وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٥] (١٨٢٣) - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي حِينَ أُصِيبَ، فَأَثْنَوْا عَلَيْه، وَقَالُوا: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا، فَقَالَ: رَاغِبٌ، وَرَاهِبٌ، قَالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أتحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا؟، لَوَدِدْتُ أَن حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ، لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي، فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ - وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ، فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ الله - ﷺ - غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ).
رجال هذا الإسناد: ستّة:
١ - (أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ) أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أسامة، تقدّم أيضًا قبل أربعة أبواب.
٣ - (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير، أبو المنذر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ فقيه، ربّما دلّس [٥] (ت ٥ أو ١٤٦) وله (٨٧) سنة (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٥٠.
٤ - (أَبُوهُ) عروة بن الزبير بن العوّام، تقدّم قبل باب.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله - ﵄ -، تقدّم في الباب الماضي.
٦ - (عُمَرُ) بن الخطّاب بن نُفيل بن عبد العزّى القرشيّ العدويّ، أمير المؤمنين، استُشهد - ﵁ - في الحجة سنة (٢٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين من هشام، والباقيان كوفيّان، وأن شيخه أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وقد جمعتهم بقولي:
[ ٣١ / ٦٦٧ ]
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيادٌ يُحْتَذَى
وأن عمر - ﵁ - أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وَليَ الخلافة عشر سنين ونصفًا، جمّ المناقب، ومات - ﵁ - شهيدًا.
وأن فيه روايةَ الابن عن أبيه، وصحابيّ عن صحابيّ - ﵄ -.
وأن ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة المجموعين في قولي:
وَإِنْ تُرِدْ مَعْرِفَةَ الْعَبَادِلَهْ … فَابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَمْرٍ عَادَلَهْ
مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَجْلِ عُمَرَا … وَغَلِّطَنْ مَنْ غَيْرَ هَذَا ذَكَرَا
إِذْ بَعْضُهُمْ نَجْلَ الزُّبَيْرِ تَرَكَا … وَنَجْلَ مَسْعُودٍ فَرِيقٌ أَشْرَكَا
وَكُلُّ ذَا غَيْرُ صَحِيحٍ فَاتَّبِعْ … سَبِيلَ مَنْ حَقَّقَ نَقْلًا تَنْتَفِعْ
وهو أحد المكثرين السبعة المجموعين أيضًا في قولي:
الْمُكْثِرُونَ فِي رِوَايَةِ الْخَبَرْ … مِنَ الصَّحَابَةِ الأَكَارِمِ الْغُرَرْ
أَبُو هُرَيْرَةَ يَلِيهِ ابْنُ عُمَرْ … فَأَنَسٌ فَزَوْجَةُ الْهَادِي الْبَشَرْ
ثُمَّ ابْنُ عَبّاسٍ يَلِيهِ جَابِرُ … وَبَعْدَهُ الْخُدْرِيُّ فَهْوَ آخِرُ
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: حَضَرْتُ أَبِي) عمر بن الخطّاب - ﵁ - (حِينَ أُصِيبَ)؛ أي: حين طعنه المجوسيّ، أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شُعبة، (فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ)؛ أي: وصفوه بأوصاف حسان، يقال: أثنى عليه خيرًا، وبخير، وأثنى عليه شرًّا، وبشرّ، بمعنى: وَصَفَه به، وقيل: لا يُستعمل إلَّا في الخير، والصواب الأول، وقد تقدّم البحث في هذا مستوفًى في "كتاب الصلاة" [٤١/ ١٠٧٦] (٤٧٧) عند شرح قوله: "أهلَ الثناء والمجد"، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(وَقَالُوا) بيّن في الرواية التالية أن القائل هو ابن عمر - ﵄ - نفسه حين قالت له حفصة - ﵂ -: "أعلمتَ أن أباك غير مستخلف؛ قال: فحلفت أن أكلِّمه في ذلك، فذكر القصّة، وأنه قال له: لو كان لك راعي غنم، ثم جاءك
[ ٣١ / ٦٦٨ ]
وتَرَكها، لرأيت أن قد ضَيَّعَ، فرعاية الناس أشدّ، وفيه قول عمر في جواب ذلك: إن الله يحفظ دينه". (جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا)؛ أي: أثابك الله تعالى خيرًا على ما قمت به من أمر المسلمين حقَّ القيام، وأحسنت إليهم أتمّ إحسان. (فَقَالَ) عمر - ﵁ - (رَاغِبٌ، وَرَاهِبٌ) خبر لمحذوف؛ أي: أنا راغب في رحمة الله تعالى، وراهب عن عقابه، وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "راغبٌ، وراهب"؛ أي: راج، وخائف، ومعناه: الناس صنفان: أحدهما يرجو، والثاني يخاف؛ أي: راغب في حصول شيء مما عندي، أو راهب مني، وقيل: أراد: إني راغب فيما عند الله تعالى، وراهب من عذابه، فلا أُعَوِّل على ما أثنيتم به عليّ، وقيل: المراد: الخلافة؛ أي: الناس فيها ضربان: راغبٌ فيها، فلا أحبّ تقديمه؛ لرغبته، وكاره لها، فأخشى عجزه عنها. انتهى (^١).
