قال الجامع عفا الله عنه: "الغَزَوَات" بالفتحات: جمع غَزوة - بفتح، فسكون - قال الفيّوميّ - ﵀ -: غَزَوْتُ العدوَّ غَزْوًا، فالفاعل غَازٍ، والجمع: غُزَاةٌ، وغُزًّى، مثل قُضَاة، ورُكّع، وجمع الغُزَاةِ: غَزِيٌّ، على فَعِيل، مثلُ الْحَجِيج، والغَزْوَةُ: الْمَرَّة، والجمع: غَزَوَاتٌ، مثل شَهْوةٍ وشَهَوات، والمَغْزَاةُ
_________________
(١) وفي نسخة: "بنحوه".
[ ٣١ / ٥٨٦ ]
كذلك، والجمع: المَغَازِي، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَغْزَيْتُهُ: إذا بعثته يَغْزُو، وإنما يكون غَزْوُ العدوّ في بلاده. انتهى (^١).
وقال المجد - ﵀ -: غزاه غَزْوًا بالفتح، وغَزَوانًا بالتحريك، وغَزَاوَةً، كشَقَاوة: أراده، وطلبه، وغزاه غَزْوًا: قصده، كاغتزاه، وغَزَا العدوّ يغزوهم: سار إلى قتالهم، وانتهابهم، وقال الراغب: خرج إلى محاربتهم، وهو غازٍ، جمعه: غُزًّى، كسابق وسُبَّقٍ، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾، وغُزِيٌّ، كَدُلِيٍّ، على فُعُولٍ، والْغَزِيّ، كغَنِيٍّ اسم جمع، وجعله الجوهري جمعًا، كقاطن وقَطِين، وحاجّ وحَجِيج، وأغزاه: حَمَله على الغزو، وفي "الصحاح": جَهّزه للغزو، كغَزّاه، بالتشديد. انتهى (^٢).
وقال في "الفتح": والمغازي: جمع مَغْزًى، يقال: غزا يغزو غَزْوًا، ومَغْزًى، والأصل غَزْوٌ، والواحدة غَزْوةٌ، وغَزَاةٌ والميم زائدة، وعن ثعلب: الْغَزْوَة: المرة، والْغَزَاةُ عَمَلُ سنة كاملة، وأصل الغزو: القصد، ومَغْزَى الكلام: مَقْصَده، والمراد بالمغازي هنا ما وقع من قصد النبيّ - ﷺ - الكفار بنفسه، أو بجيش مِن قِبَله، وقَصْدهم أعمّ من أن يكون إلى بلادهم، أو إلى الأماكن التي حَلُّوها، حتى دخل مثل أُحُد، والخندق. انتهى (^٣).
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٤] (١٢٥٤) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ، خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالنَّاس، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثُمَّ اسْتَسْقَى، قَالَ: فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَقَالَ: لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: كَمْ غَزَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ، فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ: فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْر، أَوِ الْعُشَيْرِ).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٤٧.
(٢) "تاج العروس" ١/ ٨٥٢١.
(٣) "الفتح" ٩/ ٥، كتاب "المغازي" رقم (٣٩٤٩).
[ ٣١ / ٥٨٧ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلّهم تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السَّبِيعيّ (أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ) قال صاحب "التكملة" (^١): الظاهر أن المراد به: عبد الله بن يزيد بن زيد بن حُصين، كان أميرًا على الكوفة أيام ابن الزبير - ﵁ -، وقد اختَلف العلماء في "صحبته، شَهِد الْجَمَل، وصِفّين على عليّ - ﵁ -، وكان الشعبيّ كاتِبَه أيام إمرته على الكوفة، راجع "تهذيب التهذيب" (٦/ ٧٨). (خَرَجَ يَسْتَسْقِي)؛ أي: يطلب من الله تعالى السُّقيا، وقوله: (بِالنَّاسِ) تنازعه الفعلان قبله، (فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ) هما ركعتا الاستسقاء، وهما سنّتان على مذهب الجمهور، وخالف في ذلك أبو حنيفة، فقال: لا يُشرع للاستسقاء صلاة، وإنما هو دعاء، واستغفار، والصحيح مذهب الجمهور؛ لثبوته عن النبيّ - ﷺ -، في "الصحيحين"، وفي غيرهما، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في محلّه، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
(ثُمَّ اسْتَسْقَى)؛ أي: ثم دعا الله تعالى أن يسقيهم المطر. (قَالَ) أبو إسحاق (فَلَقِيتُ يَوْمَئِذٍ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ) الصحابيّ الشهير - ﵁ -، المتوفّى سنة (٦ أو ٦٨ هـ) تقدّم قريبًا. (وَقَالَ) أبو إسحاق: (لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ)؛ أي: بين زيد - ﵁ - (غَيْرُ رَجُلٍ، أَوْ) للشكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَجُلٌ، قَالَ) أبو إسحاق (فَقُلْتُ لَهُ)؛ أي: لزيد - ﵁ -، (كَمْ غَزَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ) كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبيّ - ﷺ - فيها بنفسه، سواء قاتل، أو لم يقاتل، لكن رَوَى أبو يعلى، من طريق أبي الزبير، عن جابر: أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله عند مسلم في حديث جابر الآتي بعدُ، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذِكْر ثنتين منها، وهما غزوتا الأَبْواء وبُوَاط؛ لأنه جعل العُشيرة أول الغزوات، مع أنها ثالثها، وكأن الغزوتين
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٣/ ٢٦١ - ٢٦٢.
[ ٣١ / ٥٨٨ ]
الأوليين خَفِيتا عليه؛ لصغره، ويؤيد ذلك ما يأتي هنا بلفظ: "قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو العشيرة"، والعشيرة هي الثالثة، وقد تقدّم تمام البحث في هذا في "كتاب الحجّ" برقم [٣٢/ ٣٠٣٦] (١٢٥٤).
قال أبو إسحاق: (فَقُلْتُ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ) زيد - ﵁ - (سَبْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ) أبو إسحاق (فَقُلْتُ: فَمَا أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا؟ قَالَ: ذَاتُ الْعُسَيْر، أَوِ الْعُشَيْرِ) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا في جميع نسخ "صحيح مسلم": "العُسير، أو العشير" بالعين المضمومة، والأول بالسين المهملة، والثاني بالمعجمة، وقال القاضي عياض في "المشارق": هي ذات العشيرة، بضم العين، وفتح الشين المعجمة، قال: وجاء في "كتاب المغازي" - يعني من "صحيح البخاريّ": "عَسِير" بفتح العين، وكسر السين المهملة، بحذف الهاء، قال: والمعروف فيها: "العُشيرة" مصغرةً، بالشين المعجمة، والهاء، قال: وكذا ذكرها أبو إسحاق، وهي من أرض مَذْحِج. انتهى (^١).
