(الأول): زعم ابن التين أنه ورد في بعض الروايات أن عَرْض ابن عمر كان ببدر، فلم يُجزه، ثم بأُحد، فأجازه، قال: وفي روايةٍ عُرض يوم أُحد، وهو ابن ثلاث عشرة، فلم يُجزه، وعُرض يوم الخندق، وهو ابن أربع عشرة
[ ٣٢ / ٢٩٧ ]
سنةً، فأجازه، قال الحافظ: ولا وجود لذلك، وإنما وُجد ما أشرت إليه عن ابن سعد، أخرجه البيهقيّ من وجه آخر، عن أبي معشر، وأبو معشر مع ضعفه لا يُخالف ما زاده من ذِكْر بدر ما رواه الثقات، بل يوافقهم.
(الثاني): زعم ابن ناصر أنه وقع في "الجمع" للحُميديّ هنا: "يوم الفتح" بدل يوم الخندق، قال ابن ناصر (^١): والسابق إلى ذلك أبو مسعود، أو خلف، فتبعه شيخنا (^٢)، ولم يتدبّره، والصواب: "يوم الخندق" في جميع الروايات، وتلقّى ذلك ابن الجوزيّ عن ابن ناصر، وبالغ في التشنيع على من وَهِم في ذلك، وكان الأَولى تَرْك ذلك، فإن الغلط لا يَسلَم منه كثيرًا أحدٌ. انتهى.
(قَالَ نَافِعٌ) مولى ابن عمر الراوي عنه هذا الحديث، (فَقَدِمْتُ) بكسر الدال (عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الخليفة الراشد المتوفي في رجب سنة (١٠١ هـ) وعمره أربعون سنةً، ومدّة خلافته سنتان ونصف، تقدّمت ترجمته في "المقدّمة" ٦/ ٤٦. (وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ) بعد سليمان بن عبد الملك، وكان قبله أميرًا على المدينة النبويّة للوليد، (فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ) عمر (إِنَّ هَذَا)؛ أي: ما دلّ عليه هذا الحديث من الفصل بين من كان ابن أربع عشرة ومن كان ابن خمس عشرة سنة، (لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ)، وهو الأول فما دونه، (وَالْكَبِيرِ) وهو الثاني، فما فوقه. (فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا) بكسرٍ الراء؛ أي: يُقدّروا لهم رزقًا في ديوان الجند، (لِمَنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً) فكانوا يفرّقون بين المقاتِلة وغيرهم في العطاء، وهو الرزق الذي يُجمع في بيت المال، ويفرّق على مستحقّيه.
(وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ فِي الْعِيَالِ) بالكسر، ككتاب: من يُتكفّل بهم، جَمْعه عالة، أفاده المجد (^٣)، وقال الفيّوميّ: العِيَال: أهل البيت، ومن يمونه الإنسان، الواحد: عَيِّلٌ، مثالُ جِيَاد وجَيِّدٍ. انتهى (^٤).
_________________
(١) هو: أبو الفضل ابن ناصر السلاميّ، قاله العينيّ. "عمدة القاري" ١٣/ ٢٤١.
(٢) هو: الحميديّ.
(٣) راجع: "القاموس المحيط" ص ٩٢٨.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٤٣٨.
[ ٣٢ / ٢٩٨ ]
والمعنى أن من كان عمره دون خمس عشرة سنةً لا يُفرض له في الديوان، فلا يُعطى شيئًا من بيت المال، وإنما يُجعل تبعًا لأهل بيته، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٣/ ٤٨٢٩ و٤٨٣٠] (١٨٦٨)، و(البخاريّ) في "الشهادات" (٢٦٦٤) و"المغازي" (٤٠٩٧)، و(أبو داود) في "الخراج" (٢٩٥٧) و"الحدود" (٤٤٠٦)، و(الترمذيّ) في "الأحكام" (١٣٦١) و"الجهاد" (١٧١١)، و(النسائيّ) في "الطلاق" (٣٤٥٨) و"الكبرى" (٥٦٢٤)، و(ابن ماجه) في "الحدود" (٢٥٤٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٥٤٢ و٧/ ٣٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٠٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ١٩٥ و٤٣٧)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ١٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٦٥٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن بلوغ الصبيّ يكون ببلوغ السنّ، وهو خمس عشرة سنة، وسيأتي بيان اختلاف العلماء فيه في المسألة التالية.
