قال الجامع عفا الله عنه: "قُرَيشٌ": تصغير قَرْش، وهو اسم للقبيلة المشهورة، قال في "الفتح": هم وَلَدُ النضر بن كنانة، وبذلك جزم أبو عبيدة، أخرجه ابن سعد، عن أبي بكر بن الجهم، ورَوَى عن هشام بن الكلبيّ، عن
_________________
(١) راجع: "المصباح المنير" ١/ ٢٢.
(٢) "شرح الأبيّ" ٥/ ١٥٩.
[ ٣١ / ٦٢٥ ]
أبيه، كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش، دون سائر بني النضر حتى رحلوا إلى النبيّ - ﷺ -، فسألوه مَن قريش؟ قال: مَن وَلَدَ النضر بن كنانة.
وقيل: إن قريشًا هم ولد فهر بن مالك بن النضر، وهذا قول الأكثر، وبه جزم مصعب، قال: ومن لم يلده فهر فليس قرشيًّا.
وقيل: أول من نُسب إلى قريش قُصيّ بن كلاب، فروى ابن سعد أن عبد الملك بن مروان، سأل محمد بن جبير: متى سُمّيت قريش قريشًا؟ قال: حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرّقها، فقال: ما سمعت بهذا، ولكن سمعت أن قُصيًّا كان يقال له: القرشيّ، ولم يسمَّ أحد قريشًا قبله.
وروى ابن سعد من طريق المقداد: لمّا فرغ قصي من نفي خزاعة من الحرم تجمّعت إليه قريش، فسُميت يومئذ قريشًا؛ لحالِ تجمّعها، والتقرّش: التجمّع، وقيل: لتلبّسهم بالتجارة، وقيل: لأن الجد الأعلى جاء في ثوب واحد متجمِّعًا فيه، فسُمّي قريشًا، وقيل: من التقرش، وهو أخذُ الشيء أوّلًا فأولًا.
وقد أكثر ابن دحية من نقل الخلاف في سبب تسمية قريش قريشًا، ومَن أول من تسمى به؟ وحكى الزبير بن بكار عن عمه مصعب أن أول من تسمى قريشًا قريش بن بدر بن مخلد بن النضر بن كنانة، وكان دليل بني كنانة في حروبهم، فكان يقال: قَدِمت عير قريش، فسمّيت قريش به قريشًا، وأبوه صاحب بدر الموضع المعروف.
وقال المطرزيّ: سمّيت قريش بدابة في البحر، هي سيدة الدواب البحرية، وكذلك قريش سادة الناس، قال الشاعر [من الخفيف]:
وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحـ … ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا
تَأكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْـ … رُكُ فِيهِ لِذِي جَنَاحَيْنِ رِيشَا
هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ … يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا
وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ … يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا
وقال صاحب "المحكم": قُريش دابة في البحر، لا تَدَع دابة في البحر إلا أكلَتْها، فجميع الدواب تخافها، وأنشد البيت الأول.
قال الحافظ: والذي سمعته من أفواه أهل البحر: القِرْش - بكسر القاف، وسكون الراء - لكن البيت المذكور شاهد صحيح، فلعله من تغيير العامة، فإن
[ ٣١ / ٦٢٦ ]
البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدلّ على أنه من شِعر الجاهلية، ثم ظهر لي أنه مصغَّر القِرْش الذي - بكسر القاف -.
وقد أخرج البيهقيّ عن ابن عباس، قال: قريش تصغير قرش، وهي دابة في البحر، لا تمرّ بشيء من غَثّ، ولا سمين إلا أكلته، وقيل: سمي قريشًا؛ لأنه كان يقرش عن خلة الناس، وحاجتهم، ويسدّها، والتقريش هو التفتيش، وقيل: سمّوا بذلك لمعرفتهم بالطِّعان، والتقريش: وقع الأسنة، وقيل: التقرش: التنزه عن رذائل الأمور، وقيل: هو مِن أقرشت الشجة: إذا صَدَعَت العَظْم، ولم تَهْشمه، وقيل: أقرش بكذا إذا سعى فيه، فوقع له، وقيل غير ذلك. انتهى (^١).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٣] (١٨١٨) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ - يَعْنِيَانِ الْحِزَامِي - (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَعَمْرٌو النَّاقِدُ، قَالَا: حَدَّثنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَقَالَ عَمْرٌو: رِوَايَةً: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْن، مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكافِرُهُمْ لِكَافِرِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَعْنَبٍ) القعنبيّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل حديثين.
٣ - (الْمُغِيرَةُ) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الحِزامي المدنيّ، نزل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٤ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في الحديث الماضي.
٥ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) هو: عمرو بن محمد بن بُكير البغداديّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٦ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٥٥، كتاب "المناقب" رقم (٣٥٠٠).
[ ٣١ / ٦٢٧ ]
٧ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الرحمن المدنيّ، ثقةٌ فقيه [٥] (ت ١٣٠) أو بعدها (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣٠.
٨ - (الأَعْرَجُ) عبد الرحمن بن هُرْمُز الأمويّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةُ ثبتٌ فقيه [٣] (١١٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٩ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ - المتوفّى سنة (٥٩) وقيل غير ذلك (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين بالنسبة للسند الأول، سوى قتيبة، وأن فيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأن أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵀ - أبو الزناد، عن الأعرج عنه، على ما نُقل عن بعضهم، وفيه أبو هريرة رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﷺ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ)؛ يعني: ابن حرب، شيخه الثالث، (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -)؟ أي: يَصِلُ أبو هُريرة - ﵁ - بهذا الحديث إلى النبيّ - ﷺ -، يعني أن زهيرًا رواه بلفظ: "يبلغ به النبيّ - ﷺ -" بدل قول عبد الله بن مسلمة، وقتيبة: "قال: وقال رسول الله - ﷺ -". (وَقَالَ عَمْرو) الناقد شيخه الرابع: (رِوَايَةً) منصوب بفعل مقدّر؛ أي: رواه روايةً؛ يعني: أن عمرًا الناقد رواه بلفظ: "رواية" بدل اللفظين السابقين.
والحاصل أن شيوخ المصنّف اختلفوا في صِيَغ الرفع، فرواه ابن مسلمة، وقتيبة، فقالا: "قال: وقال رسول الله - ﷺ - "، ورواه زهير بن حرب بلفظ: "يبلغ به النبيّ - ﷺ - "، ورواه عمرو الناقد بلفظ: "روايةً"، والفرق بين هذه الصيغ الثلاثة، أنّ "قال رسول الله - ﷺ -" صريح في الرفع، وأمّا "يبلغ به النبيّ - ﷺ -"، وكذا: "روايةً"، فمِن الصيغ التي تُعْطَى حكم الرفع، وليست صريحةً فيه، وقد أشار إليها السيوطيّ - ﵀ - في "ألفيّة الحديث"، حيث قال عند تعداد الصيغ التي تُعْطَى حكم الرفع:
وَهَكَذَا "يرْفَعُهُ" "ينْمِيهِ" … "رِوَايَةً" "يبْلُغُ بِهِ" "يرْوِيهِ"
[ ٣١ / ٦٢٨ ]
[تنبيه]: سبب قول التابعيّ عند ذكر الصحابيّ: "يبلغ به"، أو "يرويه"، أو "روايةً"، أو نحو ذلك أن يكون نسي الصيغة التي عبّر بها ذلك الصحابيّ، هل هي "قال"، أو "سمعتُ"، أو "حدّثني"، أو نحو ذلك؟ مع تيقّنه من إضافته إلى النبيّ - ﷺ -، فأتى بصيغة تَحْتَمِل ذلك، والله تعالى أعلم.
("النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ) مبتدأ وخبره، و"التبَعُ" بفتحتين: في الأصل مصدر تَبع، يقال: تبعَ زيدٌ عمرًا تَبَعًا، من باب تَعِبَ: إذا مَشَى خلفه، أو مَرّ به، فمضى معه، ويقال: المصلِّي تَبَعٌ لإمام والناس تَبَعٌ بفلان، فيكون واحدًا، وجَمْعًا، ويجوز جَمْعه على أَتْبَاعٍ، مثلُ سبب وأسباب، أفاده الفيّوميّ (^١).
قال في "الفتح": قوله: "الناس تَبَعٌ لقريش" قيل: هو خبر بمعنى الأمر، ويدلّ عليه قوله في رواية أخرى: "قَدِّمُوا قُريشًا، ولا تَقَدَّموها"، أخرجه عبد الرزاق، بإسناد صحيح، لكنه مرسل، وله شواهد، وقيل: هو خبر على ظاهره، والمراد بالناس: بعض الناس، وهم سائر العرب، من غير قريش.
قال القاضي عياض: استَدَلّ الشافعية بهذا الحديث على إمامة الشافعيّ، وتقديمه على غيره، ولا حجة فيه؛ لأن المراد به: هنا الخلفاء.
وقال القرطبيّ: صَحِبَت المستدلَّ بهذا غفلةٌ مقارنة لصميم التقليد.
وتُعُقّب بأن مراد المستدلّ: أن القرشية من أسباب الفضل والتقدم، كما أن من أسباب التقدم الوَرَع مثلًا، فالمستويان في خصال الفضل إذا تميّز أحدهما بالورع مثلًا كان مقدَّمًا على رفيقه، فكذلك القرشية، فثبت الاستدلال بها على تقدّم الشافعيّ، ومزيّته على من ساواه في العلم والدِّين؛ لمشاركته له في الصفتين، وتميّزه عليه بالقرشية، وهذا واضح، ولعلّ الغفلة والعصبية صَحِبت القرطبيّ، فلله الأمر. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن تعقّب الحافظ على القرطبيّ بقوله: "ولعلّ الغفلة … إلخ" مما لا يُلتفت إليه، بل ما قاله هو الحقّ، فالاستدلال بحديث الباب على تقديم الشافعيّ على غيره من الأئمة غير صحيح؛ لأن
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٧٢.
(٢) "الفتح" ٨/ ١٤٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٥).
[ ٣١ / ٦٢٩ ]
المراد بتقديم قريش على غيرها إنما هو في الخلافة، بدليل أنه - ﷺ - قدّم عليها غيرها ممن ليس منها، بل من الموالي، فقد قدّم زيد بن حارثة، وابنه أسامة، فأمّرهما على جيش فيه أكابر قريش، كأبي بكر، وعمر - ﵄ -، وقدّم سالِمًا مولى أبي حذيفة - ﷺ - في الصلاة على سائر المهاجرين والأنصار، وغير ذلك، فعُلم من هذا أن قوله - ﷺ -: "قدّموا قريشًا، ولا تَقَدّموها" محمول على الخلافة فقط، وسيأتي تمام البحث في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
وقوله: (فِي هَذَا الشَّأْنِ)؛ أي: في شأن الخلافة، وقوله: (مُسْلِمُهُمْ لِمُسْلِمِهِمْ) مبتدأ وخبره، وكذا قوله: (وَكَافِرُهُمْ لِكَافِرِهمْ")؛ يعني: أن مُسْلِمَ الناس تَبَعٌ لمسلم قريش، وكافرهم تَبَع لكافرهم، فهم الرؤساء جاهليّةً وإسلامًا، قال في "الفتح": وقع مِصداق ذلك؛ لأن العرب كانت تُعَظِّم قريشًا في الجاهلية بسكناها الحرم، فلقا بُعِث النبيّ - ﷺ -، ودعا إلى الله توقّف غالب العرب عن اتّباعه، وقالوا: ننظر ما يصنع قومه، فلما فَتَحَ النبيُّ - ﷺ - مكة، وأسلمت قريش تبعتهم العرب، ودخلوا في دين الله أفواجًا، واستمرّت خلافة النبوة في قريش، فصَدَق أن كافرهم كان تبعًا لكافرهم، وصار مسلمهم تبعًا لمسلمهم. انتهى (^١).