وقال ابن هشام - ﵀ - في "السيرة": ثم غزا قريشًا، فاستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، قال ابن إسحاق: فسلك على نَقَب بني دينار، ثم على فَيْفَاء الْخَبَار، فنزل تحت شجرة ببطحاء ابن أزهر، يقال لها: ذات الساق فصلى عندها، وصُنع له عندها طعام، فأكل منه، وأكل الناس معه، فموضع أثافي الْبُرْمة معلوم هنالك، واستُقي له من ماء به، يقال له: الْمُشْتَرِب، ثم ارتحل رسول الله - ﷺ -، فترك الخلائق بيسار، وسلك شُعْبةً يقال لها: شعبة عبد الله، وذلك اسمها اليومَ، ثم صَبّ لليسار، حتى هَبَط يَلِيل، فنزل بمُجْتَمَعِه، ومُجْتَمَع الضبُوعة، واستقى من بئرٍ بالضبوعة، ثم سلك الْفَرْشَ فَرْشَ مَلَل، حتى لقي الطريق بصُحَيرات اليمام، ثم اعتَدَل به الطريق حتى نزل الْعُشيرة من بطن ينبع، فأقام بها جمادى الأولى، وليالي من جمادى الآخرة، ودعا فيها بني مُدْلِج، وحلفاءهم من بني ضَمْرة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كَيْدًا. انتهى (^٢).
وفي رواية البخاريّ: "قال: الْعُشَير، أو الْعُسَيْرة"، وزاد: "فذكرت لقتادة، فقال: الْعُشَيرة" انتهى.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٥.
(٢) "سيرة ابن هشام" ١/ ٥٩٨.
[ ٣١ / ٥٨٩ ]
قال في "الفتح": قوله: "العُشير، أو العُسيرة" كذا بالتصغير، والأول بالمعجمة بلا هاء، والثانية بالمهملة، وبالهاء، ووقع في الترمذيّ: "العُشير، أو العُسير" بلا هاء فيهما. انتهى.
وقوله: "فذكرت لقتادة" القائل هو شعبة، وقول قتادة: "العشيرة" هو بالمعجمة، وبإثبات الهاء، ومنهم من حذفها، وقول قتادة هو الذي اتَّفَقَ عليه أهل السير، وهو الصواب، وأما غزوة الْعُسيرة بالمهملة، فهي غزوة تبوك، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧]، وسُمّيت بذلك؛ لما كان فيها من المشقّة، وهي بغير تصغير، وأما هذه فنُسبت إلى المكان الذي وصلوا إليه، واسمه العشير، أو العشيرة، يذكّر، ويؤنّث، وهو موضع.
وذكر ابن سعد أن المطلوب في هذه الغزاة هي عِير قريش التي صَدَرت من مكة إلى الشام بالتجارة، ففاتهم، وكانوا يترقبون رجوعها، فخرج النبيّ - ﷺ - يتلقاها؛ ليغنمها، فبسبب ذلك كانت وقعة بدر.
قال ابن إسحاق: فإن السبب في غزوة بدر ما حدّثني يزيد بن رُومان، عن عروة، أن أبا سفيان كان بالشام في ثلاثين راكبًا، منهم مَخرمة بن نَوفل، وعمرو بن العاص، فأقبلوا في قافلة عظيمة، فيها أموال قريش، فنَدَب النبيّ - ﷺ - إليهم، وكان أبو سفيان يتجسس الأخبار، فبلغه أن النبيّ - ﷺ - استنفر أصحابه بقصدهم، فأرسل ضمضم بن عمرو الغِفَاريّ إلى قريش بمكة، يُحرِّضهم على المجيء؛ لحفظ أموالهم، ويُحَذِّرهم المسلمين، فاستنفرهم ضمضم، فخرجوا في ألف راكب، ومعهم مائة فرس، واشتدّ حذر أبي سفيان، فأُخذ طريق الساحل، وجدّ في السير، حتى فات المسلمين، فلما أَمِنَ أرسل إلى من يلقى قريشًا يأمرهم بالرجوع، فامتنع أبو جهل من ذلك، فكان ما كان من وقعة بدر. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٨ - ٩، كتاب "المغازي" رقم (٣٩٤٩).
[ ٣١ / ٥٩٠ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث زيد بن أرقم - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه (^١):
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٤٦٨٤ و٤٦٨٥]، (١٢٥٤)، وتقدّم في "كتاب الحجّ" برقم [٣٢/ ٣٠٣٦] (١٢٥٤)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٣٩٤٩ و٤٤٠٤ و٤٤٧١)، و(الترمذي) في "فضائل الجهاد" (١٦٧٦)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (٦٨٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١/ ٣٥٠ - ٣٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٣٦٨ و٣٧٠ و٣٧١، ٣٧٢ و٣٧٤)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٥٠٤٢ و٥٠٤٣ و٥٠٤٤ و٥٠٤٥ و٥٠٤٦ و٥٠٤٧ و٥٠٤٨)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٢٨٣)، و(الفسويّ) في "المعرفة والتاريخ" (٢/ ٦٢٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٦)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٤/ ٣٤٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ٣٤٧) و"دلائل النبوّة" (٥/ ٤٥٣ و٤٦٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل السِّيَر في أول غزواته - ﷺ -:
قال البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "قال ابن إسحاق: أولُ ما غزا النبيّ - ﷺ - الأبواء، ثمّ بواطٌ، ثم الْعُشيرة".
قال في "الفتح": قوله: "قال ابن إسحاق: أول ما غزا النبيّ - ﷺ - الأبواء، ثم بُواط، ثم العشيرة" قال: "الأبواء" بفتح الهمزة، وسكون الموحّدة، وبالمدّ: قرية من عَمَل الْفُرْع، بينها وبين الْجُحْفة من جهة المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، قيل: سُمّيت بذلك؛ لِمَا كان فيها من الوباء، وهي على القلب، وإلا لقيل: الأوباء.
والذي وقع في مغازي ابن إسحاق ما صورته: غزوة وَدّان - بتشديد المهملة - قال: وهي أول غزوات النبيّ - ﷺ - خرج من المدينة في صفر، على رأس اثني عشر شهرًا، من مَقْدَمه المدينة، يريد قُريشًا، فوادع بني ضَمْرة بن بكر بن عبد مناة، من كنانة، وادعه رئيسهم مَجْديّ بن عمرو الضمريّ، ورجع
_________________
(١) قد تقدّم تخريجه في كتاب "الحجّ"، وإنما أعدته لأن فيه زيادات في التخريج، فتنبّه.
[ ٣١ / ٥٩١ ]
بغير قتال، قال ابن هشام: وكان قد استعمل على المدينة سعد بن عبادة. انتهى.
وليس بين ما وقع في "السيرة" وبين ما نقله البخاريّ عن ابن إسحاق اختلاف؛ لأن الأبواء ووَدّان مكانان متقاربان، بينهما ستة أميال، أو ثمانية، ولهذا وقع في حديث الصعب بن جَثّامة، وهو بالأبواء، أو بوَدّان، كما تقدم في "كتاب الحج".
ووقع في مغازي الأمويّ: حدّثني أبي، عن ابن إسحاق، قال: خرج النبيّ - ﷺ - غازيًا بنفسه، حتى انتهى إلى وَدّان، وهي الأبواء.
وقال موسى بن عقبة: أول غزوة غزاها النبيّ - ﷺ - يعني: بنفسه - الأبواء.
وفي الطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه، قال: أول غزاة غزوناها مع النبيّ - ﷺ - الأبواء، وأخرجه البخاريّ في "التاريخ الصغير" عن إسماعيل، وهو ابن أبي أويس، عن كثير بن عبد الله مقتصرًا عليه، وكثير ضعيف عند الأكثر، لكن البخاريّ مَشّاه، وتبعه الترمذيّ.
وذكر أبو الأسود في "مغازيه" عن عروة، ووصله ابن عائذ، من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبيّ - ﷺ - لمّا وصل إلى الأبواء بَعَث عبيدة بن الحارث في ستين رجلًا، فلقوا جمعًا من قريش، فتراموا بالنبل، فرمى سعد بن أبي وقاص بسهم، وكان أول مَن رَمَى بسهم في سبيل الله.
