وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٨٧١] (١٨٨٤) - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ"، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ قَالَ: "وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ"، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ) تقدّم قريبًا.
٣ - (أَبُو هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ) حُميد بن هانئ المصريّ، لا بأس به [٥] (بخ م ٤) أكبر شيخ لابن وهب، تقدّم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٤ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيُّ) عبد الله بن يزيد المعافريّ المذكور في السند الماضي.
٥ - (أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ) سعد بن مالك بن سِنَان - ﵄ -، تقدّم أيضًا قريبًا.
من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالمصريين غير شيخه، فخراسانيّ، ثم مكيّ، والصحابيّ، فإنه مدنيّ، وأن صحابيّه ابن صحابيّ - ﵄ -، وهو أحد المكثرين السبعة، روى (١١٧٠) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) سعد بن مالك - ﵄ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:
[ ٣٢ / ٤١٢ ]
"يَا أَبَا سَعِيدٍ مَنْ رَضِيّ بِاللهِ رَبًّا) منصوب على التمييز؛ أي: من حيث كونُهُ ربًّا؛ أي: من رضي بربوبيته على وفق قضائه وقدره، من خيره وشرّه، وحُلْوه، ومرّه، (وَبِالإِسْلَامِ دِينًا)؛ أي: من حيث الدينُ؛ أي: رضي بشرائعه، وأحكامه، من المأمورات والمنهيّات، (وَبِمُحَمَّدٍ) - ﷺ - (نَبِيًّا)؛ أي: من حيث كونُه رسولًا؛ أي: رضي برسالته الموجبة لمتابعته في أقواله، وأفعاله، وأحواله.
قال صاحب "التحرير": معنى رضيتُ بالشيء: قنِعتُ به، واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره، فمعنى الحديث: لم يطلب غير الله تعالى، ولم يَسْعَ في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد - ﷺ -. (وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ")؛ أي: ثبتت، وتحقّقت، وعبّر بالماضي مبالغةً في تحقّق وقوعها.
وفيه فضل عظيم لمن اتّصف بالرضى المذكور، حيث وجبت له الجنّة، وذلك لأن رضا العبد بهذه المذكورات دليل على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته، ومخالطة الإيمان قلبه، فتسهل عليه الطاعات، وتلذّ له، ولذلك قال - ﷺ -، كما في حديث العبّاس بن عبد المطّلب - ﵁ -: "ذاق طَعْم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا"، رواه مسلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "من رضي بالله ربًّا. . . إلخ"؛ أي: من مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة قطعًا، ولو أُدخل النار في كبائر عليه فمآله إلى الجنة على كل حال. انتهى (^١).
(فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ) فيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: فعجبت لها؛ أي: عجب أبو سعيد الخدريّ - ﵁ - لأجل هذه الكلمات، أو لهذه القضيّة. (فَقَالَ) أبو سعيد (أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ) إنما استعاده؛ ليحفظه، ويستبشر به، (فَفَعَلَ)؛ أي: فأعاده - ﷺ - مرّة ثانيةً (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("وَأُخْرَى) يَحْتَمِل أن يكون مرفوعًا، مبتدءًا خبره محذوف؛ أي: عندي خصلة أخرى، وأن يكون مفعولًا لفعل محذوف؛ أي: أعلّمك خصلة أخرى، وقال الطيبيّ: "أخرى" صفة موصوف محذوف، وهو مبتدأ، وقوله: "يُرفع" خبره، أو منصوب على إضمار
_________________
(١) "المفهم" ٣/ ٧١٠.
[ ٣٢ / ٤١٣ ]
فعل؛ أي: ألا أبشّرك بشارةً أخرى، وقوله: "يُرفع" صفة، أو حال. وقيل: هناك خصلة أخرى. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقوله - ﷺ -: "وأخرى يُرفع بها العبد مائة درجة"؛ أي: خصلة أخرى، والدرجة: المنزلة الرفيعة، ويراد بها غرف الجنة ومراتبها التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث، ولا يُظَنّ من هذا أن درجات الجنة محصورة بهذا العدد، بل هي أكثر من ذلك، ولا يَعْلَم حصرها ولا عددها إلا الله تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارْقَ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها" (^١)، فهذا يدلّ على أن في الجنة درجات على عدد آي القرآن، وهي نيّف على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت للإنسان فضيلة الجهاد مع فضيلة القرآن، جُمعت له تلك الدرجات كلها، وهكذا كما زادت أعماله زادت درجاته، والله تعالى أعلم. انتهى (^٢).
(يُرْفَعُ) بالبناء للمفعول، (بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ") قال القاضي عياض - ﵀ -: يَحْتَمِل أن هذا على ظاهره، وأن الدرجات هنا المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وهذه صفة منازل الجنة، كما جاء في أهل الغرف أنهم يتراءون كالكوكب الدّريّ، قال: ويَحْتَمِل أن المراد: الرفعة بالمعنى، من كثرة النعيم، وعظيم الإحسان مما لم يخطر على قلب بشر، ولا بصفة مخلوق، وأن أنواع ما أنعم الله به عليه من البرّ والكرامة يتفاضل تفاضلًا كثيرًا، ويكون تباعده في الفضل كما بين السماء والأرض في البعد. قال القاضي: والاحتمال الأول أظهر، قال النوويّ: وهو كما قال. والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو سعيد (وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ) - ﷺ - ("الْجِهَادُ) خبر لمحذوف؛ أي: هي الجهاد (فِي سَبِيلِ اللهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ") هكذا مكررًا مرّتين، وهو كذلك عند النسائيّ في "المجتبى"، ولكن في "الكبرى" مكرّرٌ ثلاث مرّات.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد في "مسنده" ٢/ ١٩٢، وأبو داود (١٤٦٤)، والترمذيّ (٢٩١٤).
(٢) "المفهم" ٣/ ٧١٠ - ٧١١.
[ ٣٢ / ٤١٤ ]
وفي هذا الأسلوب تفخيم أمر الجهاد، وتعظيم شأنه، فإن قوله: "من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا" مشتملٌ على جميع ما أمر الله به، ونهى عنه، ومنه الجهاد، وكذا إبهامه بقوله: "وأخرى"، وإبرازه في صورة البشارة؛ ليسأل عنها، فيجاب بما يجاب؛ لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس، وكذا تكراره بقوله: "الجهاد في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله". ونظير هذا الحديث قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣]. أفاده الطيبيّ (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣١/ ٤٨٧١] (١٨٨٤)، و(النسائيّ) في "الجهاد" (٦/ ١٩) و"الكبرى" (٣/ ١٤) و"عمل اليوم والليلة" (٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ١٤)، و(سعيد بن منصور) في "سننه" (٢٣٠١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٦١٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٦٧)، و(ابن منده) في "الإيمان" (١/ ٤٠٣)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٨/ ٣١٧)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٢٨٨)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ٩٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٥٨) و"شعب الإيمان" (٤/ ٢٧)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٦١١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان درجة المجاهد في سبيل الله - ﷿ -، وأنه يُرفع مائة درجة، بُعد ما بين الدرجتين، كما بين السماء والأرض.
٢ - (ومنها): بيان فضل الرضا بالله تعالى ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًّا، حيث إن من اتّصف به وجبت له الجنّة.
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٦٦٠، و"مرقاة المفاتيح" ٧/ ٤١٢ - ٤١٣.
[ ٣٢ / ٤١٥ ]
٣ - (ومنها): فضل الجهاد في سبيل الله تعالى، حيث يرفع المجاهد هذه الدرجات العالية بسببه، والله تعالى أعلم.