وقال في "العمدة": قال الخطابيّ: يريد بقوله: "تبع لقريش" تفضيلَهم على سائر العرب، وتقديمهم في الإمارة، وبقوله: "مسلمهم تبع لمسلمهم" الأمرَ بطاعتهم؛ أي: من كان مسلمًا فليَتْبَعهم، ولا يَخْرُج عليهم، وأما معنى: "كافرهم تبع لكافرهم" فهو إخبار عن حالهم في متقدِّم الزمان؛ يعني: أنهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكفر، وكانت العرب تُقدِّم قريشًا، وتعظّمهم، وكانت دارهم مَوسمًا، ولهم السِّدَانة، والسِّقاية، والرِّفادة، يسقون الحجيج، ويُطعمونهم، فحازوا به الشرف، والرياسة عليهم، ويريد بقوله: "خيارهم إذا فَقِهوا" أن من كانت له مَأثرةٌ، وشَرَف في الجاهلية، وأسلم، وفَقِه في الدِّين، فقد أحرز مأثرته القديمة، وشَرَفه الثابت إلى ما استفاده من المزية بحقّ الدين، ومن لم يُسلم فقد هَدَم شرفه، وضَيَّع قديمه، ثم أَخبر أن خِيار الناس هم الذين
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٤٩، كتاب "المناقب" رقم (٣٤٩٥).
[ ٣١ / ٦٣٠ ]
يجدون الإمارة، ويكرهون الولاية حتى يقعوا فيها، وهذا يَحْتَمِل وجهين:
أحدهما: أنهم إذا وقعوا فيها عن رَغْبة وحرص زالت عنهم محاسن الأخيار؛ أي: صفة الخيرية، كقوله: "مَن وُلِّي القضاء، فقد ذبح بغير سكين".
والآخر: أن خيار الناس هم الذين يكرهون الإمارة، حتى يقعوا فيها، فإذا وقعوا فيها، وتقلدوها زال معنى الكراهة، فلم يَجُز لهم أن يكرهوها، ولم يقوموا بالواجب من أمورها؛ أي: إذا وقعوا فيها فعليهم أن يجتهدوا في القيام بحقها، فِعْلَ الراغب فيها، غير كارهٍ لها. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٣ و٤٦٩٤] (١٨١٨)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٣٤٩٥)، و(الترمذي) في "المناقب" (٣٩٠٣)، و(همّام بن منبّه) في "صحيفته" (١٢٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١٩٨٩٥)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٢٣٨٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٦٠ و١٦٨)، و(الحميديّ) في "مسنده" (١٠٤٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٦١ و٢٤٢ - ٢٤٣ و٣١٩ و٣٩٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٦٤)، و(ابن أبي عاصم) في "السنّة" (١٥١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٤٠) و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤١)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة"، (٣٨٤٤ و٣٨٤٥ و٣٨٤٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): أن فيه بيان فضل قريش على سائر الناس، حيث إنهم صاروا تبعًا لهم جاهليّة، وإسلامًا.
٢ - (ومنها): ما قال النوويّ - ﵀ -: هذه الأحاديث، وأشباهها دليل ظاهر
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٦/ ٧٠.
[ ٣١ / ٦٣١ ]
أن الخلافة مختصة بقريش، لا يجوز عَقْدها لأحد من غيرهم، وعلى هذا انعقد الإجماع في زمن الصحابة - ﵃ -، فكذلك بعدَهم، ومن خالف فيه من أهل الْبِدَع، أو عَرَّض بخلافٍ من غيرهم، فهو محجوج بإجماع الصحابة والتابعين، فمن بعدَهم بالأحاديث الصحيحة، قال القاضي عياض - ﵀ -: اشتراط كونه قرشيًّا هو مذهب العلماء كافّة العلماء، قال: وقد احتَجّ به أبو بكر وعمر - ﵄ - على الأنصار يوم السقيفة، فلم يُنكره أحد، قال القاضي: وقد عَدّها العلماء في مسائل الإجماع، ولم يُنقَل عن أحد من السلف فيها قول، ولا فِعل يخالف ما ذكرنا، وكذلك مَن بعدهم في جميع الأعصار، قال: ولا اعتداد بقول النظّام، ومن وافقه من الخوارج، وأهل البِدَع أنه يجوز كونه من غير قريش، ولا بسخافة ضِرَار بن عمرو في قوله: إن غير القرشيّ من النَّبَط وغيرهم يُقَدَّم على القرشيّ؛ لِهَوانِ خَلْعه إن عَرَض منه أمر، وهذا الذي قاله من باطل القول، وزُخْرفه، مع ما هو عليه من مخالفة إجماع المسلمين، والله أعلم. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أنه استَدَلّ أصحاب الشافعيّ بهذا الحديث على فضيلة الشافعيّ، وتعقّبه القاضي عياض، فقال: ولا دلالة فيه لهم؛ لأن المراد: تقديم قريش في الخلافة فقط، فتعقّبه النوويّ، فقال: هو حجة في مزيّة قريش على غيرهم، والشافعيّ قرشيّ. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": واستَدَلّ بقوله - ﷺ -: "قَدِّموا قريشًا، ولا تَقَدَّموها"، وبغيره من أحاديث الباب على رُجحان مذهب الشافعيّ؛ لورود الأمر بتقديم القرشيّ على من ليس قرشيًّا، قال عياض: ولا حجة فيها؛ لأن المراد بالأئمة في قوله - ﷺ -: "الأئمة من قريش" (^٣): الخلفاء، وكذلك أمْرُه بالتقديم في قوله - ﷺ -: "قدّموا قريشًا، ولا تقدّموها" (^٤) في الخلافة أيضًا، وإلا فقد قَدَّم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠١.
(٣) حديث صحيح، قال الحافظ - ﵀ - في "الفتح" ٧/ ٣٢: حديث: "الأئمة من قريش" قد جَمَعْت طرقه عن نحو أربعين صحابيًّا، لَمّا بلغني أن بعض فضلاء العصر ذكر أنه لم يُرْوَ إلا عن أبي بكر الصديق - ﵀ -. انتهى.
(٤) حديث صحيح، وأما زيادة: "وتعلّموا من قريش، ولا تُعلّموها" فغير ثابت، =
[ ٣١ / ٦٣٢ ]
النبيّ - ﷺ - سالِمًا مولى أبي حذيفة، يؤمّ في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر، وعمر - ﵃ -، وقَدَّم زيد بن حارثة، وابنه أسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل، وعمرو بن العاص في التأمير، في كثير من البعوث والسرايا، ومعهم جماعة من قريش.
وتعقبه النوويّ وغيره بأن في الأحاديث ما يدلّ على أن للقرشيّ مزيةً على غيره، فيصحّ الاستدلال به لترجيح الشافعيّ على غيره، وليس مراد المستدلّ به أن الفضل لا يكون إلا للقرشيّ، بل المراد أن كونه قرشيًّا من أسباب الفضل والتقدم، كما أن من أسباب الفضل والتقدم: الورعَ، والفقهَ، والقراءةَ، والسنّ، وغيرها، فالمستوِيان في جميع الخصال إذا اختصّ أحدهما بخصلة منها دون صاحبه ترجّح عليه، فيصحّ الاستدلال على تقديم الشافعيّ على من ساواه في العلم والدِّين من غير قريش؛ لأن الشافعي قرشيّ.
قال الحافظ: وعَجَبٌ قول القرطبيّ في "المفهم" بعد أن ذَكر ما ذَكره عياض أن المستدلّ بهذه الأحاديث على ترجيح الشافعيّ صَحِبَته غَفْلةٌ قارنها من صميم التقليد طيشه، كذا قال، ولعل الذي أصابته الغفلة مَن لم يفهم مراد المستدِلّ، والعلم عند الله تعالى. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما قاله القاضي عياض، وتبعه القرطبيّ هو الحقّ؛ للأدلّة التي أوردها، فإن قوله - ﷺ -: "قَدِّموا قريشًا، ولا تَقَدّموها" لو كان على عمومه لَمَا قدّم - ﷺ - سالِمَا مولى أبي حُذيفة في الصلاة على غيره من الصحابة القرشيين، وكذا تأميره زيد بن حارثة، وابنه أسامة،
_________________
(١) = فإنه من بلاغات الزهري، ومرسلاته، ومرسلاته من أضعف المراسيل، قال القاضي عياض - ﵀ -: وأما الحديث الآخر في التعليم، فليس بصحيح لفظًا، ولا معنًى؛ لإجماع العلماء على التعلّم من غير قريش، ومن الموالي، وتعليم قريش منهم، وتعلّم الشافعيّ من مالك، وابن عيينة، ومحمد بن الحسن، وابن أبي يحيى، ومسلم بن خالد الزنجيّ، وغيرهم، ممن ليس بقرشيّ. انتهى. "إكمال المعلم" ٦/ ٢١٥. وأما تصحيح الشيخ الألبانيّ - ﵀ - للحديث مع هذه الزيادة، ففيه نظر لا يخفى؛ لِمَا عرفت من العلّة، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
[ ٣١ / ٦٣٣ ]
وغير ذلك مما قدّم فيه النبيّ - ﷺ - غير قريش، مع وجود أفاضل قريش، فتخصيص أحاديث الباب بالخلافة واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٤] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثنَا أبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْن، مُسْلِمُهُمْ تبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ، وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ) القشيريّ مولاهم، أبو عبد الله النيسابوريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ [١١] (ت ٢٤٥) (خ م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٢ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ حافظ، مصنّف شهير، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٣ - (مَعْمَرُ) بن راشد الأزديّ مولاهم، أبو عروة البصريّ، نزيل اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٤ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
و"أبو هريرة - ﵁ -" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، وكذا تقدّم شرح قوله: "هذا ما حدّثنا أبو هريرة … إلخ " غير مرّة، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٥] (١٨١٩) - (وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِثيُّ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْر، أنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "النَّاسُ تبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْر، وَالشَّرِّ").
[ ٣١ / ٦٣٤ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ حَبِيب الْحَارِثيُّ) البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٨) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٥.
٢ - (رَوْحُ) بن عُبادة القيسيّ البصريّ، تقدّم قبل بابين.
٣ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكيّ، ثقة فقيه فاضل، لكنه يُدلّس، ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٤ - (أَبُو الزّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، تقدّم قبل بابين.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدّم أيضًا قبل بابين.
وقوله: (فِي الْخَيْر، وَالشَّرِّ") قال النوويّ - ﵀ -: معناه: في الإسلام والجاهلية، كما هو مصرَّح به في الرواية الأولى؛ لأنهم كانوا في الجاهلية رؤساء العرب، وأصحاب حَرَم الله، وأهل حجّ بيت الله، وكانت العرب تنتظر إسلامهم، فلما أسلموا، وفُتحت مكة تَبِعهم الناس، وجاءت وفود العرب من كل جهة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وكذلك في الإسلام هم أصحاب الخلافة، والناس تَبَع لهم، وبَيَّن أن هذا الحكم مستمر إلى آخر الدنيا ما بقي من الناس اثنان. انتهى (^١).
وقال المناويّ - ﵀ -: هذا خبر بمعنى الأمر، كما يدلّ عليه خبر: "قَدِّموا قريشًا"، وقيل: خبر على ظاهره، والمراد بالناس: بعضهم، وهم سائر العرب من غير قريش.
وقوله: "في الخير والشر"؛ أي: في الإسلام والجاهلية، كما في الرواية الأخرى؛ لأنهم كانوا في الجاهلية متبوعين في كفرهم؛ لكون أمر الكعبة في يدهم، فكذا هم متبوعون في الإسلام، أو أن السابق بالإسلام كان من قريش، فكذا في الكفر؛ لأنهم أول من ردّ دعوته - ﷺ -، وكفر به، وأعرض عن الآيات والنُّذُر، فكانوا قدوة في الحالين.