وعند الأمويّ يقال: إن حمزة بن عبد المطلب أول من عَقَد له رسول الله - ﷺ - في الإسلام رايةً، وكذا جزم به موسى بن عقبة، وأبو معشر، والواقديّ، في آخرين، قالوا: وكان حامل رايته أبو مَرْثد، حليف حمزة، وذلك في شهر رمضان من السنة الأولى، وكانوا ثلاثين رجلًا؛ ليعترضوا عير قريش، فلقوا أبا جهل في جَمْع كثير، فحجز بينهم مَجْديّ.
وأما "بواط" - فبفتح الموحّدة، وقد تُضمّ، وتخفيف الواو، وآخره مهملة -: جبل من جبال جهينة، بقرب ينبع، قال ابن إسحاق: ثم غزا في شهر ربيع الأول، يريد قريشًا أيضًا حتى بلغ بُواط، من ناحية رَضْوَى، ورجع، ولم يلق أحدًا، ورَضْوَى - بفتح الراء، وسكون المعجمة، مقصورًا -: جبلٌ مشهورٌ
[ ٣١ / ٥٩٢ ]
عظيمٌ بينبع، قال ابن هشام: وكان استَعْمَل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وفي نسخة: السائب بن مظعون، وعليه جرى السُّهيليّ، وقال الواقديّ: سعد بن معاذ.
وأما "العشيرة" فلم يُخْتَلف على أهل المغازي أنها بالمعجمة، والتصغير، وآخرها هاء، قال ابن إسحاق: هي ببطن ينبع، وخرج إليها في جمادى الأولى، يريد قريشًا أيضًا، فوادع فيها بني مُدلِج، من كنانة، قال ابن هشام: استَعْمل فيها على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وذكر الواقديّ أن هذه السّفَرات الثلاث، كان يخرج فيها ليلتقي تجار قريش، حين يمرون إلى الشام ذهابًا وإيابًا، وبسبب ذلك أيضًا كانت وقعة بدر، وكذلك السرايا التي بعثها قبل بدر.
قال ابن إسحاق: ولمّا رجع إلى المدينة، لم يُقِم إلا ليالي، حتى أغار كُرْز بن جابر الفِهْريّ على سَرْح المدينة، فخرج النبيّ - ﷺ - في طلبه حتى بلغ سَفَران - بفتح المهملة، والفاء - من ناحية بدر، ففاته كُرز بن جابر، وهذه هي بدر الأولى.
وبعث رسول الله - ﷺ - أيضًا سرية عبد الله بن جحش أخي زينب أم المؤمنين، في السنة الثانية قبل وقعة بدر، فلقوا عمرو بن الحضرميّ، ومعه عِير - أي: تجارة - لقريش، فقتلوه، فكان أول مقتول من الكفار في الإسلام، وذلك في أول يوم من رجب، وغَنِموا ما كان معهم، فكانت أول غنيمة في الإسلام، فعاب عليهم المشركون ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
[فائدة]: قال الزهري: أول آية نزلت في القتال - كما أخبرني عروة، عن عائشة -: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية [الحج: ٣٩]، أخرجه النسائيّ، وإسناده صحيح، وأخرج هو، والترمذيّ، وصححه الحاكم، من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس - ﵄ -: قال: لما خرج النبيّ - ﷺ - من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم، لَيَهْلِكُنّ، فنزلت: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ الآية، قال ابن عباس: فهي أول آية أُنزلت في القتال، وذكر غيره أنهم أُذن لهم في قتال من قاتَلهم بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]،
[ ٣١ / ٥٩٣ ]
ثم أُمروا بالقتال مطلقًا بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا﴾ الآية [التوبة: ٤١]، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل السِّيَر في عدد غزوات النبيّ - ﷺ -: قال النوويّ - ﵀ -: قد اختَلَف أهل المغازي في عدد غزواته - ﷺ -، وسراياه، فذكر ابن سعد وغيره عددهنّ مفصّلات على ترتيبهنّ، فبلغت سبعًا وعشرين غَزاةً، وستًّا وخمسين سريةً، قالوا: قاتَل في تسع من غزواته، وهي: بدرٌ، وأُحُدٌ، والْمُرَيسِيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، هكذا عدّوا الفتح فيها، وهذا على قول من يقول: فُتِحَت مكة عَنْوَةً، وقد قدَّمنا بيان الخلاف فيها، ولعل بُريدة - ﵁ - أراد بقوله: "قاتَل في ثمان" إسقاط غَزَاة الفتح، ويكون مذهبه أنها فُتحت صلحًا، كما قاله الشافعيّ، وموافقوه. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" عند قول البراء - ﵁ -: "تسع عشرة": كذا قال، ومراده الغزوات التي خرج النبيّ - ﷺ - فيها بنفسه، سواء قاتَل، أو لم يقاتِل، لكن رَوَى أبو يعلى من طريق أبي الزبير، عن جابر - ﵁ - أن عدد الغزوات إحدى وعشرون، وإسناده صحيح، وأصله في مسلم، فعلى هذا، ففات زيد بن أرقم ذكر ثنتين منها، ولعلّهما الأبواء، وبواط، وكأن ذلك خَفِي عليه لِصِغَره، ويؤيد ذلك ما وقع عند مسلم بلفظ: "قلت: ما أول غزوة غزاها؟ قال: ذات العشير، أو العشيرة". انتهى، والعشيرة كما تقدم هي الثالثة.
وأما قول ابن التين: يُحْمَل قول زيد بن أرقم على أن العشيرة أول ما غزا هو؛ أي: زيد بن أرقم، والتقدير: فقلت: ما أول غزوة غزاها؛ أي: وأنت معه، قال: "العشير"، فهو مُحْتَمِلٌ أيضًا، ويكون قد خَفِي عليه اثنتان مما بعد ذلك، أو عَدّ الغزوتين واحدةً، فقد قال موسى بن عقبة: قاتَل رسول الله - ﷺ - بنفسه في ثمان: بدر، ثم أُحُد، ثم الأحزاب، ثم المصطلِق، ثم خيبر، ثم مكة، ثم حُنين، ثم الطائف. انتهى، وأهمل غزوة قُريظة؛ لأنه ضَمّها إلى الأحزاب؛ لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره؛ لوقوعها منفردة بعد هزيمة
_________________
(١) "شرح النوويّ ١٢/ ١٩٥.
[ ٣١ / ٥٩٤ ]
الأحزاب، وكذا وقع لغيره عَدّ الطائف، وحُنين واحدةً؛ لتقاربهما، فيجتمع على هذا قول زيد بن أرقم، وقول جابر.
وقد توسَّع ابن سعد، فبَلَّغَ عِدّة المغازي التي خرج فيها رسول الله - ﷺ - بنفسه سبعًا وعشرين، وتَبِعَ في ذلك الواقديّ، وهو مطابق لِمَا عدّه ابن إسحاق، إلا أنه لم يُفرد وادي القرى من خيبر، أشار إلى ذلك السُّهيليّ، وكأن الستة الزائدة من هذا القبيل، وعلى هذا يُحْمَل ما أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن سعيد بن المسيِّب، قال: غزا رسول الله - ﷺ - أربعًا وعشرين، وأخرجه يعقوب بن سفيان، عن سلمة بن شَبيب، عن عبد الرزاق، فزاد فيه أن سعيدًا قال أوّلًا: ثماني عشرة، ثم قال: أربعًا وعشرين، قال الزهريّ: فلا أدري أَوْهَم، أو كان شيئًا سمعه بعدُ.
