وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٣] (١٨٢٧) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو - يَعْنِي: ابْنَ دِينَارٍ - عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ: يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -، وَفِي حَدِيثِ زُهَيْرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَن، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ، وَأَهْلِيهِمْ، وَمَا وَلُوا").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) تقدّم قبل باب.
٢ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم في السند الماضي.
٣ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: محمد بن عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٤ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٥ - (عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ) الأثرم الْجُمحيّ، أبو محمد المكيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٤] (ت ٢٢٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢١/ ١٨٤.
٦ - (عَمْرُو بْنُ أَوْسِ) بن أبي أوس الثقفيّ الطائفيّ تابعيّ كبير، ثقةٌ [٢]، ووهِمَ من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين (ع) تقدم في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٦/ ١٦٩٤.
[ ٣١ / ٧١٣ ]
٧ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو) بن العاص بن وائل بن هاشم السهميّ، أبو محمد الصحابيّ ابن الصحابيّ - ﵄ -، مات في ذي الحجة ليالي الحرّة بالطائف على الأصحّ (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٨.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قَرَن بينهم؛ لاتحاد كيفيّة تحمّلهم، وفيه رواية تابعيّ، عن تابعيّ: عمرو عن عمرو، وهو من رواية الأقران؛ لأنَّ كليهما من الطبقة الرابعة، وصحابيّه أحد العبادلة الأربعة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو) - ﵄ - (قَالَ) محمد (بْنُ نُمَيْرٍ) شيخه الثالث، (وَأَبُو بَكْرٍ) ابن أبي شيبة الأول، وقوله: (يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -) تقدّم قريبًا شرح هذا الكلام. (وَفي حَدِيثِ زُهَيْرِ) بن حرب شيخه الثاني (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -) غرضُ المصنّف - ﵀ - بهذا بيان اختلاف شيوخه في كيفيَّة رفع الحديث، فرواه محمد بن نُمير، وأبو بكر بن أبي شيبة بلفظ: "يبلغ به النبيّ - ﷺ -"، وتقدّم أن هذه الصيغة من صيغ الرفع حكمًا، ورواه زهير بن حرب بلفظ: "قال: قال رسول الله - ﷺ -"، وهو صريح في الرفع. ("إِنَّ الْمُقْسِطِينَ) جمع مُقسط، اسم فاعل من أقسط رباعيًّا: إذا عَدَلَ، قال النوويّ - ﵀ -: هم العادلون، وقد فسّره في آخر الحديث، بقوله: "الذين يَعدلون في حكمهم، وأهلهم، وما وَلُوا"، والإِقساط، والقِسط بكسر القاف: العدل، يقال: أقسط إقساطا، فهو مُقسط: إذا عَدَلَ، قال الله تعالى: " ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، ويقال: قَسَطَ يَقْسِط، بفتح الياء، وكسر السين، قُسُوطًا، وقَسْطًا، بفتح القاف، فهو قاسط، وهم قاسطون: إذا جاروا، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)﴾ [الجن: ١٥] (^١).
وقال الفيّوميّ - ﵀ -: قَسَطَ قَسْطًا، من باب ضَرَبَ، وقُسُوطًا: جار،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١١.
[ ٣١ / ٧١٤ ]
وعَدَلَ أيضًا، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع، وأقسط بالألف: عَدَل، والاسم: القسط - بالكسر. انتهى (^١).
وقال المجد - ﵀ -: القِسْط بالكسر: العدل، من المصادر الموصوف بها؛ كالْعَدْل، يستوي فيه الواحد والجمع، وفِعْله يَقْسِطُ، وَيقْسُطُ (^٢)؛ كالإقساط، قال: قسط يَقْسِط قَسْطًا بالفتح، وقُسُوطًا: جار، وعدَلَ عن الحقِّ. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: قد تبيّن مما سبق أن أقسط رباعيًّا بمعنى عَدَلَ، وأما قسط ثلاثيًّا، من بابي ضرب، ونصر، فيُستَعمَل بمعنى عدل، وبمعنى جار، فهو من الأضداد، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
(عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ) "المنابر": جمع مِنْبَر بكسر الميم، وإنما كُسِرت؛ تشبيهًا له بالآلة، وسُمّي بذلك لارتفاعه، يقال: نَبَر الجرح، وانتبر؛ أي: ارتفع، وانتفخ، والمعنى: أنهم مقرّبون إلى الله، ومُكَرَّمون لديه، ومرتفعون على منابر مخلوقة من نور.
وقال القرطبيّ: ويعني به مجلسًا رفيعًا، يتلالأ نورًا، ويَحْتَمِل أن يكون عبّر به عن المنزلة الرفيعة المحمودة، ولذلك قال: "عن يمين الرَّحمن". انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لا داعي للاحتمال الذي ذكره، بل الظاهر من معنى الحديث معنى صحيح، لا يحتاج إلى العدول عنه، فإن الله - ﷾ - يُكرمهم يوم القيامة بالجلوس على المنابر من نور؛ ليراهم الخلق، ويُعتَرَفَ بفضلهم، وعلوّ شأنهم عند ربّهم، ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥].
(عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ) قال القرطبيّ: قال ابن عرفة يقال: أتاه عن يمين: إذا أتاه من الجهة المحمودة، وقال المفسّرون في قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ [الواقعة: ٢٧]؛ أي: أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل غير هذا
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥٠٣.
(٢) من بابي ضَرَبَ، ونَصَرَ، والأكثر كسر القاف في المضارع، وأما ضمها فلغة قليلة، كما تفيده عبارة "تاج العروس" ٥/ ٣٠٥.
(٣) "القاموس المحيط" ص ١٠٥٧.
[ ٣١ / ٧١٥ ]
في الآية، وقد شَهِد العقل والنقل أن الله تعالى منزّه عن مماثلة الأجسام، وعن الجوارح المركّبة من الأعصاب والعظام، وما جاء في الشريعة مما يوهم شيئًا من ذلك، فهو توسّعٌ، واستعارة حسب عادات مخاطباتهم الجارية على ذلك، إلى آخر ما ذكره القرطبيّ في تأويل معنى اليمين.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي طَوَّل به القرطبيّ كلامه في تأويل معنى اليمين غير صحيح، فإن اليمين بمعنى الجارحة لا يتوهّم عاقل أنَّها المقصودة في إطلاق اليمين لله - ﷾ -، فإن من اعتقد أن لله - ﷾ - ذاتًا، لا تُشبه الذوات، فكذلك يعتقد أن له صفات لا تشبه الصفات، فكما لا يعتقد أن ذاته مركبة من لحم، وعظم، ونحو ذلك، كذلك لا يعتقد أن يمينه - ﷾ - جارحة مركبة من لحم، وعظم، وعصب، ونحوه، بلا فرق، وقد تقدّم لنا غير مرّة أن مذهب سلف الأمة، من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأهل الحديث قاطبة إثبات جميع الصفات التي وردت في القرآن الكريم، والأحاديث الصحيحة، على ظاهرها، منزّهين الله تعالى عن مشابهة خلقه له، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل، فاسلك سبيلهم، فإنه الصراط المستقيم، والله - ﷾ - الهادي إلى سواء السبيل.
وقوله: (وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ) جملة من مبتدأ وخبر مستأنَفة، بيّن بها كون كلتا اليدين يمينًا، لئلا يُتوهّم نقص وضعفٍ فيما أضافه إلى الحقِّ - ﷾ -، وذلك أنه لمّا كانت اليمين تقابلها الشمال، وهي في المتعارف أنقص رتبة، وأضعف حركة، وأثقل لفظًا، فأزال توهّم مثل هذا في حقّ الله تعالى، فقال: "وكلتا يديه يمين"؛ أي: كلّ ما نُسب إليه - ﷾ - ميمون مبارك، لا يُتوهّم فيه نقص، ولا قصور، والله تعالى أعلم.
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "وكلتا يديه يمين" هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نُطلقها على ما جاءت، ولا نُكيّفها، وننتهي حيث انتهى بنا الكتاب، والأخبار الصحيحة، وهو مذهب أهل السُّنَّة، والجماعة.