وقال القاضي: معناه أن مسلمي قريش قدوة غيرهم من المسلمين؛ لأنهم
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٠.
[ ٣١ / ٦٣٥ ]
المتقدِّمون في التصديق، والسابقون في الإيمان، وكافرهم قدوة غيرهم من الكفار، فإنهم أول من ردّ الدعوة، وكَفَر بالرسول - ﷺ -. انتهى (^١).
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٥] (١٨١٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٦٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٣١ و٣٧٩ و٣٨٣)، (وابن أبي عاصم) في "السُّنّة" (١٥١٠)، و(ابن حبان) في "صحيحه" (٦٢٦٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٦٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٣/ ٤١٠ و٤/ ١٨٥ و١١/ ١٤٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤١)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٣٨٤٧).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٦] (١٨٢٠) - (وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثنانِ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يُونُسَ) التميميّ الْيَربوعيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ، من كبار [١٠] (ت ٢٢٧) وهو ابن (٩٤) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٣.
٢ - (عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ) العُمريّ المدنيّ، ثقةٌ [٧] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
٣ - (أَبُوهُ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطّاب المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٢.
_________________
(١) "فيض القدير" ٦/ ٢٩٤.
[ ٣١ / ٦٣٦ ]
٤ - (عَبْدُ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب العَدَويّ، أبو عبد الرحمن - ﵄ -، مات سنة (٧٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٢٨) من رباعيّات الكتاب، وفيه رواية الراوي عن أبيه، عن جدّه، وفيه ابن عمر - ﵁ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وهو المشهور بشدّة اتّباعه للأثر - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَن مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ) أنه (قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ)؛ أي: أمر الخلافة، (فِي قُرَيْشٍ)؛ يعني: أنه لا يزال الذي يليها قرشيًّا، (مَا بَقِيَ مِنَ النَّاسِ اثْنَانِ") "ما" مصدريّة ظرفيّة؛ أي: مدّة بقاء اثنين من الناس، وفي رواية البخاريّ: "ما بقي منهم اثنان".
قال أبو محمد بن حزم - ﵀ -: قوله - ﷺ -: "لا يزال هذا الأمر … إلخ": هذه اللفظة لفظة الخبر، فإن كان معناه الأمر، فحرام أن يكون الأمر في غيرهم أبدًا، وإن كان معناه معنى الخبر كلفظه، فلا شكّ في أن من لم يكن من قريش فلا أمر له، وإن ادّعاه، فعلى كل حال فهذا خبر يوجب منع الأمر عمن سواهم. انتهى (^١).
وقال الكرمانيّ - ﵀ -: ليست الحكومة في زمننا لقريش، فكيف يطابق الحديث؟.
وأجاب عن ذلك بأن في بلاد الغرب خليفةً من قريش، وكذا في مصر، وتُعُقّب بأن الذي في الغرب هو الحفصيّ صاحب تونس وغيرها، وهو منسوب إلى أبي حفص رقيق عبد المؤمن صاحب ابن تومرت الذي كان على رأس المائة السادسة، ادَّعَى أنه المهديّ، ثم غلب أتباعه على معظم الغرب، وسُمُّوا بالخلافة، وَهُمْ عبد المؤمن وذريته، ثم انتقل ذلك إلى ذرية أبي حفص، ولم يكن عبد المؤمن من قريش، وقد تسمّى بالخلافة هو وأهل بيته، وأما أبو
_________________
(١) "المحلَّى" ١/ ٤٥.
[ ٣١ / ٦٣٧ ]
حفص فلم يكن يَدَّعِي أنه من قريش في زمانه، وإنما ادّعاه بعض ولده لمّا غَلَبوا على الأمر، فزعموا أنهم من ذرية أبي حفص عمر بن الخطاب، وليس بيدهم الآن إلا المغرب الأدنى، وأما الأقصى فمع بني الأحمر، وهم منسوبون إلى الأنصار، وأما الأوسط فمع بني مَرِين، وَهُم من البربر.
وأما قوله: فخليفة من مصر، فصحيحٌ، ولكنه لا حَلَّ بيده ولا رَبْط، وإنما له من الخلافة الاسم فقط، وحينئذٍ هو خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد.
ويَحْتَمِل حمله على ظاهره، وإن المتغلبين على النظر في أمر الرعية في معظم الأقطار، وإن كانوا من غير قريش، لكنهم معترفون أن الخلافة في قريش، ويكون المراد بالأمر: مجرد التسمية بالخلافة، لا الاستقلال بالحكم، والأول أظهر، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا يزال هذا الأمر … إلخ" هذا خبرٌ عن المشروعية؛ أي: لا تنعقدُ الولايةُ الكبرى إلَّا لهم مهما وُجد منهم أحدٌ، وفي حديث آخر: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" (^٢)، وقد استدَلَّ بهذا اللَّفظ، وما في معناه من قوله - ﷺ -: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلا تَتَقَدَّمُوها" كُبراء أصحاب الشافعيّ - ﵀ - على ترجيح مذهب الشافعيّ على غيره؛ من حيث إنه قرشيٌّ، ولا حُجَّة فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ الاحتجاج به إلَّا حتى تُحْمَل الإمامةُ فيه على العموم في كل شيء يُحتاج إلى الاقتداء فيه، من الإِماَمةِ الكُبْرى، وإمامة الفَتْوى، والقضاء، والصَّلاة، وغير ذلك من الولايات، ولا يصح ذلك؛ للإجماع على خِلافِه؛ إذ قد أجمعت الأمة على أن جميع الولايات تصحُّ لغير قريش، ما خلا الإمامة الكبرى، فهي المقصودة بالحديث قَطْعًا، وقد قدَّم النبيّ - ﷺ - غير قريش على قريش، فإنه قدَّم زيد بن حارثة، وولده أسامة، ومعاذ بن جبل، وقدَّم سالِمًا مولى أبي حُذيفة على الصلاة بقُباء، فكان يَؤُمُّهُم وفيهم أبو بكر، وعمر، وغيرهم، من كبراء قريش، ثم إن الشافعيّ - ﵀ - أول من ترك عموم تلك الأخبار، فإنَّه قد اقتدى
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٢) حديث صحيح، رواه أحمد في "مسنده" ٣/ ١٨٣ و٤٢١.
[ ٣١ / ٦٣٨ ]
بمالك، واسْتَفْتَاهُ، ومالك ليس بقرشيٍّ، وإنما هو أَصْبَحيٌّ صَرِيْحًا، وأيضًا: فإنَّه لم يُرْوَ عنه أنه مَنَع من تقليد مَنْ ليس بقرشي، فدلَّ هذا كُلُّه على أن الْمُسْتَدلَّ بذلك الحديث على تقديم مذهب الشافعيّ صَحِبَتْهُ غَفْلَةٌ، قارَنَها من تَصْمِيم التَّقْليد طَيْشَةٌ، وربما رووا ألفاظًا رفعوها؛ كقوله: "تَعَلَّمُوا من قريش، ولا تُعَلِّمُوها"، وذلك لا يصحُّ نَقْلًا، ولا معنىً؛ بما تقدَّم، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ -، وهو بحث حسن، وقد تقدّم البحث فيه قريبًا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمر - ﷺ - هذا متّفق عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٦] (١٨٢٠)، و(البخاريّ) في "المناقب" (٢١٩٥) و"الأحكام" (٧١٤٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ١٧١)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٩٥٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٩ و٩٣ و١٢٨)، و(أبو القاسم البغويّ) في "الجعديّات" (٢١٩٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥٥٨٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٦٦ و٦٦٥٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٥ و٣٦٨ و٣٦٩)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣١١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤١) و"شعب الإيمان" (٦/ ٧)، و(أبو محمد البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٣٨٤٨)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح": قوله: "ما بَقِيَ منهم اثنان": قال ابن هُبيرة: يَحْتَمِل أن يكون على ظاهره، وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان: أمير، ومؤمَّر عليه، والناس لهم تبَعٌ.
قال الحافظ: في رواية مسلم عن شيخ البخاريّ في هذا الحديث: "ما بقي من الناس اثنان"، وفي رواية الإسماعيليّ: "ما بقي في الناس اثنان، وأشار بإصبعيه: السبابة، والوسطى"، وليس المراد حقيقةَ العدد، وإنما المراد به: انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش.
ويَحْتَمِل أن يُحمل المطلَق على المقيَّد في الحديث الأول، ويكون
[ ٣١ / ٦٣٩ ]
التقدير: لا يزال هذا الأمر؛ أي: لا يُسَمَّى بالخليفة إلا من يكون من قريش، إلا أن يسمى به أحد من غيرهم غلبةً وقهرًا، وإما أن يكون المراد بلفظه: الأمرَ، وإن كان لفظه لفظَ الخبر.
ويَحْتَمِل أن يكون بقاء الأمر في قريش في بعض الأقطار دون بعض، فإن بالبلاد اليمنية، وهي النجود منها طائفة من ذرية الحسن بن عليّ لم تزل مَمْلَكة تلك البلاد معهم من أواخر المائة الثالثة، وأما مَن بالحجاز مِن ذرية الحسن بن عليّ، وهم أمراء مكة، وأمراء ينبع، ومن ذرية الحسين بن عليّ، وهم أمراء المدينة، فإنهم وإن كانوا من صميم قريش، لكنهم تحت حكم غيرهم من ملوك الديار المصرية، فبقي الأمر في قريش بقُطر من الأقطار في الجملة، وكبير أولئك؛ أي: أهل اليمن يقال له: الإمام، ولا يتولى الإمامة فيهم إلا من يكون عالِمًا متحريًا للعدل.
وقال الكرمانيّ: لم يخلُ الزمان عن وجود خليفة من قريش؛ إذ في المغرب خليفة منهم على ما قيل، وكذا في مصر.
قال الحافظ: الذي في مصر لا شكّ في كونه قرشيًّا؛ لأنه من ذرية العباس، والذي في صَعدة وغيرها من اليمن لا شكّ في كونه قرشيًّا؛ لأنه من ذرية الحسين بن عليّ، وأما الذي في المغرب فهو حفصيّ، من ذرية أبي حفص صاحب بن تومرت، وقد انتسبوا إلى عمر بن الخطاب، وهو قرشيّ.
قال: ولحديث ابن عمر شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه البزار، بلفظ: "لا يزال هذا الدين واصبًا، ما بقي من قريش عشرون رجلًا".
وقال النوويّ: حُكم حديث ابن عمر مستمرّ إلى يوم القيامة، ما بقي من الناس اثنان، وقد ظهر ما قاله - ﷺ -، فمن زمنه إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش، من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على المُلك بطريق الشركة لا يُنكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدّعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم. انتهى.
وقد أُورد عليه أن الخوارج في زمن بني أمية تسمَّوا بالخلافة واحدًا بعد واحد، ولم يكونوا من قريش، وكذلك ادَّعَى الخلافة بنو عبيد، وخُطب لهم بمصر، والشام، والحجاز، ولبعضهم بالعراق أيضًا، وأزيل الخلافة ببغداد قَدْر
[ ٣١ / ٦٤٠ ]
سنة، وكانت مدة بني عبيد بمصر سوى ما تقدم لهم بالمغرب تزيد على مائتي سنة، وادَّعَى الخلافة عبد المؤمن صاحب ابن تومرت، وليس بقرشيّ، وكذلك كل من جاء بعده بالمغرب إلى اليوم.
والجواب عنه: أما عن بني عبيد، فإنهم كانوا يقولون: إنهم من ذرية الحسين بن عليّ، ولم يبايعوه إلا على هذا الوصف، والذين أثبتوا نسبتهم ليسوا بدون من نفاه، وأما سائر من ذُكِر، ومن لم يُذكَر فهم من المتغلِّبين، وحكمهم حكم البغاة، فلا عبرة بهم.