قال الحافظ: وحَمْله على ما ذكرته يدفع الوهم، وَيجمع الأقوال، والله أعلم.
وأما البعوث والسرايا: فَعَدّ ابن إسحاق ستًّا وثلاثين، وعَدّ الواقديّ ثمانيًا وأربعين، وحَكَى ابن الجوزيّ في "التلقيح" ستًّا وخمسين، وعَدّ المسعوديّ ستين، وبلّغها العراقيّ في "نظم السيرة" زيادة على السبعين، ووقع عند الحاكم في "الإكليل" أنها تزيد على مائة، فلعله أراد ضمّ المغازي إليها. انتهى (^١).
وقد عقد الحافظ العراقيّ - ﵀ - في عدد غزواته - ﷺ - فصلًا، فقال:
ذكرُ عدد مغازيه - ﷺ -:
سَبْعًا وَعِشْرِينَ اعْدُدَنَّ الْغَزْوَا … أَوَّلُهَا وَدَّانُ وَهْيَ الأَبْوَا
ثُمَّ بُواطُ بَعْدَها العُشَيْرا … فبدرٌ الأُولى فبدرُ الكبرى
فَقَيْنُقَاعُ فَالسَّوِيقُ غَطَفَانْ … وَهْيَ فَذُو أَمَرّ فَغَزْوُ بُحْرَانْ
فَأحُدٌ بَعْدُ فَحمْرَاءُ الأَسَدّْ … ثُمَّ بَنُو النَّضِيرِ ثُمَّ فِي الْعَدَدْ
ذَاتُ الرِّقَاعِ ثُمَّ بَدْرُ الْمَوْعِدِ … فَدُومَةٌ فَالْخَنْدَقَ اذْكُرْ وَاعْدُدِ
قُرَيظَةٌ لِحْيَانُ ثُمَّ ذُو قَرَدَ … ثُمَّ الْمُرَيْسِيعُ عَلَى الْقَوْلِ الأَسَدّْ
ثُمَّ تَلِيهَا عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَهْ … فَخَيْبَرٌ فَعُمْرَةُ الْقَضِيَّهْ
فَفتْحُ مَكَّةَ حُنَيْن وَتَلَا … غَزَاةُ طَائِفٍ تَبُوكَ قَاتَلَا
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٧ - ٨، كتاب "المغازي" رقم (٣٩٤٩).
[ ٣١ / ٥٩٥ ]
مِنْهَا بِتِسْعٍ أُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ … بَدْرٍ بَنِي قُرَيْظَةَ الْمُصْطَلِقِ
خَيْبَرَ وَالْفَتْحِ حُنَيْنٍ طَائِفِ … وَقَدْ حَكَوْا عَنْ قَوْلِ بَعْضِ السَّلَفِ
بِأَنَّهُ قَاتَلَ فِي النَّضِيرِ … وَغَابَةِ وَادِي الْقُرَى الْمَشْهُورِ
ثم ذكرُ بعوثه، وسراياه - ﷺ -، فقال:
عِدَّتَهَا مِنْ بَعْثٍ أوْ سَرِيِّةِ … سِتُّونَ فَالأَوَّلُ بَعْثُ حَمْزَةِ
إلى أن قال في آخر الباب:
وَاخْتَلَفُوا فِي عَدِّهَا فَالأَكْثَرُ … عَنْ قَدْرِ مَا عَدَدْتُ مِنْهَا قَصَّرُوا
وَلابْنِ نَصْرٍ عَالِمٍ جَلِيلِ … بَلْ فَوْقَ سَبْعِينَ وَفِي الإِكْلِيلِ
أَنَّ الْبُعُوثَ عَدُّهَا فَوْقَ الْمِائَهْ … وَلَمْ أَجِدْ ذَا لِسِوَاهُ ابْتَدَأَهْ
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٥] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، سَمِعَهُ مِنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ حَجَّةً، لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا، حَجَّةَ الْوَدَاعِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ آدَمَ) بن سليمان الأمويّ مولاهم، أبو زكريّاء الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٢ - (زُهَيْرُ) بن معاوية بن حُديج الجعفي، أبو خيثمة الكوفيّ، نزيل الجزيرة، ثقة ثبتٌ إلا أن سماعه من أبي إسحاق بآخره [٧] (ت ٢ أو ٣ أو ١٧٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٦٢.
والباقون ذُكروا في السند الماضي، وقبله بإسناد.
[تنبيه]: وقع اختلاف في هذا السند، فوقع في نسخة شرح النوويّ ما نصّه: "وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا وهيب، عن أبي إسحاق، عن زيد بن أرقم"، فقال النووي: هكذا هو في أكثر نسخ بلادنا: "وهيب، عن أبي إسحاق"، وفي بعضها: "زهير، عن أبي إسحاق"، ونقل القاضي عياض أيضًا الاختلاف فيه، قال: وقال عبد الغنيّ: الصواب: زهير،
[ ٣١ / ٥٩٦ ]
وأما وُهيب فخطأ، قال: لأنّ وُهيبًا لم يَلْقَ أبا إسحاق، وذكر خلف في "الأطراف"، فقال: "زهير"، ولم يذكر وهيبًا. انتهى (^١).
وقال الحافظ الجيّانيّ - ﵀ - في "التقييد" بعد أن ساق سند مسلم المذكور آنفًا ما نصّه: هكذا رُوي في هذا الإسناد عن الكساليّ على الصواب، وفي نسخة السجزيّ، والرازيّ، عن أبي أحمد: حدّثنا يحيى بن آدم، قال: نا وُهيب، وكذلك كان في نسخة أبي العلاء بن ماهان، فغيّره، وأُخبرتُ عن أحمد بن عبد الله بن عليّ الباجيّ قال: كان عند أبي العلاء بن ماهان: وُهيب، فأصلحه زُهير، وكذلك كان في نسخة ابن الحذّاء: زُهير، على ما كان أصلحه أبو العلاء، وقال أبو محمد عبد الغنيّ بق سعيد: الصواب: زُهير، ووُهيب خطأ؛ لأن وُهيبًا لم يلق أبا إسحاق. انتهى (^٢)، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
وقوله: (وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ)؛ أي: من مكة إلى المدينة.
وقوله: (حَجَّةً، لَمْ يَحُجَّ غَيْرَهَا)؛ أي: حجة واحدة، قال في "الفتح"؛ يعني: ولا حج قبلها، إلا أن يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة فلا، فإنه اعتمر قبلها قطعًا. انتهى (^٣).
وقوله: (حَجَّةَ الْوَدَاعِ) بالنصب على البدليّة من "حجّةً"، وسُمّيت بهذا الاسم؛ لتوديع النبيّ - ﷺ - الناس فيها.
[تنبيه]: زاد في رواية البخاريّ في آخر الحديث ما نصّه: "قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى"، قال في "الفتح": هو موصول بالإسناد المذكور، وغَرَض أبي إسحاق أن لقوله: "بعدما هاجر" مفهومًا، وأنه قبل أن يهاجر كان قد حجّ، لكن اقتصاره على قوله: "أخرى" قد يوهم أنه لم يحجّ قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك، بل حجّ قبل أن يهاجر مرارًا، بل الذي لا أرتاب فيه أنه لم يترك الحجّ، وهو بمكة قطّ؛ لأن قريشًا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحجّ، وإنما يتأخر منهم عنه من لم يكن بمكة، أو عاقه ضَعف، وإذا كانوا
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٥ - ١٩٦.
