وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧١١] (١٨٢٥) - (حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْث، حَدَّثَنِي أَبِي شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْث، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيّ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ الأَكْبَر، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي، قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي، ثُمَّ قَالَ: "يا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا، وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا").
[ ٣١ / ٧٠٣ ]
رجال هذا الإسنادة ثمانية:
١ - (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ) الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الله المصريّ، ثقةٌ [١١] (ت ٢٤٨) (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٢ - (أَبُوهُ شُعَيْبُ بْنُ اللَّيْثِ) بن سعد الْفَهْميّ مولاهم، أبو عبد الملك المصريّ، ثقةٌ نبيلٌ فقيه، من كبار [١٠] (ت ١٩٩) وله (٦٤) سنةً (م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١١.
٣ - (اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ) بن عبد الرَّحمن الْفَهْميّ مولاهم، أبو الحارث المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيةٌ إمامٌ حجة مشهورٌ [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢.
٤ - (يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ) اسم أبيه سُويد، أبو رجاء المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، وكان يُرسل [٥] (ت ١٢٨) وقد قارب الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٥ - (بَكْرُ بْنُ عَمْرٍو) المعافريّ المصريّ، إمام جامعها، صدوقٌ عابدٌ [٦].
رَوَى عن أبي عبد الرَّحمن الحبليّ، ومِشْرَح بن هاعان، وبكير بن عبد الله بن الأشجّ، وعبد الله بن هُبيرة، وغيرهم.
ورَوَى عنه يزيد بن أبي حبيب، ويحيى بن أيوب، وابن لَهِيعة، وحَيْوة بن شُرَيح، وسعيد بن أبي أيوب، وغيرهم.
قال حرب، عن أحمد: يُرْوَى له، وقال أبو حاتم: شيخٌ، وقال ابن يونس: تُوُفّي في خلافة أبي جعفر، وكانت له عبادة وفضل، وقال ابن القطان: لا نعلم عدالته، وذكره ابن حبّان في "الثقات"، وقال: تُوُفّي بعد الأربعين ومائة، وقال الحاكم: سألت الدارقُطنيّ عنه، فقال: يُنظَر في أمره، وقال السلميّ عنه: يُعْتَبَر به.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة في "التفسير"، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٦ - (الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ) أبو عبد الكريم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، عابدٌ [٤].
عَقَلَ مَقْتَل عثمان - ﵁ -، ورَوَى عن جُنادة بن أمية، وجُبير بن نُفير، وعليّ بن رَبَاح، وعبد الرَّحمن بن حُجَيرة، وناعم مولى أم سلمة، وجماعة.
[ ٣١ / ٧٠٤ ]
ورَوَى عنه بكر بن عمرو، وسعيد بن أبي أيوب، وسعيد بن يزيد الْقِبّانيّ، والليث، وابن لَهِيعة، والوليد بن المغيرة، ويحيى بن أيوب، والأوزاعيّ، وغيرهم.
قال أحمد: ثقةٌ من الثقات، وقال العجليّ، والنسائيّ: ثقةٌ، وقال الليث: كان يصلي كلّ يوم ستمائة ركعة، وقال عبد الله بن صالح العجليّ: ثنا زُهير، عن يحيى بن سعيد، عن شيخ من حضرموت، وأكثر عليه الثناء، اسمه الحارث بن يزيد، وذكره ابن حبان في "الثقات".
وقال ابن يونس: تُوُفّي بِبَرْقَةَ سنة (١٣٠).
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٧ - (ابْنُ حُجَيْرَةَ (^١) الأَكْبَرُ) هو: عبد الرَّحمن بن حُجيرة - مصغّرًا - الْخَوْلانيّ، أبو عبد الله المصريّ القاضي، ثقةٌ [٣].
رَوَى عن أبي ذرّ، وابن مسعود، والى هريرة، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمرو بن العاص.
وروى عنه ابنه عبد الله، والحارث بن يزيد الحضرميّ، ودَرّاج أبو السَّمْح، وعبد الله بن ثعلبة الحضرميّ، وأبو عَقِيل زهرة بن معبد، وغيرهم.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وقال العجليّ: مصريّ، تابعيّ، ثقةٌ، وقال الدارقطنيّ: مصريّ، ثقةٌ، معروفٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قال ابن يونس: تُوُفِّي في المحرّم سنة ثلاث وثمانين، قال: وكان عبد العزيز بن مروان قد جَمَع له القضاء وبيت المال، فكان يأخذ رزق كلّ سنة ألف دينار، فلم يكن يَحُول عليه الحَوْل وعنده ما يجب فيه الزكاة، وحكى ابن عبد الحكم في فتوح مصر أنه مات سنة (٨٠).