قال: وقوله: "عند الله" خبر "إن"؛ أي: إن المقسطين مقرّبون عند الله تعالى، و"على منابر" يجوز أن يكون خبرًا بعد خبر، أو حالًا من الضمير المستقرّ في الظرف، و"من نور" صفة "منابر"، مخصّصة لبيان الحقيقة، و"عن
[ ٣١ / ٧١٦ ]
يمين الرَّحمن" صفة أخرى لـ "منابر" مبيّنة للرتبة والمنزلة، ويجوز أن يكون حالًا بعد حال على التداخل، وقوله: "يمين الرَّحمن" بعد قوله: "عند الله" تقييد بعد إطلاق، وتخصيص بعد تعميم؛ لوضع "الرَّحمن" موضع "الله"، وقد سبق أن اسم الله جامع لجميع صفات الجلال والإكرام، و"الرحمن" من صفة الإكرام، فدلّ اليمين على أنَّ الله تعالى يفيض عليهم حينئذ من جلائل نعمه، وفضائل إحسانه ما لا يُحصر، فيكون قوله: "وكلتا يديه يمين" تذييلًا للكلام السابق، فعلى هذا فاللام في "المقسطين" للتعريف، كما في الرجل، والفرس، ويجوز أن تكون موصولةً، وتكون الظروف كلّها متّصلات بالصلة، وخبرُ "إنّ" قوله: "الذين يعدلون"، وقوله: "وكلتا يديه يمين" معترضة بين اسم "إنّ"، وخبرها صيانةً لجلال الله وعظمته عما لا يليق به، قال أبو الطيّب [من الطويل]:
وَنَحْتَقِرُ الدُّنْيَا احْتِقَارَ مُجَرِّبٍ … نَرَى كُلَّ مَا فِيهَا وَحَشَاكَ فَانِيَا (^١)
وقوله: (الَّذِينَ) خبر لمحذوف؛ أي: هم الذين (يَعْدِلُونَ) بكسر الدال، من العدل: وهو القصد في الأمور، وهو خلاف الجور، يقال: عَدَلَ في أمره عَدْلًا، من باب ضرب، وعَدَل على القوم عَدْلًا أيضًا (^٢). (فِي حُكْمِهِمْ)؛ أي: في الحكم الذي يحكمون به للناس، أو عليهم. (وَأَهْلِيهِمْ) بالجرّ عطفًا على ما قبله؛ أي: يعدِلون في أهليهم، بمعنى أنهم يقومون تجاههم بما أوجب الله تعالى عليهم فيهم، في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية [التحريم: ٦]، فيعلّمونهم دينهم، ويقومون بالإنفاق عليهم، وقوله: (وَمَا وَلُوا") بفتح الواو، وضمّ اللام المخفّفة، أصله: وَليُوا بكسر اللام، وضمّ الياء، بوزن علِموا، فنُقلت ضمة الياء إلى اللام بعد سَلْب حركتها؛ للاستثقال، ثم حُذفت الياء لالتقاء الساكِنَين، فصار وَلُوا، ومعنى: "وَلُوا"؛ أي: كانت لهم عليه ولاية، وعطْفه على ما قبله مِن عَطْف العامّ على الخاصّ.
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله - ﷺ -: "الذين يَعْدِلون في حكمهم، وأهليهم، وما وَلُوا": معناه: أن هذا الفضل إنما هو لمن عَدَل فيما تقلّده من خلافة، أو
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٧١.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٣٩٦.
[ ٣١ / ٧١٧ ]
إمارة، أو قضاء، أو حسبة، أو نَظَر على يتيم، أو صدقة، أو وقْف، وفيما يلزمه من حقوق أهله، وعياله، ونحو ذلك. انتهى.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "الذين يعدلون" يَحْتَمل وجوهًا من الإعراب: أن يكون خبرًا لـ "إن" كما سبق، وأن يكون صفة لـ "المقسطين" على تأويل: ذوات لها الإقساط، كما يقال: شجاع باسلٌ، وعليه ظاهر كلام الشيخ التوربشتيّ؛ إذ قال: وقد فَسَّر "المقسطين" في الحديث بما وصفهم به - ﷺ -، من قوله: "الذين يعدلون" إلى آخر الحديث.
وأن يكون بدلًا، أو نصبًا على المدح، أو رفعًا عليه، وأن يكون استئنافًا؛ كأنه قيل: من هؤلاء السادة المقرّبون، وقد فازوا بالقدح المعلّي، والمنحة الكبرى؛ فقيل: هم الذين يعدلون … إلى آخره، فإذا جُعل صفةً، فالتعريف في "المقسطين" يَحْتَمل العهد المتعارف بين الناس من الحكام، وأن يكون للجنس، فبيّن بقوله: "الذين يعدلون" أن المراد به الثاني.
ولَمّا كان المراد به استغراق الجنس مشتملًا على التعدّد قال أَوّلًا: "في حكمهم"؛ ليدخل فيه من بيده أزمّة حكم الشرع، من الخلفاء، والأمراء، والقضاة، وغيرهم، وثانيًا: "وأهليهم"؛ ليدخل فيه كلّ من تحت يد أحد من أهله، وعياله، ونحو ذلك، وثالثًا: "وما وَلُوا"؛ ليستوعب جميع من يتولّى أمرًا من الأمور، فيدخل فيه نفسه أيضًا.
قال الأشرف: فالرجل يَعدل مع نفسه، بأن لا يضيّع وقته في غير ما أمر الله تعالى به، بل يمتثل أوامر الله تعالى، وينزجر عن نواهيه على الدوام، كما دَأْب الأولياء المقرّبين، أو غالبًا، كما هو دين المؤمنين الصالحين.
قال الطيبيّ: قَسَم الله تعالى عباده المصطفين من أمّة محمد - ﷺ - ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، فالمقتصد من عَدَل، ولم يتجاوز إلى حدّ الظلم على نفسه، ولم يترقّ إلى مرتبة السابق الذي جمع بين العدل والإحسان.
قال: فإن قلت: إذا بيّن "المقسطين" بالذين جمعوا بين هذه الخصال، فكيف حال من انفرد بخصلة من هذه الخصال؟ هل يترتّب عليه تلك المراتب العليّة، والمنازل السنيّة؟.
[ ٣١ / ٧١٨ ]
قلت: إذا سُلِك بالتعريف في "الذين يعدلون" الجنس من حيث هي هي لا، وإذا سُلك به الاستغراق، كما ذهبنا إليه، نعم، ونحوه قوله: الرجل خير من المرأة، إذا أريد بالتعريف الحقيقة من حيث هي هي، فلا تدخل أفراد الجنس في هذا الحكم، وإن أريد به الاستغراق لزم أن يكون أدنى رجل خيرًا من أشرف النساء، والله أعلم. انتهى كلام الطيبيّ (^١).
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٧١٣] (١٨٢٧)، و(النسائيّ) في "آداب القضاة" (٨/ ٢٢١) و"الكبرى" (٣/ ٤٦٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٧/ ٣٩ و٤٥)، و(الحميديّ) في "مسنده" (٥٨٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٥٩ و١٦٠ و٢٠٣)، و(الطبريّ) في "تفسيره" (٩/ ١١٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٨٤)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٤/ ٨٨)، و(الآجريّ) في "الشريعة" (ص ٣٢٢)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (١٠/ ٨٧ - ٨٨) و"الأسماء والصفات" (ص ٣٢٤)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٤٧٠)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل الحاكم العادل في حكمه.
٢ - (ومنها): فضل العدل في الأهل والأولاد، وذلك بالقيام بما يحتاجون إليه من أمور دينهم ودنياهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وزجرهم عما يضرّ بهم دينًا، ودنيا.
٣ - (ومنها): إثبات صفة اليمين لله - ﵀ - على ما يليق بجلاله، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٧٢ - ٢٥٧٣.
[ ٣١ / ٧١٩ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٤] (١٨٢٨) - (حَدَّثَنِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، قَالَ: أَتيْتُ عَائِشَةَ، أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ، فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ؟ فَقَالَ: مَا نَقِمْنَا مِنْهُ شَيْئًا، إِنْ كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ، فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَة، فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا يَمْنَعُنِي الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي أَنْ أُخْبِرَكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ فِي بَيْتي هَذَا: "اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْه، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ) السعديّ مولاهم، أبو جعفر، نزيل مصر، ثقةٌ فاضلٌ [١٠] (ت ٢٥٣) وله (٨٣) سنةً (م د س ق) تقدم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٥.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله المصريّ، تقدَّم قريبًا.