(٢) "تقييد المهمل" ٣/ ٨٨٢.
(٣) "الفتح" ٩/ ٥٥٠ رقم (٤٤٠٤).
[ ٣١ / ٥٩٧ ]
وَهُمْ على غير دين يحرصون على إقامة الحجّ، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يُظَنّ بالنبيّ - ﷺ - أنه يتركه؟ وقد ثبت من حديث جُبير بن مُطْعِم أنه رآه في الجاهلية واقفًا بعرفة، وأن ذلك من توفيق الله له، وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية. انتهى، وهو تحقيقٌ نفيسٌ جدًّا، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرّ شرحه، وبيان مسائله في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
[تنبيه آخر]: عَقَد الحافظ العراقيّ: - ﵀ - فصلًا لبيان عدد حَجِّه - ﷺ -، وعُمَره، فقال:
قَدْ حَجَّ بَعدَ هِجرَةٍ لِطَيبَةِ … سَنَةَ عَشْر قَطْ بِغيرِ مِرَيةِ
واعتَمَرَ النبيُّ بَعدَ الهجرَةِ … أربعَةً والكُلُّ في ذي القَعْدَةِ
إلا التي في حَجَّةِ الوَدَاعِ … قَرَنَهَا لَمْ يَخْلُ مِنْ نِزَاعِ
أوَّلُهَا سَنَةَ يسِتّ صُدَا … فيهَا عن البَيتِ فَحَلَّ قَصْدَا
كَانَتْ بِهَا بَيْعَتُهُ المَرضِيَّهْ … ثم تَليهَا عُمرَةُ القَضِيَّهْ
سَنةَ سَبع بَعدَهَا الجِعْرانَهْ … عَامَ ثمانٍ واعدُدَنْ قرَانَهْ
ولم يَعُدَّ مَالِكٌ ذي الرَّابِعَهْ … وقالَ حَجَّ مُفرَدًا وتابَعَهْ
بَعضُهُمُ وَحَجَّ قَبلَ الهجرَهْ … ثِنتَينِ أو أكثرَ أو فَمَرَّهْ
ولمْ يَصِحَّ عَدَدُ الحَجَّاتِ … مِن قَبلِ هِجرَةٍ ولا العُمْرَاتِ
والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٦] (١٨١٣) - (حَدَّثنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثنَا زَكَرِيَّاءُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْر، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا، مَنَعَنِي أَبِي، فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أتخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةٍ قَطُّ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) أبو خيثمة، تقدّم قريبًا.
[ ٣١ / ٥٩٨ ]
٢ - (رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ) بن العلاء بن حسّان القيسيّ، أبو محمد البصريّ، ثقةٌ فاضلٌ، له تصانيف [٩] (ت ٥ أو ٢٠٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٩٠/ ٤٧٦.
٣ - (زَكَرِيَّاءُ) بن إسحاق المكيّ، ثقة رُمي بالقدر [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ٧/ ١٣٠.
٤ - (أَبُو الزُّبَيْرِ) محمد بن مسلم بن تَدْرُس المكيّ، صدوقٌ يُدلّس [٤] (ت ١٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٥ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد.
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالتحديث، والإخبار، والسماع.
شرح الحديث:
عن أبي الزُّبَيْرِ محمد بن مسلم (أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ) - ﵄ - (يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ) - ﵁ - (لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا) قال القاضي عياض - ﵀ -: كذا في رواية مسلم أن جابرًا لم يشهدهما، وقد ذكر أبو عبيد أنه شهد بدرًا، قال ابن عبد البرّ: الصحيح أنه لم يشهدهما، وقد ذكر ابن الكلبيّ أنه شهد أُحُدًا. انتهى.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ - قال: كنت أمْتَحُ لأصحابي يوم بدر من القَليب.
ثم أخرج بسنده عن الواقديّ أنه قال: هذا غلط من رواية أهل العراق (^١)؛ يعني: أن جابرًا - ﵁ - لم يشهد بدرًا، وعلّق الذهبي على كلام الواقدّي هذا في "تاريخه"، فقال: صدق، فإن زكريّا بن إسحاق روى عن أبي الزبير، عن جابر قال: لم أشهد بدرًا، ولا أُحُدًا … الحديث المذكور عند مسلم هنا.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قول جابر - ﵁ -: "لم أشهد بدرًا، ولا أُحُدًا" هذا هو الصحيح، وقد ذكر ابن الكلبيّ أنه شهد أُحُدًا، وليس بشيء. انتهى (^٢).
_________________
(١) "المستدرك على الصحيحين" ٥/ ٣٢١.
(٢) "المفهم" ٣/ ٦٩٢.
[ ٣١ / ٥٩٩ ]
وقوله أيضًا: (تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَالَ جَابِرٌ: لَمْ أَشْهَدْ بَدْرًا، وَلَا أُحُدًا) قال النوويّ - ﵀ -: هذا صريح منه بأن غزوات رسول الله - ﷺ - لم تكن منحصرة في تسع عشرة، بل زائدة، وإنما مراد زيد بن أرقم، وبُريدة - ﵄ - بقولهما: "تسع عشرة" أن منها تسع عشرة، كما صَرَّح به جابر - ﵁ -، فقد أخبر جابر أنها إحدى وعشرون، كما ترى، وقد قدمنا أنها سبع وعشرون، وأما قوله في الرواية الأخرى، عن بريدة: "ست عشرة غزوةً"، فليس فيه نفي الزيادة. انتهى (^١).
(مَنَعَنِي أَبِي)؛ أي: لأجل أن يقوم على أخواته، ففي رواية قال: "كان يُخلّفني على أخواتي، وكنّ تسعًا"، وقال القرطبيّ - ﵀ -: سبب منع أبيه له أنه كان لجابر أخوات، ولم يكن لأبيه من يقوم عليهنّ غيره، فحبسه عن الغزو لذلك، كما جاء في الرواية الأخرى (^٢).
وأبو جابر هو: عبد الله بن حرام بن ثعلبة بن حرام الأنصاريّ الخزرجيّ السَّلَميّ الصحابيّ المشهور، معدود في أهل العقَبَة وبدر، وكان من النقباء، واستُشهد بأُحُد، ثبت ذِكْره في "الصحيحين" من حديث وَلَدِه، قال: لمّا قُتل أبي يوم أُحد، جعلت أكشف الثوب عن وجهه … الحديث، وفيه: "ما زالت الملائكة تُظله بأجنحتها"، ورَوَى الترمذيّ من حديث جابر: لقيني النبيّ - ﷺ -، فقال: "يا جابر ما لي أراك منكسرًا؟ " فقلت: يا رسول الله قُتل أبي، وترك دَينًا، وعيالًا، فقال: "ألا أُخبرك؟ ما كلم الله أحدًا قط إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كَفَاحًا، قال: يا عبدي سلني أعطك … " الحديث.
وقال جابر: حَوَّلت أبي بعد ستة أشهر، فما أنكرت منه شيئًا إلا شَعَرات من لحيته، كانت مستها الأرض.
