قال الجامع عفا الله عنه: قد اختُلف في وقت هذه الغزوة، وفي سبب تسميتها على أقوال، والراجح أنها كانت بعد خيبر، وأن سبب تسميتها كون الصحابة - ﵃ - لَفّوا الْخِرَق على أقدامهم لَمَّا نَقِبت، كما سيأتي في حديث الباب.
قال الإمام البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه": "باب غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة مُحاربِ خَصَفَة من بني ثعلبة، من غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر". انتهى (^٢).
قال في "الفتح": هذه الغزوة اختُلِف فيها، متى كانت؟ واختُلف في سبب تسميتها بذلك، وقد جَنَح البخاري إلى أنها كانت بعد خيبر، واستَدَلّ لذلك في هذا الباب بأمور، ومع ذلك فذكرها قبل خيبر، فلا أدري هل تعمّد ذلك؛ تسليمًا لأصحاب المغازي أنها كانت قبلها، كما سيأتي، أو أن ذلك من الرُّواة
_________________
(١) "سنن البيهقيّ الكبرى" ٩/ ٤٠.
(٢) "صحيح البخاريّ" ١٠/ ١٧٩.
[ ٣١ / ٦١١ ]
عنه؟ أو إشارة إلى احتمال أن تكون ذات الرقاع اسمًا لغزوتين مختلفتين؟ كما أشار إليه البيهقيّ على أن أصحاب المغازي مع جزمهم بأنها كانت قبل خيبر، مختلفون في زمانها، فعند ابن إسحاق أنها بعد بني النضير وقبل الخندق سنة أربع، قال ابن إسحاق: أقام رسول الله - ﷺ - بعد غزوة بني النضير شهر ربع، وبعض جمادى - يعني: من سنته - وغزا نجدًا يريد بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان، حتى نزل نخلًا، وهي غزوة ذات الرقاع.
وعند ابن سعد، وابن حبان أنها كانت في المحرّم سنة خمس.
وأما أبو معشر فجزم بأنها كانت بعد بني قريظة والخندق، وهو موافق لصنيع البخاريّ، وقد تقدم أن غزوة قريظة كانت في ذي القعدة سنة خمس، فتكون ذات الرقاع في آخر السنة، وأول التي تليها.
وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردّد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر، أو بعدها، أو قبل أُحُد، أو بعدها؟ وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة؛ لأنه تقدّم أن صلاة الخوف في غزوة الخندق لم تكن شُرِعت، وقد ثبت وقوع صلاة الخوف في غزوة ذات الرقاع، فدلّ على تأخرها بعد الخندق.
وقول البخاريّ - ﵀ -: "وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر" هكذا استدلّ به، وقد ساق حديث أبي موسى بعدُ، وهو استدلال صحيح، وذلك أن أبا موسى إنما قَدِم من الحبشة بعد فتح خيبر، فقد قال: فوافقنا النبيّ - ﷺ - حين افتتح خيبر، وإذا كان كذلك ثبت أن أبا موسى شَهِد غزوة ذات الرقاع، ولزم أنها كانت بعد خيبر.
قال الحافظ - ﵀ -: وعَجِبْت من ابن سيد الناس، كيف قال: جَعَل البخاري حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر؟ قال: وليس في خبر أبي موسى ما يدلّ على شيء من ذلك. انتهى، وهذا النفي مردود، والدلالة من ذلك واضحة، كما مرّ، وأما شيخه الدمياطي فادَّعَى غلط الحديث الصحيح، وأن جميع أهل السير على خلافه، وقد قدّمت أنهم مختلفون في زمانها، فالأَولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح، وقد ازداد قوّة بحديث أبي هريرة، وبحديث ابن عمر، كما سيأتي.