وقال القرطبيّ: هذا الحديث خبر عن المشروعية؛ أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشيّ مهما وُجد منهم أحد، وكانه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر.
وقد ورد الأمر بذلك في حديث جبير بن مطعم، رفعه: "قَدِّموا قريشًا، ولا تَقَدّموها"، أخرجه البيهقيّ، وعند الطبرانيّ من حديث عبد الله بن حنطب، ومن حديث عبد الله بن السائب مثله، وفي نسخة أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي هريرة، وعن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة مرسلًا أنه بلغه مثله، وأخرجه الشافعيّ من وجه آخر، عن ابن شهاب، أنه بلغه مثله.
وفي الباب حديث أبي هريرة - ﵁ - رفعه: "الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن"، أخرجاه في "الصحيحين"، من رواية المغيرة بن عبد الرحمن، ومسلم أيضًا من رواية سفيان بن عيينة، كلاهما عن الأعرج، عن أبي هريرة، وأخرجه مسلم أيضًا من رواية همام، عن أبي هريرة، ولأحمد من رواية أبي سلمة، عن أبي هريرة مثله، لكن قال: "في هذا الأمر"، وشاهده عند مسلم، عن جابر، كالأول، وعند الطبراني من حديث سهل بن سعد، وعند أحمد، وابن أبي شيبة من حديث معاوية، وعند البزار من حديث عليّ، وأخرج أحمد من طريق عبد الله بن أبي الْهُزيل، قال: لَمّا قَدِم معاوية الكوفة قال رجل من بكر بن وائل: لئن لم تنته قريش لنجعلنّ هذا الأمر في جمهور من جماهير العرب غيرهم، فقال عمرو بن العاص: كذبت، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "قريش قادة الناس".
قال ابن المنير: وجه الدلالة من الحديث ليس من جهة تخصيص قريش بالذِّكر، فإنه يكون مفهوم لَقَب، ولا حجة فيه عند المحققين، وإنما الحجة
[ ٣١ / ٦٤١ ]
وقوع المبتدأ مُعَرَّفًا باللام الجنسية؛ لأنَّ المبتدأ بالحقيقة ها هنا هو الأمر الواقع صفة لِـ "هذا"، وهذا لا يوصف إلَّا بالجنس، فمقتضاه حصر جنس الأمر في قريش، فيصير كأنه قال: لا أمْر إلَّا في قريش، وهو كقوله: "الشفعة فيما لَمْ يُقْسَم"، والحديث وإن كان بلفظ الخبر، فهو بمعنى الأمر، كأنه قال: ائتموا بقريش خاصّة وبقية طرق الحديث تؤيد ذلك، ويؤخذ منه أن الصحابة - ﵃ - اتفقوا على إفادة المفهوم للحصر، خلافًا لمن أنكر ذلك، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم، أن شرط الإمام أن يكون قرشيًّا، وقيّد ذلك طوائف ببعض قريش، فقالت طائفة: لا يجوز إلَّا من وَلَد عليّ، وهذا قول الشيعة، ثم اختلفوا اختلافًا شديدًا في تعيين بعض ذرية عليّ، وقالت طائفة: يختص بولد العباس، وهو قول أبي مسلم الخرسانيّ، وأتباعه، ونقل ابن حزم أن طائفة قالت: لا يجوز إلَّا في وَلَد جعفر بن أبي طالب، وقالت أخرى: في ولد عبد المطلب، وعن بعضهم: لا يجوز إلَّا في بني أمية، وعن بعضهم: لا يجوز إلَّا في ولد عمر، قال ابن حزم: ولا حجة لأحد من هؤلاء الْفِرَق، وقالت الخوارج، وطائفة من المعتزلة - ﵀ -: يجوز أن يكون الإمام غير قرشيّ، وإنما يستحق الإمامة من قام بالكتاب والسُّنَّة، سواء كان عربيًّا أم عجميًّا، وبالغ ضرار بن عمرو، فقال: تولية غير القرشيّ أَوْلى؛ لأنه يكون أقلّ عشيرةً، فإذا عَصَى كان أمكن لخلعه، وقال أبو بكر بن الطيب: لَمْ يعرِّج المسلمون على هذا القول بعد ثبوت حديث: "الأئمة من قريش"، وعمل المسلمون به قرنًا بعد قرن، وانعقد الإجماع على اعتبار ذلك قبل أن يقع الاختلاف.
قال الحافظ: قد عَمِل بقول ضرار من قَبْل أن يوجد من قام بالخلافة من الخوارج علي بني أمية، كقَطَريّ - بفتح القاف، والطاء المهملة - ودامت فتنتهم حتى أبادهم المهلَّب بن أبي صُفْرة أكثر من عشرين سنة، وكذا تسمى بأمير المؤمنين من غير الخوارج ممن قام على الحجاج، كابن الأشعث، ثم تسمى بالخلافة من قام في قُطْر من الأقطار في وقتٍ مَا، فتسمى بالخلافة، وليس من قريش، كبني عباد، وغيرهم بالأندلس، كعبد المؤمن، وذريته ببلاد المغرب كلها، وهؤلاء ضاهوا الخوارج في هذا، ولم يقولوا بأقوالهم، ولا تمذهبوا بآرائهم، بل كانوا من أهل السُّنَّة، داعين إليها.
[ ٣١ / ٦٤٢ ]
وقال عياض: اشتراط كون الإمام قرشيًّا مذهب العلماء كافّة، وقد عدّوها في مسائل الإجماع، ولم يْنقل عن أحد من السلف فيها خلاف، وكذلك مَنْ بعدهم في جميع الأمصار، قال: ولا اعتداد بقول الخوارج، ومَن وافقهم مِن المعتزلة؛ لِمَا فيه من مخالفة المسلمين.
قال الحافظ: وَيحتاج من نقل الإجماع إلى تأويل ما جاء عن عمر - ﵁ - من ذلك، فقد أخرج أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات، أنه قال: إن أدركني أجلي، وأبو عبيدة حيّ استخلفته، فذكر الحديث، وفيه: "فإن أدركني أجلي، وقد مات أبو عبيدة، استخلفت معاذ بن جبل"، الحديث، ومعاذ بن جبل أنصاريّ، لا نَسَب له في قريش، فَيَحْتَمِل أن يقال: لعل الإجماع انعقد بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا، أو تغير اجتهاد عمر في ذلك، والله أعلم.
وأما ما احتج به من لَمْ يعيِّن الخلافة في قريش، من تأمير عبد الله بن رواحة، وزيد بن حارثة، وأسامة، وغيرهم في الحروب، فليس من الإمامة العظمى في شيء، بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشيّ في حياته، والله أعلم.
واستُدِلَّ بحديث ابن عمر - ﵄ - على عدم وقوع ما فرضه الفقهاء من الشافعية وغيرهم، أنه إذا لَمْ يوجد قرشيّ يُستخلف كنانيّ، فإن لَمْ يوجد، فمِن بني إسماعيل، فإن لَمْ يوجد منهم أحد مستجمِع الشرائط، فعجميّ، وفي وجه: جُرْهُمي وإلا فمِن ولد إسحاق، قالوا: وإنما فرض الفقهاء ذلك على عادتهم في ذِكر ما يُمكن أن يقع عقلًا، وإن كان لا يقع عادة، أو شرعًا.
قال الحافظ: والذي حَمَل قائلُ هذا القول عليه أنه فَهِمَ منه الخبر المحض، وخبر الصادق لا يتخلف، وأما مَن حمَله على الأمر، فلا يحتاج إلى هذا التأويل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن الأرجح حَمْله على الأمر؛ لوضوح أدلّته، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦١٧ - ٦٢١، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٤٠).
[ ٣١ / ٦٤٣ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٧] (١٨٢١) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ (ح) وَحَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْني: ابْنَ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانَ - عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إنَّ هَذَا الأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ أئنَا عَشَرَ خَلِيفَةً"، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرط الضبّيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٨] (١٨٨) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (حُصَيْنُ) بن عبد الرَّحمن السلميّ، أبو الْهُذيل الكوفيّ، ثقةٌ تغيّر حفظه في الآخر [٥] (ت ١٣٦) وله (٩٣) سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٣/ ٢٨٥.
٤ - (رِفَاعَةُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْوَاسِطِيُّ) أبو سعيد، مقبول [١٠] من أفراد المصنّف تقدم في "الجمعة" ١٣/ ١٩٩٩.
٥ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الطَّحَّانُ) الْمُزنيّ مولاهم، أبو الْهَيثم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ٤٠٧٨.
٦ - (جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ) بن جُنَادة السُّوَائيّ الصحابيّ ابن الحصابيّ - ﵄ -، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة (٧٠) (ع) تقدم في "الحيض" ٢٤/ ٨٠٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد.
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٢٩) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي) سمرة بن جندب - ﵁ - (عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (إنَّ هَذَا الأَمْرَ)؛ أي: إن عزّة الإسلام، والدِّين، وصلاح حال المسلمين، كما تدلّ عليه الروايات التالية، من قوله - ﷺ -: "لا يزال أمر الناس ماضيًا"، وقوله: "لا يزال الإسلام عزيزًا"، وقوله: "لا
[ ٣١ / ٦٤٤ ]
يزال هذا الدين عزيزًا منيعًا". (لَا يَنْقَضِي)؛ أي: لا ينقطع، ويزول (حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمُ)؛ أي: في الناس، (اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً) وفي رواية البخاريّ: "يكون اثنا عشر أميرًا". (قَالَ) جابر - ﵁ - (ثُمَّ تَكَلَّمَ)؛ أي: النبيّ - ﷺ - (بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ) وفي رواية سفيان التالية: "ثم تكلم النبيّ - ﷺ - بكلمة خَفِيَت عليّ"، ووقع عند أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سمرة - ﵄ - سبب خفاء الكلمة المذكورة على جابر، ولفظه: "لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفة، قال: فَكَبَّر الناس، وضَجُّوا، فقال كلمة خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبت ما قال؟ " فذكره، وفي الرواية الآتية عند مسلم: "صَمَّنيها الناس"؛ أي: أصمّوني منها، فلم أسمعها لكثرة كلامهم، ولَغَطَهم. (قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي) سمرة، وفي الرواية الآتية: "فسألت أبي"، (مَا قَالَ؟) "ما" استفهاميّة؛ أي: أي شيء قَالَ؟، وفي رواية البخاريّ: "فقال أبي"، (قَالَ) - ﷺ -: ("كلُّهُمْ)؛ أي: كلّ الخليفة الاثني عشر (مِنْ قُرَيْشٍ") ووقع عند الطبرانيّ في آخر الحديث: "فالتفتّ، فإذا أنا بعمر بن الخطاب، وأبي، في أناس، فأثبتوا إليّ الحديث"، ووقع في حديث أبي جُحيفة عند البزار، والطبرانيّ نحو حديث جابر بن سمرة، بلفظ: "لا يزال أمر أمتي صالحًا"، وأخرجه أبو داود، من طريق الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة نحوه، وزاد: "فلمّا رجع إلى منزله أتته قريش، فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج"، وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخَر، فقال فيها: "ثم رجع إلى منزله، فأتيته، فقلت: ثم يكون ماذا؛ قال: الهرج".
قال القرطبيّ - ﵀ - عند شرح قولِهِ: "لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش": يعني به: أنه لا تزال عزَّةُ دين الإسلام قائمةً إلى اثني عشر خليفة من قريش، وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز، ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتُهم في إظهار الحق والعدل، حتى يَكْمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي.
وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالدِّين: المُلك والولاية، وهو شرح
[ ٣١ / ٦٤٥ ]
الحال في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح، وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ … فِي دينِ عمرٍو وحَالتْ بيننا فَدَكُ
وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ الآية [يوسف: ٧٦]، ثم عدّد هذا القائل ملوكهم، فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بن معاوية، ثم ابنه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان لأنه غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر، ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.
وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها، ومعهم صاحبُ مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: "سيكون خلفاء فتَكْثُر"، متّفقٌ عليه، قال القرطبيّ - ﵀ -: وكلٌّ محتمَل، والأول أَولاها؛ لبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٦٩٧ و٤٦٩٨ و٤٦٩٩ و٤٧٠٠ و٤٧٠١ و٤٧٠٢] (١٨٢١)، و(البخاريّ) في "الإحكام" (٧٢٢٢ و٧٢٢٣)، و(أبو داود) في "كتاب المهديّ" (٤٢٨١)، و(الترمذي) في "الفِتَن" (٢٢٢٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١٢٧٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٩٠ و١٠٠ و١٠٦)، و(ابن
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٨ - ٩.
[ ٣١ / ٦٤٦ ]
حبّان) في "صحيحه" (٦٦٦١ و٦٦٦٢ و٦٦٦٣)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٢٠٥٩)، و(أبو القاسم البغويّ) في "الجعديّات" (٢٧٥٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٧١٥ - ٧١٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٦٩ و٣٧٠ و٣٧١ و٣٧٢ و٣٧٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٤٥٦)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٣٩٠) و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٥٢٠)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٤٢٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قال في "الفتح" عند شرح قوله - ﷺ -: "يكون اثنا عشر أميرًا، كلّهم من قريش " ما نصّه: قال ابن بطال (^١) عن المهلَّب: لَمْ ألق أحدًا يقطع في هذا الحديث؛ يعني: بشيء معيَّن، فقوم قالوا: يكونون بتوالي إمارتهم، وقوم قالوا: يكونون في زمن واحد، كلهم يدَّعي الإمارة، قال: والذي يغلب على الظنّ أنه - ﷺ - أخبر بأعاجيبَ تكون بعده من الفتن، حتى يفترق الناس في وقت واحد على اثني عشر أميرًا، قال: ولو أراد غير هذا لقال: يكون اثنا عشر أميرًا، يفعلون كذا، فلما أعراهم من الخبر، عرفنا أنه أراد أنهم يكونون في زمن واحد. انتهى.
قال الحافظ: وهو كلامُ مَن لَمْ يقف على شيء من طُرُق الحديث غير الرواية التي وقعت في البخاريّ هكذا مختصرةً، وقد عرفت من الروايات التي ذكرتُها من عند مسلم وغيره، أنه ذَكر الصفة التي تختص بولايتهم، وهو كون الإسلام عزيزًا منيعًا، وفي الرواية الأخرى صفة أخرى، وهو أن كلهم يجتمع عليه الناس، كما وقع عند أبي داود، فإنه أخرج هذا الحديث من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن أبيه، عن جابر بن سمرة، بلفظ: "لا يزال هذا الدين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفةً، كلهم تجتمع عليه الأمّة"، وأخرجه الطبرانيّ من وجه آخر، عن الأسود بن سعيد، عن جابر بن سمرة، بلفظ: "لا تضرّهم عداوة من عاداهم".
وقد لَخَّص القاضي عياض ذلك، فقال: توجه على هذا العدد سؤالان:
أحدهما: أنه يعارضه ظاهر قوله في حديث سَفينة - يعني: الذي أخرجه
_________________
(١) "شرح البخاريّ" لابن بطّال ٨/ ٢٨٧.
[ ٣١ / ٦٤٧ ]
أصحاب السنن، وصححه ابن حبان، وغيره -: "الخلافة بعدي ثلاثون سنةً، ثم تكون مُلكًا"؛ لأنَّ الثلاثين سنة لَمْ يكن فيها إلَّا الخلفاء الأربعة، وأيام الحسن بن عليّ.
والثاني: أنه وَليَ الخلافة أكثر من هذا العدد.
قال: والجواب عن الأول أنه أراد في حديث سفينة خلافة النبوة، ولم يقيّده في حديث جابر بن سمرة بذلك، وعن الثاني: أنه لَمْ يقل: لا يلي إلَّا اثنا عشر، وإنما قال: "يكون اثنا عشر"، وقد وَليَ هذا العدد، ولا يمنع ذلك الزيادة عليهم، قال: وهذا إن جُعل اللفظ واقعًا على كلّ من وَليَ، وإلا فيَحْتَمِل أن يكون المراد مَن يستحق الخلافة، من أئمة العدل، وقد مضى منهم الخلفاء الأربعة، ولا بُدّ من تمام العدة قبل قيام الساعة، وقد قيل: إنهم يكونون في زمن واحد، يفترق الناس عليهم، وقد وقع في المائة الخامسة في الأندلس وحدها ستة أنفس، كلهم يتسمى بالخلافة، ومعهم صاحب مصر، والعباسية ببغداد إلى من كان يَدَّعِي الخلافة في أقطار الأرض من بلاد البرابر، وخراسان، من العلوية، والخوارج، وغيرهم، قال: ويعضد هذا التأويل قوله في حديث آخر في مسلم: "ستكون خلفاء، فيَكْثُرون"، قال: ويَحْتَمِل أن يكون المراد: أن يكون الاثنا عشر في مدّة عزة الخلافة، وقوَّة الإسلام، واستقامة أموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، ويؤيده قوله في بعض الطرق: "كلّهم تجتمع عليه الأمة"، وهذا قد وُجد فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني أمية، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتَّصَلت فُتُونهم إلى أن قامت الدولة العباسية، فاستأصلوا أمرهم، وهذا العدد موجود صحيح، إذا اعتُبِر.
قال: وقد يَحْتَمِل وجوهًا أُخَر، والله أعلم بمراد نبته - ﷺ - فيها. انتهى (^١).
قال الحافظ: والاحتمال الذي قبل هذا، وهو اجتماع اثني عشر في عصر واحد كلهم يطلب الخلافة، هو الذي اختاره المهلّب، كما تقدم، وقد ذكرت وجه الردّ عليه، ولو لَمْ يَرِدْ إلَّا قوله "كلهم يجتمع عليه الناس"، فإن في
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٢١٧.
[ ٣١ / ٦٤٨ ]
وجودهم في عصر واحد يوجِد عين الافتراق، فلا يصحّ أن يكون المرادَ، ويؤيد ما وقع عند أبي داود، ما أخرجه أحمد، والبزار، من حديث ابن مسعود - ﵁ -، بسند حسن: "أنه سئل: كم يملك هذه الأمة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله - ﷺ -، فقال: اثنا عشر، كعِدّة نقباء بني إسرائيل".
وقال ابن الجوزيّ في "كشف المشكل" (^١): قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبت مظانّه، وسالت عنه، فلم أقع على المقصود به؛ لأنَّ ألفاظه مختلفة، ولا أشك أن التخليط فيها من الرواة، ثم وقع لي فيه شيء وجدت الخطابيّ بعد ذلك قد أشار إليه، ثم وجدت كلامًا لأبي الحسين بن المنادي، وكلامًا لغيره.
فأما الوجه الأول، فإنه أشار إلى ما يكون بعده، وبعد أصحابه، وأن حُكم أصحابه مرتبط بحُكمه، فأخبر عن الولايات الواقعة بعدهم، فكأنه أشار بذلك إلى عدد الخلفاء من بني أمية، وكأن قوله: "لا يزال الدين -؛ أي: الولاية - إلى أن يلي اثنا عشر خليفة"، ثم ينتقل إلى صفة أخرى أشدّ من الأُولى، وأول بني أمية يزيد بن معاوية، وأَخرهم مروان الحمار، وعدّتهم ثلاثة عشر، ولا يُعَدّ عثمان، ومعاوية، ولا ابن الزبير؛ لكونهم صحابةً، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم؛ للاختلاف في ححبته، أو لأنه كان متغلِّبًا بعد أن اجتمع الناس على عبد الله بن الزبير، صحت العدّة، وعند خروج الخلافة من بني أمية، وقعت الفتن العظيمة، والملاحم الكثيرة، حتى استقرّت دولة بني العباس، فتغيرت الأحوال عمّا كانت عليه تغيّرًا بيّنًا، قال: ويؤيد هذا ما أخرجه أبو داود، من حديث ابن مسعود - ﵁ - رفعه: "تدور رَحَى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين، أو سبع وثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُمْ لهم دِينهم يَقُمْ لهم سبعين عامًا"، زاد الطبرانيّ، والخطابيّ: "فقالوا: سوى ما مضى؟ قال: نعم"، قال الخطابيّ: رَحَى الإسلام كناية عن الحرب، شَبّهها بالرحى التي تَطحن الحبّ؛ لِمَا يكون فيها من تلف الأرواح، والمراد بالدِّين في قوله: "يقم لهم دينهم" المُلك، قال: فيُشبه أن يكون إشارةً
_________________
(١) "كشف المشكل" ١/ ٤٥٢.
[ ٣١ / ٦٤٩ ]
إلى مدة بني أمية في الفلك، وانتقاله عنهم إلى بني العباس، فكان ما بين استقرار المُلك لبني أمية، وظهور الوَهْن فيه، نحو من سبعين سنة.
قال الحافظ: لكن يَعْكُر عليه أن من استقرار المُلك لبني أمية عند اجتماع الناس على معاوية سنة إحدى وأربعين إلى أن زالت دولة بني أمية، فقُتل مروان بن محمد في أوائل سنة اثنتين وثلاثين ومائة أزْيَد من تسعين سنة.
ثم نَقَل عن الخطيب أبي بكر البغدادقي قولَهُ: "تدور رَحَى الإسلام" مَثَل يريد أن هذه المدة إذا انتهت حدث في الإسلام أمر عظيم، يُخاف بسببه على أهله الهلاك، يقال للأمر إذا تغيّر، واستحال: دارت رحاه، قال: وفي هذا إشارة إلى انتقاض مدة الخلافة، وقوله: "يقُمْ لهم دينهم"؛ أي: مُلكهم، وكان من وقت اجتماع الناس على معاوية إلى انتقاض مُلك بني أمية نحوًا من سبعين.
قال ابن الجوزيّ: ويؤيد هذا التأويل ما أخرجه الطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، رفعه: "إذا مَلَك اثنا عشر من بني كعب بن لؤي، كان النَّقْفُ، والنّقَافُ إلى يوم القيامة". انتهى.
قال الحافظ: والنقف ظَهَر لي أنه بفتح النون، وسكون القاف، وهو كسر الهامة عن الدماغ، والنَّقَاف بوزن فَعَال منه، وكَنَى بذلك عن القتل، والقتال، ويؤيده قوله في بعض طرق جابر بن سمرة: "ثم يكون الْهَرْجُ".
وأما صاحب "النهاية": فضَبَطه بالثاء المثلثة، بدل النون، وفسّره بالجِدّ الشديد في الخصام، ولم أر في اللغة تفسيره بذلك، بل معناه: الفطنة، والْحِذْق، ونحو ذلك.
وفي قوله: "من بني كعب بن لؤيّ " إشارة إلى كونهم من قريش؛ لأنَّ لؤيًا هو ابن غالب بن فِهْر، وفهر جَمّاع قريش.
وقد يؤخذ منه أن غيرهم يكون من غير قريش، فتكون فيه إشارة إلى القَحْطاني المقدَّم ذكره. قال: وأما الوجه الثاني، فقال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جَمَعَه في المهديّ: يَحْتَمِل في معنى حديث: "يكون اثنا عشر خليفةً" أن يكون هذا بعد المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان، فقد وَجدت في "كتاب دانيال": إذا مات المهديّ مَلَك بعده خمسة رجال، من وَلَدِ السبط
[ ٣١ / ٦٥٠ ]
الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يَملك بعده ولده، فيتم بذلك اثنا عشر مَلِكًا، كلّ واحد منهم إمام مهديّ.
