وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٥] (١٨٧٠) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَابَقَ بِالْخَيْلِ (^٣) الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ (^٤) مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
_________________
(١) " مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٦.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ١٠.
(٣) وفي نسخة: "بين الخيل".
(٤) وفي نسخة: "لم تُضَمَّرْ" بتشديد الميم، من التضمير.
[ ٣٢ / ٣١٠ ]
وقد تقدّموا في أول الباب الماضي، وهو من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٤٦) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - سَابَقَ)؛ أي: أمر بالسباق، أو أباحه، قال القرطبيّ - ﵀ -: المسابقة: مفاعلة، ولا تكون إلا من اثنين، وذلك أن المتسابقين إذا جَعَلا غاية، وقصدا نحوها، فإن خيل كل واحد منهما يسابق صاحبه إليها. انتهى (^١).
(بِالْخَيْلِ) وفي بعض النسخ: "بين الخيل"، (الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ) بالبناء للمفعول، من الإضمار، ويجوز أيضًا أن يكون ضُمِّرت "من التضمير، يقال: ضَمَرَ الفرَسُ ضُمُورًا، من باب قَعَد، وضَمُر ضُمْرًا، مثلُ قَرُبَ قُرْبًا: دَقَّ، وقَلَّ لحمه، وضَمّرته، وأضمرته: أعددته للسِّبَاقِ، وهو أن تَعْلِفه قُوتًا بعد السِّمَنِ، فهو ضامرٌ، وخيلٌ ضامرةٌ، وضوامر، والْمِضمار: الموضع الذي تُضمر فيه الخيل، قاله الفيّوميّ (^٢).
وقال القرطبيّ: إضمار الخيل هو أن تُسَمَّن، وتصان، ثم يُقَلّل عَلَفها، ثم يُجرى على التدريج، وتُجَلَّل؛ ليجفّ عرقها، فتتصلب بفعل ذلك بها، حتى يذهب لحمها، وتبقى فيها القوّة، والموضع الذي تضمّر فيه يسمى مضمارًا. انتهى (^٣).
وقال في "الفتح": المراد بالإضمار: أن تُعْلَف الخيل حتى تَسْمَن، وتَقْوَى، ثم يُقَلَّل علفها بقدر القوت، وتُدخَل بيتًا، وتُغشَى بالجلال، حتى تَحْمَى، فتَعْرَق، فإذا جَفَّ عرقها خَفّ لحمها، وقَوِيَت على الْجَرْيِ. انتهى (^٤).
(مِنَ الْحَفْيَاءِ) - بفتح الحاء المهملة، وسكون الفاء، ممدودًا، وزان حَمْراء، ويُقصَر -: موضع بظاهر المدينة، ويقال: بتقديم الياء على الفاء (^٥).
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٠.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٦٤.
(٣) "المفهم" ٣/ ٧٠٠.
(٤) "الفتح" ٧/ ١٤٧، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٧٠).
(٥) راجع: "المصباح" ١/ ١٤٣، و"القاموس" ص ٣٠٦.
[ ٣٢ / ٣١١ ]
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "من الحفياء إلى ثنية الوداع": هي بحاء مهملة، وفاء ساكنة، وبالمد والقصر، حكاهما القاضي، وآخرون، والقصر أشهر، والحاء مفتوحة بلا خلاف، وقال صاحب "المطالع": وضَبَطه بعضهم بضمها، قال: وهو خطأ، قال الحازميّ في "المؤتلف": ويقال فيها أيضًا: الحيفاء بتقديم الياء على الفاء، والمشهور المعروف في كتب الحديث وغيرها: الحفياء، قال سفيان بن عيينة: بين ثنية الوداع والحفياء خمسة أميال، أو ستة، وقال موسى بن عقبة: ستة، أو سبعة، وأما ثنية الوداع: فهي عند المدينة، سُمِّيت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة يَمشي معه المودِّعون إليها. انتهى (^١).