وقال ابن بطال - ﵀ -: يَحْتَمِل أمرين: أحدهما أن الذين أثنوا عليه إما راغب في حُسن رأيي فيه، وتقريبي له، وإما رأهب من إظهار ما يُضمِره من كراهته، أو المعنى: راغب فيما عندي، وراهب مني، أو المراد: الناس راغبٌ في الخلافة، وراهب منها، فإن وَلَّيت الراغب فيها خَشِيت أن لا يُعان عليها، وإن ولّيت الراهب منها، خَشِيت أن لا يقوم بها (^٢).
وقال القاضي عياض توجيهًا آخر: أنهما وَصْفان لعمر؛ أي: راغبٌ فيما عند الله، راهب من عقابه، فلا أُعَوِّل على ثنائكم، وذلك يَشْغَلني عن العناية بالاستخلاف عليكم. انتهى (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "راغب، وراهبٌ": هذا خبر مبتدأ محذوف؛ أي: أنتم على هذين الحالين، أو مبتدأ وخبره محذوف؛ أي: منكم راغبٌ، ومنكم راهبٌ، ثم ما الذي رَغِبُوا فيه، ورَهِبُوا منه؟ فظاهره أنه الثناء المتقدّم الذي أثنوا عليه؛ أي: منهم من رَغِب في الثناء؛ لغرض له، ومنهم من رَغِب عنه لِمَا يخاف منه، وقيل: راغب في الخلافة؛ لنيل منصبها، وراهب منها؛
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٢) "شرح البخاريّ" لابن بطّال ٨/ ٢٨٣.
(٣) "الفتح" ١٧/ ٥٩.
[ ٣١ / ٦٦٩ ]
لِعِظَم حقوقها، وشدّتها، وقيل: تقديره: أنا راغبٌ في الاستخلاف؛ لئلا يضيع المسلمون، وراهب منه؛ لئلا يُفَرّط المستخلَف، ويُقَصِّر فيما يجب عليه من الحقوق، وكلٌّ مُحْتَمِل، والله أعلم. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأَولى ما تقدّم من أن عمر - ﵁ - أراد أنه راغبٌ في رحمة الله تعالى، وراهب من عقابه، وسبب رَهَبه خوفه من أمر الخلافة؛ لإمكان التقصير فيها، وهذا منه - ﵁ - دليلٌ على شدّة خوفه من الله تعالى؛ إذ المرء كلما ازدادت معرفته بالله ازداد خوفًا منه، كما قال - ﷺ -: "إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له"، متَّفقٌ عليه، والله تعالى أعلم.
