وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٧] (١٦٥٢) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ الإِمَارَة، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلةٍ وُكِلْتَ (^١) إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأَبُلِّيّ، تقدّم قريبًا.
٢ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) أبو النضر البصريّ، ثقةٌ، تقدّم قريبًا.
٣ - (الْحَسَنُ) بن أَبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، فاضلٌ، مشهور، إلَّا أنه يرسل كثيرًا، ويدلس، من كبار [٣] (١١٠) وقد قارب التسعين (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٦.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) بن حبيب بن عبد شمس العبشميّ، أبو سعيد
_________________
(١) وفي نسخة: "أُكلتَ" بالهمزة.
[ ٣١ / ٦٨٠ ]
الصحابيّ، من مسلمة الفتح، يقال: كان اسمه عبد كلال، فسمّاه النبيّ - ﷺ - عبد الرَّحمن، افتتح سجستان، ثم سكن البصرة، ومات بها سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الكسوف" ٥/ ٢١١٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٣٣) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين، وبالتحديث من أوله إلى آخره.
شرح الحديث:
عن الحسن البصريّ أنه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَا تَسْأَلِ) "لا" ناهية، ولذا جُزم الفعل بعدها، وكُسرت اللام؛ لالتقاء الساكِنَين. (الإِمَارَةَ) بكسر الهمزة؛ أي: الولاية عامّة كانت، أو خاصّة، ويدخل فيها القضاء، والْحِسْبةُ، وغيرها.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لا تسأل الإمارة" هو نهيٌ، وظاهره التحريم، وعلى هذا يدلّ قوله بعد هذا: "إنَّا والله لا نولّي على هذا العمل أحدًا سأله، أو حَرَص عليه" وسببه أن سؤالها والحرص عليها، مع العلم بكثرة آفاتها، وصعوبة التخلص منها؛ دليلٌ على أنَّه يطلبها لنفسه، ولأغراضه، ومَنْ كان هكذا أوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك، وهذا معنى قوله: "وُكلت إليها"، ومَن أباها لِعِلْمه بافاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها، وفرَّ منها، ثم إن ابتلي بها؛ فَيُرْجَى له ألا تغلب عليه نفسه؛ للخوف الغالب عليه، فيتخلّص من آفاتها، وهذا معنى قوله: "أعنتَ عليها".
وهذا كلّه محمول على ما إذا كان هنالك جماعة ممن يقوم بها، ويصلح لها، فأما لو لَمْ يكن هنالك ممن يصلح لها إلَّا واحد لتعيَّن ذلك عليه، ووجب أن يتولاها، ويسأل على ذلك، ويُخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم، والكفاية، وغير ذلك؛ كما قال يوسف - ﵇ -: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]. . انتهى (^١).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٦.
[ ٣١ / ٦٨١ ]
(فَإِنَّكَ) الفاء للتعليل؛ أي: لأنك (إِنْ أُعْطِيتَهَا) بالبناء للمفعول، (عَنْ مَسْأَلَةٍ)؛ أي: بعد سؤالك إياها، فـ "عن" بمعنى "بعد"، أو المعنى: إعطاءً صادرًا عن مسألة، (وُكلْتَ إِلَيْهَا) بضمّ الواو، وكسر الكاف مخفّفةً، وفتح التاء للمخاطب؛ أي: خُلِّيتَ إليها، وتُركت معها من غير إعانة فيها.
قال النوويّ - ﵀ -: قوله: "أُكلت إليها" هكذا هو في كثير من النسخ، أو أكثرها: "أكلت" بالهمز، وفي بعضها: "وُكلت"، قال القاضي عياض: هو في أكثرها بالهمز، قال: والصواب بالواو؛ أي: أُسلمت إليها، ولم يكن معك إعانة، بخلاف ما إذا حَصَلت بغير مسألة. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "وُكِلتَ إليها" بضم الواو، وكسر الكاف، مخفّفًا، ومُشدّدًا، وسكون اللام، ومعنى المخفَّف؛ أي: صُرفتَ إليها، ومن وُكل إلى نفسه هلك، ومنه في الدعاء: "ولا تكلني إلى نفسي"، ووَكَل أمره إلى فلان: صَرَفه إليه، ووَكّله بالتشديد: استحفظه، ومعنى الحديث: أن من طلب الإمارة، فأُعطيها تُركت إعانته عليها من أجل حرصه. انتهى.
(وَإِنْ أُعْطِيتَهَا) بالبناء للمفعول أيضًا، (عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ أُعِنْتَ) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: أعانك الله تعالى (عَلَيْهَا")؛ أي: على تلك الإمارة، وسدّدك، وقد ورد تفسير الإعانة عليها في حديث بلال بن مِرداس، عن خيثمة، عن أنس - ﵁ -، رفعه: "مَن طَلَب القضاء، واستعان عليه بالشفعاء، وُكِل إلى نفسه، ومن أُكره عليه، أنزل الله عليه مَلَكًا يُسَدِّده"، أخرجه ابن المنذر.
وكذا أخرجه الترمذيّ من طريق أبي عوانة، عن عبد الأعلى الثعلبيّ، وأخرجه هو وأبو داود، وابن ماجة، من طريق أبي عوانة، ومن طريق إسرائيل، عن عبد الأعلى، فأسقط خيثمة من السند، قال الترمذيّ: ورواية أبي عوانة أصحّ، وقال في رواية أبي عوانة: حديثٌ حسنٌ، غريبٌ.
وأخرجه الحاكم من طريق إسرائيل، وصحَّحه، وتُعُقّب بأن ابن معين لَيِّن خيثمة، وضعّف عبد الأعلى، وكذا قال الجمهور في عبد الأعلى: ليس بقويّ.
قال المهلّب: وفي معنى الإكراه عليه أن يُدْعَى إليه فلا يرى نفسه أهلًا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٧.
[ ٣١ / ٦٨٢ ]
لذلك؛ هيبةً له، وخوفًا من الوقوع في المحذور، فإنه يُعان عليه، إذا دخل فيه، ويُسَدَّد، والأصل فيه: أن من تواضع لله رفعه الله.
وقال ابن التين: هو محمول على الغالب، وإلا فقد قال يوسف - ﵇ -: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، قال: ويَحْتَمِل أن يكون في غير الأنبياء - ﵈ -.
ويستفاد من الحديث أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه، فيدخل في الإمارة: القضاء، والحسبة، ونحو ذلك، وأن من حَرَص على ذلك لا يعان.
ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة - ﵁ -، رفعه: "مَن طَلَب قضاء المسلمين حتى يناله، ثم غَلَب عَدْله جَوْره، فله الجَنَّة، ومن غلب جوره عَدْله، فله النار"، والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا وُلّي، أو يُحْمَل الطلب هنا على القصد، وهناك على التولية، وفي حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - مرفوعًا: "لا نستعمل على عملنا من أراده"، متّفقٌ عليه، وفي لفظ للبخاريّ: "إنّا لا نُوَلِّي هذا من سأله، ولا مَن حَرَص عليه"، ولذلك عَبَّر في مقابله بالإعانة، فإن من لَمْ يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل، فلا ينبغي أن يجاب سؤاله، ومن المعلوم أن كلّ ولاية لا تخلو من المشقّة، فمن لَمْ يكن له من الله إعانة تورّط فيما دخل فيه، وخَسِر دنياه وعقباه، فمن كان ذا عقل لَمْ يتعرض للطلب أصلًا، بل إذا كان كافيًا، وأُعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة، ولا يخفى ما في ذلك من الفضل، قاله في "الفتح" (^١)، وهو تحقيق حسنٌ.