(وَكَانَ أَمَدُهَا)؛ أي: غايتها (ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ) "الثنيّة" لغةً: الطريق إلى العقبة، قال القرطبيّ: وبين الحفياء وثنية الوداع خمسة أميال، أو ستة، على ما قاله سفيان، وقال ابن عقبة: ستة أميال، أو سبعة، وسمّيت ثنيةُ الوداع بذلك؛ لأن الخارج منها يُوَدِّعُ مُشَبِّعهُ عندها، وهي التي قالت فيها نساء الأنصار، فيما يُحْكَى:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا … مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
يَعْنُون بذلك النبيّ - ﷺ -، وبين الثنية ومسجد بني زُرَيق ميل واحد. انتهى (^٢).
(وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ) تقدّم أنه من الإضمار، أو التضمير، (مِنَ الثَّنِيَّة) "أل" فيه عهديّة؛ أي: ثنيّة الوداعِ المذكورة (إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ) - بضمّ الزاي، وفتح الراء آخره قاف - بصيغة التصغير، وبنو زُريق بطن من الأنصار، من الخزرج، وهو زُريق بن عامر بن زُريق بن عبد حارثة بن مالك بن غضب بن جُشَم بن الْخَزْرَج (^٣).
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) - ﵄ - (فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا)؛ أي: بالخيل التي لم تُضمر، وفي رواية حمّاد، وابن عليّة التالية: "قال عبد الله: فجئت سابقًا، فطفّف بي الفرس المسجد"، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ١٤.
(٢) "المفهم" ٣/ ٢٣.
(٣) "اللباب" ٢/ ٦٥، و"الأنساب" ٣/ ١٤٦ - ١٤٧.
[ ٣٢ / ٣١٢ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٢٥/ ٤٨٣٥ و٤٨٣٦] (١٨٧٠)، و(البخاريّ) في "الصلاة" (٤٢٠) و"الجهاد" (٢٨٦٨ و٢٨٦٩ و٢٨٧٠)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٥٧٧)، و(الترمذيّ) في "الجهاد" (١٦٩٩)، و(النسائيّ) في "الخيل" (٦/ ٢٢٦) و"الكبرى" (٣/ ٤١)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٧٧)، و(مالك) في "الموطّأ" (٢/ ٤٦٧ - ٤٦٨)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٩٦٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٥ و١١ و٥٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٢١٢)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦٨٦ و٤٦٨٧)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٣٤٥٩)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢/ ٣٩٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٤٠ و٤٤١ و٤٤٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٢٠٩)، و(الدارقطنيّ) في "سننه" (٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٩)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٦٥٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان جواز المسابقة بين الخيل، وهو مجمَع عليه، وذلك مما خُصّ، وخَرَج من باب القمار بالسُّنَّة الواردة فيه، وكذلك هو خارج من باب تعذيب البهائم؛ لأن الحاجة إليها تدعو إلى تأديبها، وتدريبها.
وقال في "الفتح": في الحديث مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو، والانتفاع بها عند الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة، بحسب الباعث على ذلك.
قال القرطبيّ: لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة؛ لِمَا في ذلك من التدريب على الحرب. انتهى (^١).
_________________
(١) "الفتح" ٧/ ١٤٧، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٧٠).
[ ٣٢ / ٣١٣ ]
وقال النوويّ: اختَلف العلماء في أن المسابقة بينهما مباحة، أم مستحبة؟ ومذهب أصحابنا أنها مستحبة؛ لِمَا ذكرناه، وأجمع العلماء على جواز المسابقة بغير عوض، بين جميع أنواع الخيل: قويِّها مع ضعيفها، وسابِقها مع غيره، سواء كان معها ثالث أم لا، فأما المسابقة بعِوَض فجائزة بالإجماع، لكن يشترط أن يكون العوض من غير المتسابقين، أو يكون بينهما، ويكون معهما محلِّل، وهو ثالثٌ على فرس مكافئ لفرسيهما، ولا يُخرج المحلِّل من عنده شيئًا؛ لِيَخْرج هذا العقد عن صورة القمار، وليس في هذا الحديث ذِكر عِوَض في المسابقة. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": وقد أجمع العلماء كما تقدّم على جواز المسابقة بغير عوض، لكن قَصَرها مالك، والشافعيّ على الخفّ، والحافر، والنصل، وخصّه بعض العلماء بالخيل، وأجازه عطاء في كل شيء، واتفقوا على جوازها بِعِوَض بشرط أن يكون من غير المتسابقين؛ كالإمام، حيث لا يكون له معهم فرس، وجوّز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين، وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يُخرج من عنده شيئًا؛ ليخرج العقد عن صورة القمار، وهو أن يُخرج كل منهما سَبَقًا، فمن غلب أخذ السبقين، فاتفقوا على منعه، ومنهم من شرط في المحلِّل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق. انتهى.