(قَالُوا: اسْتَخْلِفْ) الاستخلاف هو تعيين الخليفة عند موته خليفةً بعده، أو يعيّن جماعةً؛ ليتخيّروا منهم واحدًا. (فَقَالَ) عمر - ﵁ -، وقوله: (أتحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا؟) بتقدير همزة الاستفهام، وهو استفهام إنكاريّ، وفي رواية البخاريّ: "لا أتحمّلها حيًّا وميتًا"، (لَوَدِدْتُ)؛ أي: تمنيت، وهو بكسر الدال الأولي، وحُكي فتحها، قال الفيّوميّ - ﵀ -: وَدِدته أَوَدّه، من باب تَعِبَ وَدًّا بفتح الواو، وضقها: أحببته، والاسم: الْمَوَدَّة، وَوَدِدتُ لو كان كذا أَوَدّ أيضًا وُدًّا، ووَدَادةً بالفتح: تمنيته، وفي لغة: وَدَدتُ أَوَدّ بفتحتين، حكاها الكسائيّ، وهو غلطٌ عند البصريين (^٢)، وقال الزجّاج: لَمْ يَقُل الكسائي إلَّا ما سَمِعَ، ولكنّه سمعه ممن لا يوثق بفصاحته. انتهى (^٣). (أَنَّ حَظِّي مِنْهَا)؛ أي: الخلافة، (الْكَفَافُ) وفي رواية البخاريّ: "وَدِدت أني نجوت منها كفافًا" بفتح الكاف، وتخفيف الفاء؛ أي: مكفوفًا لا عنّي شرِّها وخيرها، وقوله: (لَا عَلَيَّ، وَلَا لِي) تفسير لمعنى "الكفاف"؛ أي: لا يكون عليّ شرّها، ولا يكون لي خيرها، بل أكون ناجيًا بنفسي، (فَإِنْ أَسْتَخْلِفْ)؛ أي: أعيّن خليفة، (فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٥.
(٢) وإنما كان غلطًا عندهم؛ لأنه لا يُفتح العين في الماضي والمضارع معًا إلَّا إذا كان عينه، أو لامه حرف حلق، وكلاهما منتفٍ هنا، فلا وجه للفتح، أفاده في "تاج العروس" ٢/ ٥٢٩.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٣.
[ ٣١ / ٦٧٠ ]
خَيْرٌ مِنِّي) وقوله: (يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ)؛ أي: يقصد عمر - ﵁ - بقوله: "من هو خير منّي": أبا بكر الصديق - ﵁ -، والعناية من بعض الرواة، ولم يبيّن لي من هو؟.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فقد استخلف من هو خير مني"؛ يعني: أن أبا بكر - ﵁ - استخلف عمر - ﵁ -، ونصّ عليه، وعيَّنه، وهذا لا خلاف في أن الأمر كذلك وقع، ولا في أنَّ هذا طريق مشروع في الاستخلاف، ثم إن عمر - ﵁ - سلك طريقةً بين طريقتين، جمعت له الاقتداء بهما، فاقتدى برسول الله - ﷺ - في أنه لَمْ ينصّ على واحدٍ بعينه، فصَدَقَ عليه أنه غير مستخلِف، واقتدى بأبي بكر من حيث إنه لَمْ يترك أمر المسلمين مهملًا، فإنه جعل الأمر شُورى في ستة، ممن يصلح للخلافة، وفوّض التعيين لاختيارهم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" عند قوله: "لا أتحملها حيًّا وميتًا": وقد بَيّن عمر - ﵁ - عُذره في ذلك، لكنه لمّا أَثَّر فيه قول عبد الله بن عمر، حيث مَثّل له أمر الناس بالغنم مع الراعي، خَصّ الأمر بالستة، وأمرهم أن يختاروا منهم واحدًا، وإنما خص الستة؛ لأنه اجتمع في كلّ واحد منهم أمران: كونه معدودًا في أهل بدر، ومات النبيّ - ﷺ -، وهو عنه راضٍ، وقد صَرَّح بالثاني حيث قال: "ما أجد أحدًا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين تُوُفّي رسول الله - ﷺ -، وهو عنهم راض … "، فذكرهم، وأما الأول فأخرجه ابن سعد، من طريق عبد الرَّحمن بن أبزي، عن عمر - ﵁ - قال: "هذا الأمر في أهل بدر، ما بقي منهم أحدٌ، ثم في أهل أُحُدٍ، ثم في كذا، وليس فيها لطَلِيق، ولا لِمُسْلِمة الفتح شيء"، وهذا مصير منه إلى اعتبار تقديم الأفضل في الخلافة.