وبعد كتابتي ما تقدّم رأيت صاحب "التكملة" (^٢) كتب هنا بحثًا مفيدًا أحببت إيراده باختصار؛ لنفاسته، وتكميلًا لِمَا سبق، قال: واستَدَلّ بهذا الحديث مَن مَنَعَ طلب الإمارة، والقضاء مطلقًا، ويدل على خلاف ذلك قول الله تعالى حكايةً عن يوسف - ﵇ -: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٢٩ - ٦٣٠، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٤٧).
(٢) هو صاحب "تكملة فتح الملهم" الشيخ محمد تقيُّ الدين العثمانيّ - ﵀ -.
[ ٣١ / ٦٨٣ ]
- ﵀ -، وقوله - ﷺ -: "من طَلَب قضاء المسلمين حتى يناله، ثمّ غلب عدله جوره، فله الجنّة، ومن غَلَب جوره عدله فله النار"، أخرجه أبو داود، عن أبي هريرة - ﵁ -، وسكت عليه هو والمنذريّ، وسنده لا مطعن فيه، كما في "نيل الأوطار" (٨/ ٤٩٨).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قال، وفيه نظر، فإن في سنده موسى بن نجدة مجهول، كما في "التقريب"، وغيره، فالحديث ضعيف (^١)، فتنبّه.
قال: وكذلك قوله - ﷺ -: "لا حسد إلَّا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا، فسُلّط على هَلَكَته في الحقِّ، ورجل آتاه الحكمة، فهو يقضي بها، ويُعلّمها"، متّفقٌ عليه.
ومن أجْل هذه الدلائل اختار أكثر الفقهاء التفصيل، فإن كان الغالب غير أهْل لذلك المنصب من الإمامة، أو القضاء، فإن طَلَبه محظور مطلقًا، وكذلك إذا كان الطلب لحبِّ الرئاسة والشرف، فإنه منهيٌّ عنه مطلقًا، وأما إذا كان للإصلاح بين الناس، وإقامة العدل، فليس بمنهيّ عنه.
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن كون النهي على الاطلاق هو الظاهر إلَّا عند الضرورة؛ لأنَّ الأدلّة المذكورة للإباحة غير واضحة، فأما حديث: "من طلب قضاء المسملمين … " فقد عرفت أنه ضعيف، لا يصلح للاحتجاج به، وأما آية يوسف - ﵇ - فمقام الأنبياء غير مقام سائر الناس؛ لِعِصْمتهم، وأيضًا فإنه في محلّ الضرورة، حيث رأى أن ذلك المنصب لا يصلح له إلَّا هو؛ إذ هو قيامٌ بتوزيع الأرزاق بين الناس في أيام المجاعة، فلو تولّى غيره لضاع حقوق الناس في ذلك، فهذا لو قدّرنا الآن أنه لو تولّى هذا المنصب من لا يراعي حقوق الناس، وخشي الإنسان ذلك، فله أن يطلب الإمارة؛ لضرورة الحفظ على حقوق الناس، والله تعالى أعلم.
وأما حديث: "لا حسد … إلخ" فإنه لا يدلّ على الطلب، وإنما يدلّ على القضاء العادل، وهذا يوجد فيمن وُلّي كارهًا، ولا يُفهم منه الطلب أصلًا.
_________________
(١) وقد أصاب الشيخ الألبانيّ - ﵀ - حيث ضعّفه فيما كتبه على "سنن أبي داود" ٣/ ٢٩٩.
[ ٣١ / ٦٨٤ ]
وبالجملة فأدلّة المنع مطلقًا واضحة، بخلاف أدلّة الإباحة، فتأملها بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
ثم قال صاحب "التكملة" بعد نقل أقوال من هذا القبيل ما نصّه: فتبيّن بهذا أن ما يفعله الناس اليوم في الانتخابات الديمقراطيّة، من ترشيح أنفسهم لشتّى المناصب، ودعوة الناس إلى التصويت لهم، فليس من الإسلام في شيء؛ لأنَّ المقصود بذلك في الغالب هو طلب المنصب والرئاسة والشرف، على ما يصحبه من مدح الشخص نفسه، والنيل من أعراض مخالفيه، واشتراء الأصوات بالرشوة، وغيرها من المفاسد الظاهرة.
فينبغي إن عُقدت الانتخابات بطريقة شرعيّة أن لا يكون الشخص مرشّحًا نفسه، ولا داعيًا إلى ترشيحه، أو التصويت له. انتهى ما كتبه باختصار (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هذا كلّه فيما إذا فرضنا أن تلك الحكومة تحكّم شرع الله تعالى، وتعمل بالكتاب والسنّة، وأين هذا من الديمقراطيّة؛ وأما إذا كانوا يحكّمون القوانين الوضعيّة، ويفضّلونها على الإحكام الشرعيّة - كما هو الواقع الآن في كثير من البلدان - فلا شكّ في تحريم الدخول في الانتخاب بأيّ وجه من الوجوه، سواء كان بطلب منه، أو بدونه، بل لو انتخبوه لوجب عليه الفرار خوفًا من جهنّم، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، أعاذنا الله من جهنّم بمنّه وكرمه آمين.
[تنبيه]: حديث عبد الرَّحمن بن سمُرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وقد مضى في "كتاب الإيمان" برقم [٣/ ٤٢٧٣] (١٦٥٢) ومضى بيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[تنبيه]: يوجد في هامش النسخة الهنديّة ما نصّه: قال الشيخ أبو أحمد: نا أبو العبّاس الماسرجسيّ، نا شيبان بن فَرّوخ بهذا الحديث. انتهى.
و"أبو أحمد" هو: محمد بن عيسى الْجُلُوديّ، المتوفّى سنة (٣٦٨ هـ)، والماسرجسيّ هو: أحمد بن محمد بن عبد الله بن الحسن المتوفّى سنة ثمان وسبعين وثلاث مئة.
_________________
(١) راجع: "تكملة فتح الملهم" ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٥.
[ ٣١ / ٦٨٥ ]
وهذا الكلام قد تقدّم في "كتاب الأيمان" برقم [٣/ ٤٢٧٣] (١٦٥٢)، وسبق شرحه هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٠٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، حَدثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ يُونُسَ (ح) وَحَدَّثَنِي عَلِي بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، وَمَنْصُورٍ، وَحُمَيْدٍ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ عَطِيَّةَ، وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَن، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ جَرِيرٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) التميميّ، تقدَّم قريبًا.
٢ - (خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) الطحَّان الواسطيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (عَلِي بْنُ حُجْرٍ السَّعْدِيُّ) المروزيّ، ثقةٌ حافظٌ، من صغار [٩] (ت ٢٤٤) وقد قارب المائة، أو جاوزها (خ م ت س) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٦.
٤ - (هُشَيْمُ) بن بشير السلميّ، أبو معاوية ابن أبي خازم الواسطيّ، ثقةٌ ثبتٌ، كثير التدليس، والإرسال الخفيّ [٧] (ت ١٨٣) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٥ - (يُونُسُ) بن عبيد بن دينار الْعَبْديّ، أبو عُبيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ ورعٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٣.