٣ - (حَرْمَلَةُ) بن عمران بن قُراد التجيبيّ - بضمّ المثناة، وكسر الجيم، بعدها ياء ساكنة، ثمّ موحّدة - أبو حفص المصريّ، يُعرف بالحاجب، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن عبد الرَّحمن بن شماسة، ويزيد بن أبي حبيب، وأبي عُشّانة، وأبي قَبِيل، وعبد الله بن الحارث الأزديّ، وسُليم بن جُبير مولى أبي هريرة، وكعب بن عَلْقمة التَّنُوخيّ، وغيرهم.
وروى عنه جرير بن حازم، وابن المبارك، وابن وهب، والليث، وابنه عبد الله بن حرملة، وأبو صالح كاتب الليث، وعبد الله بن يزيد المقرئُ، وجماعة.
قال أحمد، وابن معين: ثقةٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: ثقةٌ، وقال أبو عمر الْكِنديّ: كان يقال له: حرملة الحاجب، وقال ابن المبارك: حدّثني حرملة، وكان من أولي الألباب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مولده سنة (٧٨)، كذا قال، وروى ابن يونس بسنده عن يحيى بن بكير: قال: ولد
[ ٣١ / ٧٢٠ ]
سنة (٨٠)، ومات في صفر سنة (١٦٠)، وكذا قال أبو عمر الكِنديّ في الموالي، وذكر أنه قرأه على لوح بقبره منقوشًا.
أخرج له البخاريّ في "الأدب المفرد"، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٢٨)، وحديث (٢٥٤٣): "إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط … "، وأعاده بعده.
٤ - (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُمَاسَةَ) الْمَهْريّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (ت ١٠١) أو بعدها (م ٤) تقدم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٥ - (عَائِشَةُ) أم المؤمنين - ﵂ - المتوفّاة سنة (٥٧) تقدّمت في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣١٥.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمصريين، سوى عائشة - ﵂ -، فمدنيّة، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ) بضمّ الشين المعجمة؛ كثُمامة، وفتحها (^١)، الْمَهْريّ، بفتح الميم، وسكون الهاء، أنه (قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ) - ﵂ - (أَسْأَلُهَا عَنْ شَيْءٍ) لَمْ يُذكر هذا الشيء، (فَقَالَتْ: مِمَّنْ أَنْتَ؟)؛ أي: من أيّ قبيلة، أو من أي أهل بلد؟ (فَقُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ) - بكسر الميم -، والعامّة تفتحها: المدينة المعروفة، سُمّيت بذلك؛ لتمصّرها؛ أي: تمدّنها، أو لأنه بناها المصر بن نوح، ويجوز تذكيرها، فتُصرف، وتأنيثها، فتُمنع من الصرف (^٢).
(فَقَالَتْ: كَيْفَ كَانَ صَاحِبُكُمْ لَكُمْ) هو معاوية بن حُديج التجيبيّ، كما سيأتي مصرَّحًا به في رواية أبي عوانة الآتية في التنبيه المذكور في الحديث التالي.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: اختُلف في اسم هذا الصاحب من هو؟ فقيل:
_________________
(١) وهذا الضبط هو الذي ذكره في "القاموس"، وكذا ذكره القرطبيّ في "المفهم"، وضَبَطه في "التقريب" بكسر الشين فقط، فليُنظر.
(٢) راجع: "القاموس"، وشرحه "تاج العروس" ٣/ ٥٤٣، فقد أطال الكلام فيها.
[ ٣١ / ٧٢١ ]
عمرو بن العاص، قاله خليفة بن خيّاط، وقيل: معاوية بن حُدَيج التُّجيبيّ، قاله الهمدانيّ. انتهى (^١).
وقال صاحب "التنبيه": هو معاوية بن حُديج - بضمّ الحاء المهملة، وفتح الدال - وهو قاتل محمد بن أبي بكر، فيما يقولون، واختُلف في ححبته، والصحيح أنه صحابيّ، قال الذهبيّ (^٢): معاوية بن حُديج السَّكونيّ - يعني: بفتح السين - وقيل: الْكِنديّ، وقيل: الْخَوْلانيّ، يُعَذ في المصريين، مشهور، وهو قاتل محمد بن أبي بكر. انتهى (^٣).
وقال القاضي عياض - ﵀ -: واختَلَف أهل التاريخ فيمن كان من الأمراء صاحب الجيش لحرب محمد بمصر، فقيل: عمرو بن العاص، فيما قاله خليفة بن خيّاط، وقيل: معاوية بن حُديج التجيبيّ، فيما قاله الهمذانيّ، قال: وكان سيّد تُجيب، ورأس اليمانية بمصر، وهو الذي عَنَت عائشة - ﵂ - بقولها هذا فيه في هذا الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: قد عرفت أن الصواب أنه معاوية بن حُديج؛ لِمَا مرّ، فلا معنى للاختلاف فيه، فتفطّن.
قال: واختُلف في صفة قتل محمد بن أبي بكر، فقيل: قُتل في المعركة، وقيل: جيء به أسيرًا، فقُتل، وقيل: دخل بعد الهزيمة في خربة، فوَجَد حمارًا ميتًا، فدخل في جوفه، فأحرق فيه. انتهى (^٤).
(فِي غَزَاتِكُمْ هَذِهِ) بفتح الغين المعجمة، اسم من الغَزْو، قال ابن الأثير - ﵀ -: غزا يغزو غَزْوًا، فهو غازٍ، والْغَزْوة: المرّة من الغزو، والاسم: الْغَزَاةُ. انتهى (^٥).
ثم إنه يَحْتَمل أن هذه الغزوة، هي غزوة مصر التي قُتل فيها محمد بن أبي بكر، ويَحْتَمل أن تكون هي غزوة المغرب، فقد قال الذهبيّ - ﵀ -: ووَلي
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٤.
(٢) راجع: "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٣٧ - ٣٨.
(٣) "تنبيه المعلم" ص ٣٢١ - ٣٢٢.
(٤) "إكمال المعلم" ٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٥) "النهاية" ٣/ ٣٦٦.
[ ٣١ / ٧٢٢ ]
إِمْرة مصر لمعاوية، وغزو المغرب، وشهد وقعة اليرموك. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ: مَا نَقَمْنَا مِنْهُ شَيْئًا) بفتح القاف، وكسرها، يقال: نَقَمتُ عليه أمره، ونَقَمتُ منه نَقْمًا، من باب ضَرَبَ، ونُقُومًا، ونَقِمْتُ أَنْقَمُ، من باب تَعِبَ لغةٌ: إذا عِبْتَهُ، وكَرِهته أشدّ الكراهة؛ لسُوء فعله، وفي التنزيل: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] على اللغة الأُولى؛ أي: وما تطعن فينا، وتَقْدَح، وقيل: ليس لنا عندك ذنب، ولا رَكِبنا مكروهًا، قاله الفيّوميّ (^٢).
(إِنْ) بكسر الهمزة، وسكون النون: مخفّفة من الثقيلة، ولذا جاءت بعدها اللام الفارقة بينها وبين "إن" النافية، كما قال في "الخلاصة":
وَخُفِّفَتْ "إنَّ" فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللَّامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ
وَرُبَّمَا اسْتُغْنِيَ عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا
وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلَا … تُلْفِهِ غَالِبًا "بِإِنْ" ذِي مُوصَلًا
(كَانَ لَيَمُوتُ لِلرَّجُلِ مِنَّا الْبَعِيرُ) بفتح الموحّدة، وقد تُكسَر: الْجَمَل البازل (^٣)، أو الجَذَعُ، وقد يكون للأنثى (^٤). (فَيُعْطِيهِ الْبَعِيرَ، وَالْعَبْدُ) بالرفع عطفًا على "البعير"؛ أي: ويموت العبد (فَيُعْطِيهِ الْعَبْدَ، وَيَحْتَاجُ إِلَى النَّفَقَة، فَيُعْطِيهِ النَّفَقَةَ، فَقَالَتْ) عائشة - ﵂ - (أَمَا) بفتح الهمزة، وتخفيف الميم" أداة استفتاح، كـ "إلا"، (إِنَّهُ) بكسر الهمزة؛ لوقوعها بعد أداة الاستفتاح، (لَا يَمْنَعُني الَّذِي فَعَلَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخِي)؛ أي: حيث أحرقه بالنار بعد قتله، وهو: أخوها محمد بن أبي بكر الصدّيق - ﵄ -، ولدته أسماء بنت عميس - ﵂ - في حجة الوداع وقت الإحرام.