قال ابن بطال - ﵀ - ما حاصله: إن عمر - ﵁ - سلك في هذا الأمر مسلكًا متوسطًا؛ خشية الفتنة، فرأى أن الاستخلاف أضبط لأمر المسلمين، فجعل الأمر معقودًا موقوفًا على الستة؛ لئلا يترك الاقتداء بالنبيِّ - ﷺ -، وأبي بكر، فأخذ من فعل النبيِّ - ﷺ - طَرَفًا، وهو ترك التعيين، ومِنْ فِعل أبي بكر - ﵁ -
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٤.
[ ٣١ / ٦٧١ ]
طرفًا، وهو العقد لأحد الستة، وإن لَمْ ينصّ عليه. انتهى ملخصًا (^١).
(وَإِنْ أَتْرُكْكُمْ)؛ أي: من غير استخلاف، (فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي) وقوله: (رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بالرفع على البدليّة من "مَنْ".
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فإن رسول الله - ﷺ - لَمْ يستخلف"؛ أي: لَمْ يَنُصّ على خليفة، لا على أبي بكر، ولا على غيره، وهذا هو مذهب جماعة من أهل السُّنَّة، والصحابة، ومن بعدهم، وقد ذهب بكر بن أخت عبد الواحد إلى أن تقديم أبي بكر كان بالنصّ من النبيِّ - ﷺ -، وذهب ابن الراونديّ إلى أنه نصّ على العباس، وذهبت الشيعة، والرافضة إلى أنه نصَّ على عليّ، وكل ذلك أقوال باطلة قطعًا؛ إذ لو كان ذلك لكان المهاجرون والأنصار أعرف بذلك، فإنهم اختلفوا في ذلك يوم السَّقيفة، وقال كلّ واحد منهم ما عنده في ذلك من النظر، ولم ينقل منهم أحدٌ نصًّا على رجل بعينه، ولو كان عندهم نصُّ لاستحال السكوت عليه في مثل ذلك الوقت العظيم، والخَطْب المهمّ الجسيم، والحاجة الفادحة، مع عدم التقيّة والتواطُؤ من ذلك الجمع على الكتمان، ومُدَّعِي النصّ في ذلك كاذب قطعًا، فلا يُلْتَفَتُ إليه، وكل من ذُكِر له خلاف في هذه المسألة لا يُعْتَدُّ بخلافه، فإنه إما مُكَفِّر، وإما مُفَسِّق مُبَدَّع، ومن كان كذلك لا يُعتد بخلافه، والمسألة إجماعية قطعية، والله الموفّق. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^٢).
(قَالَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر - ﵄ - (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ)؛ أي: عمر - ﵁ -، (حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) لأنه لا يقدَّم أحدًا عليه - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عمر (^٣) - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
_________________
(١) "شرح البخاريّ" لابن بطَّال ٨/ ٢٨٣، و"الفتح" ١٧/ ٦٠، كتاب "الإحكام" رقم (٧٢١٨).
(٢) "المفهم" ٤/ ١٣ - ١٤.
(٣) الحديث من مسند عمر - ﵁ -، لا من مسند ابن عمر، كما في "تحفة الأشراف" ٨/ ٦٤، =
[ ٣١ / ٦٧٢ ]
(المسألة الثانيه): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢/ ٤٧٠٥ و٤٧٠٦] (١٨٢٣)، و(البخاريّ) في "الإحكام" (٧٢١٨)، و(أبو داود) في "الخراج والإمارة" (٢٩٣٩)، و(الترمذي) في "الفتن" (٢٢٢٥)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٧٦٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ٩)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٤٣ و٤٦ و٤٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٧٤ - ٣٧٥)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٤٣)، و(البزّار) في "مسنده" (١/ ٢٢٠ و٢٥٧)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٤٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٧٨)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٣٤٣/ ٣ و٣٥٣)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ١٠١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤٨ - ١٤٩) و"شعب الإيمان" (٦/ ٦)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٢٤٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أن للإمام أن يفعل في الاستخلاف ما فيه المصلحة للمسلمين، فإن رأى أن لا يستخلف لا يستخلف، كما فعل رسول الله - ﷺ -، وإن رأى أن يستخلف استَخلف، كما فعل أبو بكر - ﵁ -.
قال النوويّ - ﵀ -: أجمع المسلمون على أنَّ الخليفة إذا حضرته مقدمات الموت، وقبل ذلك يجوز له الاستخلاف، ويجوز له تركه، فإن تَرَكَه فقد اقتدى بالنبيّ - ﷺ - في هذا، وإلا فقد اقتدى بأبي بكر.