ورَوَى مالك في "الموطأ" عن عبد الرحمن بن أبي صَعْصعة، أنه بلغه أن عمرو بن الْجَمُوح، وعبد الله بن عمرو بن حرام كانا قد حَفَر السَّيل عن قبرهما، وكانا في قبر واحد، مما يلي السيل، فحَفَر عنهما، فوُجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان أحدهما وَضَع يده على جرحه، فدُفن، وهو كذلك،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٦.
(٢) "المفهم" ٣/ ٦٩٣.
[ ٣١ / ٦٠٠ ]
فأُمطيت يده عن جرحه، ثم أُرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين الوقتين ست وأربعون سنة (^١).
(فَلَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لَمْ أتخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوةٍ قَطُّ)؛ يعني: أنه لَمّا مات أبوه تمكّن من الخروج في الغزو مع النبيّ - ﷺ -؛ لعدم من يمنعه، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٤٦٨٧] (١٨١٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٣/ ٣٢٩)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١٠٦٥)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٧)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٤/ ١٦٨)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٧] (١٨١٤) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ (ح) وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُن. وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ: مِنْهُنَّ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَني عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) ذُكر قبل حديث.
٢ - (زيدُ بْنُ الْحُبَابِ) الْعُكليّ، أبو الحسين الكوفيّ، خراسانيّ الأصل، صدوق يُخطئ في حديث الثوريّ [٩] (ت ٢٠٣) (م ٤) تقدم في "الطهارة" ٦/ ٥٦٠.
٣ - (سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَرْمِيُّ) الكوفيّ، صدوقٌ رُمي بالتشيّع، من كبار [١١] (خ م د ق) تقدم في "الصلاة" ٣٤/ ١٠١٦.
_________________
(١) "الإصابة في تمييز الصحابة"٤/ ١٦٢ - ١٦٣.
[ ٣١ / ٦٠١ ]
[تنبيه]: قوله: "الْجَرْميّ" - بفتح الجيم، وسكون الراء -: نسبة إلى قبيلة، وهو: جَرْم بن ربّان بن عمران بن الحاف بن قُضاعة، وفي بَجِيلة: جرم بن علقة بن أنمار، وفي عاملة: جرم بن شعل بن معاوية بن عاملة، وفي طيّئ: جرم، وهو ثعلبة بن عمرو بن الغوث، قاله في "الأنساب"، و"اللباب" (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا ذكر في "الأنساب"، و"اللباب"، ولكن لم يتبيّن لي إلى أيّها يُنسب سعيد بن محمد هذا، والله تعالى أعلم.
٤ - (أَبُو تُمَيْلَةَ) - بمثنّاة، مصغّرًا - يحيى بن واضح الأنصاريّ مولاهم المروزيّ الحافظ، ثقةٌ، من كبار [٩].
رَوَى عن حسين بن واقد، ومحمد بن إسحاق، وفليح بن سليمان، والأوزاعيّ، وأبي حمزة السُّكّريّ، وحسين بن واقد، وغيرهم.
وروى عنه أحمد، وإسحاق، وسعيد بن محمد الجرميّ، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، ويعقوب بن إبراهيم الدورقيّ، وغيرهم.
قال الأثرم، عن أحمد: ليس به بأس، ثم قال: أرجو إن شاء الله تعالى أن لا يكون به بأس، كتبنا عنه على باب هُشيم، وقال عثمان الدارميّ، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائيّ، وقال ابن أبي خيثمة وغيره عن ابن معين: ثقةٌ، وكذا قال ابن سعد، والنسائيّ أيضًا، وقال أبو داود عن ابن معين: قد رأيته ما كان يحسن شيئًا، وقال عبد الله بن علي بن المدينيّ: سئل أبي عن أبي تُميلة، والسينانيّ، فقدَّم يحيى بن واضح، وقال: روى الفضل بن موسى أحاديث مناكير، وقال ابن خِراش: صدوقٌ، وقال ابن أبي حاتم، عن أبيه: ثقةٌ في الحديث، أدخله البخاريّ في "الضعفاء"، فسمعت أبي يقول: يُحَوَّل من هنا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العباس بن مصعب المروزيّ: كان أبو تُميلة عالِمًا بأيام الناس، وقال زُنيج، عن أبي تميلة: كان أبي والمبارك والد عبد الله تاجرين، وكانا قد جعلا لنا مَن حَفِظ منا قصيدة فله درهم، قال أبو غسان: فخرجا شاعرين، وقال صالح بن محمد جَزَرَةُ: ثقة في الحديث،
_________________
(١) "الأنساب" للسمعانيّ ٢/ ٧١، و"اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير ١/ ٢٧٣.
[ ٣١ / ٦٠٢ ]
وكان محمود الرواية، قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقةٌ، وقال صاحب "الميزان": لم أر له في الضعفاء للبخاريّ ذكرًا.
أخرج له الجماعة، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٥ - (حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ) الْمَرْوزيّ، أبو عبد الله قاضي مَرْوَ، مولى عبد الله بن عامر بن كريز، ثقةٌ، له أوهامٌ [٧].
رَوَى عن عبد الله بن بريدة، وثابت البنانيّ، وثمامة بن عبد الله بن أنس، وأبي إسحاق السبيعيّ، وأبي الزبير، وعمرو بن دينار، وغيرهم.
وروى عنه الأعمش، وهو أكبر منه، والفضل بن موسى السِّينانيّ، وعليّ بن الحسن بن شقيق، وأبو تُميلة، وزيد بن الحباب، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم.
قال أحمد بن شبويه، عن عليّ بن الحسن بن شقيق: قيل لابن المبارك: من الجماعة؛ قال: محمد بن ثابت، والحسين بن واقد، وأبو حمزة السُّكَّريّ، قال أحمد بن شبويه: ليس فيهم شيء من الإرجاء، وقال عن عليّ أيضًا: قلت لابن المبارك: كان الحسين إذا قام من مجلس القضاء اشترى لحمًا، فينطلق إلى أهله، فقال ابن المبارك: ومن لنا مثل الحسين؟ وقال الأثرم، عن أحمد: ليس به بأس، وأثنى عليه، وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقةٌ، وقال أبو زرعة، والنسائيّ: ليس به بأسٌ، وقال ابن حبان: كان على قضاء مرو، وكان من خيار الناس، وربما أخطأ في الروايات، وقال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ما أُنكر حديث حسين بن واقد، عن أبي الْمُنيب، وقال العُقيليّ: أنكر أحمد بن حنبل حديثه، وقال الأثرم: قال أحمد: في أحاديثه زيادةٌ، ما أدري أي شيء هي؟ ونفض يده، وقال ابن سعد: كان حسن الحديث، وقال الآجريّ، عن أبي داود: ليس به بأسٌ، وقال الساجيّ: فيه نظرٌ، وهو صدوق، يَهِمُ، قال أحمد: أحاديثه ما أدري أيشٍ هي؟.
قال عليّ بن الحسين بن واقد: مات أبي سنة (١٥٩)، وقال: ويقال: (١٥٧)، وجزم ابن حبان في "الثقات" بالأول، وكَنَاه أبا عليّ، وكذا كناه البخاريّ، وأبو حاتم، والدارقطنيّ، وكذا ذكره مسلم، والنسائيّ، والدولابيّ، والحاكم أبو أحمد، وغيرهم، والله أعلم.
[ ٣١ / ٦٠٣ ]
أخرج له البخاريّ في التعاليق، والمصنّف، والأربعة، وله في هذا الكتاب ثلاثة أحاديث فقط، هذا برقم (١٨١٤)، وحديث (٢٧١٧): "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت … " الحديث، وحديث (٢٨٦٥): "ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم … " الحديث.