٦ - (مَنْصُورُ) بن زاذان الثقفيّ، أبو المغيرة الواسطيّ، ثقةٌ ثبت عابدٌ [٦] (ت ١٢٠) على الصحيح (ع) تقدم في "الصلاة" ٣٥/ ١٠١٩.
٧ - (حُمَيْدُ) بن أبي حميد الطويل، أبو عُبيدة البصري، ثقةٌ [٥] (ت ٢ أو ١٤٣) وهو قائم يصلي، وله (٧٥) سنة (ع) تقدم في "الطهارة" ٢٣/ ٦٣٩.
٨ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فُضيل بن حسين البصريّ، ثقةٌ حافظ [١٠] (ت ٢٣٧) وله أكثر من ثمانين سنة (خت م د ت س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٩ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
[ ٣١ / ٦٨٦ ]
١٠ - (سِمَاكُ بْنُ عَطِيَّةَ) البصريّ الْمِرْبديّ - بكسر الميم، وسكون الراء، بعدها موحّدة - ثقةٌ [٦] (خ م د) تقدم في "الإيمان" ٣/ ٤٢٧٤.
١١ - (هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ) القُرْدوسيّ، تقدّم قريبًا.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنِ الْحَسَنِ)؛ أي: كلّ هؤلاء الخمسة: يونس بن عُبيد، ومنصور بن زاذان، وحميد الطويل، وسماك بن عطيّة، وهشام بن حسّان رووا هذا الحديث عن الحسن البصريّ.
[تنبيه]: روايات هؤلاء الخمسة تقدّم بيانها في "كتاب الإيمان" رقم [٣/ ٤٢٧٣] (١٦٥٢)، فراجعها تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٠٩] (١٨٢٤) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاء، قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: "إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بن أبي بُردة، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
٣ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس - ﵁ -، تقدّم أيضًا قبل ثلاثة أبواب.
والباقون تقدّموا في البابين الماضيين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وأن محمد بن العلاء أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، كما تقدّم في الباب الماضي، وأن فيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّ لبريد بن عبد الله، وأن صحابيّه من أكابر الصحابة - ﵃ -، وكان أحسن الناس
[ ٣١ / ٦٨٧ ]
صوتًا في القراءة، قال له النبيّ - ﷺ -: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود - ﵇ -"، متّفقٌ عليه.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس بن سُليم الأشعريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي) وفي الرواية التالية: "أقبلت إلى النبيّ - ﷺ -، ومعي رجلان من الأشعريين"، وفي رواية للبخاريّ: دخلت على النبيّ - ﷺ - أنا ورجلان من قومي"، قال في "الفتح": لَمْ أقف على اسم هذين الرجلين، قال: وقد وقع في "الأوسط" للطبرانيّ من طريق عبد الملك بن عُمير، عن أبي بريدة، في هذا الحديث: أن أحدهما ابن عمِّ أبي موسى. (فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلاكَ اللهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ) وللبخاريّ في "الأحكام": "فقال أحدهما: أَمِّرنا يا رسول الله، فقال الآخر مثله"، ولأحمد، والنسائيّ من وجه آخر، عن أبي بُردة: "فتشهّد أحدهما، فقال: جئناك لتستعين بنا على عملك، فقال الآخر مثله"، وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه: "أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: انطلق معنا إلى رسول الله - ﷺ -، فإن لنا حاجةً، فقمت معهم، فقالوا: أتستعين بنا في عملك؟ ".
قال الحافظ - ﵀ -: ويُجْمَع بأنه كان معهما من يَتْبَعْهما، أو أطلق صيغة الجمع على الاثنين. انتهى (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - "إِنَّا وَاللهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ)؛ يعني: الولاية على أمور المسلمين، (أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ") بفتح الراء، يقال: حَرَصَ عليه حَرْصًا، من باب ضرب: إذا اجتهد، والاسم: الْحِرْص بالكسر، وحَرِصَ على الدنيا، من باب ضرب أيضًا، ومن باب تَعِبَ لغةٌ: إذا رَغِبَ رَغْبَةً مذمومةً، فهو حريصٌ، وجمْعه: أحراصٌ، مثلُ ظَرِيفٍ وظِرَافٍ، وغَلِيظ وغِلَاظٍ، وكَرِيمٍ وكِرَام، قاله الفيّوميّ (^٢)، وقال المجد: الْحِرْصُ: بالكسر: الْجَشَعُ، وقد
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ١٤٨، كتاب "استتابة المرتدّين" رقم (٦٩٢٣).
(٢) "المصباح المنير" ١/ ١٣٠.
[ ٣١ / ٦٨٨ ]
حَرَصَ، كضربَ، وسَمِعَ، فهو حَرِيصٌ. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: يقال: حَرِص، بفتح الراء، وكسرها، والفتح أفصح، وبه جاء القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]. انتهى (^٢).
وفي رواية: "لا نستعمل على عملنا من أراده"، وفي رواية: "من سألنا"، بفتح اللام، وفي رواية: "فقال: إنّ أخْوَنَكم عندنا من يطلبه، فلم يستعن بهما في شيء حتى مات"، أخرجه أحمد، من رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن أخيه، عن أبي بُردة، وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلًا، قاله في "الفتح" (^٣).
قال العلماء: والحكمة في أنه لا يُوَلَّى مَن سأل الولاية أنه يُوكَل إليها، ولا تكون معه إعانة، كما صُرِّح به في حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - السابق، وإذا لَمْ تكن معه إعانة لَمْ يكن كُفؤًا، ولا يُوَلَّى غيرُ الكفء، ولأن فيه تُهْمة للطالب، والحريص، والله تعالى أعلم.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه، وستأتي بقية مسائله في الحديث التالي - إن شاء الله تعالى -.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٠] (…) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ حَاتِمٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَريِّينَ، أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي، فَكِلَاهُمَا سَأَل الْعَمَلَ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَاكُ، فَقَالَ: "مَا تَقُولُ يَا؟ " مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ "، قَالَ: فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ، مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أنفُسِهِمَا، وَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ، قَالَ: وَكَأَنِّي أنظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٢٧٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٧.
(٣) "الفتح" ١٦/ ١٤٩، كتاب "استتابة المرتدّين" رقم (٦٩٢٣).
[ ٣١ / ٦٨٩ ]
تَحْتَ شَفَتِهِ (^١)، وَقَدْ قَلَصَتْ، فَقَالَ: "لنْ، أَو لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ يَا أَيَا مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ"، فَبَعَثَهُ عَلَى الْيَمَن، ثُمَّ أَتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْه، قَالَ: انْزِلْ، وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً، وَإِذَا رَجُلٌ عِنْدَهُ مُوثَقٌ، قَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْء، فَتَهَوَّدَ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، فَقَالَ: اجْلِسْ، نَعَمْ، قَالَ: لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِه، فَقُتِلَ، ثُمَّ تَذَاكَرَا الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْل، فَقَالَ أَحَدُهُمَا، مُعَاذ: أَمَّا أَنَا فَأَنَامُ، وَأَقُومُ، وَأرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو فِي قَوْمَتِي).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ) اليشكرّي، أبو قُدامة السرخسيّ، نزيل نيسابور، ثقةٌ مأمون سنّيّ [١٠] (ت ٢٤١) (خ م س) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون البغداديّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ) أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمامٌ قدوة، من كبار [٩] (ت ١٩٨) عن (٧٨) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
٤ - (قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ) السَّدوسيّ البصريّ، ثقةٌ ضابطٌ [٦] (ت ١٥٥) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦/ ١٢٦.
٥ - (حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ) العدويّ، أبو نصر البصريّ، ثقةٌ فقية [٣] (ع) تقدم في "الحيض" ٢١/ ٧٩١.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالتحديث، وبالبصريين، غير شيخيه، فالأول نيسابوريّ، والثاني بغداديّ، وأما أبو موسى، وولده أبو بردة، فقد سكنا الكوفة، والبصرة، فقد كان أبو موسى - ﵁ - أميرًا على البصرة، فوُلد له أبو بردة هناك، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران، ورواية الابن عن أبيه.
_________________
(١) وفي نسخة: "شفتيه".
[ ٣١ / ٦٩٠ ]
شرح الحديث:
عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أنه (قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -)؛ أي: توجَّهت إليه من المحلّ الذي كنت فيه، وقد بيّن سبب إقباله فيما أخرجه النسائيّ من طريق سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى، "قال: أتاني ناس من الأشعريين، فقالوا: اذهب معنا إلى رسول الله - ﷺ -، فإن لنا حاجةً، فذهبت معهم … " الحديث.
(وَمَعِي رَجُلَانِ) جملة حاليّة من فاعل "أقبلت"، وقد تقدّم أنه لا يُعرف اسمهما. (مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ)؛ أي: من قبيلة أشعر، بفتح الهمزة، والعين: نسبة إلى الأشعر، أبو قبيلة باليمن، وهو نبت بن أُدَد بن زيد بن يشجب بن عريب، وإنما قيل له: الأشعر؛ لأنَّ أمه ولدته، والشعر على بدنه، قاله في "اللباب" (^١)، وقوله: (أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِي، وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِي) جملة حاليّة من "رجلان"؛ لتخصّصه بالوصف بالجارّ والمجرور. (فَكِلَاهُمَا) مبتدأ مرفوع بالألف؛ لكونه ملحقًا بالمثنّى، كما قال في "الخلاصة":
بِالألفِ ارْفَع الْمُثَنَّى وَكِلَا … إِذَا بِمُضْمَرٍ مُضَافًا وُصِلَا
وقوله: (سَأَلَ الْعَمَلَ) خبر المبتدأ؛ يعني أن كلًّا من الرجلين الأشعريَّين طلب من النبيِّ - ﷺ - أن يجعله واليًا على بعض الأعمال.
[تنبيه]: إنما أفرد الضمير في قوله: "سأل"؛ لأنَّ الأكثر في "كلا"، و"كلتا" إفراد الضمير؛ مراعاة للفظهما، قال الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ الآية [الكهف: ٣٣]، ويجوز أيضًا مراعاة المعنى بقلّة، فيقال: كلاهما قاما، وقوله: (وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَسْتَاكُ) جملة حاليّة من الفاعل. (فَقَالَ) - ﷺ - ("مَا تَقُولُ يَا أَبا مُوسىَ) "ما" استفهاميّة: أَيْ: أيُّ شيء تقول فيما سأله هذا الرجلان؟.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هو استفهامُ استعلامٍ عمَّا عنده من إرادته العمل، أو من معونته لهما على استدعائهما العمل، فأجابه بما يقتضي أنه لَمْ يكن عنده إرادة ذلك، ولا خبرٌ من إرادة الرجلين، فلمَّا تحقق النبيّ - ﷺ - ذلك ولَّاه العمل؛ إذ لَمْ يسأله، ولا حَرِص عليه، ومَنَعه الرَّجلين؛ لِحِرْصهما، وسؤالهما؛
_________________
(١) "اللباب في تهذيب الأنساب" ١/ ٦٤.
[ ٣١ / ٦٩١ ]
على ما تقرّر آنفًا من أن الحريص عليها مخذول، والكاره لها مُعان، ومما جرى من الكلام بهذا المعنى مجرى المثل قولهم: الحرص على الأمانة دليل الخيانة. انتهى (^١).
وقوله: (أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ؟ ") "أو" هنا للشكّ من الراوي، قال: "يا أبا موسى، أو قال: "يا عبد الله بن قيس"، وهو اسم أبي موسى - ﵁ -. (قَالَ) أبو موسى (فَقُلْتُ) اعتذارًا عن دخوله معهما، وهما يطلبان العمل، (وَالَّذِي بَعَثَكَ)؛ أي: أرسلك، والواو فيه للقَسَم، وفِعْل القَسَم محذوفٌ؛ أي: أُقسم بالله الذي أرسلك إلى الناس (بِالْحَق)؛ أي: بالدِّين والشرع الثابت الذي لا يدخله نسخٌ، ولا تبديل، (مَا) نافية، (أَطْلَعَانِي) كأعلماني وزنًا ومعنًى، (عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا)؛ أي: على الذي أضمراه في أنفسهما من طلب العمل، وفي رواية أبي العُميس: "فاعتذرت إلى رسول الله - ﷺ -"، وقلت: لَمْ أدر ما حاجتهم، فصدّقني، وعذَرَني"، وفي لفظ: "لم أعلم لماذا جاءا؟ ". (وَمَا) نافية أيضًا، (شَعَرْتُ)؛ أي: ما فَطِنتُ، يقال: شَعَرَ بالشيء - بالفتح - يشعُر - بالضمّ - شِعْرًا - بالكسر -: فَطِن له، قاله في "المختار"، وفي "المصباح": وشَعَرتُ بالشيء شُعورًا، من باب قَعَد، وشِعْرًا، وشِعْرةً - بكسرهما -: عَلِمت. انتهى. (أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ الْعَمَلَ)؛ أي: الولاية، فـ "أن" ومعمولاها مفعول "شعَرَ"، ففي الجملة الأُولى نفى كونهما أخبراه قَصْدَهما، وفي الثانية نفى علمه به، وأنه لَمْ يتوصّل إليه بأيّ وسيلة من القرائن، ومقصوده الاعتذار إليه - ﷺ - حيث شاركهما في الدخول عليه مع كونهما يطلبان العمل الذي ساءه جمرو طَلَبهما له؛ لأنَّ طَلَبهما له يدلّ على حِرصهما له، فيحملهما الحرص على عدم القيام بواجبه؛ لأنَّ من سأل الإمارة، فأُعطيَها وُكل إليها، ومن وَلي من غير مسألة أُعينَ عليها، كما بيّنه حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - الماضي. (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى سِوَاكِهِ) - ﷺ - (تَحْتَ شَفَتِهِ)؛ أي: حال كونه ثابتًا تحت شفته - ﷺ -، و"شفته" بالإفراد، وفي بعض النسخ: "شفتيه" بالتثنية.
قال الفيّوميّ - ﵀ -: الشَّفَةُ مُخَفَّفٌ، ولامها محذوفة، والهاء عوضٌ عنها،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٧.