٢ - (ومنها): أنهم أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهلّ الحلّ والعقد لإنسان إذا لَمْ يستخلف الخليفة.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قد حصل من هذا الحديث أنَّ نَصْبَ الإمام لا بدَّ منه، وأن لنصبه طريقين: أحدهما: اجتهاد أهل الحلّ والعقد، والآخر: النصُّ؛ إما على واحدٍ بعينه، وإما على جماعة بأعيانها، ويفوّض التخيير إليهم في تعيين واحدٍ منهم، وهذا مما أجمع عليه السَّلف المصالح، ولا مبالاة
_________________
(١) = فقول الشيخ الهرريّ في "شرحه": من خماسيات المصنِّف، ظنًّا منه أنه من مسند ابن عمر - ﵄ - ما، فيه نظر لا يخفى؛ فتنبّه.
[ ٣١ / ٦٧٣ ]
بخلاف أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم. انتهى.
٣ - (ومنها): أنهم أجمعوا أيضًا على جواز جعل الخليفة الأمر شُورى بين جماعة، كما فَعَل عمر - ﵁ - بالستة.
٤ - (ومنها): ما قال ابن بطال - ﵀ -: وفي هذه القصّة دليلٌ على جواز عقد الخلافة من الإمام المتولّي لغيره بعده، وأن أمْره في ذلك جائز على عامّة المسلمين؛ لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عَهِده أبو بكر لعمر - ﵄ -، وكذا لَمْ يختلفوا في قبول عهد عمر - ﵁ - إلى الستة، قال: وهو شبيه بإيصاء الرجل على ولده؛ لكون نَظَره فيما يَصلح أتَمَّ من غيره، فكذلك الإمام. انتهى.
٥ - (ومنها): أن فيه ردًّا على من جزم؛ كالطبري وقبله بكر بن أخت عبد الواحد، وبعده ابن حزم بأن النبيّ - ﷺ - استَخْلَف أبا بكر، قال ابن بطّال: وجْه ذلك جزمُ عمر - ﵁ - بأنه لَمْ يستخلِف - ﷺ -، لكن تمسَّك من خالفه بإطباق الناس على تسمية أبي بكر خليفة رسول الله - ﷺ -، واحتَجّ الطبريّ أيضًا بما أخرجه بسند صحيح، من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: رأيت عمر يُجَلِّس الناسَ، ويقول: اسمعوا لخليفة رسول الله - ﷺ -.
قال الحافظ: ونظيره ما في البخاريّ من قول أبي بكر - ﵁ -: "حتى يُرِيَ اللهُ خليفةَ نبيِّه - ﷺ -" (^١).
ورُدّ بأن الصيغة يَحْتَمِل أن تكون من مفعول، ومن فاعل، فلا حجة فيها، ويترجح كونها من فاعل: جزم عمر - ﵁ - بأنه لَمْ يستخلف، وموافقة ابن عمر له على ذلك، فعلى هذا فمعنى خليفة رسول الله: الذي خَلَفه، فقام بالأمر بعده، فسُمّي خليفة رسول الله لذلك، وأن عمر أطلق على أبي بكر خليفة رسول الله، بمعنى أنه أشار إلى ذلك بما تضمّنه حديث الباب وغيره، من الأدلة، وإن لَمْ
_________________
(١) هو ما أخرجه البخاريّ في "صحيحه" (٦/ ٢٦٣٩) عن طارق بن شهاب، عن أبي بكر - ﵁ - قال لوفد بُزَاخة: تَتْبعون أذناب الإبل، حتى يُرِيَ الله خليفة نبيّه - ﷺ -، والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به". راجع: تمام قصّتهم في "الفتح" ١٧/ ٦٤ - ٦٥ رقم (٧٢٢١).
[ ٣١ / ٦٧٤ ]
يكن في شيء منها تصريح، لكن مجموعها يؤخذ منه ذلك، فليس في ذلك خلاف لِمَا رَوَى ابن عمر عن عمر - ﵄ -.