[ ٣١ / ٦١٢ ]
وقد قيل: إن الغزوة التي شهدها أبو موسى، وسُمّيت ذات الرقاع، غير غزوة ذات الرقاع التي وقعت فيها صلاة الخوف؛ لأن أبا موسى قال في روايته: إنهم كانوا ستة أنفس، والغزوة التي وقعت فيها صلاة الخوف كان المسلمون فيها أضعاف ذلك.
والجواب عن ذلك: أن العدد الذي ذكره أبو موسى محمول على من كان موافقًا له من الرامة (^١)، لا أنه أراد جميع من كان مع النبيّ - ﷺ -.
واستُدلّ على التعدد أيضًا بقول أبي موسى: إنها سميت ذات الرقاع لِمَا لَفُّوا في أرجلهم من الخِرَق، وأهل المغازي ذكروا في تسميتها بذلك أمورًا غير هذا، قال ابن هشام وغيره: سمّيت بذلك لأنهم رقعوا فيها راياتهم، وقيل: بشجر بذلك الموضع، يقال له: ذات الرقاع، وقيل: بل الأرض التي كانوا نزلوا بها كانت ذات ألوان، تشبه الرقاع، وقيل: لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، قاله ابن حبان، وقال الواقديّ: سمّيت بجبل هناك فيه بُقَعٌ، وهذا لعله مستَند ابن حبان، ويكون قد تصحّف "جبل" بـ "خيل".
وبالجملة فقد اتفقوا على غير السبب الذي ذكره أبو موسى، لكن ليس ذلك مانعًا من اتحاد الواقعة، ولازمًا للتعدد.
وقد رَجَّح السهيليّ السبب الذي ذكره أبو موسى، وكذلك النوويّ، ثم قال: ويَحْتَمِل أن تكون سُمّيت بالمجموع.
وأغرب الداوديّ، فقال: سميت ذات الرقاع؛ لوقوع صلاة الخوف فيها، فسمِّيت بذلك؛ لترقيع الصلاة فيها.
ومما يدلّ على التعدد: أنه لم يتعرض أبو موسى في حديثه إلى أنهم صَلَّوا صلاة الخوف، ولا أنهم لَقُوا عدوًّا، ولكن عدم الذِّكر لا يدل على عدم الوقوع، فإن أبا هريرة في ذلك نظير أبي موسى؛ لأنه إنما جاء إلى النبيّ - ﷺ -، فأسلم والنبيّ - ﷺ - بخيبر، ومع ذلك فقد ذكر في حديثه أنه صلى مع النبيّ - ﷺ - صلاة الخوف في غزوة نجد، وكذلك عبد الله بن عمر ذكر أنه صلى مع النبيّ - ﷺ - صلاة الخوف بِنَجْد، وقد تقدّم أن أول مَشاهده الخندق، فتكون ذات
_________________
(١) هكذا نسخة "الفتح"، ولعله مصحّف من "الرُّماة"، فليُحرّر.
[ ٣١ / ٦١٣ ]
الرقاع بعد الخندق. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر؛ لِمَا استدلّ به البخاريّ من شهود أبي موسى - ﵁ - إياها، وأن الأصحّ في سبب تسميتها ما ذكره أبو موسى الأشعريّ - ﵁ - في حديث الباب، من كونهم لفّوا على أقدامهم الخِرَق؛ لكونها نقِبت؛ لأنه في "الصحيحين"، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٦٩١] (١٨١٦) - (حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ - وَاللَّفْظُ لأَبِي عَامِرٍ - قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ، بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، قَالَ: فَنَقِبَتْ أقدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ (^٢) عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ. قَالَ أبُو بُرْدَةَ: فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيث، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ، قَالَ: كَأنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ. قَالَ أَبُو أُسَامَةَ: وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ: وَاللهُ يَجْزِي بِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ) أبو كريب، أحد مشايخ الجماعة بلا واسطة، تقدّم قبل بابين.
٣ - (أَبُو أسَامَةَ) حمّاد بن أُسامة، تقدّم أيضًا قبل بابين.