٢ - (ومنها): أن الإمام يستعرض من يخرج معه للقتال قبل أن تقع الحرب، فمن وجده أهلًا استصحبه، وإلا ردّه، وقد وقع ذلك للنبيّ - ﷺ - في بدر، وأُحُد، وغيرهما، وعند المالكيّة والحنفيّة لا تتوقّف الإجازة للقتال على البلوغ، بل للإمام أن يُجيز من الصبيان من فيه قوّة ونَجْدَةٌ، فرُبّ مُراهقٍ أقوى من بالغ، وحديث ابن عمر - ﵄ - هذا حجةٌ عليهما، ولا سيّما وقد ثبتت زيادة: "فلم يُجزني، ولم يرني بلغتُ"، وهي صحيحة.
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ بقصّة ابن عمر - ﵄ - هذه على أن من استكمل خمس عشرة سنة أُجريت عليه أحكام البالغين، وإن لم يحتلم، فيُكلَّف بالعبادات، وإقامة الحدود، ويَستحقّ سهم الغنيمة، ويُقتل إن كان حربيًّا، ويُفكّ
[ ٣٢ / ٢٩٩ ]
عنه الحَجر، إن أُونس رُشده، وغير ذلك من الأحكام، وقد عَمِل بذلك عمر بن عبد العزيز، وأقرّه عليه راويه نافعٌ.
وأجاب الطحاويّ، وابن القصّار، وغيرهما، ممن لم يأخذ به: بأن الإجازة المذكورة جاء التصريح بأنها كانت في القتال، وذلك يتعلّق بالقوّة والجلَد.
وأجاب بعض المالكيّة: بأنها واقعة عين، فلا عموم لها، ويَحْتَمِل أن يكون صادف أنه كان عند تلك السنّ قد احتلم، فلذلك أجازه.
وتجاسر بعضهم، فقال: إنما ردّه لِضَعْفه، لا لسنّه، وإنما أجازه لقوّته، لا لبلوغه.
ويَرُدّ على ذلك ما أخرجه عبد الرزّاق، عن ابن جريج، ورواه أبو عوانة، وابن حبّان في "صحيحيهما" من وجه آخر، عن ابن جريج، قال: أخبرني نافع، فذكر هذا الحديث بلفظ: "عُرضتُ على النبيّ - ﷺ - يوم الخندق، فلم يُجزني، ولم يرني بلغتُ. . ." الحديث، وهي زيادة صحيحة، لا مَطعَنَ فيها؛ لجلالة ابن جريج، وتقدّمه على غيره في حديث نافع، وقد صرّح فيها بالتحديث، فانتفى ما يُخشى من تدليسه، وقد نصّ فيها لفظ ابن عمر بقوله: "ولم يرني بلغت"، وابن عمر أعلم بما روى من غيره، ولا سيّما في قصّة تتعلّق به، قاله في "الفتح" (^١).
وقد اختلف العلماء في سنّ البلوغ، فمنهم من استدلّ بحديث الباب على أنه خمس عشرة سنةً في الغلام والجارية، وهو قول الأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وأبي يوسف، ومحمد، وبه قال ابن وهب، وأصبغ، وابن الماجشون، وعمر بن عبد العزيز، وجماعة من أهل المدينة، واختاره ابن العربيّ.
وقال داود الظاهريّ: لا حدّ للبلوغ من السنّ، وعليه فلا يُعتبر الرجل بالغًا عنده حتى يُنزل، أو يُحبِّل بالغًا ما بلغ من السنّ، وهو رواية عن مالك، وقال أصحابه: سبع عشرة، أو ثماني عشرة سنةً، وقال أبو حنيفة: هو في
_________________
(١) "الفتح" ١٤/ ٥٤٠ - ٥٤٣، كتاب "الشهادات" رقم (٢٦٦٤).
[ ٣٢ / ٣٠٠ ]
الغلام ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة، وفي الجارية سبع عشرة.
وهذا كلّه إذا لم تظهر أمارات البلوغ، فإن ظهرت فلا عبرة بالسنّ بالإجماع، وأمارات البلوغ منها ما اتَّفَقَ عليه الفقهاءُ، وهو الإنزال، أو الإحبال في الغلام، والحيض في الجارية، قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل، وعلى المرأة بظهور الحيض منها - كما في "المغني"، ومأخذ ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]، والحُلُم: الاحتلام، وهو لغة: ما يراه النائم، والمراد به هنا: خروج المنيّ في نوم، أو يقظة، بجماع أو غيره، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦] فإن بلوغ النكاح كناية عن أهليّة الجماع، وهي بالإنزال، وقال رسول الله - ﷺ -: "لا يُتْمَ بعد احتلام" رواه أبو داود (^١)، وقال - ﷺ - لمعاذ - ﵁ -: "ومن كل حالم دينارًا" (^٢)، وقال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبيّ حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل" (^٣)، وقال - ﷺ -: "لا يقبل الله صلاة امرأة قد حاضت إلا بخمار"، صححه ابن خزيمة.