[ ٣١ / ٦٩٢ ]
وللعرب فيها لغتان، منهم من يجعلها هاء، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل: شَفْهَةٌ، وتُجْمَع على شِفَاهٍ، مثلُ كَلْبةٍ، وكِلابٍ، وعلى شَفَهَاتٍ، مثلُ سَجْدةٍ وسَجَدات، وتُصَغّر على شُفَيْهَةٍ، وكلّمته مُشَافَهَةً، والحروف الشَّفَهِيَّةُ، ومنهم من يَجعلها واوًا، ويبني عليها تصاريف الكلمة، ويقول: الأصل شَفْوَةٌ، وتُجمع على شَفَوَاتٍ، مثل شَهْوَةٍ وشَهَوَاتٍ، وتصغّر على شُفَيَّةٍ، وكلّمته مُشَافَاةً، والحروف الشَّفَوِيَّةُ، ونقل ابن فارس القولين عن الخليل، وقال الأزهريّ أيضًا: قال الليث: تُجمع الشَّفَةُ على شَفَهَاتٍ، وشَفَوَاتٍ، والهاء أقيس، والواو أعمّ؛ لأنهم شبّهوها بسنوات، ونُقصانها حَذْف هائها، وناقض الجوهريّ، فأنكر أن يقال: أصلها الواو، وقال: تُجمَع على شَفَوَاتٍ، ويقال: ما سمعت منه بِنْتَ شَفَةٍ؛ أي: كلمة، ولا تكون الشَّفَةُ إلَّا من الإنسان.
ويقال في الْفَرْق: الشَّفَةُ من الإنسان، والْمِشْفَرُ من ذي الْخُفّ، والجَحْفَلَةُ من ذي الحافر، والمِقَمَّةُ من ذي الظِّلْف، والخَطْمُ، والخُرْطُومُ من السِّباع، والمِنْسَرُ بفتح الميم، وكسرها، والسين مفتوحة فيهما، من ذي الجناح الصائد، والمِنْقَارُ من غير الصائد، والْفِنْطِيسة من الخنزير. انتهى (^١).
وقد نظمت هذه الفروق، بقولي:
فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ أَنِيقَهْ … بِحِفْظِهَا وَفَهْمِهَا خَلِيقَهْ
لِنَّاسِ جَاءَ شَفَةٌ وَالْمِشْفَرُ … غَدَا لِذِي الْخُفِّ فَخُذْهُ تُشْكَرُ
وَقُلْ لِذِي الْحَافِرِ جَاءَ جَحْفَلَهْ … مِقَمَّةٌ ذَوَاتَ ظِلْفٍ شَمَلَهْ
وَالْخَطْمُ وَالْخُرْطُومُ لِسِّبَاعِ … وَمِنْسَرٌ لِذِي الْجَنَاحِ السَّاعِي
لِلاصْطِيَادِ وَالَّذِي لَا صَيْدَ لَهْ … أَتَى لَهُ الْمِنْقَارُ عِنْدَ النَّقَلَهْ
قَالُوا وَللْخِنْزِيرِ جَا فِنْطِيسَةُ … فَلْتَحْفَظَنْ فَإِنَّهَا نَفِيسَةُ
وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي "الْمِصْبَاحِ" … عَلَّامَةُ الْفَيُّومِ كَالْمِصْبَاحِ
(وَقَدْ قَلَصَتْ)؛ أي: انزوت، أو ارتفعت، يقال: قَلَصت شفته، من باب ضَرَبَ: انزوت؛ أي: انجمعت، وتقلّصتْ مثله، وقَلَصَ الظلُّ: ارتفع، أفاده الفيّوميّ - ﵀ -.
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٣١٨.
[ ٣١ / ٦٩٣ ]
والجملة حال من "شَفَته"؛ أي: حال كونها منزوية، أو مرتفعةً بسبب وضع السواك تحتها.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: "قَلَصَتْ"؛ أي: تقبَّضتْ، وقَصُرتْ، وكأنَّ السِّواك كان فيه قَبْضٌ، أو يكون النبيّ - ﷺ - قبض شفته؛ ليتمَكَّن من تسويك أسنانه. انتهى (^١).
(فَقَالَ) - ﷺ - لَمّا رأى حرصهما على العمل، وخشي عدم قيامهما بما يجب عليهما تجاهه ("لَنْ، أَو) قال (لَا) فـ "أو" للشكّ من الراوي، (نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ)؛ أي: طَلَبه، وفي رواية بُريد الماضية: "فقال: إنا والله لا نُوَلِّي على هذا العمل من سأله، ولا أحدًا حَرَصَ عليه".
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن سبب منعه - ﷺ - لهما من العمل خوف الخيانة منهما؛ لأنَّ الحرص عليه يحملهما على الجور والظلم، والله أعلم.
ثم بعد مَنْعهما لِمَا ذُكر قال - ﷺ - للذي لَمْ يطلب العمل، وهو أبو موسى الأشعريّ - ﵁ -:
(وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنتَ يَا أَبا مُوسَى، أَو يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسِ") "أو" للشكّ من الراوي، كما سبق قريبًا. (فَبَعَثَهُ)؛ أي: أرسل - ﷺ - أبا موسى - ﵁ - واليًا (عَلَى الْيَمَنِ) - بفتحتين -: الإقليم المعروف، سُمّي به لأنه عن يمين الشمس عند طلوعها، وقيل: لأنه عن يمين الكعبة، والنسبة إليها: يمني على القياس، ويَمَانٍ، بالألف على غير قياس، وعلى هذا ففي الياء مذهبان: أحدهما: وهو الأشهر تخفيفها، واقتصر عليه كثيرون، وبعضهم يُنكر التثقيل، لأنَّ الألِف عِوَض عنه، فلا يُجمع بينهما، والثاني: التثقيل، أفاده في "المصباح".
(ثُمَّ أَتبَعَهُ) بهمزة القطع، من الإتباع؛ أي: أتبع النبيّ - ﷺ - أبا موسى - ﵁ - (مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) ابن عمرو بن أوس بن عائذ بن عديّ بن كعب الأنصاريّ الخزرجيّ، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، أسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة، وشهد بدرًا، والمشاهد، وقال ابن مسعود - ﵁ -: كنا نشبّهه بإبراهيم - ﵇ -، وكان أمة
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٨.
[ ٣١ / ٦٩٤ ]
قانتًا لله، حنيفًا، ولم يك من المشركين، تُوُفّي في طاعون عمواس سنة (١٨) تقدّمت ترجمته في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "ثُمّ أتبعه معاذ بن جبل" ظاهر هذا: أنه وَلّى معاذًا على أبي موسى، ولم يعزل أبا موسى، وعلى هذا يدلّ تنفيذ معاذ الْحُكم بقتل المرتدّ، وإمضاؤه، ويَحْتَمِل أن يكون - ﷺ - وَلَّى كلّ واحد منهما على عمل غير عمل الآخر، إما في الجهات، وإما في الأعمال، وهذا هو الصحيح؛ بدليل ما وقع في "الصحيحين": أن النبيّ - ﷺ - ولَّى معاذًا على مِخْلاف من اليمن، وأبا موسى على مِخْلاف، والْمِخْلاف: واحد المخاليف، وهو: الكُوَرُ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": قوله: "ثم أتبعه" بهمزة، ثم مثناة ساكنة، قوله: "معاذ بن جبل" بالنصب؛ أي: بَعَثه بعده، وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجّه، ووقع في بعض النسخ: "واتّبعه" بهمزة وصل، وتشديد، و"معاذٌ" بالرفع، لكن تقدم في "المغازي" بلفظ: "بعَثَ النبيّ - ﷺ - أبا موسى، ومعاذًا إلى اليمن، فقال: يَسِّرا، ولا تُعَسِّرا … " الحديث، وَيحْمَلِ على أنَّه أضاف معاذًا إلى أبي موسى بعد سَبْق ولايته، لكن قبل توجّهه، فوَصّاهما عند التوجه بذلك، ويمكن أن يكون المراد: أنه وَصَّى كلًّا منهما واحد بعد آخر. انتهى (^٢).
