة عن ترك الانتماء إلى من لم تتم إمامته من الفِرَق المختلفة، فلو بايع أهل الحلّ والعقد لواحدٍ موصوف بشروط الإمامة لانعقدت له الخلافة، وحَرُمت على كل أحدٍ المخالفة، فلو اختلف أهل الحلّ والعقد، فعقدوا لإمامين، كما اتَّفَق لابن الزبير ومروان؛ لكان الأول هو الأرجح، كما تقدَّم (^٣).
(كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ) بفتح العين المهملة، وتشديد الضاد المعجمة؛ أي: ولو كان الاعتزال بالعضّ فلا تعدل عنه، و"تَعَضَّ" بالنصب للجميع، وضَبَطه بعضهم بالرفع، وتُعُقّب بأن جوازه متوقف على أن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٥٧.
(٢) "المفهم" ٤/ ٥٧.
(٣) "المفهم" ٤/ ٥٧ - ٥٨.
[ ٣٢ / ١٦١ ]
يكون "أن" التي تقدمته مخففة من الثقيلة، وهنا لا يجوز ذلك؛ لأنها لا تلي "لَوْ"، نَبَّه عليه صاحب "المغني"، وفي رواية عبد الرحمن بن قُرط، عن حذيفة، عند ابن ماجه: "فلأن تموت، وأنت عاضّ على جِذْلٍ خير لك من أن تتّبع أحدًا منهم"، والْجِذل بكسر الجيم، وسكون المعجمة، بعدها لام: عود يُنصب لتحتكّ به الإبل (^١). (حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ")؛ أي: العضّ، وهو كناية عن لزوم جماعة المسلمين، وطاعة سلاطينهم، ولو عَصَوا، قال البيضاويّ: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفة، فعليك بالعزلة، والصبر على تحمّل شدة الزمان، وعَضّ أصل الشجرة كناية عن مُكابدة المشقة، كقولهم: فلان يَعَضّ الحجارة من شدة الألم، أو المراد: اللزوم، كقوله في الحديث الآخر: "عَضُّوا عليها بالنواجذ"، ويؤيد الأول قوله في الحديث الآخر: "فلأن تموت وأنت عاضّ على جِذْل خير لك من أن تتّبع أحدًا منهم".
قال الجامع عفا الله عنه: حَمْل الحديث على ظاهره - كما قال بعضهم - هو الأَولى، فالمعنى: أن المعتزل إذا لم يجد شيئًا يأكله بسبب عزلته، حتى اضطرّ إلى أكل أصول الأشجار، فليفعل، ولا يمنعه ذلك من الاعتزال، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث حذيفة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١٣/ ٤٧٧٥ و٤٧٧٦] (١٨٤٧)، (والبخاريّ) في "المناقب" (٣٦٠٦ و٣٦٠٧) و"الفتن" (٧٠٨٤)، و(ابن ماجه) في "الفتن" (٤٠٢٧)، و(الحاكم) في "المستدرك" (١/ ١٩٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤١٩)، و(البزّار) في "مسنده" (٧/ ٣٦٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٦ و١٩٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٤٨٥، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٨٤).
[ ٣٢ / ١٦٢ ]
١ - (منها): بيان وجوب ملازمة الجماعة عند ظهور الفتن، وتحريم الخروج على الأمراء، ولو ظلموا، قال النوويّ: وفي حديث حذيفة - ﵁ - هذا لزوم جماعة المسلمين، وإمامهم، ووجوب طاعته، وإن فسق، وعَمِل المعاصي، من أخذ الأموال، وغير ذلك، فتجب طاعته في غير معصية.
٢ - (ومنها): أن فيه عَلَمًا من أعلام النبوّة، إذ أخبر النبيّ - ﷺ - حذيفة بأمور مختلفة من الغيب لا يعلمها إلا من أوحي إليه بذلك، من أنبيائه الذين هم صفوة خلقه، وهذه الأمور التي أخبر بها، قد وقعت كلها، كما أخبر (^١).
٣ - (ومنها): ما قاله ابن بطال - ﵀ -: فيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين، وتَرْك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه وصف الطائفة الأخيرة بأنهم دعاة على أبواب جهنم، ولم يقل فيهم: تَعْرِف وتُنْكِر، كما قال في الأولين، وهم لا يكونون كذلك إلا وهم على غير حقّ، وأَمَر مع ذلك بلزوم الجماعة.