قال ابن المنادى: وفي رواية أبي صالح، عن ابن عباس: "المهديّ اسمه محمد بن عبد الله، وهو رجل ربعةٌ مُشَرَّب بحمرة، يُفَرِّج الله به عن هذه الأمة كلّ كرب، ويصرف بعدله كلّ جَوْر، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر رجلًا، ستة مِن وَلَد الحسن، وخمسة من ولد الحسين، وآخر من غيرهم، ثم يموت، فيفسد الزمان".
وعن كعب الأحبار: يكون اثنا عشر مهديّا، ثم ينزل روح الله، فيقتل الدجال.
قال: والوجه الثالث أن المراد وجود اثني عشر خليفةً في جميع مدة الإسلام إلى يوم القيامة، يعملون بالحقّ، وإن لَمْ تتوالى أيامهم، ويؤيده ما أخرجه مسدّد في "مسنده الكبير"، من طريق أبي بحر، أن أبا الجلد حدّثه، أنه لا تهلك هذه الأمة حتى يكون منها اثنا عشر خليفةً، كلهم يعمل بالهدي، ودين الحقّ، منهم رجلان من أهل بيت محمد، يعيش أحدهما أربعين سنةً، والآخر ثلاثين سنة.
وعلى هذا فالمراد بقوله: "ثم يكون الهرج"؛ أي: الفتن المُؤْذِنة بقيام الساعة، من خروج الدجال، ثم يأجوج ومأجوج، إلى أن تنقضي الدنيا. انتهى كلام ابن الجوزيّ ملخّصًا بزيادات يسيرة، والوجهان: الأول، والآخر قد اشتمل عليهما كلام القاضي عياض، فكأنه ما وقف عليه، بدليل أن في كلامه زيادةً لَمْ يشتمل عليها كلامه.
قال الحافظ: وينتظم من مجموع ما ذكراه أوجه، أرجحها: الثالث من أوجه القاضي؛ لتأييده بقوله في بعض طرق الحديث الصحيحة: "كلهم يجتمع عليه الناس"، وإيضاح ذلك أن المراد بالاجتماع انقيادهم لبيعته، والذي وقع أن الناس اجتمعوا على أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، إلى أن وقع أمر الْحَكَمين في صِفِّين، فسُمِّي معاوية يومئذ بالخلافة، ثم اجتمع الناس على معاوية، عند صلح الحسن، ثم اجتمعوا على ولده يزيد، ولم ينتظم للحسين
[ ٣١ / ٦٥١ ]
أمرٌ، بل قُتل قبل ذلك، ثم لمّا مات يزيد وقع الاختلاف، إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان، بعد قَتْل ابن الزبير، ثم اجتمعوا على أولاده الأربعة: الوليد، ثم سليمان، ثم يزيد، ثم هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، اجتمع الناس عليه لمّا مات عمه هشام، فَوَلِي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه، فقتلوه، وانتشرت الفتن، وتغيّرت الأحوال من يومئذٍ، ولم يتفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأنَّ يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمه الوليد بن يزيد لَمْ تَطُل مدته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عم أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولمّا مات يزيد وَلي أخوه إبراهيم، فغلبه مروان، ثم ثار على مروان بنو العباس، إلى أن قُتل، ثم كان أول خلفاء بني العباس أبو العباس السفاح، ولم تَطُل مدته، مع كثرة من ثأر عليه، ثم وَلي أخوه المنصور، فطالت مدّته، لكن خرج عنهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرّت في أيديهم متغلبين عليها، إلى أن تسمَّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر في جميع أقطار الأرض، إلى أن لَمْ يبق من الخلافة إلَّا الاسم في بعض البلاد، بعد أن كانوا في أيام بني عبد الملك بن مروان يُخطب للخليفة في جميع أقطار الأرض شرقًا وغربًا وشمالًا ويمينًا، مما غلب عليه المسلمون، ولا يتولى أحد في بلد من البلاد كلها الإمارة على شيء منها إلَّا بأمر الخليفة، ومن نَظَر في أخبارهم عَرَف صحة ذلك.
فعلى هذا يكون المراد بقوله: "ثم يكون الهرج" يعني القتل الناشئ عن الفتن وقوعًا فاشيًا يفشو، ويستمرّ، ويزداد على مدى الأيام، وكذا كان، والله المستعان.
والوجه الذي ذكره ابن المنادى ليس بواضح، ويعكر عليه ما أخرجه الطبرانيّ، من طريق قيس بن جابر الصدفيّ، عن أبيه، عن جدّه، رفعه: "سيكون من بعدي خلفاء، ثم من بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلًا، كما ملئت جورًا، ثم يؤمَّر القطحانيّ، فوالذي بعثني بالحقّ ما هو دونه"، فهذا
[ ٣١ / ٦٥٢ ]
يردّ على ما نقله ابن المنادى من "كتاب دانيال"، وأما ما ذكره عن أبي صالح فَوَاهٍ جدًّا، وكذا عن كعب.
وأما محاولة ابن الجوزيّ الجمع بين حديث: "تدور رَحَى الإسلام"، وحديث الباب ظاهرُ التكلف، والتفسير الذي فسّره به الخطابيّ، ثم الخطيب بعيد، والذي يظهر أن المراد بقوله: "تدور رحى الإسلام" أنْ تدوم على الاستقامة، وأن ابتداء ذلك من أول البعثة النبوية، فيكون انتهاء المدة بقتل عمر في ذي الحجة سنة أربع وعشرين من الهجرة، فإذا انضم إلى ذلك اثنتا عشرة سنة وستة أشهر من المبحث في رمضان كانت المدة خمسًا وثلاثين سنةً وستة أشهر، فيكون ذلك جميع المدة النبوية، ومدة الخليفتين بعده خاصّة، ويؤيده حديث حذيفة الذي يشير إلى أن باب الأمن من الفتنة يُكسر بقتل عمر، فيُفتح باب الفتن، وكان الأمر على ما ذَكَرَ، وأما قوله في بقية الحديث: "فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يَقُم لهم دينهم يقم سبعين سنةً"، فيكون المراد بذلك: انقضاء أعمارهم، وتكون المدة سبعين سنةً إذا جُعل ابتداؤها من أول سنة ثلاثين عند انقضاء ست سنين من خلافة عثمان، فإنّ ابتداء الطعن فيه إلى أن آل الأمر إلى قَتْله كان بعد ستّ سنين مضت من خلافته، وعند انقضاء السبعين لَمْ يبق من الصحابة أحد، فهذا الذي يظهر لي في معنى هذا الحديث، ولا تَعَرُّض فيه لِمَا يتعلق باثني عشر خليفةً، وعلى تقدير ذلك، فالأَولى أن يُحْمَل قوله: "يكون بعدي اثنا عشر خليفةً" على حقيقة البَعدية، فإن جميع من ولي الخلافة من الصدّيق إلى عمر بن عبد العزيز أربعة عشر نفسًا، منهم اثنان لَمْ تصحّ ولايتهما، ولم تَطُل مدتهما، وهما معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، والباقون اثنا عشر نفسًا على الولاء، كما أخبر - ﷺ -، وكانت وفاة عمر بن عبد العزيز سنة إحدى ومائة، وتغيرت الأحوال بعده، وانقضى القرن الأول الذي هو خير القرون، ولا يقدح في ذلك قوله: "يجتمع عليهم الناس"؛ لأنه يُحْمَل على الأكثر الأغلب؛ لأنَّ هذه الصفة لَمْ تُفقد منهم إلَّا في الحسن بن عليّ، وعبد الله بن الزبير، مع صحة ولايتهما، والْحُكْمِ بأن من خالفهما لَمْ يثبت استحقاقه إلَّا بعد تسليم الحسن، وبعد قتل ابن الزبير، والله أعلم.
وكانت الأمور في غالب أزمنة هؤلاء الاثني عشر منتظمةً، وإن وُجد في
[ ٣١ / ٦٥٣ ]
بعض مدّتهم خلاف ذلك، فهو بالنسبة إلى الاستقامة نادر، والله اعلم.
وقد تكلم ابن حبان على معنى حديث: "تدور رحى الإسلام"، فقال: المراد بقوله: "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين"، انتقال أمر الخلافة إلى بني أمية، وذلك أن قيام معاوية عن عليّ بصِفِّين حتى وقع التحكيم، هو مبدأ مشاركة بني أمية، ثم استمرّ الأمر في بني أمية من يومئذ سبعين سنة، فكان أول ما ظهرت دعاة بني العباس بخراسان سنة ست ومائة، وساق ذلك بعبارة طويلة، عليه فيها مؤاخذات كثيرة، أولها دعواه أن قصة الْحَكَمين كانت في أواخر سنة ست وثلاثين، وهو خلاف ما اتفق عليه أصحاب الأخبار، فإنها كانت بعد وقعة صفين بعد أشهر، وكانت سنة سبع وثلاثين، والذي قدمته أَولى بأن يُحْمَل الحديث عليه، والله أعلم. انتهى كلام الحافظ - ﵀ - (^١) وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٦٩٨] (…) - (حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بَقُولُ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا"، ثمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدنيّ، ثم المكيّ، صدوقٌ صنّف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة [١٠] (ت ٢٤٣) (م ت س ق) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٣١.
٢ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عُمَيْرِ) بن سُويد اللَّخْميّ الكوفيّ الْفَرَسيّ، ثقةٌ فقيةٌ تغيّر حفظه، وربّما دلّس [٣] (ت ١٣٦) وله (١٠٣) سنين (ع) تقدم في "الإيمان" ٤٦/ ٢٩٦.
و"جابر بن سَمُرة - ﵄ -" ذُكر قبله، وكذا "سفيان بن عيينة" ذُكر أول الباب،
_________________
(١) "الفتح" ١٧/ ٦٧ - ٧٢، كتاب "الأحكام" رقم (٧٢٢٢).
[ ٣١ / ٦٥٤ ]
والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ - كالأسانيد الثلاثة السابقة، والإسنادين اللاحقَين، وهو (٣٣٠) من رباعيّات الكتاب.
وقوله: (ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ) وقد بيّن في رواية أبي داود من طريق الشعبيّ، عن جابر بن سَمُرة - ﵄ - سبب خفاء الكلمة المذكورة، ولفظه: "لا يزال هذا الدين عزيزًا إلى اثني عشر خليفةً، قال: فكبَّر الناسُ، وضَجُّوا، فقال كلمةً خفيّةً، فقلت لأبي: يا أبه ما قال … إلخ"، وفي رواية مجالد، عن الشعبيّ عند أحمد: "وكان أبي أقرب إلى راحلة رسول الله - ﷺ -".
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٩] (…) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سِمَاكٍ (^١)، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْحَدِيث، وَلَمْ يَذْكُرْ: "لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا").
رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا:
١ - (أبو عوانة) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطي، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ٥ أو ١٧٦) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٢ - (سِمَاكُ) بن حرب بن أوس بن خالد الذّهليّ البكريّ، أبو المغيرة الكوفيّ، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصّةُ مضطربةٌ، وقد تغيّر بآخره، فربما تلقّن [٤] (ت ١٢٣) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦٥.
والباقيان ذُكرا في الباب، والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، كالأسانيد الأربعة الماضية، والإسناد اللاحق، وهو (٣٣٢) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية سماك بن حرب، عن جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذه ساقها الترمذيّ - ﵀ - في "جامعه"، فقال:
_________________
(١) وفي نسخة: "عن سماك بن حرب".