٤ - (بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ) هو: بُريد بن عبد الله بن أبي بُردة بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، ثقة [٦] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٢٣ - ٢٢٤، كتاب "المغازي" رقم (٤١٢٨).
(٢) وفي نسخة: "نَعْصِبُ".
[ ٣١ / ٦١٤ ]
٥ - (أَبُو بُرْدَةَ) بن أبي موسى الأشعريّ الكوفيّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: الحارث، ثقةٌ [٣] (ت ١٠٤) وقيل غير ذلك، وقد جاوز الثمانين (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
٦ - (أَبُو مُوسَى) الأشعريّ، عبد الله بن قيس بن سُليم بن حضّار الصحابيّ الشهير، مات - ﵁ - سنة (٥٠) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٧١.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالكوفيين من أوله إلى آخره، وفيه رواية الراوي عن جدّه، عن أبيه، فأبو بردة جدّه لبريد، لا أبوه، وصحابيّه هو المشهور من أكابر الصحابة - ﵃ -، وكان حسن الصوت قال له النبيّ - ﷺ -: "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود - ﵇ -، متّفقٌ عليه، وأمّره عمر، ثم عثمان، وكان أحد الْحَكَمين في صفّين ﵃ أجمعين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعريّ عبد الله بن قيس - ﵁ - أنه (قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ) - بفتح الغين المعجمة - بمعنى الغزو، وقوله: (وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ) جملة في محلّ نصب على الحال، قال الحافظ - ﵀ -: لم أقف على أسمائهم، وأظنّهم من الأشعريين. انتهى (^١). (بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ)؛ أي: نركبه عُقْبَةً عُقْبةً، وهو أن يركب هذا قليلًا، ثم ينزل، فيركب الآخر بالنوبة، حتى يأتي على سائرهم. (قَالَ) أبو موسى - ﵁ - (فَنَقِبَتْ أَقْدَامُنَا) - بفتح النون، وكسر القاف، بعدها موحّدة -؛ أي: قَرِحَت من الْحَفَاء، ورَقّت جلودها، وتخرّقت من شدّة المشي، يقال: نَقِب الخفّ يَنْقَبُ، من باب تَعِبَ: إذا رَقّ، ونَقِبَ أيضًا: إذا تخرّق، فهو ناقبٌ، ويتعدّى بالحركة، فيقال: نَقَبْتُهُ نَقْبًا، من باب قَتَل: إذا خَرَقته (^٢). (فنقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظفارِي، كنَّا نَلُفُّ) - بضمّ اللام -، يقال: لَفّ الشيءَ بالشيء، من باب نصر: إذا ضمّه إليه، ووصله به (^٣). (عَلَى
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ٢٢٨، كتاب "المغازي" رقم (٤١٢٨).
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٠.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١١٨٢.
[ ٣١ / ٦١٥ ]
أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ) - بكسر، ففتح -: جمع خِرْقة - بكسر، فسكون - وهي القطعة من الثوب، ونحوه. (فَسُمِّيَتْ) تلك الغزوة (غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ؛ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ) يَحْتَمِل أن يكون من التعصيب، أو من العصب، من باب ضرب؛ أي: نشُدّ (عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ) هذا صريح في أن سبب تسمية هذه الغزوة بهذا الاسم ما وقع لهم من لفّ الخِرَق على أقدامهم، وهو أصحّ ما قيل في ذلك، كما أسلفته أول الباب، وقال النوويّ - ﵀ -: هذا هو الصحيح في سبب تسميتها، وقيل: سُمّيت بذلك بجبل هناك، فيه بياض، وسواد، وحمرة، وقيل: سُمّيت باسم شجرة هناك، وقيل: لأنه كان في ألويتهم رِقاع، ويَحْتَمِل أنها سمّيت بالمجموع. انتهى (^١).