٦ - (ومنها): أن فيه ردًّا على مَن زعم من الراوندية أن النبيَّ - ﷺ - نَصّ على العباس، وعلى قول الروافض كلها: إنه نصّ على عليّ، ووجه الردّ عليهم إطباق الصحابة على متابعة أبي بكر، ثم على طاعته في مبايعة عمر، ثم على العمل بعهد عمر في الشوري، ولم يَدَّع العباس، ولا عليّ أنه - ﷺ - عَهِد له بالخلافة.
وقال النوويّ - ﵀ -: وأجمعوا على أنَّه يجب على المسلمين نصب خليفة، ووجوبه بالشرع، لا بالعقل، وأما ما حُكِي عن الأصمّ أنه قال: لا يجب، وعن غيره: أنه يجب بالعقل، لا بالشرع فباطلان، أما الأصمّ فمحجوج باجماع من قبله، ولا حجة له في بقاء الصحابة بلا خليفة في مدّة التشاور يوم السقيفة، وأيام الشورى بعد وفاة عمر - ﵁ -؛ لأنهم لَمْ يكونوا تاركين لنصب الخليفة، بل كانوا ساعين في النظر في أمر مَن يُعقد له، وأما القائل الآخر ففساد قوله ظاهر؛ لأنَّ العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحسّنه، ولا يقبّحه، وإنما يقع ذلك بحسب العادة، لا بذاته.
٧ - (ومنها): ما قال النوويّ - ﵀ - أيضًا: وفي هذا الحديث دليل أن النبيَّ - ﷺ - لَمْ ينص على خليفة، وهو إجماع أهل السُّنَّة وغيرهم، قال القاضي عياض: وخالف في ذلك بكر بن أخت عبد الواحد، فزعم أنه نصّ على أبي بكر، وقال ابن راونديّ: نصّ على العباس، وقالت الشيعة والرافضة: على عليّ، وهذه دعاوى باطلة، وجسارة على الافتراء، ووقاحة في مكابرة الحسّ؛ وذلك لأنَّ الصحابة - ﵃ - أجمعوا على اختيار أبي بكر، وعلى تنفيذ عهده إلى عمر، وعلى تنفيذ عهد عمر بالشوري، ولم يخالف في شيء من هذا أحد، ولم يَدَّع عليّ، ولا العباس، ولا أبو بكر وصيّة في وقت من الأوقات، وقد اتفق عليّ والعباس على جميع هذا من غير ضرورة مانعة، مِنْ ذِكر وصيّة لو كانت، فمن زعم أنه كان لأحد منهم وصية، فقد نسب الأمة إلى اجتماعها على الخطأ، واستمرارها عليه، وكيف يَحِلّ لأحد من أهل القبلة أن ينسب الصحابة إلى المواطأة على الباطل في كلّ هذه الأحوال؟ ولو كان شيء لنُقِل، فإنه من
[ ٣١ / ٦٧٥ ]
الأمور المهمة. انتهى كلام النوويّ (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٦] (…) - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ، قَالَ إِسْحَاقُ، وَعَبْدٌ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَباكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟ قَالَ: قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ، قَالَتْ: إِنَّهُ فَاعِلٌ، قَالَ: فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ، فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ، وَلَمْ أُكَلِّمُهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا، حَتَّى رَجَعْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْه، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاس، وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً، فَآلَيْتُ أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ، وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ، أَو رَاعِي غَنَم، ثُمَّ جَاءَكَ، وَتَرَكَهَا، رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ، قَالَ: فَوَافَقَهُ قَوْلِي، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ، وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ (^٢)، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَأبا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللهِ كتَ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ).
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل أربعة أبواب.
٢ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ) بن نصر، أبو محمد الكسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٤٩) (خت م ت) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣١.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٥ - ٢٠٦.
(٢) وفي نسخة: "وإني إن لا أستخلف".
[ ٣١ / ٦٧٦ ]
٤ - (الزُّهْرِيُّ) محمد بن مسلم، تقدّم قريبًا.
٥ - (سَالِمُ) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشيّ الْعَدويّ، أبو عمر، أو أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، عابد، فاضلٌ، من كبار [٣] (ت ١٠٦) على الصحيح (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٢.