[ ٣١ / ٦٥٥ ]
(٢٢٢٣) - حدّثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدّثنا عمر بن عبيد الطنافسيّ، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يكون من بعدي اثنا عشر أميرًا"، قال: ثم تكلم بشيء لَمْ أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال: قال: "كلُّهم من قريش"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٠٠] (…) - (حَدَّثَنَا هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأزدِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَى عَشَرَ خَلِيفَةً"، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً لَمْ أفهَمْهَا، فَقُلْتُ لأَبِيِ: مَا قَالَ؟ (^٢) فَقَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ").
رجال هذا الإسناد: أربعة أيضًا:
١ - (هَدَّابُ بْنُ خَالِدٍ الأَزدِيُّ) القيسيّ، أبو خالد البصرفي، ويقال له: هُدْبة، ثقةٌ عابدٌ، تفرّد بتليينه النسائيّ، من صغار [٩] مات سنة بضع و(٢٣٠) (خ م د) تقدم في "الإيمان" ١١/ ١٥١.
٢ - (حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ) البصريّ، تقدَّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه، وبيان مسائله، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠١] (…) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً"، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ لَمْ أفهَمْهُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ (^٣) فَقَالَ: (كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ").
_________________
(١) "جامع الترمذيّ" ٤/ ٥٠١.
(٢) وفي نسخة: "ماذا قال".
(٣) وفي نسخة: "فقلت لأبي، فقال".
[ ٣١ / ٦٥٦ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل بابين.
٢ - (أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير الكوفيّ، ثقةٌ أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، وقد رُمي بالإرجاء، من كبار [٩] (ت ١٩٥) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٧.
٣ - (دَاوُدُ) بن أبي هند القُشيريّ مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢١.
٤ - (الشَّعْبِيُّ) عامر بن شَرَاحيل الْهَمْدانيّ، أبو عمرو الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ مشهور، فاضلٌ [٣] مات بعد المائة، وله نحو (٨٠) سنة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
و"جابر بن سمرة - ﵄ -" ذُكر قبله.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه مستوفًى، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٠٢] (…) - (حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَمَعِي أَبِي، فَسَمِعْتُهُ (^١) يَقُولُ: "لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً"، فَقَالَ كَلِمَةً صَمَّنِيهَا (^٢) النَّاسُ، فَقُلْتُ لأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: "كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ) البصريّ، أحد مشايخ الستّة، تقدّم قريبًا.
٢ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ، أبو معاوية البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٣ - (ابْنُ عَوْنٍ) هو: عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه عابد [٥] (ت ١٥٠) على الصحيح (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٣.
_________________
(١) وفي نسخة: "وسمعته".
(٢) وفي نسخة: "صَمَّتَنِيهَا".
[ ٣١ / ٦٥٧ ]
٤ - (أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْفَلِيُّ) أبو عثمان البصريّ، الملقّب أبا الجوزاء، ثقةٌ [١١] (ت م ت س) تقدم في "الإيمان" ٦٥/ ٣٦٩.
٥ - (أَزْهَرُ) بن سعد السمّان، أبو بكر الباهليّ البصريّ، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٣) وهو ابن (٩٤) سنةً (خ م د ت س) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٦/ ١٣٤٤.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (صَمَّنِيهَا (^١) النَّاسُ) بفتح الصاد المهملة، وتشديد الميم المفتوحة؛ أي: أصمّوني عنها، فلم أسمعها؛ لكثرة الكلام، ووقع في بعض النسخ: "صمّتنيها الناس"؛ أي: سكّتوني عن السؤال عنها، قاله النوويّ (^٢).
وفي رواية عند أحمد في "مسنده" بلفظ: "أصَمّنيها الناس": قال ابن الأثير: أي: شَغَلُوني عن سماعها، فكأهم جعلوني أصمّ. انتهى (^٣).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: "صَمّنيها الناسُ" كذا لكافة شُيُوخنا، وعند بعضهم: "أصمّنيها الناس"؛ أي: لَمْ أسمعها من لفظهم، وقيل: الوجه: "أصمّني عنها"، وأما الرواية الأولي، فمعناها: أي سكّتوني عن السؤال عنها، والنبيّ - ﷺ - يخطُبُ، والصواب: المعنى الأول، وهو أشبه بمساق الحديث. انتهى (^٤).
وقال المجد - ﵀ -: "الصمَمُ: انسداد الأُذن، وثقَل السمع، صَمَّ يَصَمُّ، بفتحهما، وصَمِمَ، بالكسر، نادرٌ صَمًّا، وصَمَمًا، وأَصَمَّ، وأصمّه الله تعالى، فهو أصمّ، جَمْعه: صُمٌّ، وصُمَّانٌ. انتهى (^٥).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: صَمَّتِ الأُذُنُ صَمَمًا، من باب تَعِبَ: بَطَلَ سَمْعُها، هكذا فسَّره الأزهريّ وغيره، ويُسنَدُ الفعل إلى الشخص أيضًا، فيقال: صَمَّ يَصَمُّ صَمَمًا، فالذَّكر أصمُّ، والأنثى صَمَّاءُ، والجمع صُمٌّ، مثل أحمر، وحمراء، وحُمْرٍ، ويتعدّى بالهمزة، فيقال: أصمّه الله، وربّما استُعمل الرباعيّ لازمًا على قلّة، ولا يُستعمل الثلاثيّ متعدِّيًا، فلا يُقال: صَمّ الله الأذنَ، ولا
_________________
(١) وفي نسخة: "صَمَّتَنِيهَا".
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٣.
(٣) "النهاية في غريب الأثر" ٣/ ٥٤.
(٤) "إكمال المعلم" ٦/ ٢١٨.
(٥) "القاموس المحيط" ص ٧٥٥.
[ ٣١ / ٦٥٨ ]
يُبنى للمفعول، فلا يقال: صُمَّتِ الأذُنُ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره المجد، والفيّوميّ صريح في أن "صَمّني" في هذه الرواية غير صحيح، وإنما الصحيح أن يقال: أصمّني بالهمزة، وعلى هذا فما وقع في رواية أحمد المذكورة بلفظ: "فأصمّني" هو الصواب، فتأمل، والله تعالى أعلم.
والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى البحث فيه، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
(١٨٢٢) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
قَالَا: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - وَهُوَ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ - عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ أَنْ أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ: فَكَتَبَ (^٢) إِلَيَّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ جُمُعَةٍ عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ (^٣) يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَثسَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ، بَيْتَ كِسْرَى، أَو آلِ كِسْرَى"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ، فَاحْذَرُوهُمْ"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أَنَا الْفَرَطُ عَلَى الْحَوْضِ").
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) الحارثيّ المدنيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (الْمُهَاجِرُ بْنُ مِسْمَارٍ) الزهريّ، مولى سعد المدنيّ، ثقةٌ [٧].
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣٤٧.
(٢) وفي نسخة: "وكتب".
(٣) وفي نسخة: "رَجم الأسلميَّ" بالبناء للفاعل.
[ ٣١ / ٦٥٩ ]
رَوَى عن عامر، وعائشة ابني سعد بن أبي وقاص، وروى عنه ابن أبي ذيب، وموسى بن يعقوب الزَّمَعيّ، ويعقوب بن جعفر بن أبي كثير، وخالد بن إلياس، وحاتم بن إسماعيل.
ذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال ابن سعد: مات بعد خروج محمد بن عبد الله بن حسن، وقيل: مات سنة خمس ومائة، وله أحاديث، وليس بذاك، وهو صالح الحديث، وقال أبو بكر البزار: مشهورٌ، صالح الحديث.
أخرج له المصنّف - ﵀ -، والترمذيّ، وابن ماجة في "التفسير"، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٢٢)، وحديث (٢٣٠٥): "أنا الفَرَط على الحوض"، وهو مختصر من حديث الباب.
[تنبيه]: قولي: "ثقةٌ" أَولى من قوله في "التقريب": مقبول؛ لأنه روى عنه جماعة، وقال البزّار: مشهور، صالح الحديث، وأخرج له مسلم في "صحيحه"، فمثله يكون ثقةً صحيح الحديث، وقد نظمت قاعدة ذكرها الحافظ الذهبيّ - ﵀ - في كتابه "ميزان الاعتدال"، فقلت:
قَاعِدَةٌ حَقَّقَهَا الإِمَامُ … الذَّهَبِيُّ النَّاقِدُ الْهُمَامُ
إِذَا رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحَدِ … مِنَ الْمَشَايِخِ وَلَمْ يُنْتَقَدِ
بِنَقْلِهِ الْمُنْكَرَ قُلْ صَحِيحُ … حَدِيثُهُ وَإِنْ خَلَا التَّصْرِيحُ
مِنَ الأَئِمَّةِ بِكَوْنِهِ ثِقَهْ … بِذَا يَقُولُ جُلُّ مَنْ قَدْ حَقَّقَهْ
قَالَ بِهِ الشَّيْخَانِ إِذْ قَدْ أَوْرَدَا … لَدَى "الصَّحِيحَيْنِ" رِجَالًا مَا بَدَا
عَنْ أَحَدٍ تَوْثِيقُهُمْ وَهَكَذَا … ذَكَرَ فِي "الْمِيزَانِ" نِعْمَ مَأْخَذَا
٣ - (عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
[ ٣١ / ٦٦٠ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخيه، فالأول بَغْلانيّ، والثاني كوفيّ، وجابر - ﵁ - كان مدنيًّا، ثم نزل الكوفة، وفيه الرواية بالمكاتبة، وقد اختُلف فيها، والجمهور على جوازها، فقد كتب النبيّ - ﷺ - إلى الملوك، والقبائل، فلزمتهم الحجة بذلك، والله تعالى أعلم.
شرح الحديث:
(عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) الزهريّ المدنيّ، أنه (قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ) - ﵄ -، وجابر بن سَمُرة هذا هو ابن عمّة عامر بن سعد الراوي عنه؛ لأنَّ والدة جابر هي خالدة بنت أبي وقّاص، أخت سعد بن أبي وقّاص - ﵃ -، قاله في "الإصابة" (^١). (مَعَ غُلَامِي نَافِعٍ) لَمْ أجد ترجمته، (أَنْ أَخْبِرْنِي) "أن" يَحْتَمِل أن تكون مفسّرةً؛ أي: كتبت إَليه هذا الكلام - يعني: أخبرني … إلخ " - ويَحْتَمِل أن تكون مصدريّةً، ويقدّر قبلها حرف الجرّ؛ أي: بأن أخبرني، وهذا الوجه هو ارتضاه ابن هشام في "المغني" (^٢). (بِشَيْءٍ) متعلّق بـ "أخبرني"، (سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، قَالَ) عامر (فَكَتَبَ) وفي نسخة: "وكَتَب" (إِلَيَّ)؛ يعني: أن جابر بن سمُرة يكتب إلى عامر قوله: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -) قال الأبيّ - ﵀ -: كتبُ هذه المذكورات يَحْتَمِل لأنَّها التي حضرته، ويَحْتَمِل أنَّها التي حلّ الحال على الحاجة إليها. انتهى (^٣).
(يَوْمَ جُمُعَةٍ) ظرف لـ "سمِعْتُ"، وكذا قوله: (عَشِيَّةَ رُجِمَ الأَسْلَمِيُّ) ببناء الفعل للمفعول، ويَحْتَمِل أن يكون بالبناء للفاعل؛ أي: رجم النبيّ - ﷺ -؛ أي: أمر برجمه، والمراد: ماعز بن مالك الأسلميّ - ﵁ -، قيل: هذا معارِض لِمَا رواه أحمد في "مسنده" عن الشعبيّ من أن النبيّ - ﷺ - قال هذا الكلام في حجة الوداع.