٢ - (ومنها): بيان أن المسابقة بين الخيل يجب أن يكون أمدها معلومًا، وأن تكون الخيل متساوية الأحوال، أو متقاربة، وأن لا يُسابَق بالمضمَّر مع غير المضمَّر.
٣ - (ومنها): جواز تضمير الخيل، وهو مجمَع عليه أيضًا؛ للمصلحة في ذلك، وتدريب الخيل، ورياضتها، وتمرّنها على الجري، وإعدادها لذلك؛ لينتفع بها عند الحاجة في القتال كرًّا وفَرًّا.
قال في "الفتح": ولا يخفى اختصاص استحبابه بالخيل المعدّة للغزو. انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٣/ ١٤.
[ ٣٢ / ٣١٤ ]
٤ - (ومنها): بيان مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة.
٥ - (ومنها): أن فيه نسبةَ الفعل إلى الآمر به؛ لأن قوله: "سابق"؛ أي: أمر، أو أباح.
٦ - (ومنها): أن فيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبةً، لا مجرد إرسال الفرسين بغير راكب؛ لقوله في الحديث: "وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها"، قال الحافظ: كذا استدلّ به بعضهم، وفيه نظرٌ؛ لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة الركوب، وإنما احتجّ الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب، وربما نَفَرت، وفيه نظر؛ لأن الاهتداء لا يختص بالركوب، فلو أن السائس كان ماهرًا في الجري، بحيث لو كان مع كل فرس ساع يَهديها إلى الغاية لأمكن.
٧ - (ومنها): بيان جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين، وقد ترجم له البخاريّ بذلك في "كتاب الصلاة"، فقال: "باب هل يقال: مسجد بني فلان؟ "، ثم أورد حديث الباب، قال في "الفتح": ويلتحق به جواز إضافة أعمال البرّ على أربابها، قال: والجمهور على الجواز، والمخالف في ذلك إبراهيم النخعيّ، فيما رواه ابن أبي شيبة عنه أنه كان يكره أن يقول: مسجد بني فلان، ويقول: مصلَّى بني فلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: ١٨]، وجوابه أن الإضافة في مثل هذا إضافة تمييز، لا إضافة ملك. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): أن فيه جوازَ معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبًا لها في غير الحاجة؛ كالإجاعة، والإجراء.
٩ - (ومنها): أن فيه تنزيلَ الخَلق منازلهم؛ لأنه - ﷺ - غاير بين منزلة المضمَّر وغير المضمَّر، ولو خَلَطَهما لأتعب غير المضمر (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٣٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو الرَّبِيعِ، وَأَبُو كَامِلٍ،
_________________
(١) "الفتح" ٢/ ٧٧، كتاب "الصلاة".
(٢) "الفتح" ٧/ ١٤٧، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٧٠).