وكان قد ولّاه عثمان - ﵁ - إِمْرة مصر، كما هو مبيَّن في سيرة عثمان - ﵁ -، ثم سار لِحِصار عثمان، وفعل أمرًا كبيرًا، فكان أحد من توثّب على عثمان حتى
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٣٧.
(٢) "المصباح المنير" ٢/ ٦٢٣.
(٣) يقال: بزل ناب البعير بُزُولًا: طلع، وذلك في تاسع سنيه، راجع: "القاموس" ص ١٠٤.
(٤) راجع: "القاموس المحيط" ص ١١٦.
[ ٣١ / ٧٢٣ ]
قُتِل، ثم انضمّ إلى عليّ - ﵁ -، فكان من أمرائه، فسَيَّره على إمرة مصر سنة سبع وثلاثين في رمضانها، فالتقى هو وعسكر معاوية، فانهزم جمع محمد، واختفى هو في بيتِ مِصْريةٍ، فدلَّت عليه، فقال: احفظوني في أبي بكر، فقال معاوية بن حُديج: قتلتُ ثمانين من قومي في دم الشهيد عثمان، وأتركك، وأنت صاحبه! فقتله، ودسَّه في بطن حمار ميت، وأحرقه.
وقال عمرو بن دينار: أُتي بمحمد أسيرًا إلى عمرو بن العاص، فقتله؛ يعني: بعثمان - ﵁ - (^١).
(أَنْ أُخْبِرَكَ) في تأويل المصدر مفعول ثان "يمنعني"، والأول ياء المتكلّم، والفاعل هو الموصول المتقدّم، يقال: منعته الأمر، ومنعته منه، يتعدّى إلى الثاني بنفسه، وبـ "مِنْ " (^٢). (مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) "ما" موصولة مفعول ثان لـ "أُخبرك"، والأول الكاف، (يَقُولُ فِي بَيْتِي هَذَا: (اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ) بفتح الواو، وكسر اللام، يقال: وَليتُ الأمرَ أَلِيهِ بكسرتين وِلاية بالكسر: تولّيتُهُ، ووليتُ البلدَ، وعليه، ووليتُ على الصبيَّ، والمرأة، فالفاعل والٍ، والجمع وُلاةٌ، والصبيّ والمرأة مَوْليٌّ عليه، والأصل على مفعول (^٣). (مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي) قال المناويّ - ﵀ -؛ أي: أمة الإجابة، ولا مانع من إرادة الأعم هنا. (شَيْئًا) من الولاية، كخلافة، وسلطنة، وقضاء، وإمارة، وبظَارة، ووصاية، وغير ذلك، نَكَّره مبالغةً في الشيوع، وإرادة للتعميم. انتهى (^٤).
(فَشَقَّ عَلَيْهِمْ) من باب نصر، مبنيًّا للفاعل؛ أي: حَمَلهم على ما يَشُقّ عليهم، أو أوصل المشقة إليهم، بقول، أو فعل، فهو من المشقّة التي هي الإضرار، لا من الشقاق الذي هو الخلاف، قال في "العين": شَقّ الأمرُ عليه مشقّةً: أَضَرَّ به. انتهى (^٥). (فَاشْقُقْ عَلَيْهِ)؛ أي: أوْقِعه في المشقّة جزاءً وفاقًا، (وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا، فَرَفَقَ بِهِمْ) من باب نصر أيضًا رِفقًا بالكسر، وهو: خلاف الْعُنْف؛ أي: عامَلَهم باللين، والإحسان، والشفقة (فَارْفُقْ بِهِ")؛
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٣/ ٤٨٢.
(٢) راجع: "المصباح " ٢/ ٥٨٠.
(٣) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧٢.
(٤) "فيض القدير" ٢/ ١٠٦.
(٥) "فيض القدير" ٢/ ١٠٦.
[ ٣١ / ٧٢٤ ]
أي: افعل به ما فيه الرفق له، مجازاةً له بمثل فعله، قال المناويّ - ﵀ -: وهذا دعاء مجاب، وقضيته لا يَشك في حقيقتها عاقل، ولا يرتاب، فقلما ترى ذا ولاية عَسَفَ، وَجَارَ، وعامَلَ عيال الله بالعتوّ والاستكبار، إلَّا وكان آخر أمره الوبال، وانعكاس الأحوال، فإن لَمْ يعاقَب بذلك في الدنيا، قَصُرت مدّته، وعُجِّل بروحه إلى بئس المستقرّ سَقَر، ولهذا قالوا: الظلم لا يَدُوم، وإن دام دَمَّرَ، والعدل لا يدوم، وإن دام عمّرَ، وهذا كما ترى أبلغ زجر عن المشقّة على الناس، وأعظم حثّ على الرفق بهم، وقد تظاهرت على ذلك الآياتِ والأخبار. انتهى (^١).
وقال النوويّ - ﵀ -: هذا من أبلغ الزواجر عن المشقّة على النَّاس، وأعظم الحثّ على الرفق بهم، وقد تظاهرت الأحاديث بهذا المعنى. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائشة - ﵂ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٧١٤ و٤٧١٥] (١٨٢٨)، و(أحمد) في "مسنده" (٦/ ٦٢ و٩٣ و٢٥٧ و٢٥٨ و٢٦٠)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٥٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٨٠)، و(الطبرانيّ) في "الأوسط" (٧/ ٨٢ و٩/ ١٧٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ٤٣ و١٠/ ١٣٦)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٤٧١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان الحثّ على الرفق بالرعيّة، والنهي عن إدخال المشقّة عليهم، وهو الذي أمر الله تعالى به نبيّه - ﷺ -، حيث يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وحضّ
_________________
(١) "فيض القدير" ٢/ ١٠٧.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٣.
[ ٣١ / ٧٢٥ ]
عليه النبيّ - ﷺ - في غير ما حديث، فقال لعائشة - ﵂ -: "عليك بالرفق، وإياك والعنف"، متَّفقٌ عليه، وعن عائشة - ﵂ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلَّا زانه، ولا يُنزع من شيء إلَّا شانه"، رواه مسلم.
٢ - (ومنها): بيان أن قول الحقّ، وذِكْر فضل ذوي الفضل مرغّبٌ فيه مع العدوّ والصديق، فلا ينبغي للإنسان أن يَستر فضل أهل الفضل، ويمتنع منه لعداوة بينهما ونحوها.
٣ - (ومنها): أن فيه فضل عائشة - ﵂ -، ومدى ورعها، ومحبّتها للنبيِّ - ﷺ -، حيث لَمْ تمتنع من نشر حديثه لإساءة ذلك الأمير تجاهها حيث قتل أخاها، وأحرقه بالنار، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٥] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ حَرْمَلَةَ الْمِصْرِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شُمَاسَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِهِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون السمين، ذُكر قبل باب.
٢ - (ابْنُ مَهْدِيٍّ) هو: عبد الرَّحمن، تقدّم قريبًا.
٣ - (جَرِيرُ بْنُ حَازِمِ) بن زيد، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية جرير بن حازم عن حرملة هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٢٥) - حدّثنا حمدان بن عليّ الورّاق، ومحمد بن صالح كَيْلجة، وهلال بن العلاء، قالوا: ثنا أبو سلمة موسى بن إسماعيل، قال: ثنا جرير بن حازم، قال: حدّثني حرملة بن عمران المصريّ، عن عبد الرَّحمن بن شْماسة الْمَهْريّ، قال: دخلت على عائشة أم المؤمنين، فقالت لي: ممن أنت؟ قلت: من أهل مصر، قالت: كيف وجدتم ابن حُديج في غَزاتكم هذه؟ فقلت: وجدناه خير أمير، ما مات لرجل منا عبد إلَّا أعطاه عبدًا، ولا بعير إلَّا أعطاه
[ ٣١ / ٧٢٦ ]
بعيرًا، ولا فرس إلَّا أعطاه فرسًا، فقالت: أمَا إنه لا يمنعني قَتْله أخي، أن أحدِّث ما سمعت من رسول الله - ﷺ -، فأَخْبِره أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "مَن وَلي من أمر أمتي شيئًا، فرَفَق بهم، فارفق به، ومن شَقَّ عليهم، فشُقّ عليه". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧١٦] (١٨٢٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ (^٢) رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِه، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا، وَوَلَدِه، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِه، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ) بن مهاجر المجيبيّ مولاهم المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٤٢) (م ق) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٨.