أخرج له مسلم والأربعة وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث (^٢).
_________________
(١) بضمّ الحاء المهملة، وفتح الجيم، بعدها ياء التصغير.
(٢) له عند ابن ماجة حديث واحد، وهو حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: "إذا أدّيت زكاة مالك، فقد قضيت ما عليك".
[ ٣١ / ٧٠٥ ]
[تنبيه]: إنما قيّده بالأكبر احترازًا من ابن حُجيرة الأصغر، وهو ولده عبد الله بن عبد الرَّحمن بن حُجيرة القاضي، أبو عبد الرَّحمن المصريّ، ثقةٌ، من الطبقة السادسة، مات بعد المائة، وهو من رجال النسائيّ فقط، أخرج له حديثًا واحدًا في "عمل اليوم والليلة"، ولم يُخرج له غيره، فتنبّه.
٨ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة، وقيل غيره، الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات - ﵁ - سنة (٣٢) في خلافة عثمان - ﵄ - (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
[تنبيه]: وقع في هذا الإسناد اختلاف، قال النوويّ - ﵀ -: هكذا وقع هذا الإسناد في جميع نسخ بلادنا: "يزيد بن أبي حبيب، عن بكر"، وكذا نقله القاضي عن نسخة الجلوديّ التي هي طريق بلادنا، قال: ووقع عند ابن ماهان: "حدّثني يزيد بن أبي حبيب، وبكر" بواو العطف، والأول هو الصواب، قاله عبد الغنيّ، قال النوويّ: ولم يذكر خلف الواسطيّ في الأطراف غيره. انتهى (^١).
وقال الحافظ أبو عليّ الجيّانيّ - ﵀ - في "التقييد": هكذا روي إسناد هذا الحديث عن أبي أحمد، وعند أبي العلاء بن ماهان: "حدّثني يزيد بن أبي حبيب، وبكر بن عمرو" بواو العطف، وصوابه: "عن بكر بن عمرو" كما تقدّم، وكذا ذكره أبو عمر الباجيّ عن نسخة أبي العلاء: "حدّثنى يزيد، وبكر"، قال عبد الغنيّ: والصواب: "عن بكر". انتهى (^٢).
[تنبيه آخر]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من ثمانيّات المصنّف - ﵀ -، فيَقْرُب مِنْ أنزلِ الأسانيد له؛ لأنَّ أعلاها عنده عُشاريّها، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، سوى الصحابيّ، فمدنيّ، ثم رَبَذيّ، وأن نصفه الأول مسلسلٌ بالتحديث، والثاني بالعنعنة، وأن فيه أربعةً من التابعين الثقات المصريين روى بعضهم عن بعض: يزيد بن أبي حبيب، والثلاثة بعده، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، ذو مناقب جمّة - ﵁ -.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٠٩ - ٢١٠.
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٨٣.
[ ٣١ / ٧٠٦ ]
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة - ﵁ - أنه (قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي) "ألا" هنا أداة عَرْض؛ أي: أطلب منك أن تجعلني عاملًا في شيء من الولايات. (قَالَ) أبو ذرّ (فَضَرَبَ) - ﷺ - (بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي) هذا الضرب لُطْف، وإيناس، وتحبُّب، (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ ضَعِيفٌ) الظاهر أنه أراد ضعف الرأي والتدبير، لا ضعف الجسم؛ أي: إنك لا تستطيع أن تتحمّل أثقال الولاية، وتكاليفها، (وَإِنَّهَا)؛ أي: الولاية، (أَمَانَةٌ)؛ أي: مما ائتمن الله تعالى بها عباده، وأمرهم أن يؤدّوها إلى مستحقيها، كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، (وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْي)؛ أي: ذلّ، وصغار حيث يكثر خصماؤه الذين لَمْ يؤدّ إليهم حقوقهم، وخانهم، وغدر بهم، ينادى على رؤوس الأشهاد ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. (وَنَدَامَةٌ)؛ أي: يندم بها، ويتمنّى أن لو لَمْ يتولّها، (إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا)؛ أي: وهو كونه عالمًا ورعًا، يحتاج الناس إليه في القضاء بينهم؛ لِعَدْله ومعرفته، (وَأَدَّى) الواجب (الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا")؛ أي: في تلك الولاية، وهو القيام بها عن علم، وورع، وتقوى.
قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله - ﷺ - لأبي ذرّ - ﵁ -: "إنك ضعيف"؛ أي: ضعيف عن القيام بما يتعيّن على الأمير؛ من مراعاة مصالح رعيّته الدنيوية والدينية، ووجْهُ ضعف أبي ذرّ عن ذلك أنّ الغالب عليه كان الزهد، واحتقار الدنيا، وتَرْك الاحتفال بها، ومَنْ كان هذا حاله لَمْ يعتنِ بمصالح الدنيا، ولا بأموالها اللذَيْن بمراعاتهما تنتظم مصالح الدِّين، ويتمّ أمره، وقد كان أبو ذرّ أفرط في الزهد في الدنيا، حتى انتهى به الحال إلى أن يُفْتِيَ بتحريم الجمع للمال، وإن أُخْرِجَتْ زكاته، وكان يرى: أنه الكنز الذي توَعَّد اللهُ عليه بِكَيِّ الوجوه والجُنوب والظُّهور، وقد قدّمنا ذلك في "كتاب الزكاة"، فلمّا عَلِمَ النبيُّ - ﷺ - منه هذه الحالة نَصَحَهُ، ونهاه عن الإمارة، وعن ولاية مال الأيتام، وأكَّد النصيحة بقوله: "وإنّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي"، وغلَّظَ الوعيد بقوله: "وإنّها - أي: الإمارة - خزيٌّ وندامة"؛ أي: فضيحة قبيحة على مَنْ لَمْ يؤدِّ في الأمانة حقّها، ولم يَقُم لرعيته برعايتها، وندامة على تقلّدها، وعلى تفريطه فيها، وأمّا من عدل
[ ٣١ / ٧٠٧ ]
فيها، وقام بالواجب منها ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء: ٦٩]، وهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلَّا ظله، وقد شَهِد بصحة ما قلناه قوله في الحديث نفسه: "إلَّا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤٧١١] (١٨٢٥)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٤١٩)، و(الطيالسيّ) في "مسنده) (١/ ٦٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٧٣)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٢٣١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ١٠٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٩٥) و"شعب الإيمان" (٦/ ٤٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان كراهة طلب الإمارة.
٢ - (ومنها): ما قاله النوويّ - ﵀ -: هذا الحديث أصل عظيم في اجتناب الولايات، لا سيما لمن كان فيه ضعف عن القيام بوظائف تلك الولاية، وأما الخزي، والندامة، فهو في حقّ من لَمْ يكن أهلًا لها، أو كان أهلًا، ولم يَعْدِل فيها، فيخزيه الله تعالى يوم القيامة، ويفضحه، ويندم على ما فَرّط، وأما من كان أهلًا للولاية، وعَدَل فيها فله فضل عظيم، تظاهرت به الأحاديث الصحيحة؛ كحديث: "سبعةٌ يُظِلّهم الله … "، والحديث المذكور هنا عقب هذا: "أن المقسطين على منابر من نور … "، وغير ذلك، وإجماعُ المسلمين منعقد عليه، ومع هذا فلكثرة الخطر فيها حذّره - ﷺ - منها، وكذا حذّر العلماء، وامتنع منها خلائق من السلف، وصبروا على الأذى حين امتنعوا. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢١.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٠ - ٢١١.
[ ٣١ / ٧٠٨ ]
٣ - (ومنها): بيان ما أعطى الله نبيّه - ﷺ - من المعجزة الباهرة، حيث عرّفه أحوال الناس، فكان يرى أن فلانًا يصلح لهذا، وفلانًا لا يصلح لهذا، فقد أعلمه الله أن أبا ذرّ - ﵁ - لا يصلح للإمارة؛ وذلك لشدّة زهده، وابتعاده عن الدنيا، وأهلها، فلو تولّى أمور الناس لفسدت أحوالهم، واختلّ نظام حياتهم، وقد ظهر مصداق ذلك حيث اختلف مع معاوية - ﵄ - في آية الكنز، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقال أبو ذرّ: نزلت فيهم، وفينا، فكان لا يرى إمساك ما فَضَل عن الحاجة؛ لأنه كنز، يدخل صاحبه في الوعيد المذكور في الآية، ولذا شكاه معاوية إلى عثمان - ﵁ -، فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم أخذ أيضًا يختلف مِع أهل المدينة في ذلك، فرأى عثمان - ﵁ - أن يعتزل عن الناس، ويسكن الرَّبَذة، فسَكَنها حتى مات - ﵁ -.