(قَالَ أَبُو بُرْدَةَ) موصول بالسند المذكور، كما قال في "الفتح". (فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى) الأشعريّ - ﵁ - (بِهَذَا الْحَدِيث، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ) بكسر الراء، من باب فَهِمَ؛ أي: كرِه أبو موسى - ﵁ - التحديث بهذا؛ لِمَا يتضمّنه من تزكية النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. (قَالَ) أبو بردة (كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا) هكذا في جميع النسخ التي بين أيدينا "شيئًا" بالنصب، فيكون منصوبًا على أنه خبر "يكون"، واسمها محذوف، تقديره: وكره أن يكون ما دل عليه هذا الحديث شيئًا أفشاه، وقد جاء بالرفع في كلّ ما وقفنا عليه من نُسخ "صحيح البخاريّ"، ووجهه ظاهر.
(مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ) وإنما كره أبو موسى - ﵁ - الإفشاء؛ لأن كَتْم عمل البرّ، وما أُصيبَ به الإنسان في ذات الله أفضل من إظهاره، وأدنى أن لا يداخله العُجب الذي يُحبط العمل، إلا أن توجد هناك مصلحة راجحة، كمن يكون ممن يُقْتَدَى به، فلو أظهره لاقتدى به غيره، فعند ذلك ينبغي أن يُظهره بهذا القصد، والله - ﷾ - من وراء القصد، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
(قَالَ أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة (وَزَادَنِي غَيْرُ بُرَيْدٍ) الذي في هذا السند، ولم يتبيّن لي من هو غير بُريد، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٧.
[ ٣١ / ٦١٦ ]
وقوله: (وَاللهُ يَجْزِي بِهِ) مفعول "زادني" محكيّ؛ لِقَصْد لفظه، يعني أن غير بريد بن عبد الله ممن روى له هذا الحديث زاده في آخره قوله: "والله يجزي به"، يثيب بهذا العمل، ولا نطلب به أجرًا من غيره - ﷾ -.
وقوله: "يجزي" بفتح الياء، من الجزاء، ثلاثيًّا؛ أي: يكافئه على عمله، قال المجد - ﵀ -: الجزاء: المكافأة على الشيء، وقال الراغب: هو ما فيه الكفاية، إن خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ، كالجازية، بوزن العافية، يقال: جزاه كذا، وبه، وعليه جزاءً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ [طه: ٧٦]، وقوله: ﴿فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ [الكهف: ٨٨]، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، وقوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ [الإنسان: ١٢]، وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، وقوله: ﴿وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس: ٥٤] انتهى. بزيادة من الشرح (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٤٨/ ٤٦٩١] (١٨١٦)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤١٢٨)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٢٢)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٣/ ٢٩٠) و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٣٤)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (١/ ٢٦٠)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٥٨)، و(ابن عساكر) في "تاريخه" (٣٢/ ٣٥، ٣٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): فيه جواز ركوب المركوب بالتناوب إذا لم يُضرّ به.
٢ - (ومنها): جواز إخبار المرء بما كابده من المشاقّ في سبيل الله - ﷿ -، إذا ترتّبت عليه مصلحة، مثل بيان حكم ذلك الشيء، والتنبيه على الاقتداء به
_________________
(١) "القاموس المحيط" (٢١٥)، و"تاج العروس" ١٠/ ٧٣.
[ ٣١ / ٦١٧ ]
فيه، ونحو ذلك، وعلى هذا يُحْمَل ما وُجد للسلف من الأخبار بذلك.
٣ - (ومنها): استحباب إخفاء الأعمال الصالحة، وما يكابده العبد من المشاقّ في طاعة الله تعالى ولا يُظهر شيئًا من ذلك إلا لمصلحة راجحة، كما أشرنا إليه آنفًا.
٤ - (ومنها): أنه يدل على ما كان عليه الصحابة - ﵃ -، من شدّة الصبر، والْجَلَد، وتَحَمُّل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية إظهار أعمال البرّ، والتحدث بها إذا لم تَدْع إلى ذلك حاجة، والله أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.