٣ - (اللَّيْثُ) بن سعد تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ، فقيه، مشهورٌ [٣] (ت ١١٧)، أو بعد ذلك (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله - ﵄ -، تقدّم قبل بابين.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٣٤) من رباعيّات الكتاب، وأن ابن عمر، ونافعًا مدنيّان، وقتيبة بغلانيّ، والباقيان مصريّان.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا) بالتخفيف: أداة
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٨١.
(٢) وفي نسخة: "على ناس".
[ ٣١ / ٧٢٧ ]
استفتاح، وتنبيه. (كُلُّكُمْ رَاعٍ) مبتدأ وخبرٌ، والراعي هو الحافظ المؤتَمَن الملتزِم صلاح ما اؤتُمِن علَى حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه. (وَكلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) قال في "العمدة": الرعيّة كلُّ من شَمِله حِفظ الراعي، ونَظَره، وأصل الرعاية: حِفظ الشيء، وحُسن التعهد فيه، لكن تختلف، فرعاية الإمام هي ولاية أمور الرعية، وإقامة حقوقهم، ورعاية المرأة حُسن التعهّد في أمر بيت زوجها، ورعاية الخادم هو حِفظ ما في يده، والقيام بالخدمة، ونحوها، ومن لَمْ يكن إمامًا، ولا له أهل، ولا سيد، ولا أبٌ، وأمثال ذلك فرعايته على أصدقائه، وأصحاب معاشرته. انتهى (^١).
(فَالأَمِيرُ) وفي رواية للبخاريّ: "فالإمام"؛ أي: الإمام الأعظم، (الَّذِي عَلَى النَّاسِ) وفي بعض النسخ: "على ناس" بالتنكير، (رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِه، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) وفي رواية: "في أهل بيته"، (وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا)؛ أي: زوجها، (وَوَلَدِه، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) قال الطيبيّ: الضمير في "عنهم" راجع إلى "بيت بعلها، وولده"، وغلّب العقلاء فيه على غيرهم. انتهى (^٢). (وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِه، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ)، وفي رواية سالم: "قال: سمعت هؤلاء من رسول الله - ﷺ -، وأحسب النبيّ - ﷺ - قال: والرجل راع في مال أبيه، ومسئول عن رعيته".
قال الخطابيّ - ﵀ -: اشتركوا؛ أي: الإمام، والرجل، ومن ذُكِر في التسمية؛ أي: في الوصف بالراعي، ومعانيهم مختلفة، فرعاية الإمام الأعظم: حياطة الشريعة، بإقامة الحدود، والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله: سياسته لأمرهم، وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة: تدبير أمر البيت، والأولاد، والخدم، والنصيحة للزوج في كلّ ذلك، ورعاية الخادم: حِفْظ ما تحت يده، والقيام بما يجب عليه من خدمته. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: معنى الراعي هنا: الحافظ المؤتمَن على ما يليه،
_________________
(١) "عمدة القاري" ٢٤/ ٢٢١.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٩.
(٣) الأعلام" ١/ ٥٧٩.
[ ٣١ / ٧٢٨ ]
أَمَرهم النبيّ - ﷺ - بالنصيحة فيما يَلُونه، وحذّرهم الخيانة فيه بإخبارهم أنهم مسئولون عنه، فالرعاية حفظ الشيء، وحسن التعهّد، فقد استوى هؤلاء في الاسم، ولكن معانيهم مختلفةٌ، فأما رعاية الإمام، فهي ولاية أمور الرعيّة، بالحياطة من ورائهم، وإقامة الحدود، والأحكام فيهم، ورعاية الرجل في أهله، فهي القيام عليهم بالحقّ في النفقة، وحسن العشرة، ورعاية المرأة في بيت زوجها، فهي حسن التدبير في أمر بيته، والتعهّد بخدمته، وأضيافه، ورعاية العبد في مال سيّده، فهي حِفْظ ما في يده من مال سيّده، والقيام بشغله. انتهى (^١).
(أَلَا) بالتخفيف أيضًا، وكرّرها للتوكيد، (فَكُلُّكُمْ رَاعٍ) هو تشبيه أضمر فيه أداته؛ أي: مثلُ راعٍ، والفاء جواب شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر هكذا، فكلّكم راع … إلخ، ووجه التشبيه: حفظ الشيء، وحسن التعهّد لِمَا استُحفظ، وهو القدر المشترك (^٢). (وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ") قال النوويّ ﵀: قال العلماء: الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما قام عليه، وما هو تحت نَظَره، ففيه أن كلّ من كان تحت نظره شيء، فهو مطالب بالعدل فيه، والقيام بمصالحه في دينهه، ودنياه، ومتعلّقاته. انتهى (^٣).
وقال الطيبيّ - ﵀ -: وهذا تمثيل لا يُرى في الباب ألطف، ولا أجمع، ولا أبلغ منه، فإنه أجْمَلَ أوَّلًا، ثم فَصّل، وأتى بحرف التنبيه مكرّرًا، وأتى بالْفَذْلكة كالخاتمة؛ إشارةً إلى استيفاء التفصيل، قال: والْفَذْلكة هي التي يأتي بها المحاسِب بعد التفصيل، ويقول: فذلك كذا وكذا؛ ضبطًا للحساب، وتوقّيًا من الزيادة والنقصان فيما فصّله. انتهى بزيادة يسيرة (^٤).
وقال غيره: دخل في هذا العموم: المنفرد الذي لا زوج له، ولا خادم، ولا ولد، فإنه يَصْدُق عليه أنه راعٍ على جوارحه، حتى يَعْمَل المأمورات،
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٨.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٩.
(٣) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٣.
(٤) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٩.
[ ٣١ / ٧٢٩ ]
ويجتنب المنهيات، فِعلًا، ونطقًا، واعتقادًا، فجوارحه، وقواه، وحواسّه رعيته، ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيًا أن لا يكون مرعيًّا باعتبار آخر.
وجاء في حديث أنس - ﵁ - مثل حديث ابن عمر - ﵄ -، فزاد في آخره: "فأعدُّوا للمسألة جوابًا، قالوا: وما جوابها؟ قال: أعمال البرّ"، أخرجه ابن عديّ، والطبرانيّ في "الأوسط"، وسنده حسنٌ.
وله من حديث أبي هريرة - ﵁ -: "ما من راعٍ إلَّا يُسأل يوم القيامة: أقام أمر الله، أم أضاعه؟ ".
ولابن عديّ بسند صحيح، عن أنس - ﵁ -: "إن الله سائل كلَّ راعٍ عما استرعاه، حَفِظَ ذلك، أو ضيَّعه"، قاله في "الفتح" (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متَّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٧١٦ و٤٧١٧ و٤٧١٨ و٤٧١٩] (١٨٢٩)، و(البخاريّ) في "الجمعة" (٨٩٣) و"الاستقراض" (٢٤٠٩) و"العتق" (٢٥٥٤ و٢٥٥٨) و"الوصايا" (٢٧٥١) و"النكاح" (٥١٨٨ و٥٢٠٠) و"الأحكام" (٧١٣٨) و"الأدب المفرد" (١/ ٨٣ - ٨٤)، و(أبو داود) في "الخراج" (٢٩٢٨) و(الترمذي) في "الجهاد" (١٧٠٥)، و(مالك) في "الموطّأ" (٩٩٢)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (١١/ ٣١٩)، و(أحمد) في "مسنده) (٢/ ٥ و٥٤ - ٥٥ و١١١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٨٢ و٣٨٣ و٣٨٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٤٨٩ و٤٤٩٠ و٤٤٩١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٦/ ٢٨٧ و٧/ ٢٩١) و"شعب الإيمان" (٤/ ٣٢٢ و٦/ ١٢٣)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٤٦٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦١١، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٣٨).
[ ٣١ / ٧٣٠ ]
١ - (منها): بيان وجوب حفظ الإمام حقوق الرعيّة، وعدم تساهله في ذلك؛ لأنه مسئول عنهم، وكذا الذين ذُكروا بعده يجب عليهم القيام بما استرعاهم الله تعالى، وجَعَله تحت تصرّفهم، فإنهم مسئولون عنهم أيضًا.
٢ - (ومنها): ما قال الطيبيّ - ﵀ -: في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلَّا بما أَذِن الشارع فيه، وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه الله تعالى، فعلى السلطان حِفظ الرعيّة فيما يتعيّن عليه، من حِفظ شريعتهم، والذبّ عنها لكل متصدّ لإدخال داخلة فيها، أو تحريف لمعانيها، أو إهمال حدودهم، أو تضييع حقوقهم، وتَرْك حماية من جار عليهم، ومجاهدة عدوّهم، أو تَرْك سيرة العدل فيهم، فينبغي أن لا يتصرف في الرعيّة إلَّا بما أَذِن الله تعالى، ورسوله - ﷺ - به، ولا يطلب أجره إلَّا من الله؛ كالراعي. انتهى (^١).