قال الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده":
(٢٧٦٢٩) - حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا هاشم، قال: ثنا عبد الحميد، قال: ثنا شهرٌ، قال: حدّثتني أسماء بنت يزيد: أن أبا ذرّ الغفاريّ كان يخدُم النبيّ - ﷺ -، فإذا فرغ من خدمته آوى إلى المسجد، فكان هو بيته، يضطجع فيه، فدخل رسول الله - ﷺ - المسجد ليلة، فوجد أبا ذر نائمًا منجدلًا في المسجد، فنَكَته رسول الله - ﷺ - برجله، حتى استوى جالسًا، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ألا أراك نائمًا؟ "، قال أبو ذرّ: يا رسول الله فأين أنام؟ هل لي من بيت غيره؟ فجلس إليه رسول الله - ﷺ -، فقال له: "كيف أنت إذا أخرجوك منه؟ " قال: إذًا ألحق بالشام، فإن الشام أرض الهجرة، وأرض المحشر، وأرض الأنبياء، فأكون رجلًا من أهلها، قال له: "كيف أنت إذا أخرجوك من الشام؟ "، قال: إذًا أرجع إليه، فيكون هو بيتي ومنزلي، قال له: "كيف أنت إذا أخرجوك منه الثانية؟ " قال: إذًا آخذ سيفي، فأقاتل عني حتى أموت، قال: فكشَّر إليه رسول الله - ﷺ - فأثبته بيده، قال: "أدلك على خير من ذلك؟ " قال: بلى بأبي أنت وأمي يا نبي الله، قال رسول الله - ﷺ -: "تنقاد لهم حيث قادوك، وتنساق لهم حيث ساقوك، حتى تلقاني وأنت على ذلك". انتهى (^١).
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده" ٦/ ٤٥٧، وعبد الحميد بن =
[ ٣١ / ٧٠٩ ]
وذكر الذهبيّ في "السِّيَر" عن هشام، عن ابن سيرين: أن رسول الله - ﷺ - قال لأبي ذرّ: "إذا بلغ البناء سَلْعًا، فاخرج منها"، ونحا بيده نحو الشام، ولا أرى أمراءك يَدَعُونك، قال: أَوَ لَا أقاتل من يحول بيني وبين أمرك؟ قال: "لا"، قال: فما تأمرني؟ قال: "سمع، وأطع، ولو لعبد حبشيّ".
فلما كان ذلك خرج إلى الشام، فكَتب معاوية: إنه قد أفسد الشام، فطلبه عثمان، ثم بعثوا أهله من بعده، فوجدوا عندهم كِيسًا، أو شيئًا، فظنّوه دراهم، فقالوا: ما شاء الله، فإذا هي فلوس.
فقال عثمان: كُنْ عندي، قال: لا حاجة لي في دنياكم، ائذن لي حتى أخرج إلى الرَّبَذَة، فأَذِن له، فخرج إليها، وعليها عبد حبشيّ لعثمان، فتأخر وقتَ الصلاة لَما رأى أبا ذرّ، فقال أبو ذرّ: تقدَّم، فَصَلّ. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٢] (١٨٢٦) - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُقْرِيء، قَالَ زُهَيْرٌ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الْقُرَشِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يا أَبَا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَن عَلَى اثْنَيْن، وَلَا تَوَلَّيَن مَالَ يَتِيمٍ (^٢) ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدَّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم قبل باب.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ) المكيّ، أبو عبد الرَّحمن المقرئ، أصله من
_________________
(١) = بهرام صدوق، وأحاديثه عن عن شهر صحاح، كما قال أبو حاتم الرازيّ، وشهر بن حوشب حسن الحديث، والباقون من رجال الصحيح، وهاشم هو ابن القاسم أبو النضر البغداديّ الحافظ.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٢/ ٦٣.
(٣) وفي نسخة: "ولا تولينّ على مال يتيم".
[ ٣١ / ٧١٠ ]
البصرة، أو الأهواز، ثقةٌ فاضلٌ، أقرأَ القرآن نيّفًا وسبعين سنةً [٩] (ت ٢١٣) وقد قارب المائة، من كبار شيوخ البخاريّ (ع) تقدم - في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٤ - (سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ) اسم أبيه مِقْلاص الخزاعيّ مولاهم، أبو يحيى المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (ت ١٦١) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٥.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرِ الْقُرَشِيُّ) قيل: اسم أبيه يسار، أبو بكر الفقيه المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ، عابدٌ [٥] (ت ٢ أو ٤ أو ٥ أو ١٣٦) (ع) تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ٢٠/ ١٣٠٦.