[تنبيه]: قال الدارقطنيّ - ﵀ - في "التتبّع": وأخرج مسلم حديثًا واحدًا عن الحسين بن واقد، عن ابن بُريدة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ - تسع عشرة غزوةً وحده، وعنده نسخة يلزمه إخراجها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: غرضُ الدارقطنيّ - ﵀ - بهذا الكلام إلزام مسلم بأن يُخرج أحاديث نسخة فيها رواية حسين بن واقد، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبيّ - ﷺ -؛ لأنه أخرج هذا الحديث الواحد في هذا الباب، ولكن هذا الإلزام غير صحيح؛ لأن مسلمًا - ﵀ - لم يلتزم بأن يُخرج كلّ الأحاديث الصحيحة، بل صرّح بخلافه، فقال في "صحيحه": "ليس كل حديث صحيح وضعته ها هنا، وإنما وضعت ما أجمعوا عليه". انتهى، وقد تقدّم هذا في "كتاب الصلاة"، وقد صرّح بذلك أيضًا البخاريّ - ﵀ -، وتقدّم البحث في ذلك مستوفًى في "شرح المقدّمة"، فراجعه (^١) تستفد علْمًا جمًّا، والله تعالى وليّ التوفيق.
٦ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ) بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو سهل المروزيّ، قاضيها، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٥) وقيل: (١١٥) وله مائة سنة (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
٧ - (أَبُوهُ) بُريدة بن الْحُصيب الأسلميّ، أبو عبد الله الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - (٦٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠٠/ ٥٣٣.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خُماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسل بالمراوزة من أبي تُميلة، والباقون كوفيّون، وفيه رواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
_________________
(١) راجع: "قرّة عين المحتاج" ١/ ٥٦ - ٥٧.
[ ٣١ / ٦٠٤ ]
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ) بُريدة بن الحصيب - ﵁ - أنه (قَالَ: غَزَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِي ثَمَانٍ مِنْهُنَّ) تقدّم أنه قاتل في تسع، قال الأُبيّ - ﵀ -: لعلّ بُريدة - ﵁ - أسقط غزوة الفتح؛ لاعتقاده أنها فُتحت صلحًا، وتقدّم ما في ذلك من الخلاف. انتهى (^١)، وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ أَبُو بَكْرٍ)؛ يعني: ابن أبي شيبة، شيخه الأول: (مِنْهُنَّ)؛ أي: أسقط لفظة "منهنّ"، (وَقَالَ) أبو بكر (فِي حَدِيثِهِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ)؛ يعني: أنه صرّح بالتحديث مخالفًا لسعيد بن محمد الجرميّ، فإنه ذكره بالعنعنة، فقال: "عن عبد الله بن بريدة".
[تنبيه]: رواية أبي بكر بن أبي شيبة هذه التي أشار إليها مسلم ساقها في "مصنّفه"، فقال:
(٣٦٦٤٦) - حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا زيد بن الْحُبَاب، قال: حدّثنا حسين بن واقد، قال: حدّثنا عبد الله بن بُريدة، عن أبيه: "أن رسول الله - ﷺ - غزا تسع عشرة غزوةً، قاتل في ثمان". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب،
وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث بُريدة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٤٦٨٧ و٤٦٨٨] (١٨١٤)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٤٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٥١)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣٤٩)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٧)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٨] (…) - (وَحَدَّثَني أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، أنَّهُ قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً).
_________________
(١) "شرح الأبّيّ" ٥/ ١٥٨.
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ٧/ ٣٥١.
[ ٣١ / ٦٠٥ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزيّ، نزيل بغداد، أحد الأئمة، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ حجةٌ مجتهد، رأس الطبقة [١٠] (ت ٢٤١) وله (٧٧) تقدم في "الإيمان" سنةً ٨٠/ ٤٢٧.
٢ - (مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ) التيميّ البصريّ، تقدّم قريبًا.
٣ - (كهْمَسُ) بن الحسن التميميّ، أبو الحسن البصريّ، ثقةٌ [٥] (ت ١٤٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
والباقيان ذُكرا قبله.
[تنبيه]: هذا الحديث أحد الأحاديث الأربعة التي أخرجها مسلم عن شيوخٍ، أخرج البخاريّ تلك الأحاديث بعينها عن أولئك الشيوخ بواسطة، فقد أخرج البخاريّ هذا الحديث عن أحمد بن حنبل بواسطة أحمد بن الحسن الترمذيّ، قال الحافظ: ووقع من هذا النمط للبخاريّ أكثر من مائتي حديث، وقد جرّدتها في جزء مفرد. انتهى (^١).
وقوله: (غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً) هذا لا يعارض ما قبله أنه - ﷺ - غزا تسع عشرة غزوة؛ لأن المراد هنا أنها الغزوات التي شهدها بنفسه معه - ﷺ -، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مرّ تخريجه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالستد المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٨٩] (١٨١٥) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ - يَعْنِي: ابْنَ إِسْمَاعِيلَ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُبَيْدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم تقدّموا قريبًا، فمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بن الزِّبْرقان، تقدّم قبل خمسة أبواب، والباقون تقدّموا قبل ثلاثة أبواب.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٦٢٤، كتاب "المغازي" رقم (٤٤٧٣).
[ ٣١ / ٦٠٦ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو أعلى الأسانيد له، وهو (٣٢٨) من رباعيّات الكتاب.
شرح الحديث:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبيِ عُبَيْدٍ) مولى سلمة أنه (قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ) بن عمرو بن الأكوع - ﵁ - (يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - غَزَوَاتٍ) أخرج البخاريّ هذا الحديث من طريق حمّاد بن مسعدة، عن يزيد بن أبي عبيد، فذكر من تلك الغزوات: خيبر، والحديبية، ويوم حنين، ويوم القَرَد، وقال في آخره: "قال يزيد: ونسيت بقيتهم" (^١).
قال في "الفتح": وأما بقية الغزوات التي نَسِيهنّ يزيد، فهنّ: غزوة الفتح، وغزوة الطائف، فإنهما وإن كانا في سنة غزوة حنين، فهما غيرها، وغزوة تبوك، وهي آخر الغزوات النبوية، فهذه سبع غزوات، كما ثبت في أكثر الروايات.
قال: وإن كانت الرواية الأولى، وهي رواية حاتم بن إسماعيل، بلفظ التسع محفوظة، فلعله عَدّ غزوة وادي القرى التي وقعت عَقِب خيبر، وعَدّ أيضًا عمرة القضاء غزوة، كما تقدم من صنيع البخاريّ، فكمل بها التسعة.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا في "الفتح" جعل رواية حاتم بن إسماعيل بلفظ التسع، والموجود في نسخ البخاريّ التي بين يديّ بلفظ: "سبع"، كما هو عند مسلم، لا بلفظ: "تسع"، ولعلّ الحافظ وقعت له نسخة هكذا، فليُحرّر، والله تعالى أعلم.
قال: وأما ما وقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق نصر بن عليّ، عن حماد بن مَسْعدة، فذكر هذا الحديث، فقال في أوله: "أُحُدٌ،
_________________
(١) قال في "الفتح": كذا فيه بالميم في ضمير جمع الغزوات، والمعروف فيه التأنيث، وكذا وقع في رواية النسفيّ بالميم، وضَبّب عليه، ووقع في روايةٍ حكاها الكرمانيّ - قال الحافظ: ولم أقف عليها -: "بقيّتها"، وهي أَوْجَه. انتهى. قال الجامع: وقع في رواية أحمد بلفظ: "بقيّتهنّ".