وأما الأمارات المختلف فيها، فمنها إنبات العانة، فروى ابن القاسم، وسالم أنه يُستدلّ به على البلوغ، وقاله مالك مرّةً، والشافعيّ في أحد قولين، وبه قال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور.
واستدلّ هؤلاء بما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وغيرهما بإسناد صحيح، عن عطية الْقُرَظيّ، قال: "كنت من سبي بني قريظة، فكانوا ينظرون فمن أنبت الشعر قُتِل، ومن لم يُنبت لم يُقتل، فكنت فيمن لم ينبت".
ولفظ ابن ماجه: "عُرضنا على رسول الله - ﷺ - يوم قريظة، فكان من أنبت قُتل، ومن لم ينبت خُلِّي سبيله، فكنت فيمن لم ينبت، فخُلّي سبيلي".
_________________
(١) حديث صحيح، وأورده الشيخ الألبانيّ - ﵀ - في "السلسلة الصحيحة" ولفظه: "لا يُتم بعد احتلام، ولا يتم على جارية إذا هي حاضت".
(٢) حديث صحيح، أخرجه أصحاب "السنن".
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود.
[ ٣٢ / ٣٠١ ]
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر من ذِكر الأقوال وأدلّتها أن أرجح الأقوال ما ذهب إليه القائلون: إنّ من بلغ خمس عشرة سنة جرت عليه أحكام البالغين، سواء كان رجلًا، أو امرأة، إلا أن يحتلم الرجل، أو يُحْبِل قبل ذلك فيكون ذلك بلوغًا في حقّه، وكذلك المرأة إذا حاضت، أو حَبِلت قبل ذلك، فيكون ذلك بلوغًا في حقّها، وحجة ذلك حديث ابن عمر - ﵄ - المذكور في الباب، وكذلك من نبت شعر عانته يُعتبر بالغًا؛ لحديث عطيّة القرظي المذكور، وكذلك الأحاديث الأخرى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ - يَعْنِي: الثَّقَفِيَّ- جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَاسْتَصْغَرَنِي).
رجال هذا الإسناد: ستةٌ:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ) الأوديّ، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٣ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدّم في "الحيض" ٢٦/ ٨١٧.
٤ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) تقدّم قبل أربعة أبواب.
٥ - (عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ) ابن عبد المجيد بن الصَّلْت، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٩٤) عن نحو (٨٠) سنةً (ع) تقدّم في "الإيمان" ١٧/ ١٧٣.
و"عبيد الله" بن عمر العمريّ ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الله بن إدريس، وعبد الرحيم بن سليمان كلاهما عن عبيد الله العمريّ، ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
[ ٣٢ / ٣٠٢ ]
(٣٦٨١٨) - حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، وابن إدريس، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: عَرَضني رسول الله - ﷺ - يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني، إلا أن ابن إدريس قال: عُرِضْتُ. انتهى (^١).
وأخرج رواية عبد الرحيم مفردةً، فقال:
(٣٣٦٩٨) - حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عرضني رسول الله - ﷺ - في القتال، وأنا ابن أربع عشر سنةً، فاستصغرني، فرَدَّني، ثم عرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة، فأجازني، قال نافع: حَدَّثت ذلك عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة، فقال: إن هذا لَحَدٌّ بين الصغير والكبير، فكتب إلى عُمّاله أن من بلغ خمس عشرة، فافرضوا له في المقاتِلة، ومن كان دون ذلك، فافرضوا له في العيال. انتهى (^٢).
وأما رواية عبد الوهّاب الثقفيّ، فقد ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(١١٠٨٣) - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأ أبو الفضل بن إبراهيم، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، قالا: ثنا عبد الوهاب الثقفيّ، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: عرضني رسول الله - ﷺ - يوم أُحد، وأنا ابن أربع عشرة سنةً، فاستصغرني، وردّني مع الغلمان، فلما كان يوم الخندق عرضني، وأنا ابن خمس عشرة، قال: فأجازني، قال عبيد الله: وكتب عمر بن عبد العزيز: أن أجيزوا في الفرض ابن خمس عشرة، قال عبيد الله: لا أرى نافعًا إلا حدّثه بهذا. انتهى (^٣).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٣٧٨.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ٥٤٢.
(٣) "سنن البيهقي الكبرى" ٦/ ٥٥.
[ ٣٢ / ٣٠٣ ]