(فَلَمَّا قَدِمَ) معاذ (عَلَيْهِ)؛ أي: على أبي موسى، وفي رواية للبخاريّ في "المغازي": "أن كلًّا منهما كان على عَمَل مستقلّ، وأن كلًّا منهما كان إذا سار في أرضه، فقرُب من صاحبه، أحدَثَ به عهدًا"، وفي أخرى هناك: "فجعلا يتزاوران، فزار معاذٌ أبا موسى، وفي أخرى: "فضَرَب فُسطاطًا".
(قَالَ) أبو موسى (انْزِلْ) عن دابّتك، فاجلس على الوسادة، (وَأَلْقَى لَهُ وِسَادَةً) - بكسر الواو -: الْمِخَدّة، جَمْعها: وِسادات، ووسائد، والوِساد - بغير هاء: كلُّ ما يُتوسّد به، من قُمَاشٍ، وتُراب، وغير ذلك، والجمع: وُسُدٌ، مثلُ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٧ - ١٨.
(٢) "الفتح" ١٦/ ١٤٩، كتاب "استتابة المرتدّين" رقم (٦٩٢٣).
[ ٣١ / ٦٩٥ ]
كتابٍ وكُتُب، ويقال: الوِساد لغة في الوسادة (^١).
وقال المجد - ﵀ -: الوساد: الْمُتّكأُ، والْمِخَدّة، كالوسادة، وَيُثلَّث، جَمْعه: وُسُدٌ، ووسائدُ. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: أفادت عبارة المجد أن الوساد، والوسادة يجوز فيهما فتح الواو، وكسرها، وضمّها، فتنبّه.
وقال في "الفتح": معنى "ألقى له وِسادة": فَرَشها له؛ ليجلس عليها.
وقد ذكر الباجيّ، والأصيليّ فيما نقله عياض عنهما، أن المراد بقول ابن عباس: "فاضطجعتُ في عَرْض الوِسادة": الفِراش، وردّه النوويّ، فقال: هذا ضعيف، أو باطلٌ، وإنما المراد بالوسادة: ما يُجعل تحت رأس النائم، وهو كما قال، قال: وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته؛ مبالغةً في إكرامه.
وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو: أن النبيّ - ﷺ - دخل عليه، فألقى له وِسادةً، كما تقدم في "الصيام".
وفي حديث ابن عمر أنه دخل على عبد الله بن مُطيع، فطَرَح له وِسادةً، فقال له: ما جئتُ لأجلس، أخرجه مسلم، قال الحافظ: ولم أر في شيء من كتب اللغة أن الفراش يُسَمَّى وسادةً. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن في تعقّب النوويّ لِمَا قاله الباجيّ والأصيليّ من أن المراد بقول ابن عبَّاس - ﵄ -: "فاضطجعت في عرض الوسادة" الفراش نظرٌ؛ لأنه لا يمكن أن يضطجع ابن عبّاس في عرض المخدّة، ثم يضطجع النبيّ - ﷺ -، وأهله في طولها، بل المراد به الفراش كما قالا؛ تجوّزًا، ولا يخفى أن باب المجاز واممع، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(وَإِذَا) فجائيّة؛ أي: ففاجأني (رَجُلٌ) قال الحافظ: لَمْ أقف على اسم الرجل المذكور. (عِنْدَهُ)؛ أي: عند أبي موسى، (مُوثَقٌ) اسم مفعول، مِنْ أوثقه، إذا ربطه بالوِثَاق، بفتح الوا ووكسرها، وهو القَيدُ، والحبلُ، ونحوه، وهو صفة لـ "رجلٌ".
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٥٨.
(٢) "القاموس المحيط" ص ١٣٩٧.
(٣) "الفتح" ١٦/ ١٤٩ - ١٥٠، كتاب "استتابة المرتدِّين" رقم (٦٩٢٣).
[ ٣١ / ٦٩٦ ]
(قَالَ) معاذ (مَا هَذَا؟)؛ أي: ما شأن هذه الموثق؟ (قَالَ) أبو موسى (هَذَا كَانَ يَهُودِيًّا، فَأَسْلَمَ، ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ دِينَ السَّوْءِ) بفتح، فسكون؛ أي: دين الشرّ، قال المجد: ولا خَيْرَ في قَوْلِ السَّوْء، بالفتح، والضم، إذا فَتَحْتَ فَمَعْنَاه: في قَوْلٍ قَبيح، وإذا ضَمَمْتَ فمعناه: في أَنْ تَقُولَ سُوءًا، وقُرِئ: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: ٩٨] بالوَجْهَيْن؛ أي: الهَزِيمة، والشَّر، والرَّدَي، والفَسَاد، وكذا ﴿أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ [الفرقان: ٤٠]، أو المَضْمُومُ: الضَّرَرُ، والمَفْتُوحُ: الفَسَادُ، والنَّارُ، ومنه: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ [الروم: ١٠] في قِرَاءَةٍ، ورَجُلُ سَوءٍ، ورَجُلُ السَّوْء، بالفتح، والإضافَةِ. انتهى (^١).
(فَتَهَوَّدَ)؛ أي: صار يهوديًّا، وفي رواية لأحمد من طريق أيوب، عن حميد بن هلال، عن أبي بردة، قال: "قَدِم معاذ بن جبل على أبي موسى، فإذا رجل عنده، فقال: ما هذا؟ … "، فذكر مثله، وزاد: "ونحن نريده على الإسلام منذ أحسبه شهرين"، وأخرج الطبرانيّ من وجه آخر، عن معاذ، وأبي موسى: "أن النبيّ - ﷺ - أمَرَهما أن يعلّما الناس، فزار معاذ أبا موسى، فإذا عنده رجل مُوثَق بالحديد، فقال: يا أخي أَوَ بُعِثت تُعَذِّب الناس؟ إنما بُعثنا نعلّمهم دينهم، ونأمرهم بما ينفعهم، فقال: إنه أسلم، ثم كفر، فقال: والذي بعث محمدًا بالحقّ لا أبرح حتى أحرقه بالنار".
(قَالَ) معاذ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ) بالبناء للمفعول، (قَضَاءُ اللهِ) تعالى (وَرَسُول) - ﷺ -، و"قضاء" مرفوع، على أنَّه خبر لمحذوف؛ أي: هذا قضاء الله ورسوله - ﷺ -، ويجوز نَصْبه على الحال، أو على أنَّه مفعول مطلق لعامل محذوف؛ أي: اقضِ قضاء الله ورسوله، أو مفعول لفعل محذوف؛ أي: نفّذ قضاء الله ورسوله - ﷺ -.