٤ - (ومنها): ما قال الطبريّ - ﵀ -: اختُلِف في هذا الأمر، وفي الجماعة، فقال قوم: هو للوجوب، والجماعة: السواد الأعظم، ثم ساق عن محمد بن سيرين، عن أبي مسعود - ﵁ - أنه وصى من سأله لَمّا قُتِل عثمان - ﵁ -: عليك بالجماعة، فإن الله لم يكن. ليجمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، وقال قوم: المراد بالجماعة: الصحابة، دون مَن بعدهم، وقال قوم: المراد بهم: أهل العلم؛ لأن الله جعلهم حجةً على الخلق، والناس تَبَع لهم في أمر الدِّين، قال الطبريّ: والصواب أن المراد من الخبر: لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتَمَعوا على تأميره، فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة، قال: وفي الحديث أنه متى لم يكن للناس إمام، فافترق الناس أحزابًا، فلا يتبع أحدًا في الفرقة، ويعتزل الجميع إن استطاع ذلك؛ خشيةً من الوقوع في الشرّ، وعلى ذلك يتنزل ما جاء في سائر الأحاديث، وبه يُجْمَع بين ما ظاهره الاختلاف منها، ويؤيده رواية عبد الرحمن بن قُرْط: "فلأن تموت وأنت عاضّ على جذل خير لك من أن تتّبع أحدًا منهم".
_________________
(١) "التوضيح شرح الجامع الصحيح" لابن الملقّن - ﵀ - ٣٢/ ٣٣٤.
[ ٣٢ / ١٦٣ ]
٥ - (ومنها): فيه بيان حكمة الله في عباده، كيف أقام كلًّا منهم فيما شاء، فحبّب إلى أكثر الصحابة السؤال عن وجوه الخير؛ ليعملوا بها، ويبلّغوها غيرهم، وحبّب لحذيفة السؤال عن الشر؛ ليجتنبه، ويكون سببًا في دفعه عمن أراد الله له النجاة.
٦ - (ومنها): أن فيه سعةَ صدر النبيّ - ﷺ -، ومعرفته بوجوه الْحِكَم كلها، حتى كان يجيب كل من سأله بما يناسبه.
٧ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أن كل من حُبِّب إليه شيء، فإنه يفوق فيه غيره، ومن ثَمّ كان حذيفة - ﵁ - صاحب السرّ الذي لا يعلمه غيره، حتى خُصّ بمعرفة أسماء المنافقين، وبكثير من الأمور الآتية.
٨ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا أن من أدب التعليم أن يعلَّم التلميذ من أنواع العلوم ما يراه مائلًا إليه، من العلوم المباحة، فإنه أجدر أن يُسرع إلى تفهمه، والقيام به.
٩ - (ومنها): أن كل شيء يَهْدي إلى طريق الخير يسمى خيرًا، وكذا بالعكس.
١٠ - (ومنها): أنه يؤخذ منه أيضًا ذمّ مَن جعل للدِّين أصلًا خلاف الكتاب والسُّنَّة، وجَعَلَهما فرعًا لذلك الأصل الذي ابتدعوه.
١١ - (ومنها): وجوب ردّ الباطل، وكل ما خالف الهدي النبويّ، ولو قاله من قاله من رفيع، أو وضيع، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ (ح) وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى - وَهُوَ ابْنُ حَسَّانَ - حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ - يَعْنِي ابْنَ سَلَّامٍ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا بِشَرٍّ، فَجَاءَ اللهُ بِخَيْرٍ، فَنَحْنُ فِيهِ، فَهَلْ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: هَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الشَّرِّ خَيْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ:
[ ٣٢ / ١٦٤ ]
"نَعَمْ"، قُلْتُ: كَيْفَ؟ قَالَ: "يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ، في جُثْمَانِ إِنْسٍ"، قَالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ، وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ (^١)، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ، وَأَطِعْ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ التَّمِيمِيُّ) مولاهم، أبو بكر البخاريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١] (ت ٢٥١) (م ت س) تقدم في "الصيام" ٨/ ٢٥٣٥.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) البصريّ، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ) أبو محمد السمرقنديّ، ثقةٌ حافظ متقنٌ فاضلٌ [١١] (ت ٢٥٥) (م د ت) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٩.
٤ - (مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ) - بتشديد اللام - ابن أبي سلّام، أبو سلّام الدمشقيّ، وكان يسكن حِمْصَ، ثقةٌ [٧] مات في حدود (١٧٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٩/ ٣٠٩.
٥ - (زَيْدُ بْنُ سَلَّامِ) بن أبي سلّام الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ [٦] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
٦ - (أَبُو سَلَّامٍ) ممطورٌ الأسود الحبشيّ الدمشقيّ، ثقةٌ يُرسل [٣] (بخ م ٤) تقدم في "الطهارة" ١/ ٥٤٠.
و"حُذيفة" - ﵁ - ذُكر قبله.
[تنبيه]: تكلّم الدارقطنيّ - ﵀ - على هذا السند بأن أبا سلّام لم يسمع من حذيفة - ﵁ -، فهو منقطع، قال - ﵀ - في "التتبّع": وهذا عندي مرسلٌ - أي: منقطع - أبو سلّام لم يسمع من حذيفة، ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق؛ لأن حذيفة تُوُفّي بعد قتل عثمان - ﵁ - بليال، وقد قال فيه: قال حذيفة، فهذا يدلّ على إرساله.
قال الرشيد العطّار - ﵀ - في "غرر الفوائد" بعد نقل كلام الدارقطنيّ
_________________
(١) سقط من بعض النسخ قوله: "للأمير".