[ ٣٢ / ٣١٥ ]
قَالُوا: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ - عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى - وَهُوَ الْقَطَّانُ - جَمِيعًا عَنْ عُبَيْدِ الله (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، وَابْنُ أَبِي عُمَرَ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ (ح) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ - يَعْنِي: ابْنَ زَيْدٍ - كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ أَيُّوبَ، مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادٍ، وَابْنِ عُلَيَّةَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَجِئْتُ سَابِقًا، فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجِدَ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة وثلاثون:
١ - (خَلَفُ بْنُ هِشَامِ) بن ثعلب البزّار المقرئ البغداديّ، ثقةٌ، له اختيارات في القراءة [١٠] (ت ٢٢٩) (م د) تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
٢ - (أَبُو أُسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة بن زيد القرشيّ مولاهم الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠١) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ) بن يحيى اليشكريّ، أبو قُدامة السّرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٤ - (يَحْيَى الْقَطَّانُ) بن سعيد التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمام قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) وله (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٨٥.
٥ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ) الضبيّ، تقدّم قريبًا.
٦ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأمويّ المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٦] (ت ١٤٤) أو قبلها (ع) تقدّم في "الإيمان" ٧/ ١٣٢.
٧ - (عَبْدُ الرَّزَّاقِ) بن همّام بن نافع الْحِمْيريّ، أبو بكر الصنعانيّ، ثقةٌ
[ ٣٢ / ٣١٦ ]
حافظٌ مصنّفٌ شهيرٌ، عَمِي في آخره، فتغيّر، وكان يتشيّع [٩] (ت ٢١١) وله (٨٥) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
٨ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكيّ، تقدّم قريبًا.
٩ - (مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيّاش الأسديّ مولاهم، المدنيّ، ثقةٌ فقيهٌ، إمام في المغازي [٥] (ت ١٤١)، أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٨١/ ٤٣٣.
١٠ - (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (١٧٣)، وهو ابن بضع و(٧٠) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
والباقون تقدّموا في الباب، والأبواب الأربعة الماضية.
[تنبيه]: قوله: (وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عمر) قال الحافظ أبو عليّ الغسّانيّ - ﵀ -: هكذا هو في الكتاب من جميع الطرق التي رويناه بها، وذكره أبو مسعود الدمشقيّ عن مسلم، عن زُهير بن حرب، عن إسماعيل ابن عُليّة، عن أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، عن ابن عمر، بمثل حديث مالك، فزاد في الإسناد: "ابن نافع"، قال: والذي قاله أبو مسعود محفوظ عن جماعة، من أصحاب ابن عليّة.
قال الدارقطنيّ في "كتاب العلل" - وذَكَر هذا الحديث -: يرويه أحمد بن حنبل، وعليّ ابن المدينيّ، وداود بن رُشيد، عن ابن عُليّة، عن أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، عن ابن عمر.
وهذا شاهد لِمَا ذكره أبو مسعود عن مسلم، عن زُهير، عن ابن عُليّة.
قال الدارقطنيّ: وخالفهم مسدّد، وزياد بن أيوب، روياه عن ابن عُليّة، عن أيوب، عن نافع، لم يذكرا بينهما أحدًا، قال: وكذلك رواه حاتم بن وَرْدان، عن أيوب، عن نافع.
قال الجيّانيّ: حدّثنا أحمد بن عُمر الْعُذريّ، نا أبو ذرّ الْهَرَويّ، قال: نا أبو الحسن الدارقطنيّ، قال: نا عبد الله بن محمد الْبَغَويّ، قال: نا داود بن رُشيد، نا إسماعيل بن إبراهيم، قال: نا أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، عن ابن عُمر، قال: "سَبّق رسول الله - ﷺ - بين الخيل. . ." الحديث. انتهى كلام
[ ٣٢ / ٣١٧ ]
الجيّانيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن كلا الطريقين محفوظان، طريق ابن عليّة، عن أيوب، عن ابن نافع، عن نافع، وطريقه أيضًا عن أيوب، عن نافع، فيَحتمل أن يكون أيوب رواه عن ابن نافع، ثم سمعه عن نافع، أو سمعه عن نافع، فثبّته ابن نافع؛ وذلك لأن الذين أدخلوا ابن نافع، وإن كانوا أكثر؛ إلا أن الذين أسقطوه أيضًا جماعة، وهم: مسدّد، وزياد بن أيوب، وهما حافظان مشهوران، وتابع ابن علّية على ذلك حاتمُ بن وَرْدان.