قال القرطبيّ - ﵀ -: هذا يدلّ بظاهره على أنَّ المرتدّ لا يستتاب، وأنه يُقتل من غير استتابة، وبه قال الحسن، وطاووس، وبعض السَّلف، وحُكي عن عبد العزيز بن أبي سلمة، وهو قول أهل الظاهر، وحكاه الطحاويّ عن أبي يوسف، قالوا: وتنفعه توبته عند الله تعالى، ولكن لا تَدْرأ عنه القتل.
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ٦٥١.
[ ٣١ / ٦٩٧ ]
وفرَّق عطاء بين من وُلد مسلمًا، فلم نستتبه، وبين من أسلم ثم ارتدّ، وجمهور الأئمة، والفقهاء على استتابته، وحَكَى ابن القَصَّار إجماع الصحابة على استتابته، ثم اختلف هؤلاء في مدّة الاستتابة، وهل يضرب لها أجل؛ فقال أحمد، وإسحاق: ثلاثةُ أيام، واستحسنه مالك، وأبو حنيفة، وقاله الشافعيّ مرةً، وحَكَى ابن القصَّار عن مالك فيه قولين: الوجوب، والاستحباب، وقال الزهريّ: يُدعى إلى الإسلام ثلاث مرات، فإن أبي قُتِلَ، وقاله الشافعيّ مرةً، وقال المزنيّ: يُقتل مكانه إن لَمْ يَتُب، وعن عليّ - ﵁ -: أنه يستتاب شهرًا، وقال النَّخعيّ: يستتاب أبدًا، وقاله الثوريّ، وعن أبي حنيفة: يستتاب ثلاث مرات، أو ثلاث جُمع، أو ثلاثة أيام؛ مرّة في كلّ يوم، أو جمعة، والرَّجل والمرأة عند الجمهور سواء، وفرَّق أبو حنيفة، فقال: تُسجن المرأة، ولا تُقتل، وشذَّ قتادة، والحسن، فقالا: تُسْتَرَقُّ، ولا تُقتل.
ورُوي مثله عن عليّ، وخالف أصحاب الرأي في الأَمَة، فقالوا: تُدْفَعُ إلى سيدها، ويجبرها على الإسلام.
وَقَتْل المرتدّ بالسيف عند الجمهور، وذهب ابن سُريج من أصحاب الشافعيّ إلى أنه يُقتل بالخشب ضربًا؛ لأنه أبطأُ لقتله، لعله يُراجع التوبة أثناء ذلك.
وفيه حُجّة على أنَّ لولاة الأمصار إقامة الحدود في القتل، والزني، وغير ذلك، وهو مذهب كافة العلماء: مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، وغيرهم.
واختُلِفَ في إقامة ولاة المياه، وأشباههم كذلك، فرأى أشهب ذلك لهم، إذا جعل ذلك لهم الإمام، وقال ابن القاسم نحوه، وقال الكوفيون: لا يقيمه إلَّا فقهاء الأمصار، ولا يقيمه عامل السَّواد.
واختُلِفَ في القضاة إذا كانت ولايتهم مطلقة غير مقيّدة بنوع من الإحكام، فالجمهور على أنَّ جميع ذلك لهم؛ من إقامة الحدود، وإثبات الحقوق، وتغيير المناكير، والنظر في المصالح، سواء أكان الحقّ لآدميّ، أو اختص بحق الله تعالى، وحكمُه عندهم حكم الوصيِّ المطلق اليد في كلّ شيء، إلَّا ما يختصّ بضبط بيضة الإسلام، من إعداد الجيوش، وجباية الخراج.
[ ٣١ / ٦٩٨ ]
واختَلَف أصحاب الشافعيّ: هل له نَظَر في مال الصدقات، والتقدّم للجُمَع والأعياد، أم لا؟ على قولين، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا نظر له في إقامة حدٍّ، ولا في مصلحةٍ إلَّا لطالب مُخَاصِمٍ، وحُكمه عنده حُكم الوكيل. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا يخفى أن ما ذهب إليه كافّة العلماء من إقامة ولاة الأمصار للحدود، من القتل، والرجم، وغير ذلك هو الأرجح؛ لحديث الباب، وغيره، فتأمل بالإنصاف، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ) أبو موسى (اجْلِسْ، نَعَمْ)؛ أي: نقتله، (قَالَ) معاذ (لَا أَجْلِسُ حَتَّى يُقْتَلَ، قَضَاءُ اللهِ وَرَسُولِه، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ)؛ أي: كَرّر هذا الكلام ثلاث مرات، وبَيَّن أبو داود في روايته أنهما كرّرا القول، أبو موسى يقول: "اجلس"، ومعاذ يقول: "لا أجلس"، فعلى هذا فقوله: "ثلاث مرات" من كلام الراوي، لا تتمة كلام معاذ، ووقع في رواية أيوب بعد قوله: "قضاء الله ورسوله": "أن من رجع عن دِينه - أو قال: بدَّل دينه، فاقتلوه".
(فَأَمَرَ بِهِ)؛ أي: أمر أبو موسى بقتله، (فَقُتِلَ) بالبناء للمفعول، وفي رواية أيوب: "فقال: والله لا أقعد، حتى تضربوا عنقه، فضُرِب عنقه"، وفي رواية الطبرانيّ: "فأَتَى بحطب، فألْهَب فيه النار، فكَتَّفه، وطرحه فيها"، ويمكن الجمع بأنه ضَرَب عنقه، ثم ألقاه في النار، ويؤخذ منه أن معاذًا وأبا موسى كانا يريان جواز التعذيب بالنار، وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته، وترهيبٌ عن الاقتداء به.
وأخرج أبو داود، من طريق طلحة بن يحيى، ويزيد بن عبد الله، كلاهما عن أبي بردة، عن أبي موسى، قال: "قَدِم عليّ معاذ، فذكر قصة اليهوديّ، وفيه: فقال: لا أنزل عن دابتي حتى يُقْتَل، فقُتل، قال أحدهما: وكان قد استتيب قبل ذلك"، وله من طريق أبي إسحاق الشيبانيّ، عن أبي بردة: "أتِي أبو موسى برجل قد ارتدّ عن الإسلام، فدعاه، فأبى عشرين ليلةً، أو قريبًا منها، وجاء معاذ، فدعاه، فأبى، فضَرَب عنقه"، قال أبو داود: رواه
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ١٨ - ١٩.
[ ٣١ / ٦٩٩ ]
عبد الملك بن عمير، عن أبي بردة، فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فُضيل، عن الشيبانيّ، وقال المسعوديّ عن القاسم - يعني: ابن عبد الرَّحمن - في هذه القصة: "فلم ينزل، حتى ضُرِب عنقه، وما استتابه".
قال الحافظ: هذا تعارضه الرواية المثبتة؛ لأنَّ معاذًا استتابه، وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها، لا تعارِضها، وعلى تقدير ترجيح رواية المسعوديّ، فلا حجة فيه لمن قال: يُقتل المرتدّ بلا استتابة؛ لأنَّ معاذًا يكون اكتفى بما تقدّم من استتابة أبي موسى، وقد ذكرت قريبًا أن معاذًا رَوَى الأمر باستتابة المرتدّ، والمرتدّة. انتهى (^١).
