[٤٦٩٢] (١٨١٧) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ (ح) وَحَدَّثَنِيهِ أَبُو الطَّاهِرِ - وَاللَّفظُ لَهُ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ أَبِي عَبْدِ الله، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِيَارٍ الأَسلَمِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ زَوْج النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَة، أدْرَكَهُ رَجُلٌ، قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جُرْأةٌ، وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُول اللهِ - ﷺ - حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ، قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ، وَأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولهِ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، قَالَتْ: ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالشَّجَرَة، أَدْرَكَهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، قَالَ: "فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَأَدْرَكَهُ بِالْبَيْدَاء، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ: "تُؤْمِنُ بِاللهِ وَرَسُولهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فانْطَلِقْ").
رجال هذا الإسناد: تسعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ) تقدّم قريبًا.
[ ٣١ / ٦١٨ ]
٣ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب) القرشيّ مولاهم المصريّ، تقدّم أيضًا قريبًا.
٥ - (مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ) إمام دار الهجرة، أبو عبد الله المدنيّ الحجة رأس المتقنين، وكبير المتثبّتين الإمام المجتهد، رأس [٧] (ت ١٧٩) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٧٨.
٦ - (الْفُضَيْلُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللهِ) المدنيّ، مولى الْمَهْريّ - بفتح الميم، وسكون الهاء - ثقةٌ [٦].
رَوَى عن عبد الله بن نِيَار الأسلميّ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر.
وروى عنه مالك، وبُكير بن الأشجّ، وأبو بكر بن أبي سَبْرة.
قال أبو حاتم: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات".
أخرج له المصنّف، والترمذيّ، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ نِيَارٍ) - بكسر النون، بعدها تحتانيّة خفيفة - ابن مكرم - بضمّ، فسكون - الأسْلَمِيُّ، ثقةٌ [٣].
روى عن أبيه، وخاله عمرو بن شاس، وله صحبة، وعن أبي هريرة، وسليمان بن ربيعة، وعروة بن الزبير، وأبان بن عثمان بن عفان، وغيرهم.
وروى عنه عبد الرحمن بن حرملة، والفضيل بن أبي عبد الله، والقاسم بن عباس، ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، وأبو بكر بن أبي الجهم، وعدّة.
قال النسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مدنيّ رَوَى عنه مالك، كذا قال، وقال ابن معين: عبد الله بن نيار، عن عمرو بن شاس ليس هو بمتصل.
أخرج له المصنّف، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٨ - (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) تقدّم قريبًا.
٩ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵄ -، تقدّمت أيضًا قريبًا.
[ ٣١ / ٦١٩ ]
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من تساعيّات المصنّف، وهو من أَنْزل الأسانيد له؛ إذ أَنْزَلُها على الإطلاق العُشاريات، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -) - ﵄ - (أنَّهَا قَالَتْ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قِبَلَ بَدْرٍ) - بكسر القاف، وفتح الموحّدة -؛ أي: جِهَته، وفي رواية ابن الجارود في "المنتقى": "أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ -، وهو يريد بدرًا: أَخْرُج معك؟ " (^١). (فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ) "الْحَرّة" - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الراء، و"الْوَبَرة" بفتح الواو، والباء الموحّدة بعدها راء، وبسكون الموحّدة أيضًا -: موضع على أربعة أميال من المدينة (^٢).
وقال النوويّ - ﵀ -: هكذا ضبطناه بفتح الباء، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: وضَبَطه بعضهم بإسكانها، وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة (^٣).
وقال ابن الأثير - ﵀ -: "حَرّة الْوَبرة" هي بفتح الواو، وسكون الباء: ناحية من أعراض المدينة، وقيل: هي قرية ذات نخيل. انتهى (^٤).