[ ٣١ / ٦٠٧ ]
وخيبر"، ففيه نظرٌ؛ لأنهم لم يذكروا سلمة فيمن شَهِد أُحُدًا، وقد أخرجه الإسماعيليّ من وجه آخر، عن حماد بن مَسعدة، ولم يذكر فيه أُحُدًا، والله أعلم. انتهى (^١).
(وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ، مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ)؛ أي: في مرّة منِ المرّات التسع قد أُمِّر علينا أبو بكر الصدّيق - ﵁ -، (وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ بْنُ زيْدٍ) ابن حارثة - ﵄ -، قال الحافظ أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده" بعد إخراجه الحديث ما نصّه: كذا قال حاتم: أسامة بن زيد - ﵄ -، وأبو عاصم قال: زيد بن حارثة، وكذا رواه عمر بن حفص، عن أبيه، عن يزيد مثل رواية حاتم. انتهى (^٢).
قال في "الفتح": أما سرية أبي بكر الصديق - ﵁ - فهي إلى بني فَزَارة، كما ثبت من حديثه عند مسلم، وسريته إلى بني كلاب، ذكرها ابن سعد، وبعثه إلى الحجّ سنة تسع.
وأما أسامة - ﵁ - فأول ما أُرسل في سريّة إلى الْحُرَقة، ثم في سرية إلى أُبْنَى - بضم الهمزة، وسكون الموحّدة، ثم نون، مقصورًا - وهي من نواحي البلقاء، وذلك في صفر.
قال الحافظ - ﵀ -: فوقفنا مما ذكره على خمس سرايا، وبقيت أربع، فليستدركها على أهل المغازي، فإنهم لم يذكروا غير الذي ذكرته بعد التتبع البالغ، ويَحْتَمِل أن يكون فيه حَذْف، تقديره: ومرة علينا غيرهما، وأيضًا فإنه لم يذكر في بعض الروايات للبعوث عددًا. انتهى (^٣).
[تنبيه]: أخرج ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ من طريق أبي عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع، أنه قال: غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة تسع غزوات، أَمّره رسول الله - ﷺ - علينا.
وأخرجه البخاريّ عن أبي عاصم، ولفظه: عن سلمة بن الأكوع - ﵁ -
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٧٩ - ٣٨٠، كتاب "المغازي" رقم (٤٢٧٠).
(٢) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٥٦.
(٣) "الفتح" ٩/ ٣٧٩ - ٣٨٠، كتاب "المغازي" رقم (٤٢٧٠).
[ ٣١ / ٦٠٨ ]
قال: غزوت مع النبيّ - ﷺ - سبع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هكذا لفظ ابن حبّان، والحاكم، والبيهقيّ: "ومع زيد بن حارثة تسع غزوات"، ووقع عند الطبرانيّ في الموضعين بلفظ: "سبع"، وكذا عند الكجيّ، وأبي نعيم، كما يأتي عن الحافظ، وقد أبهمه البخاريّ في روايته المذكورة، ولعلّه للاختلاف المذكور، والله تعالى أعلم.
قال في "الفتح" عند قوله: "وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا": هكذا ذَكره مبهمًا، ورواه أبو مسلم الكجيّ، عن أبي عاصم بلفظ: "وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمِّره علينا"، وكذلك أخرجه الطبرانيّ عن أبي مسلم بهذا اللفظ، وأخرجه أبو نعيم في "المستخرج" عن أبي شعيب الحرانيّ، عن أبي عاصم كذلك، وكذا أخرجه الإسماعيليّ من طرُق، عن أبي عاصم.
قال: وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة، فبلَغَتْ سبعًا، كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذَكر ما لم يذكره بعض.
فأولها: في جمادى الأخيرة سنة خمس قِبَل نَجْد في مائة راكب، والثانية: في ربيع الآخر سنة ستّ إلى بني سُليم، والثالثة: في جمادى الأولى منها في مائة وسبعين، فتلقى عِيرًا لقريش، وأسروا أبا العاص بن الربيع، والرابعة: في جمادى الآخرة منها إلى بني ثعلبة، والخامسة إلى حُسْمَى - بضم المهملة، وسكون المهملة مقصورًا - في خمسمائة إلى أناس من بني جُذام، بطريق الشام، كانوا قطعوا الطريق على دِحية، وهو راجع من عند هرقل، والسادسة: إلى وادي القرى، والسابعة: إلى ناس من بني فَزارة، وكان خرج قبلها في تجارة، فخرج عليه ناس من بني فزارة، فأخذوا ما معه، وضربوه، فجهزّه النبيّ - ﷺ - إليهم، فأوقع بهم، وقتل أم قِرْفة - بكسر القاف، وسكون الراء، بعدها فاء - وهي فاطمة بنت ربيعة بن بدر، زوج مالك بن حذيفة بن بدر، عمّ عيينة بن حِصن بن حذيفة، وكانت مُعَظَّمة فيهم، فيقال: ربطها في ذنب فرسين، وأجراهما، فتقطعت، وأَسَر بنتها، وكانت جميلةً. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٣٧٩ - ٣٨٠، كتاب "المغازي" رقم (٤٢٧٠).
[ ٣١ / ٦٠٩ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٧/ ٤٦٨٩ و٤٦٩٠] (١٨١٥)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٢٧٠ و٤٢٧١ و٤٢٧٢ و٤٢٧٣)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٥٤)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٥٦)، و(ابن سعد) في "الطبقات" (٤/ ٣٠٥ و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٢٨٢ و٦٢٨٣)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٧١٧٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٣/ ٢١٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤٠ - ٤١)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٣٩٤١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩٠] (…) - (وَحَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثنَا حَاتِمٌ بِهَذَا الإِسْنَاد، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي كِلْتَيْهِمَا: سَبْعَ غَزَوَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: اثنان:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قريبًا.
و"حاتم" ذُكر قبله، والإسناد من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٢٩) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه]: رواية قُتيبة، عن حاتم بن إسماعيل هذه ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(١٧٦٧٦) - أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو الوليد الفقيه، ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار، ثنا محمد بن عباد المكيّ (ح) وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن سلمة، ثنا قتيبة بن سعيد، قالا: ثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع - ﵁ - قال: "غزوت مع النبيّ - ﷺ - سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث سبع مرّات، علينا مرّةً أبو بكر، ومرّةً علينا أسامة بن زيد". لفظ حديث قتيبة.
وقال محمد في الثانية: تسع غزوات، رواه البخاريّ، ومسلم في
[ ٣١ / ٦١٠ ]
"الصحيح" عن قتيبة بن سعيد، ورواه مسلم عن محمد بن عباد المكيّ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: رواية قتيبة هذه أخرجها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، بلفظ "تسع" في الثانية"، فقال:
(٤٢٧٠) - حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم، عن يزيد بن أبي عبيد، قال: سمعت سلمة بن الأكوع يقول: غزوت مع النبيّ - ﷺ - سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرّةً علينا أبو بكر، ومرّةً علينا أسامة.
ولعلّ قتيبة كان عنده بالوجهين، فحدّث البخاريّ بلفظ: "تسع"، وحدّث مسلمًا بلفظ: "سبع"، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.