والباقون ذُكروا في الإسنادين الماضيين، وعبد الرزّاق هو: ابن همّام الصنعانيّ، ومعمر: هو ابن راشد اليمنيّ.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ) بنت عمر، شقيقته - ﵃ - (فَقَالَتْ: أَعَلِمْتَ أَنَّ أَبَاكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ؟) هذا يَحْتَمل أنَّها سألت عمر - ﵁ - عن ذلك، فأخبرها به، أو سمعت جواب من سأله، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) ابن عمر (قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَفْعَلَ)؛ أي: تَرْك الاستخلاف؛ يعني: أن عمر - ﵁ - لا يترك الاستخلاف؛ لأنه من مهمات الدِّين. (قَالَتْ) حفصة (إِنَّهُ فَاعِلٌ)؛ أي: فاعلٌ تَرْك الاستخلاف، (قَالَ) ابن عمر (فَحَلَفْتُ أَنِّي أُكَلِّمُهُ فِي ذَلِكَ)؛ أي: في شأن الاستخلاف. (فَسَكَتُّ حَتَّى غَدَوْتُ)؛ أي: ذهبت إليه وقت الصباح، يقال: غدوت غُدُوًّا، من باب قعد: ذهبتُ غُدْوةً، وهي ما بين صلاة الصبح، وطلوع الشمس، هذا أصله، ثم كثُر استعماله في الذهاب والانطلاق أي وقت كان، ومنه قوله - ﷺ -: "واغْدُ يا أُنيس إلى امرأة هذا … " الحديث، متّفقٌ عليه؛ أي: اذهب، وانطلق (^١). (وَلَمْ أكُلِّمْهُ، قَالَ: فَكُنْتُ كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا) معناه: أنه يشقّ عليه أن يتكلّم عند عمر - ﵁ - في هذا الأمر، إما لأنَّ الموضوع خطير، ومكالمة الفاروق - ﵁ - في ذلك مَهيب، وإما لأنه كان في الحضّ على الاستخلاف في موضع تهمة، فربّما يُخيّل إلى بعض الناس أنه يطمع في استخلافه نفسه، والله تعالى أعلم (^٢).
وقيل: معنى "كَأَنَّمَا أَحْمِلُ بِيَمِينِي جَبَلًا حَتَّى رَجَعْتُ"؛ أي: بسبب
_________________
(١) راجع: "المصباح" ٢/ ٤٤٣.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٣/ ٢٩٢.
[ ٣١ / ٦٧٧ ]
يميني، يريد أنه ثَقُل عليه أن لا يكلّمه فيما حلف أن يكلّمه فيه حتى كأنه يَحمل جبلًا، وأنه لَمْ يزل كذلك إلى أن عاد، فكلّمه.
وقال القرطبيُّ - ﵀ -: قول ابن عمر: "كأنما أحمل بيميني جبلًا" يعني: أنه وجد ثقلًا بسبب خوفه من الحنث في يمينه؛ لأنَّها كانت على إثباتٍ، فهو في الحال على حِنْث؛ لأنه مخالف لِمَا حلف عليه، وأراد ابن عمر، أنه وجد من الثِّقَل بسبب اليمين التي حلفها كثقل مَنْ يحمل جبلًا، هو تشبية واستعارة. انتهى (^١).
(فَدَخَلْتُ عَلَيْه، فَسَأَلَنِي عَنْ حَالِ النَّاس، وَأَنَا أُخْبِرُهُ، قَالَ: ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً، فَآلَيْتُ)؛ أي: أقسمت (أَنْ أَقُولَهَا لَكَ، زَعَمُوا أَنَّكَ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا إنما قاله الناس حين طُعِن عمر - ﵁ -، وسَقَوه لبنًا، فخرج من طعنته، فيئسوا منه، وعلموا أنه هالك، فجرى ذلك. انتهى (^٢).