٦ - (سَالِمُ بْنُ أَبِي سَالِمٍ الْجَيْشَانِيُّ) - بفتح الجيم، ثم تحتانيّة ساكنة، ثمّ شين معجمة - واسم أبي سالم سفيان بن هانئ المصريّ، مقبول [٤].
رَوَى عن أبيه، وعبد الله بن عمرو، ومعاوية بن مُعَتّب.
وروى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن أبي جعفر، ويزيد بن أبي حبيب، والحارث بن يعقوب، ذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له عندهم إلَّا هذا الحديث.
٧ - (أَبُوهُ) أبو سالم سُفيان بن هانئ الْجَيْشانيّ، تابعيّ مخضرمٌ، ثقةٌ، شَهِدَ فتح مصر [٢] ويقال: له صحبة، مات بعد الثمانين (م د س) تقدم في "اللقطة" ٢/ ٤٥٠٢.
و"أبو ذرّ - ﵁ -" ذُكر قبله.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "يا أَبا ذَرٍّ إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا)؛ أي: غير قادر على تحصيل مصالح الإمارة، ودرء مفاسدها، (وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي)؛ أي: من السلامة عن الوقوع في المحذور، وقيل: تقديره: لو كان حالي كحالك في الضعف، وإلا فقد كان متولّيًا على أمور المسلمين، حاكمًا عليهم، فكيف يصحّ قوله: "أحبّ لك ما أحبّ لنفسي"، والتفسير الأول أقرب، والله تعالى أعلم. (لَا تَأَمَّرَنَّ) بتشديد الميم، ونون التوكيد الثقيلة، وأصله: لا تتأمّرنّ، بتاءين، فحُذفت إحداهما؛ تخفيفًا، وكذا قوله: "لا تولّيَنَّ"، قال في "الخلاصة":
وَمَا بِتَاءَيْنِ ابْتُدِي قَدْ يُقْتَصَرْ … فِيهِ عَلَى تَا كـ "تَبَيَّنُ الْعِبَرْ"
[ ٣١ / ٧١١ ]
أي: لا تسلّطنّ، ولا تصيرنّ أميرًا (عَلَى اثْنَيْنِ) أراد به عدم التولّي مطلقًا، فعبّر بأقلّ ما يُمكن الحكم فيه بين الخصوم، (وَلَا تَوَلَّيَن مَالَ يَتِيمٍ")، وفي بعض النسخ: "ولا تولّينّ على مال يتيم"، وهو مِن الناس مَن مات أبوه، ومن البهائم ما ماتت أمه، وقد نظمت ذلك:
مَعْنَى الْيَتِيمِ فَاقِدُ الأَبِ إِذَا … كَانَ مِنَ النَّاسِ وَأُمٍّ غَيْرُ ذَا
وَسَمِّهِ اللَّطِيمَ إِنْ ذَيْنِ فَقَدْ … أَو أُمَّهُ الْعَجِيُّ فَاحْفَظْ مَا وَرَدْ
أي: لا تَصِرْ واليًا على يتيم؛ لشدّة الوعيد على من فرّط فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، وقد عدَّ النبيّ - ﷺ - أَكْلَ مال اليتيم من السبع الموبقات، فقد أخرج الشيخان عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "اجتنبوا السبع الموبقات"، قالوا: يا رسول الله، وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حَرَّم الله، إلَّا بالحقّ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزَّحْف، وقَذف المحصنات المؤمنات الغافلات"، والله تعالى أعلم.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرٍّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
[فإن قلت]: كيف أخرج مسلم هذا الحديث، وفي إسناده سالم الجيشانيّ، قال عنه في "التقريب": مقبول؛ أي: يحتاج إلى متابع؟.
[قلت]: سالم هذا روى عنه جماعة، ووثّقه ابن حبّان، وأخرج له مسلم، ولم يتكلّم فيه أحد، فأقلّ أحواله أن يكون حسن الحديث، ثم إن حديثه هذا يشهد له حديث أبي ذرّ - ﵁ - المذكور قبله، وكذا حديث: السبع الموبقات المذكور آنفًا.
والحاصل أن الحديث صحيح دون تردّد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤/ ٤٧١٢] (١٨٢٦)، و(أبو داود) في "سننه" (٢٨٦٨)، و(النسائيّ) في "الوصايا" (٦/ ٢٥٥) و"الكبرى" (٤/ ١١٢)، و(أحمد) في
[ ٣١ / ٧١٢ ]
"مسنده" (٥/ ١٨٠)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ١٠٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٣٧٩)، و(البزّار) في "مسنده" (٩/ ٤٣٥)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٢٣١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٨٣)، وفوائده تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.