(أَدْرَكَهُ رَجُلٌ) هو خبيب بن يَسَاف، قاله الواقديّ في "مغنيه" عن أشياخه، وذكره ابن بشكوال، وقد أسلم هذا الرجل (^٥)، كما صرّح في رواية مسلم هنا. (قَدْ كَانَ يُذْكَرُ) بالبناء للمفعول، (مِنْهُ)؛ أي: من الرجل (جُرْأَةٌ) - بضمّ الجيم -؛ أي: شجاعة، قال المجد - ﵀ -: الْجُرْأةُ، كالْجُرْعَة، والثُّبَة، والْكَرَاهَة، والْكَرَاهِيَة، والْجَرَايَةُ بالياء نادرٌ: الشجاعة، جرُؤَ، كَكَرُمَ، فهو جريء، جَمْعه أَجْراءٌ. انتهى (^٦)، وقد نظمت ما ذُكر بقولي:
وَجُرْأَةٌ كَجُرْعَةٍ وَثُبَةِ … وَكَالْكَرَاهِيَةِ وَالْكَرَاهَةِ
هِيَ الشَّجَاعَةُ وَنَادِرِيٌ بِيَا … جَرَايَةٌ فَكُنْ بِذَا مُعْتَنِيَا
_________________
(١) "المنتقى لابن الجارود" ١/ ٢٦٢.
(٢) "نيل الأوطار" ٨/ ٤٥.
(٣) شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٨.
(٤) "النهاية في غريب الأثر" ٥/ ١٤٤.
(٥) "تنبيه المعلم" ص ٣٢٠.
(٦) "القاموس المحيط" ص ٢٠٣.
[ ٣١ / ٦٢٠ ]
(وَنَجْدَةٌ) - بفتح النون، وسكون الجيم -: القتال، والشجاعة، والشدّة. (فَفَرِحَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ رَأَوْهُ)؛ أي: لظنّهم أنه - ﷺ - يستعين بهم في قتال العدوّ، (فَلَمَّا أَدْرَكَهُ)؛ أي: النبيّ - ﷺ - (قَالَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: جِئْتُ لأَتَّبِعَكَ)؛ أي: أصير تابعًا لك، ومؤتمرًا بأمرك، لا أنه يريد اتّباعه في الدِّين بدليل قوله: لا. (وَأُصِيبَ) الغنيمة (مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "تُؤْمِنُ بِاللهِ) (وَرَسُولهِ؟ ") - ﷺ - بتقدير الاستفهام؛ أي: أتؤمن بالله تعالى ورسوله - ﷺ -؟ (قَالَ) الرجل (لَا)؛ أي: لا أومن بهما، وإنما أتبعك لأجل تحصيل المال فقط. (قَالَ) - ﷺ - ("فَارْجِعْ")؛ أي: إلى مكانك، (فَلَنْ أَستَعِينَ بِمُشْرِكٍ) هذا صريح في عدم مشروعيّة الاستعانة بالكافر، قال المهلب وغيره عند شرح قوله - ﷺ -: "إن الله ليؤيّد الدِّين بالرجل الفاجر": لا يعارض هذا قوله - ﷺ -: "لا نستعين بمشرك"، لأنه إما خاصّ بذلك الوقت، وإما أن يكون المراد به: الفاجر غير المشرك.
وأجاب عنه الشافعيّ بالأول، وحجة النَّسخ شهود صفوان بن أمية حُنينًا مع النبيّ - ﷺ -، وهو مشرك، وقصته مشهورة في المغازي، وأجاب غيره في الجمع بينهما بأوجه غير هذه:
منها: أنه - ﷺ - تفرَّس في الذي قال له: "لا أستعين بمشرك" الرغبة في الإسلام، فردّه رجاء أن يُسلم، فصدق ظنه.
ومنها: أن الأمر فيه إلى رأي الإمام، وفي كل منهما نَظَر من جهة أنها نكرة في سياق النفي، فيحتاج مدّعي التخصيص إلى دليل.
وقال الطحاويّ: قصة صفوان لا تعارِض قوله: "لا أستعين بمشرك"؛ لأن صفوان خرج مع النبيّ - ﷺ - باختياره، لا بأمر النبيّ - ﷺ - له بذلك.