وبالجملة فالحديث مشهور عن أيوب، عن نافع من رواية ابن عليّة هذه، ومن رواية حمّاد بن زيد، كما أخرجه مسلم قبلها، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
وقوله: (كُلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ. . . إلخ) أشار به إلى الستة الذين هم: الليث بن سعد، وأيوب السختيانيّ، وعبيد الله العمريّ، وإسماعيل بن أُميّة، وموسى بن عقبة، وأسامة بن زيد الليثيّ، ستّتهم رووا هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - بمعنى حديث مالك بن أنس المذكور قبله.
[تنبيه]: إسناد الليث بن سعد من رباعيّات المصنّف، وهو (٣٤٧) من رباعيّات الكتاب، وباقي الأسانيد من خماسيّاته، إلا إسناد موسى بن عقبة، فمن سداسيّاته.
وقوله: (فَطَفَّفَ بِي الْفَرَسُ الْمَسْجدَ)؛ أي: جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية، وأصل التطفيف مجاوزة الحدَّ، قاله في "الفتح" (^٢).
وقال النوويّ: قوله: "فطفّف بي الفرسُ المسجدَ"؛ أي: علا، ووثَبَ إلى المسجد، وكان جداره قصيرًا، وهذا بَعْد مجاوزته الغاية؛ لأن الغاية هي هذا المسجد، وهو مسجد بني زُريق، قاله النوويّ (^٣).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "فطفّف بي الفرسُ"؛ أي: زاد على الغاية المفروضة، وأصل التطفيف: العلوّ، ومجاوزة الحدّ، ومنه قالوا: طفّف كذا؛
_________________
(١) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٨٦ - ٨٨٧.
(٢) "الفتح" ٧/ ١٤٧، كتاب "الجهاد" رقم (٢٨٧٠).
(٣) "شرح النوويّ" ١٣/ ١٦.
[ ٣٢ / ٣١٨ ]
أي: علا، وإناءٌ طفّانٌ؛ أي: علا ما فيه، ومنه التطفيف في الكيل، فإنه إذا أخذ لنفسه، فقد علا على الحقّ، وإذا نقص غيره، فقد أعلى حقّه على حقّه. انتهى (^١).
[تنبيه]: رواية الليث بن سعد، عن نافع ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٢٧١٤) - حدّثنا أحمد بن يونس، حدّثنا الليث، عن نافع، عن عبد الله - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سابق بين الخيل التي لم تضمر، وكان أمدها من الثنية إلى مسجد بني زُريق، وأن عبد الله بن عمر كان سابق بها. انتهى (^٢).
ورواية حمّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(١٩٥٥٢) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر بن إسحاق إملاءً، أنبأ أبو مسلم، ثنا سليمان بن حرب (ح) قال: وأنبأ محمد بن أيوب، أنبأ سليمان العتكيّ، قالا: ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - سَبَّق بين الخيل، فجعل غاية المضمرات من الحفيا إلى ثنية الوداع، وما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زُريق، قال ابن عمر - ﵄ -: جئت سابقًا، فطَفَّف بي الفرسُ المسجدُ. لفظ حديث ابن حرب، رواه مسلم في "الصحيح" عن سليمان العتكيّ. انتهى (^٣).
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، عن نافع، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٤٤٨٧) - حدّثنا عبد الله (^٤)، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، أنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سَبَّق رسول الله - ﷺ - بين الخيل، فأرسل ما ضُمِّر منها من الحفياء، أو الحيفاء إلى ثنية الوداع، وأرسل ما لم يُضَمَّر منها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، قال عبد الله: فكنت فارسًا يومئذ، فسَبَقت
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧٠٢ - ٧٠٣.
(٢) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٠٥٣.
(٣) "سنن البيهقيّ الكبرى" ١٠/ ١٩.
(٤) هو: ولد الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه.