(ثُمَّ تَذَاكَرَا)؛ أي: أبو موسى، ومعاذ - ﵁ -، (الْقِيَامَ مِنَ اللَّيْلِ) "من" بمعنى "في"، أو هي للتبعيض، وفيه إشارة إلى أنه لا يُشرع قيام كلّ الليل، وفي رواية للبخاريّ: "ثم تذاكرا قيام الليل"، وفي رواية سعيد بن أبي بردة؛ "فقال: كيف تقرأ القرآن؟ "؛ أي: في صلاة الليل.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "ثم تذاكرا قيام الليل"؛ أي: فضل قيام الليل، هل الأفضل قيامُه كله، أو قيام بعضه؟ فكأن أبا موسى ذهب إلى أن قيامه كله لمن قَوِيَ عليه أفضل، وهذا كما وقع لعبد الله بن عمرو في حديثه المتقدّم، وكأنّ معاذًا رأى أن قيام بعضه، ونوم بعضه أفضل، وهذا كما أشار إليه النبيّ - ﷺ - في حديث عبد الله بقوله: "إنك إذا فعلت ذلك هجمتْ عينُك، ونَفِهَت نفسك"، وكما قاله في حديث البخاريّ المتقدم: "أمَّا أنا فأقوم، وأنام"، وقال في آخره: "فمن رغب عن سُنَّتي فليس مني". انتهى (^٢).
(فَقَالَ أَحَدُهُمَا) وقوله: (مُعَاذٌ) مرفوعٌ على البدليّة لـ "أحدُهما"، ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة: "فقال أبو موسى: أقرؤه قائمًا، وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتفوّقه - بفاء، وقاف، بينهما واو ثقيلة؛ أي: ألازم قراءته - في جميع الأحوال"، وفي أخرى: "فقال أبو موسى: كيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم، وقد قضيت حاجتي، فأقرأ ما كتب الله لي".
(أمّا أَنَا فَأَنَامُ) بعض الليل، (وَأَقُومُ) بعضه، (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي مَا أَرْجُو
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ١٥٠ - ١٥١.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٩ - ٢٠.
[ ٣١ / ٧٠٠ ]
فِي قَوْمَتِي) وفي رواية سعيد: "وأحتسب" في الموضعين، وحاصله أنه يرجو الأجر في ترويح نفسه بالنوم؛ ليكون أنشط عند القيام.
قال النوويّ - ﵀ -: معناه: أني أنام بنيّة القوّة، وإجماع النفس للعبادة، وتنشيطها للطاعة، فأرجو في ذلك الأجر، كما أرجو في قومتي؛ أي: صلواتي. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: إنما كان ذلك؛ لأنه كان ينام ليقوم؛ أي: يقصد بنومه الاستعانة على قيامه، والتنشيط عليه، والتفرُّغ من شغل النوم عن فهم القرآن، فكان نومه عبادة يرجو فيها من الثواب ما يرجوه في القيام، ولا يَفْطُن لمثل هذا إلَّا مثل معاذ الذي يسبق العلماء يوم القيامة بِرَتْوَة (^١)؛ أي: بِرَمْيَةِ قوس؛ كما قاله - ﷺ -، وعلى هذا فما من مُباحٍ إلَّا ويمكن أن يُقْصَد فيه وجهٌ من وجوه الخير، فيصير قُرْبَة بحسب القصد الصحيح، والله أعلم. انتهى (^٢).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٤٧٠٩ و٤٧١٠] (١٨٢٤)، و(البخاريّ) في "استتابة المرتدّين" (٦٩٢٣) و"الأحكام" (٧١٤٩)، و(أبو داود) في "الحدود" (١٣٥٤)، و(النسائيّ) في "الطهارة" (١/ ٩ - ١٠) و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤١٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٥٩)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٠٧١ و٤٤٨١)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٩٢)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (١/ ٢١٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٣٠٦)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ١٣٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٧٨)، و(الرويانيّ) في
_________________
(١) أشار به إلى ما أخرجه الطبرانيّ مرسلًا عن محمد بن كعب القرظيّ، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "معاذ بن جبل إمام العلماء برتوة"، قال الحافظ الهيثميّ: وفيه محمد بن عبد الله بن أزهر الأنصاريّ، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. انتهى. "مجمع الزوائد" ٩/ ٣١١.
(٢) "المفهم" ٤/ ١٩ - ٢٠.
[ ٣١ / ٧٠١ ]
"مسنده" (١/ ٣١٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ١٠٠)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٢٤٦٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ذمّ طلب الإمارة، والحرص عليها، وقد وردت أحاديث في ذلك:
ففي "الصحيحين" حديث عبد الرَّحمن بن سمرة - ﵁ - المذكور في الباب، وفي "صحيح البخاريّ " أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنِعْم المرضعة، وبئست الفاطمة".
وأخرج الطبرانيّ، والبزار بسند صحيح، عن عوف بن مالك بلفظ: "الإمارة أولها مَلامَة، وثانيها نَدَامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلَّا مَنْ عَدَل".
وفي "المعجم الأوسط"، للطبراني من رواية شريك، عن عبد الله بن عيسى، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال شريك: لا أدري رفعه أم لا؟ قال: "الإمارة أولها ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة"، وله شاهد من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: "الإمارة أولها ملامة، وثانيها ندامة"، أخرجه الطبرانيّ.
وعند الطبرانيّ من حديث زيد بن ثابت رفعه: "نِعْم الشيء الإمارة لمن أخذها بحقها وحِلّها، وبئس الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حَسْرَة يوم القيامة"، أفاده في "الفتح" (^١).
٢ - (ومنها): منعُ الحريص عليها مِنْ تولّيها؛ لأنَّ فيه تُهْمةً، ويوكل إليها، ولا يعان، فيؤدّي إلى تضييع الحقوق؛ لِعَجْزه.
٣ - (ومنها): استحباب السواك، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، وقد سبق بيانها في "كتاب الطهارة".
٤ - جواز استياك الإمام بحضرة الرعيّة، وقد ترجم النسائيّ - ﵀ - عليه، فقال: "باب هل يستاك الإمام بحضرة رعيّته؟ ".
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٣١، كتاب "الإحكام" رقم (٧١٤٨).
[ ٣١ / ٧٠٢ ]
٥ - (ومنها): جواز الحلف من غير استحلاف، فقد قال أبو موسى - ﵁ -: "والذي بعثك بالحقّ ما أطلعاني على ما في أنفسهما".
٦ - (ومنها): جواز تولية أميرين على البلد الواحد، وقسمة البلد بين أميرين.
٧ - (ومنها): استحباب تزاور الإخوان، والأمراء، والعلماء.
٨ - (ومنها): إكرام الضيف، والقيام بتهيئة الفراش، ونحوه له.
٩ - (ومنها): المبادرة إلى إنكار المنكر، وإن كان هناك من له السلطة والأمر.
١٠ - (ومنها): إقامة الحدّ على من وجب عليه، وعدم التساهل، والتأخير فيه.
١١ - (ومنها): وجوب قتل المرتدّ، وقد أجمعوا على ذلك، ولكن اختلفوا في استتابته، هل هي واجبة، أم مستحبة؟ وفي قَدْرها، وفي قبول توبته، وفي أن المرأة كالرجل في ذلك، أم لا؟، وقد تقدّم بيان ذلك كلّه في قول القرطبيّ قريبًا.
١٢ - (ومنها): أن المباحات يؤجر عليها الإنسان بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة، أو المندوبة، أو تكميلًا لشيء منهما، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.