قال الحافظ: وهي تفرقة لا دليل عليها، ولا أثر لها، وبيان ذلك أن المخالف لا يقول به مع الإكراه، وأما الأمر فالتقرير يقوم مقامه. انتهى (^١).
(قَالَتْ) - ﵁ - (ثُمَّ مَضَى)؛ أي: ذهب الرجل إلى حاجته، (حَتَّى إِذَا كُنَّا) قال النوويّ - ﵀ -: هكذا هو في النُّسخ: "حتى إذا كنّا"، فيَحْتَمِلُ أن عائشة - ﵄ -
_________________
(١) "الفتح" ٦/ ١٧٩.
[ ٣١ / ٦٢١ ]
كانت مع المودّعين، فرأت ذلك، ويَحْتَمِل أنها أرادت بقولها: "كنّا" كان المسلمون. انتهى (^١).
وقوله: (بِالشَّجَرَةِ) يَحْتَمل أن تكون الشجرة التي بذي الحليفة، المذكورة في حجة النبيّ - ﷺ -. (أَدْرَكَهُ) - ﷺ - (الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ) - ﷺ - (كَمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؛ أي: طلبه اتّباعه؛ ليصيب المال. (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - كمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ)؛ أي: "تؤمن بالله، ورسوله؟ "، فأجابه بـ "لا". (قَالَ) - ﷺ - ("فَارْجِعْ، فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ"، قَالَ (الراوي (ثُمَّ رَجَعَ) الرجل (فَأَدْرَكَهُ)؛ أي: النبيَّ - ﷺ -، (بِالْبَيْدَاءِ) - بفتح الموحّدة، والمدّ -: هي المفازة، وجَمْعها: بِيدُ - بالكسر - ويَحْتَمِل أن تكون البيداء بعد ذي الحليفة المذكورة في حجة النبيّ - ﷺ - أيضًا.
(فَقَالَ لَهُ كمَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ) الظاهر أن هذا معطوف على محذوف؛ أي: قال الرجل له - ﷺ - كما قال أول مرّة: جئتك لأتبعك، وأصيب. فقال له - ﷺ - كما قال أوّل مرّة: ("تُؤْمِنُ بِاللهِ) - ﷿ - (وَرَسُولِهِ؟ ") - ﷺ - (قَالَ) الرجل: (نَعَمْ)؛ أي: أومن بالله، ورسوله، (فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "فَانْطَلِقْ")؛ أي: اذهب إلى محل القتال، فإنا نستعين بك الآن، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنف) هنا [٤٩/ ٤٦٩٢] (١٨١٧)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٧٣٢)، و(الترمذي) في "السير" (١٥٥٨)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٦/ ٤٩٣)، و(ابن ماجه) في "الجهاد" (٢٨٣٢)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٣٩٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٧ - ٦٨ و١٤٨ - ١٤٩)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (٢/ ٢٥٦)، و(الدارميّ) في "سننه" (٢/ ٣٠٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٧٢٦)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٦٢)، و(أبو
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ١٩٩.
[ ٣١ / ٦٢٢ ]
عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٣٦، ٣٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في جواز الاستعانة بالمشركين: وقال القرطبيّ - ﵀ -: بظاهر هذا الحديث قال كافة العلماء؛ مالك وغيره، فكرهوا الاستعانة بالمشركين في الحرب، وقال مالك، وأصحابه: لا بأس أن يكونوا نواتيةً (^١)، وخُدَّامًا.
واختُلِف في استعمالهم بِرَمْيهم بالمجانيق، فأُجيز وكُرِه، وأجاز ابن حبيب: أن يُستعمَل من سَالَمَ منهمٍ في قتال من حارب منهم، وقال بعض علمائنا بجواز ذلك، ويكونون ناحية مِنْ عَسْكَر المسلمين، وقالوا: إنما قال النبيّ - ﷺ - ذلك في وقت مخصوص، لرجل مخصوص، لا على العموم، وظاهر الحديث حجَّة عليهم، ثم إذا قلنا: يُستعان بهم، فهل يُسهم لهم أو لا؟ قولان، وإلى الأول ذهب الزهريّ، والأوزاعيّ، وإلى الثاني ذهب مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وقال الشافعيّ مرة: لا يُعطَون من الفيء شيئًا، ويعطون من سهم النبيّ - ﷺ -، وقال قتادة: لهم ما صالحوا عليه. انتهى (^٢).