[ ٣٢ / ٣١٩ ]
الناس، طَفَّف بي الفرسُ مسجدَ بني زُريق. انتهى (^١).
وأما رواية عبد الله بن نُمير، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٢٨٧٧) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ضَمَّر رسول الله - ﷺ - الخيل، فكان يرسل التي ضُمِّرت من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تُضَمَّر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زُريق. انتهى (^٢).
وأما رواية أبي أسامة، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٢٤٧) - حدّثنا الحسن بن عفّان، قال: ثنا أبو أسامة، قال: ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - ضَمَّر الخيلَ، فأرسلها من الحفياء، وما كان غير مُضَمَّر أرسله من الثنية إلى مسجد بني زُريق. انتهى (^٣).
وأما رواية يحيى القطّان، عن عبيد الله العمريّ، عن نافع، فقد ساقها الدارقطنيّ - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٣) - حدّثنا عليّ بن عبد الله بن مبشر، نا أحمد بن سنان القطان، حدّثني يحيى بن سعيد (ح) ونا عليّ بن عبد الله بن مبشر، ويعقوب بن محمد بن عبد الوهاب، قالا: نا حفص بن عمرو (ح) ونا أبو بكر يعقوب بن إبراهيم البزاز، نا عُمَر بن شَبَّة، قالا: نا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر، أخبرني نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - سابق بين الخيل المضمّرة منها من الحفياء إلى ثنية الوداع، والتي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. انتهى (^٤).
وأما رواية سفيان بن عيينة، عن إسماعيل بن أميّة، عن نافع، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٥.
(٢) "سنن ابن ماجه" ٢/ ٩٦٠.
(٣) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٤١.
(٤) "سنن الدارقطنيّ" ٤/ ٢٩٩.
[ ٣٢ / ٣٢٠ ]
(٤٥٩٤) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا سفيان، ثنا إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سَبَّق رسول الله - ﷺ - الخيل، فأرسل ما ضُمِّر منها من الحفياء، وأرسل ما لم يُضَمّر منها من ثنية الوداع إلى مسجد بني زُريق. انتهى (^١).
وأما رواية ابن جُريج، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٢٥١) - حدّثنا يوسف بن سعيد بن مسلم، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، قال: قال عبد الله بن عمر: كان النبيّ - ﷺ - سَبَّقَ بين الخيل، فيدفع ما ضُمِّر منها من الحفياء إلى الثنية، ويدفع ما لم يضمر منها إلى مسجد بني زُريق. انتهى (^٢).
وأخرج البخاريّ - ﵀ - أيضًا رواية موسى بن عقبة، عن نافع، فقال في "صحيحه":
(٢٧١٥) - حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا معاوية (^٣)، حدّثنا أبو إسحاق، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ - قال: سابق رسول الله - ﷺ - بين الخيل التي قد أضمرت، فأرسلها من الحفياء، وكان أمدُها ثنية الوداع، فقلت لموسى: فكم كان بين ذلك؟ قال: ستة أميال، أو سبعة، وسابق بين الخيل التي لم تضمر، فأرسلها من ثنية الوداع، وكان أمدها مسجد بني زريق، قلت: فكم بين ذلك؟ قال: ميل، أو نحوه، وكان ابن عمر ممن سابق فيها. انتهى (^٤).
وأما رواية أسامة بن زيد، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٢٥٣) - حدّثنا عيسى بن أحمد، قثنا (^٥) ابن وهب، عن أسامة بن زيد،
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ١١.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٤١.
(٣) هو: معاوية بن عمرو بن المهلّب الْمَعْنيّ الأزديّ.
(٤) "صحيح البخاريّ" ٣/ ١٠٥٣.
(٥) مختصر من "قال: حدّثنا".
[ ٣٢ / ٣٢١ ]
عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يسابق بالخيل التي قد ضُمِّرت، فكان يرسلها من الحفياء إلى ثنية الوداع، وكان أمدَها، وكان يسابق بالخيل التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زُريق، وهو أمدُها. انتهى (^١).
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.