٣ - (ومنها): أنه استُدِلّ به على أنَّ المكلَّف يؤاخذ بالتقصير في أمر مَن هو في حكمه.
٤ - (ومنها): بيان أن للعبد أن يتصرف في مال سيده بإذنه، وكذا المرأة، والولد.
٥ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: كلُّ من ذُكِر في هذا الحديث قد كُلِّف ضبطَ ما أُسند إليه من رعيته، واؤتُمِنَ عليه، فيَجبُ عليه أن يجتهد في ذلك، وينصح، ولا يفرِّط في شيء من ذلك، فإن وفَّى ما عليه من الرعاية حصل له الحظ الأوفر، والأجر أكبر، وإن كان غير ذلك طالبه كلُّ واحدٍ من رعيّته بحقِّه، فكَثُر مُطالبوه، وناقشه محاسبوه؛ ولذلك قال - ﷺ -: "مَا مِنْ أميرِ عشرة، فما فوقهم، إلَّا ويُؤتى به يوم القيامة مغلولًا، فإما أن يفكّه العدلُ، أو يُوبقُه الجوْر" (^٢)، وعن معقل بن يسار - ﵁ - قال: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعيةً، فلم يُحطها بنصحه، إلَّا لَمْ يجد رائحة الجَنَّة"، متَّفقٌ عليه، لفظ البخاريّ، ولفظ مسلم: "ما من عبد يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم
_________________
(١) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٦٩.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد ٢/ ٤٣١.
[ ٣١ / ٧٣١ ]
يموت، وهو غاشّ لرعيته، إلَّا حرّم الله عليه الجَنَّة"، وفي رواية: "ما من أمير يلي أمر المسلمين، ثم لا يجهد لهم، وينصح، إلَّا لَمْ يدخل معهم الجَنَّة"، وكلها تأتي في الباب - إن شاء الله تعالى -.
٦ - (ومنها): ما قال القاضي عياض - ﵀ -: فيه حجة أنه لا قَطْع على العبد في مال سيّده، ولا على المرأة في مال زوجها، إلَّا ما حجبه عنها، ولم يجعل لها فيه تصرّفًا، خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعيّ أنه لا قطع على أحد الزوجين فيما سرق من مال الآخر كيف كان.
٧ - (ومنها): أن فيه بيانَ كذب الخبر الذي افتراه بعض المتعصبين لبني أمية، قال الحافظ: قرأت في "كتاب القضاء" لأبي عليّ الكرابيسيّ: أنبأنا الشافعيّ، عن عمه - هو محمد بن عليّ - قال: دخل ابن شهاب على الوليد بن عبد الملك، فسأله عن حديث: "إن الله إذا استرعى عبدًا الخلافة، كتب له الحسنات، ولم يكتب له السيئات"، فقال له: هذا كذبٌ، ثم تلا: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾، إلى قوله: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، فقال الوليد: إن الناس ليغرّوننا عن ديننا. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ - يَعْني: ابْنَ الْحَارِثِ - (ح) وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى - يَعْنِي: الْقَطَّانَ - كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ (ح) وَحَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيع، وَأَبُو كَامِلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلٌ جَمِيعًا عَنْ أَيُّوبِ (ح) وَحَدَّثَني مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنَا الضَّحَّاكُ - يَعْنِي: ابْنَ عُثْمَانَ - (ح) وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أُسَامَةُ، كَلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْث، عَنْ نَافِعٍ).
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦١١، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٣٨).
[ ٣١ / ٧٣٢ ]
رجال هذا الإسناد: ثلاثة وعشرون:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ) العبديّ، أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ حافظ [٩] (ت ٢٠٣) (ع) تقدم في "الإيمان" ١/ ١٠٧.
٢ - (أبو ابن نُمير) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ حافظٌ سنّيّ، من كبار [٩] (ت ١٩٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٣ - (ابْنُ الْمُثَنَّى) هو: محمد، أبو موسى العنزيّ البصريّ المعروف بالزمِن، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (٢٥٢) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٤ - (خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ) بن عبيد الْهُجيميّ، أبو عثمان البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٦) (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٣.
٥ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عاصم الْعُمريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥١] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٦ - (أَبُو الرَّبِيعِ) سليمان بن داود الزهرانيّ العَتَكيّ البصريّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س) تقدم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٠.
٧ - (إِسْمَاعِيلُ) بن إبراهيم بن مِقسم المعروف بابن عليّة، أبو بشر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [٨] (ت ١٩٣) (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٨ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السختيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبت حجة، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
٩ - (الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ) بن عبد الله بن خالد بن حِزَام الأسديّ الْحِزَاميّ، أبو عثمان المدنيّ، صدوقٌ يَهِمُ [٧] (م ٤) تقدم في "الحيض" ١٦/ ٧٧٤.
١٠ - (أُسَامَةُ) بن زيد الليثيّ مولاهم، أبو زيد المدنيّ، صدوقٌ يَهِم [٧] (١٥٣) (خت م ٤) تقدم في "الصلاة" ٤٢/ ١٠٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وفي الأبواب الأربعة الماضية، و"ابن نُمير" هو: محمد بن عبد الله بن نُمير، و"عبيد الله بن سعيد" هو: أبو قُدامة السرخسيّ الحافظ، و"أبو كامل": هو فضيل بن حسين الجحدريّ، و"ابن أبي فُديك" هو: محمد بن إسماعيل بن مسلم المدنيّ.
وقوله: (كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ)؛ يعني: أن كلّ الأربعة، وَهُم:
[ ٣١ / ٧٣٣ ]
محمد بن بشر، وعبد الله بن نُمير، وخالد بن الحارث، ويحيى القطّان رووا عن عبيد الله بن عمر العمريّ.
وقوله: (كَلُّ هَؤُلَاءِ عَنْ نَافِعٍ)؛ يعني: أن كلّ هؤلاء الأربعة، وهم: عبيد الله بن عمر، وأيوب السختيانِيّ، والضحّاك بن عثمان، وأسامة بن زيد الليثيّ رووا هذا الحديث عن نافع، مثل حديث الليث بن سعد المذكور قبله، عنه، عن ابن عمر - ﵄ -.
[تنبيه]: أما رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، فقد ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٢٤١٦) - حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى (^١)، عن عبيد الله، قال: حدّثني نافع، عن عبد الله - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: "كلكم راع، فمسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها، وولده، وهي مسؤولة عنهم، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". انتهى (^٢).
وأما رواية أيوب السختيانيّ، عن نافع، فقد ساقها أيضًا البخاريّ - ﵀ -، فقال:
(٤٨٩٢) - حدّثنا أبو النعمان، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن عبد الله، قال النبيّ - ﷺ -: "كلكم راع، وكلكم مسؤول، فالإمام راع، وهو مسؤول، والرجل راع على أهله، وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها، وهي مسئولة، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول، ألا فكلكم راع، و"لكم مسؤول". انتهى (^٣).
وأما رواية إسماعيل ابن عليّة، عن أيوب، عن نافع، فقد ساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) هو القطّان.
(٢) "صحيح البخاريّ" ٢/ ٩٠١.
(٣) "صحيح البخاريّ" ٥/ ١٩٨٨.
[ ٣١ / ٧٣٤ ]
(٤٤٩٥) - حدّثنا عبد الله (^١)، حدّثني أبي، ثنا إسماعيل، أنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أن النبيَّ - ﷺ - قال: "كلكم راع، وكلكم مسؤول، فالأمير الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول، والمرأة راعية على بيت زوجها، وهي مسؤولة، والعبد راع على مال سيده، وهو مسؤول، أَلا فكلكم راع، وكلكم مسؤول". انتهى (^٢).
وأما رواية الضحّاك بن عثمان، عن نافع، فقد ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٣٢) - حدّثنا أحمد بن الفرج الحمصيّ، قثنا ابن أبي فُديك، قال: حدّثني الضحاك بن عثمان، عن نافع، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ألا كلكم راع، فالأمير راع على رعيته، والرجل راع على بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها، والعبد راع على مال سيده، ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول". انتهى (^٣).