ويُجاب بأنه - ﷺ - قاله مرّتين: مرّة في حجة الوداع، وأخرى يوم رُجم
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة" ١/ ٥٤٢.
(٢) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ٧٤.
(٣) "شرح الأبيّ" ٥/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٣١ / ٦٦١ ]
ماعز - ﵁ -؛ لأنَّ سياق الروايتين مختلفٌ، فحَمْلهما على تعدّد الواقعتين غير بعيد، وأفادت هذه الرواية أن رجْم ماعز وقع يوم الجمعة، والله تعالى أعلم (^١).
(يَقُولُ: "لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا)؛ أي: ثابتًا، (حَتَّى نَقُومَ السَّاعَةُ، أَو يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) قال القرطبيّ - ﵀ -: قيّدناه - يعني: قوله: "يكونَ" - على من يوثق بتقييده بالنصب، وتكون "أو" بمعنى "إلى أن"، كقوله [من الطويل]:
فَقُلْتُ لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا … نُحَاولُ مُلْكًا أَو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا
وقد دلّ على هذا الرواية الأخرى، وهي قوله: "لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة، كلّهم من قُريش"؛ يعني به: أنه لا تزال عزّة دين الإسلام قائمة إلى اثني عشر خليفة من قُريش، وقد اختُلف فيهم على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم خلفاء العَدْلِ؛ كالخلفاء الأربعة، وعمر بن عبد العزيز. ولا بُدَّ من ظهور من يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَتَهم في إظهار الحقِّ والعدل، حتى يَكْمُل ذلك العدد، وهو أولى الأقوال عندي.
وثانيها: أنَّ هذا إخبارٌ عن الولايات الواقعة بَعْدَهُ وبَعْدَ أصحابه، وكأنه أشار بذلك إلى مدة ولاية بني أُمَيَّة، ويعني بالذين: المُلك والولاية، وهوشرح الحالِ في استقامة السَّلْطَنَةِ لهم، لا على طريق المدح.
وقد يقال: الدِّينُ على الْمُلْكِ؛ كما قال [من البسيط]:
لَئِنْ حَلَلْتَ بِجوٍّ في بني أسدٍ … فِي دِينِ عمرٍو وحَالتْ بيننا فَدَكُ
وقيل ذلك في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦]. ثم عدّد هذا القائل ملوكهم فقال: أَوَّلُهم يزيدُ بن معاوية، ثم ابنه معاويةُ بن يزيد - وقال: ولم يذكر ابن الزبير لأنه صحابيّ، ولا مروان؛ لأنه غاصب لابن الزبير -، ثم عبد الملك، ثم الوليد، ثم سليمان، ثم عمر بن عبد العزيز، ثم يزيد بن عبد الملك، ثم هشام بن عبد الملك، ثم الوليد بن يزيد، ثم يزيد بن الوليد، ثم إبراهيم بن الوليد، ثم مروان بن محمد، فهؤلاء اثنا عشر. ثم خرجت الخلافة منهم إلى بني العباس.
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٣/ ٢٨٧.
[ ٣١ / ٦٦٢ ]
وثالثها: أن هذا خبر عن اثني عشر خليفة من قريش، مجتمعين في زمان واحد في آفاق مختلفة؛ كما قد وقع، فقد كان بالأندلس منهم في عصر واحد بعد أربعمائة وثلاثين سنة ثلاثة كلهم يَدَّعيها، وتَلَقَّب بها. ومعهم صاحبُ مصر، وخليفة بغداد، فكذلك يجوز أن يجتمع الاثنا عشر خليفة في العصر الواحد، وقد دلّ على هذا قوله: "سيكون خلفاء، فيكثرون "، متّفقٌ عليه، وكلٌّ مُحْتَمِل، والأول أَولاها؛ لبُعْده عن الاعتراض. انتهى كلام القرطبيّ (^١).
(وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - " (يَقُولُ: "عُصَيْبَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) العُصَيْبَة: تصغير العِصابة، وهي: الجماعة من الناس، قيل: أقلّهم أربعون، ويَحْتَمِل أن يكون هذا التصغير للمفتتحِين؛ لقلة من باشر فتح بيتِ كسري، فإنه يُروَى أن سعد بن أبي وقّاص خاض دجلة، وهي مَطْلَعٌ إلى دار كسري، فما بلغ الماء إلى حِزام الفرس، وما ذهب للمسلمين شيء، ووجدوا قبابًا مملوءة سِلالًا فيها آنية الذهب والفضة، ووجدوا كافورًا كثيرًا، فظنّوه مِلْحًا، فعَجَنوا به، فوجدوا مرارته، وكان في بيوت أموال كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار - ثلاث مرات -.
ويَحْتَمِل أن يكون تصغيرهم بالنسبة إلى عدوّهم، ويَحْتَمِل أن يكون تصغيرهم على جهة التعظيم، كما قالوا:
وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ … دُويْهِيَّةٌ تَصْفَّرُّ مِنْهَا الأَنَامِلُ (^٢)
(يَفْتَتِحُونَ الْبَيْتَ الأَبْيَضَ) وُصف بيت كسرى بالأبيض؛ لأنه كان مبنيًّا بالجصّ، ومُزخرفًا بالفضّة (^٣)، وقوله: (بَيْتَ كِسْرَى) بالنصب على البدليّة من "البيت"، وكسرى: ملك الْفُرس، قال أبو عمرو بن العلاء: بكسر الكاف لا غيرُ، وقال ابن السرّاج - كما رواه عنه الفارسيّ، واختاره ثعلب، وجماعة -: الكسر أفصح، والنسبة إلى المكسور: كِسْرِيٌّ، وكِسْرَويّ، بحذف الألف، وبقلبها واوًا، والنسبة إلى المفتوح بالقلب لا غيرُ، والجمع: أكاسرةٌ. انتهى (^٤).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٨ - ١٠.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٠ - ١١.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٠.
(٤) "المصباح المنير" ٢/ ٥٣٣.
[ ٣١ / ٦٦٣ ]
وقوله: (أَو آلِ كِسْرَى") "أو" للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: "بيت آل كسرى" بدل "بيت كسرى".
(وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ: "إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ)؛ أي: قبل قيام الساعة، (كَذَّابِينَ) هذا يفسّره الحديث الآخر الذي قال - ﷺ - فيه: "لا تقوم السَّاعة حتى يخرج ثلاثون كذّابون، كلهم يزعم أنه نبيّ، وأنا خاتم النبيين" (^١).
(فَاحْذَرُوهُمْ")؛ أي: احذروا خديعتهم، وتلبيسهم على الناس.
(وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ: "إذا أَعْطَى اللهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا)؛ أي: مالًا، (فَلْيَبْدَأ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ") قال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا كما قال في الحديث الآخر: "خير الصدقة عن ظهر غني، وابدأ بمن تعول"، وكقوله في حديث آخر: "إذا أنعم الله على عبد نعمة أحبَّ أن يرى أثر نعمته عليه" (^٢).
ومعنى هذا الأمر الابتداء بالأهم فالأهم، والأَولى فالأَولي، وقد بينّا هذا المعنى في "كتاب الزكاة". انتهى كلام القرطبيّ (^٣).
(وَسَمِعْتُهُ) - ﷺ - (يَقُولُ: (أنا الْفَرَطُ) - بفتح الراء -؛ أي: السابق إليه، والمنتظر لِسَقْيِكم منه، والْفَرَط: هو: الذي يتقدَّم القوم إلى الماء؛ ليهيّء لهم ما يحتاجون إليه، وهو الفارط أيضًا، والفَرْطُ - بسكون الراء -: السَّبْق والتقدّم (^٤). (عَلَى الْحَوْضِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الواو - جمعه أحواضٌ، وحِيَاض، وأصل حِيَاضٍ الواو، لكن قُلبت ياءً للكسرة قبلها، مثلُ ثوب وأثواب، وثيَابٍ (^٥)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن سَمُرة - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود، والترمذيّ، وابن ماجة.
(٢) "المعجم الكبير" ١٨/ ١٣٥.
(٣) "المفهم" ٤/ ١١.
(٤) "المفهم" ٤/ ١١، وشرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٤.
(٥) "المصباح المنير" ١/ ١٥٦.
[ ٣١ / ٦٦٤ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [١/ ٤٧٠٣ و٤٧٠٤] (١٨٢٢)، وسيأتي أيضًا برقم (٢٣٠٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٨٦ و٨٧ و٨٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٧٣)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٤٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): جواز تحمّل الحديث بالمكاتبة.
٢ - (ومنها): أن هذا من المعجزات الظاهرة لرسول الله - ﷺ - حيث أخبر بما سيقع بعده من فتح كنوز كسري، ومدائنه، وقد فتحوها بحمد الله تعالى في زمن عمر بن الخطاب - ﵁ -.
٣ - (ومنها): تحذير النَّبِيّ - ﷺ - أمته من الانخداع بالدجالين الكذّابين الذين يأتون بين يدي الساعة يدّعون الرسالة، ويلبّسون على الناس، وقد ختم الله - ﷾ - النبيّين به - ﷺ -، فلا نبيّ بعده.
٤ - (ومنها): أن الشخص إذا وجد مالًا ينبغي أن يبدأ بنفسه، فيسدّ خلّتها، ثم بأهل بيته، ومن تلزمه نفقته، ثم يتصدّق على الفقراء والمساكين بعد ذلك.
٥ - (ومنها): إثبات حوض النبيّ - ﷺ -، وأنه هو الفَرَط المتقدّم على أمته إليه؛ ليستقبلهم هناك، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﷾ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٤] (…) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُهَاجِرِ بْنِ مِسْمَارٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، أَنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ: حَدِّثنا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فُديك الدِّيليّ مولاهم، أبو إسماعيل المدنيّ، صدوقٌ، من صغار [٨] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٥.
٢ - (ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشيّ العامريّ، أبو الحارث المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ فاضلٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
[ ٣١ / ٦٦٥ ]
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (إِلَى ابْنِ سَمُرَةَ الْعَدَوِيّ) كذا هو في جميع النسخ: "الْعَدويّ"، قال القاضي عياض - ﵀ -: كذا في الأصل، وليس هو بعدويّ، إنما هو عامريّ، سُوائيّ، فلعلّه تصحّف العامريّ بالعدويّ؛ لأنَّ سُواءة بن عامر بن صعصعة، وهو زهريّ الحلف، خاله سعد بن أبي وقّاص، وأمه خالدة بنت أبي وقّاص، واسم جابر. انتهى (^١).
وقوله: (فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ حَاتِمٍ) فاعل "ذَكَرَ" ضمير ابن أبي ذئب.
[تنبيه]: رواية ابن أبي ذئب عن مهاجر بن مسمار هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٦٩٩٨) - أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصريّ، قال: ثنا ابن أبي فُديك [حدّثنا ابن أبي ذئب] (^٢) عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد، أنه أرسل إلى ابن سمرة العدويّ: حدِّثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يزال الدين قائمًا، حتى يكون اثنا عشر خليفةً من قريش، ثم يخرج كذّابون بين يدي الساعة، ثم يخرج عصابة من المسلمين يستخرجون كنز القصر الأبيض، كنز كسري، أو آل كسري، وإذا أُعطي أحدكم خيرًا، فليبدأ بنفسه، وأهله، وماله (^٣)، وأنا فَرَطكم على الحوض". انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٦/ ٢١٩.
(٢) سقط من نسخة أبي عوانة قوله: "حدّثنا ابن أبي ذئب"، ولا بدّ منه، ولذا ألحقته بين قوسين، فتنبّه.
(٣) هكذا النسخة: "وأهله وماله"، والظاهر أنه مصحّف من: "وأهل بيته"، كما هو نصّ مسلم، فليُتنبّه.
(٤) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤.
[ ٣١ / ٦٦٦ ]