[ ٣٢ / ١٦٥ ]
المذكور: وهذا الحديث قد أخرجه مسلم في "صحيحه" متّصلًا من وجه آخر، من حديث بُسْر بن عبد الله الحضرميّ الشاميّ، عن أبي إدريس الخولانيّ، عن حذيفة - ﵁ -، وهو أتمّ من حديث أبي سلّام، وكذلك أخرجه البخاريّ في "صحيحه" أيضًا، فإن ثبت أن أبا سلّام لم يسمع من حذيفة، فقد بيّنّا أن هذا الحديث متّصلٌ في "الصحيحين" من حديث أبي إدريس، عن حذيفة - ﵁ -، وبالله التوفيق. انتهى (^١).
وقال النوويّ بعد نقل كلام الدارقطنيّ أيضًا: وهو كما قال الدارقطنيّ، لكن المتن صحيح، متصل بالطريق الأول، وإنما أتى مسلم بهذا متابعةً كما ترى، وقد قدمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا رُوي من طريق آخر متصلًا تبينّا به صحة المرسل، وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان. انتهى (^٢).
وقوله: (فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ) الْجُثمان بضمّ الجيم، وسكون الثاء المثلّثة: الجُثّة؛ يعني: في جسم الإنسان.
وقوله: (وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ، وَأُخِذَ مَالُكَ، فَاسْمَعْ، وَأَطِعْ)؛ يعني: أن ظُلمهم لنفسك، وأخْذهم لمالك لا يصلح مبرّرًا لخروجك عن طاعتهم، وبغيك عليهم.
[فإن قلت]: صحّ عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من قُتل دون ماله فهو شهيد"، متّفقٌ عليه، فكيف يوفّق بينه وبين هذا الحديث؟.
[أجيب]: بأن ذلك محمول على غير الأمراء، فيجوز أن يقاتِل الإنسان دون ماله، أو دون دمه، أو دون حريمه، فإن قُتل كان شهيدًا، وأما الأمراء فلا يقاتَلون، بل يجب دفع المال إليهم؛ دفعًا للفتنة؛ وبهذا يُجمع بين الحديثين، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم تمام البحث فيه في الذي قبله، ولله الحمد والمنّة.
_________________
(١) "غرر الفوائد" ص ٥٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
[ ٣٢ / ١٦٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٧] (١٨٤٨) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ - يَعْنِي: ابْنَ حَازِمٍ - حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي قَيْسِ بْنِ رِيَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ، يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ (^١) جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَ (^٢) مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الْحَبَطيّ، أبو محمد الأُبُلّيّ، صدوقٌ يَهِم، ورُمي بالقدر، قال أبو حاتم: اضطرّ الناس إليه أخيرًا، من صغار [٩] (ت ٥ أو ٢٣٦)، وله بضع و(٩٠) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٧.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد الأزديّ، أبو النضر البصريّ، ثقةٌ إلا في قتادة [٦] (ت ١٧٠) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٨١.
٣ - (غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ) الْمِعْوليّ الأزديّ البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٩) (ع) تقدم في "الطهارة" ١٥/ ٥٩٨.
٤ - (أَبُو قَيْسِ (^٣) بْنُ رِيَاحٍ) - بكسر أوله، ثم تحتانيّة - زياد بن رِيَاح ويقال: ابن رَبَاح - بالموحّدة -، البصريّ، ويقال: المدني، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي هريرة، وعنه الحسن البصريّ، وغيلان بن جرير.
_________________
(١) وفي نسخة: "فقِتْلته".
(٢) وفي نسخة: "ولا يتحاشى".
(٣) ذكر بعضهم أنه يكنى أبا رياح، فتعقّبه الحافظ، فقال: لم يذكر أحد ممن ألّف في الكنى أنه يكنى أبا رباح، وإنما قالوا: كنيته أبو قيس، وقد وقع مَكْنيًّا بها في "صحيح مسلم" - يعني: في هذا الحديث - وبذلك كناه البخاريّ، ومسلم، وابن أبي حاتم، والنسائيّ، وأبو أحمد، والدارقطنيّ، وابن حبان، والخطيب، وابن ماكولا، وغيرهم، وكل من سمّينا من الأئمة حاشا مسلمًا إنما كنى بأبي رياح زياد بن رياح المذكور بعد هذه الترجمة، وكان هذا سبب وقوع الوهم من "صاحب الكمال"، والله أعلم. انتهى.
[ ٣٢ / ١٦٧ ]
قال العجليّ: تابعيّ ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرجوا له حديث: "من قاتل تحت راية عمية"، وأخرج له مسلم أيضًا: "بادروا بالأعمال ستًا. . ." الحديث.
قلت: أخرج له مسلم والنسائي وابن ماجه، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٤٨) وأعاده بعده، وحديث (٢٩٤٧): "بادروا بالأعمال ستًّا. . ." الحديث.
(٥) - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.