وأما رواية أسامة بن زيد الليثيّ، عن نافع، فقد ساقها أيضًا أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٣٣) - حدّثنا الربيع بن سليمان، وعيسى بن أحمد، قالا: ثنا ابن وهب، قال: أنبأ أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبيّ - ﷺ - قال: "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع، ومسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، ومسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية على بيت زوجها، وولده، ومسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال الرجل، ومسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". انتهى (^٤).
(قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، بِهَذَا، مِثْلَ حَدِيثِ اللَّيْث، عَنْ نَافِعٍ).
وقوله: (قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ) القائل هو تلميذه، والظاهر أنه أبو أحمد
_________________
(١) هو ولد الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٢/ ٥.
(٣) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٨٣.
(٤) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٨٣.
[ ٣١ / ٧٣٥ ]
الْجُلُوديّ، وأبو إسحاق هو إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوريّ، تلميذ المصنّف المتوفّى سنة (٣٠٨ هـ) تقدّم قريبًا في "باب غزوة ذي قَرَد" [٤٣/ ٤٦٦٩]، وإنما زاد هذا الإسناد؛ لعلوّه له على إسناد مسلم، فقد كان بينه وبين عبد الله بن نُمير فيه واسطتان: مسلم، وشيخه محمد بن عبد الله بن نُمير، وفي هذا الإسناد واسطة واحدة، شيخه الحسن بن بشر فقط، فقد علا برجل، فتنبّه.
و(الْحَسَنُ بْنُ بِشْرٍ) السلميّ القاضي المتوفّى سنة (٢٤٤ هـ) من الطبقة الحادية عشرة، لَمْ يرو عنه مسلم، وإنما عنه تلميذه أبو إسحاق، في مواضع علا فيها على رواية عن مسلم كما هنا، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، وَابْنُ حُجْرٍ، كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ بِمَعْنَى حَدِيثِ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَدْ قَالَ: "الرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيه، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة عشر:
١ - (يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ) المقابريّ، أبو زكريّاء البغداديّ، ثقةٌ عابدٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (عخ م د عس) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرِ) بن أبي كثير الأنصاريّ الزرقيّ، أبو إسحاق المدنيّ القاريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٢/ ١١٠.
٣ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ) مولى ابن عمر، أبو عبد الرَّحمن المدنيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) التجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
[ ٣١ / ٧٣٦ ]
٥ - (يُونُسُ) بن يزيد الأيليّ، أبو يزيد بن أبي النجاد، ثقةٌ ثبت، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٦ - (ابْنُ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهريّ، تقدّم قبل بابين.
٧ - (سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمر بن الخطّاب، تقدّم قبل بابين.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٣٥) من رباعيّات الكتاب.
[تنبيه آخر]: رواية عبد الله بن دينار، عن ابن عمر - ﵄ - ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٦٧١٩) - حدّثنا إسماعيل، حدّثني مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها، وولده، وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده، وهو مسؤول عنه، ألا فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". انتهى (^١).
ورواية سالم، عن ابن عمر - ﵄ - أيضًا ساقها البخاريّ، فقال:
(٢٢٧٨) - حدّثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهريّ، قال: أخبرني سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن عمر بأنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "كلكم راع، ومسؤول عن رعيته، فا لإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع، وهو مسؤول عن رعيته - قال: فسمعت هؤلاء من رسول الله - ﷺ -، وأحسب النبيّ - ﷺ - قال -: والرجل في مال أبيه راع، وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "صحيح البخاريّ " ٦/ ٢٦١١.
(٢) "صحيح البخاريّ" ٢/ ٨٤٨.
[ ٣١ / ٧٣٧ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧١٩] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِهَذَا الْمَعْنَى).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ) بن مسلم، أبو عبيد الله المصريّ، لقبه بَحْشَل - بفتح الموحّدة، وسكون المهملة، بعدها شين معجمة - صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) من أفراد المصنّف، تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٧٧.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب المصريّ، ثقةٌ فقيهٌ حافظٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في الطهارة ٤/ ٥٥٤.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
والباقيان تقدَّما قريبًا.
وقوله: (أَخْبَرَنِي رَجُلٌ سَمَّاهُ) هو عبد الله بن لَهِيعة، كما سيأتي بيانه في التنبيه التالي.
[تنبيه]: رواية بسر بن سعيد، عن ابن عمر - ﵄ - هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٤١) - حدّثنا أحمد بن عبد الرَّحمن بن وهب، قثنا عمي (ح) وحدّثنا أبو زرعة الرازيّ، قال: ثنا عبد الجبار بن سعيد، قال: حدّثني ابن وهب (ح) وحدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ، قال: ثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدّثني ابن وهب، قال: حدَّثني عمرو بن الحارث، عن بكرٍ بن عبد الله، عن بسر بن سعيد، حدّثه عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "كلُّ مُستَرْعًى مسئول عما استُرْعِي، حتى إن الرجل يُسأل عن زوجته، وولده، وعبده". قال إبراهيم بن المنذر، وابن أخي ابن وهب قال: أنبأ عمرو بن الحارث، وابن لهيعة، رواه مسلم عن ابن أخي ابن وهب، فقال: عمرو، ورجل لَمْ يسمّه
[ ٣١ / ٧٣٨ ]
مسلم في كتابه. انتهى (^١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٢٠] (١٤٢) (^٢) - (وَحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهَب، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: عَادَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيه، فَقَالَ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ لِي حَيَاةً (^٣) مَا حَدَّثْتُكَ (^٤)، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِه، إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ) الأبُليّ، تقدّم قبل باب.
٢ - (أَبُو الأَشْهَبِ) جعفر بن حيّان السَّعْديّ الْعُطارديّ البصريّ، مشهور بكنيته، ثقةٌ [٦] (١٦٥) وله (٩٥) سنةً (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
٣ - (الْحَسَنُ) بن أبي الحسن يسار البصريّ، تقدّم قبل باب.
٤ - (مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْمُزَنِيُّ) الصحابيّ، ممن بايع تحت الشجرة، وكنيته أبو عليّ، مات بعد (٦٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٠.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيَّات المصنّف - ﵀ - وهو (٣٣٦) من رباعيّات الكتاب، وهو مكرّر، فقد تقدّم في "كتاب الإيمان" برقم [٦٦/ ٣٧٠] (١٤٢).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم أن هذا الحديث متّفقٌ عليه، وقد تقدّم شرحه مستوفًى في "كتاب الإيمان" برقم [٦٦/ ٣٧٠] (١٤٢)، وإنما أشرح هنا بعض ما يُستشكل، فأقول:
قوله: (عَادَ)؛ أي: زار.
وقوله: (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ) بالرفع على الفاعليّة، وهو: عبيد الله بن
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٨٥.
(٢) هذا الرقم تقدَّم، فهو مكرّر.
(٣) وفي نسخة: "أن بي حياةً".
(٤) وفي نسخة: "ما حدّثتك به".
[ ٣١ / ٧٣٩ ]
زياد بن عبيد المعروف بابن زياد بن أبي سفيان، ويقال له: ابن زياد بن أبيه، وابن سُميّة، قتل سنة (٦٦ هـ)، وقيل غير ذلك، وكانت فيه جُرأة، وإقدام على سفك الدماء، قَتَل خلقًا كثيرًا صَبْرًا.
وقوله: (مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ الْمُزَنِيَّ) بالنصب على المفعوليّة.
وقوله: (فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ)، وكانت وفاة معقل - ﵁ - بالبصرة في خلافة يزيد بن معاوية.
وقوله: (لَوْ عَلِمْتُ أَن لِي حَيَاةً … إلخ) قال القاضي عياضٌ - ﵀ -: إنما قال له معقل - ﵁ - هذا إما لأنه عَلِمَ قبل ذلك أنه ممن لا ينفعه الوعظ، كما ظهر منه مع غيره، ثم خرج أَخرًا مِنْ كَتْمه الحديث، ورأى تبليغه لأمر النبيّ - ﷺ - أصحابه بالتبليغ، أو لأنه خافه من ذكره مدّة حياته؛ لِمَا يُهيج عليه ذكرُ هذا الحديث، ويُثبته في قلوب الناس من سوء حاله. انتهى (^١).
وقوله: (يَسْتَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً)؛ أي: يستحفظه، ويجعله راعيًا لهم.
وقوله: (يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ) جملة في محل رفع صفة ثانية لـ "عبد"، والأُولى: "يسترعيه".