(وَإِنَّهُ لَوْ كَانَ لَكَ رَاعِي إِبِلٍ، أَو رَاعِي غَنَمٍ، ثمَّ جَاءَكَ، وَتَرَكَهَا، رَأَيْتَ أَنْ قَدْ ضَيَّعَ) "أن" مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدَّر؛ أي: أنه قد ضيّعها؛ أي: فرّط فيها، وأهملها، والمعنى أنك تؤاخذ الراعي بأنه ضيّع الغنم بتركها بلا راع، فإذا كان الراعي يعدّ مقصِّرًا بتركها دون أن يستخلف عليها من يقوم بحفظها، فالإمام الذي يترك الناس بلا استخلاف خليفة عليهم أجدر أن يكون مهملًا مقصّرًا؛ لأنَّ الأمر في حِفْظ الناس ورعايتهم أشدّ، وآكد من أمر رعاية الإبل والغنم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: في كلام ابن عمر - ﵄ - هذا من الفقه استعمالُ القياس، فإنه قَرَّرَ على الأصل المعلوم، وهي رعاية الغنم والإبل، ثم حَمَل عليه رعاية الناس، ورأى أنَّها أَولى، فكأنَّ ذلك إلحاقُ مسكوتٍ عنه بمنطوقٍ به على طريق الأَوْلى، وهو نوع من أنواع الإلحاق، كما يُعرف في موضعه. انتهى (^٣).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٢.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٢.
(٣) "المفهم" ٤/ ١٢.
[ ٣١ / ٦٧٨ ]
(فَرِعَايَةُ النَّاسِ)؛ أي: سياستهم، وتدبير شؤونهم (أَشَدُّ، قَالَ) ابن عمر (فَوَافَقَهُ قَوْلي)؛ أي: ناسَبَ عمر قولي هذا، وصوّبه.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله: "فوافقه قولي"؛ يعني: أنه مال إليه، ونظر فيه، ولذلك وضع عمر - ﵁ - رأسه يفكر في المسألة، ثم لَمَّا لاح له نَظَرٌ آخر أخذ يُبْدِيه، فرفع رأسه، وقال: "إن الله يحفظ دينه"، وإنما قال ذلك للذي قد عَلِمه من قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٣]، ومن قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية [النور: ٥٥]، ولغير ذلك مما بَشَّر به النبيّ - ﷺ - من استيلاء المسلمين، وما يفتح الله تعالى عليهم من المشارق والمغارب، ومن قوله - ﷺ -: "إنَّ الله زَوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن مُلك أُمَّتِي سيبلغ ما زَوَى لي منها"، وغير ذلك. انتهى (^١).
(فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً، ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَحْفَظُ دِينَهُ)؛ يعني: أن هنا فرقًا بين ما ذكرت من قضيّة الراعي، وبين قضيّة رعاية الناس، ذلك أن ربّ الإبل، والغنم لا يقدر على حفظها إذا تركها، وغاب عنها، وأما رعاية الناس، فليست كذلك؛ لأنَّ الله - ﷾ - يحفظ دينه، وإن تركت الاستخلاف؛ لِمَا وعد به من ذلك، حيث قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤]. وإذا ظهر الفرق فلي في عدم الاستخلاف أكبر أسوة، وأعظم حجة، وهو عدم استخلافه - ﷺ -؛ لِمَا يُعلم من أن الله تعالى يتولّى دينه، ويحفظه، فكان كذلك.
(وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ) وفي بعض النسخ: "فَإني إن لا أستخلف"، (فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَمنَّ أَبَا بَكْرٍ) - ﵁ - (قَدِ اسْتَخْلَفَ، قَالَ) ابن عمر - ﵄ - (فَوَاللهِ مَا هُوَ)؛ أي: الأمر والشأن (إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ) يقال: عدلت هذا بهذا عَدْلًا، من باب
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٢.
[ ٣١ / ٦٧٩ ]
ضرب: إذا جعلته مِثله قائمًا مقامه، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]؛ أي: لَمْ يكن عمر - ﵁ - ليساوي (بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَحَدًا) لأنه عنده أعظم من كلّ عظيم، (وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ) اقتداء به - ﷺ -، ثم إنه - ﵁ - اختار أمرًا بين أمرين، فلم يستخلف أحدًا بعينه، ولا ترك الأمر دون إرشاد، وإنما فوّض تعيين الخليفة إلى ستّة من العشرة المبشّرين بالجنّة الذين تُوفّي رسول الله - ﷺ -، وهو عنهم راض، فاتّفقوا على عثمان - ﵁ -، فاستقام الأمر، والحمد لله أولًا وآخرًا.
والحديث دون قصّة حفصة متّفقٌ عليه، وقد مضى تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.