وقال ابن عبد البرّ - ﵀ -: قال مالك - ﵀ -: لا أرى أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين، إلا أن يكونوا خَدَمًا، أو نواتية، وقال الشافعيّ، والثوريّ، والأوزاعيّ، وأبو حنيفة، وأصحابهم: لا بأس بالاستعانة بأهل الشرك على قتال المشركين، إذا كان حُكم الإسلام هو الغالب عليهم، وإنما تُكره الاستعانة بهم إذا كان حُكم الشرك هو الظاهر، وقد رُوي أنه لمّا بلغ رسول الله - ﷺ - جَمْع أبي سفيان للخروج إليه يوم أُحد، انطلق، وبعث إلى بني النضير، وهم يهود، فقال لهم: إما قاتلتم معنا، وإما أعرتمونا سلاحًا.
قال ابن عبد البرّ: هذا قول يَحْتَمِل أن يكون لضرورة دعته إلى ذلك.
وقال الثوريّ، والأوزاعيّ: إذا استُعين بأهل الذمة أُسهم لهم، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا يُسهَم لهم، ولكن يُرْضَخ، وقال الشافعيّ: يستأجرهم
_________________
(١) "النواتي": جمع نوتيّ، وهو الملّاح الذي يدير السفينة في البحر.
(٢) "المفهم" ٣/ ٦٩٥ - ٦٩٦.
[ ٣١ / ٦٢٣ ]
الإمام من مال لا مالكَ له بعينه، فإن لم يفعل أعطاهم من سهم النبيّ - ﷺ -، وقال في موضع آخر: يُرضخ للمشركين، إذا قاتلوا مع المسلمين. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن الأرجح في هذه المسألة التفصيل، وهو أن الأمر يرجع إلى رأي الإمام، فإن رأى المصلحة في الاستعانة بغير المسلمين بأن اضطرّ المسلمون إلى ذلك، ولا يترتّب على ذلك ضرر يلحق المسلمين، فلا بأس، وإلا فلا.
ودليل ذلك ما تقدّم أنه - ﷺ - استعان بيهود خيبر، وكذلك قصّة صفوان بن أمية، فإنه شَهِد حُنينًا، والطائف، وهو مشرك، وحديث: "إن الله ليؤيّد هذا الدِّين بالرجل الفاجر"، متّفقٌ عليه، قاله - ﷺ - في ذلك المنافق الذي نحر نفسه لمّا اشتدّت به الجراحة، والقصّة مشهورة.
وما أخرجه أبو داود وغيره، وصححه ابن حبّان عن ذي مخبر ابن أخي النجاشيّ، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "ستصالحون الروم صلحًا آمنًا، حتى تغزوا أنتم وهم عدوًّا من ورائهم، فتُنصرون، وتَسلَمون، وتَغنَمون … " الحديث.
والحاصل أن حكم الاستعانة بغير المسلمين موكول إلى رأي الإمام والمسلمين، فإن رأوا مصلحة جاز، وإلا فلا؛ لهذه الأدلّة المذكورة.
وأما حديث الباب، فإنه متقدّم على هذه الأحاديث كلها، فيَحْتَمِل النَّسخ، أو يكون خاصًّا بتلك الواقعة؛ لِمَا رجا النبيّ - ﷺ - من إسلام ذلك المشرك، وقد وقع كذلك، فلا يكون معارضًا لهذه الأحاديث المبيحة، فتأمله بالإنصاف، والله تعالى أعلم بالصواب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
* * *
_________________
(١) "التمهيد" لابن عبد البرّ ١٢/ ٣٦.
[ ٣١ / ٦٢٤ ]