وقوله: (وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعيَّتِهِ)؛ أي: غير ناصح لهم.
وقوله: (إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) تقدَّم أن هذا محمول على المُسْتَحِلّ، أو المعنى: حرّم عليه دخولها مع السابقين، وإن أردت تمام البحث فارجع إلى "كتاب الإيمان" بالرقم المذكور، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٢١] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَن، قَالَ: دَخَلَ ابْنُ زِيَادٍ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، وَهُوَ وَجِعٌ، بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي الأَشْهَبِ، وَزَادَ: قَالَ: أَلَّا كُنْتَ حَدَّثْتَنِي هَذَا قَبْلَ الْيَوْمِ؟ قَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، أَو لَمْ أَكُنْ لأُحَدِّثَكَ).
_________________
(١) "إكمال المعلم" ١/ ٥٦١ - ٥٦٢.
[ ٣١ / ٧٤٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ) العيشيّ البصريّ، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.
٢ - (يُونُس) بن عُبيد، تقدّم قبل باب.
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (وَزَادَ) فاعله ضمير يونس بن عُبيد.
[تنبيه]: رواية يونس بن عبيد، عن الحسن هذه ساقها المصنّف - ﵀ - في "كتاب الإيمان"، فقال:
[٣٧١] (١٤٢) - حدّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا يزيد بن زريع، عن يونس، عن الحسن، قال: دخل عبيد الله بن زياد، على مَعْقِل بن يسار، وهو وَجِعٌ، فسأله، فقال: إني محدّثك حديثًا لَمْ أكن حدثتكه، إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا يسترعي الله عبدًا رعيّة، يموت حين يموت، وهو غاشّ لها، إلَّا حَرّم الله عليه الجَنَّة"، قال: أَلَّا كنت حدثتني هذا قبل اليوم؟ قال: ما حدثتك، أو لَمْ أكن لأحدثك. انتهى، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٢٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ، وَإِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، أَن عُبَيْدَ اللهِ بْنَ زِيَادٍ دَخَلَ عَلَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، فِي مَرَضِه، فَقَالَ لَهُ مَعْقِلٌ: إِنِّي مُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ، لَوْلَا أَنِّي فِي الْمَوْت، لَمْ أُحَدِّثْكَ بِه، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "مَا مِنْ أَمِيرٍ، يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ، وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو غَسَّانَ الْمِسْمَعِيُّ) مالك بن عبد الواحد البصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٣٠) (م د) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٧.
٢ - (إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) ابن راهويه، تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ) الدَّسْتُوَائِيّ البصريّ، وقد سكن اليمن، صدوقٌ ربّما وَهِمَ [٩] (ت ٢٠٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
[ ٣١ / ٧٤١ ]
٤ - (أَبُوهُ) هشام بن أبي عبد الله سَنْبَر - بوزن جعفر - الدَّسْتَوَائيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، من كبار [٧] (ت ١٥٤) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٢/ ١٥٦.
٥ - (قَتَادَةُ) بن دِعَامة السَّدُوسيّ، أبو الخطّاب البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رأسُ الطبقة [٤] مات سنة بضع عشرة ومائة (ع) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٧٠.
٦ - (أَبُو الْمَلِيحِ) بْنُ أُسَامَةَ الْهُذَليّ، قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عُمير، وقيل: ابن عامر بن عُمَير بن حُنَيف بن ناجية بن عَمْرو بن الحارث بن كَثير بن هند بن طابِخَة بن لِحْيَان بن هُذيل، وقيل: ابن عُمير بن عامر بن أُقَيْش، اسمه عُمَير بن حُنَيف، ثقةٌ [٣] (ت ١١٢) (ع) تقدم في "الإيمان" ٦٦/ ٣٧٣.
والباقيان ذُكرا في الباب، والحديث متَّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى في "كتاب الإيمان" برقم [٦٦/ ٣٧٣]، فراجعه تستفد، والله تعالى وليّ التوفيق.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٢٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي سَوَادَةُ بْنُ أَبِي الأَسْوَد، حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ مَرِضَ، فَأَتَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ زِيادٍ يَعُودُهُ، نَحْوَ حَدِيثِ الْحَسَن، عَنْ مَعْقِلٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (عُقْبَةُ بْنُ مُكْرَمٍ الْعَمِّيُّ) أبو عبد الملك البصريّ، ثقةٌ [١١] مات في حدود (٢٥٠) (م د ت ق) تقدم في "الإيمان" ٢٧/ ٢٢٠.
٢ - (يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ) بن زيد الْحَضْرميّ مولاهم، أبو محمد المقرئ النحويّ، صدوق، من صغار [٩] (ت ٢٠٥) (م د تم س ق) تقدم في "البيوع" ٤٢/ ٤٠٩٧.
٣ - (سَوَادَةُ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ) واسمه: عبد الله، ويقال: مسلم بن مِخْراق القطّان البصريّ، ويقال: إنه مسلم الْقُرّيّ - بضمّ القاف، وتشديد الراء - مولى بني قُرّة، ثقةٌ [٧].
رَوَى عن أبيه، والحسن البصريّ، وشهر بن حَوْشب، وصالح بن هلال.
ورَوَى عنه أبو داود الطيالسيّ، وأبو عامر العَقَديّ، ويعقوب بن إسحاق الحضرميّ، ووكيع، ومسلم بن إبراهيم، وأبو نعيم، وغيرهم.
[ ٣١ / ٧٤٢ ]
قال ابن معين، وأبو حاتم: ثقةٌ، وقال العجليّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
تفرّد به المصنّف، وليس له عنده في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٤ - (أَبُوهُ) مسلم بن مِخْراق الْعَبْديّ الْقُرّيّ، أبو الأسود البصريّ، ويقال: أبو الأسود غيره، صدوقٌ [٤] (م د س) تقدم في "الحج" ٢٧/ ٣٠٠٦.
و"معقل" تقدّم قريبًا.
[تنبيه]: رواية أبي الأسود، عن معقل بن يسار هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٤٨) - حدّثنا بحر بن نصر الخولانيّ، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا سوادة بن أبي الأسود، قال: حدّثني أبي، عن مَعْقِل بن يسار، أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن يسار، في مرضه الذي مات فيه، فقال معقل لعبيد الله: إنك كنت لَتُكْرِمَني في الصحة، وتعودُني في المرض، ولولا ما أتى به - يعني: الموت - ما حدثتك به، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما من راعٍ، غَشّ رعيته، إلَّا وهو في النار". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٢٤] (١٨٣٠) - (حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو - وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أيْ بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ"، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، فَقَالَ: وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَائِذُ بْنُ عَمْرٍو) بن هلال المزنيّ، أبو هُبيرة البصريّ صحابيّ، شَهِد بيعة الرضوان.
روى عن النبيّ - ﷺ -، وعن أبي بكر، وروى عنه ابنه حَشْرج، وأبو جمرة
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٨٧.
[ ٣١ / ٧٤٣ ]
الضُّبَعيّ، والحسن، ومعاوية بن قُرّة، وعبد الله بن خليفة، وأبو عِمران الْجَوْنيّ، وغيرهم.
قال أبو الشيخ الأصبهانيّ: عائذ بن عمر، أخو رافع بن عمرو، وكانا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، مات عائذ في ولاية عبيد الله بن زياد، وأرّخه ابن قانع سنة إحدى وستين.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والنسائيّ، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٨٣٠)، وحديث (٢٥٠٤): "لعلك أغضبتهم … " الحديث.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من رباعيّات المصنّف - ﵀ -، وهو (٣٣٧) من رباعيّات الكتاب، وأنه مسلسلٌ بالبصريين من أوله إلى آخره، ومسلسلٌ أيضًا بالتحديث.
شرح الحديث:
عن الْحَسَنِ البصريّ - ﵀ - (أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو)، وقوله: (وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -) جملة معترضة بين اسم "إنَّ" وخبرها، وهو قوله: (دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ) المذكور في الحديث الماضي، (فَقَالَ: أَيْ) - بفتح، فسكون - حرف لنداء القريب، أو البعيد، أو المتوسّط، على خلاف في ذلك (^١). (بُنَيَّ) بضمّ أوله، تصغير "ابن"، (إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: "إنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ) بكسر الراء، والمدّ: جمع راعٍ؛ كقاض وقُضاة، ورامٍ ورُماة، وهو المُراعي للشيء، والقائم بحفظه. (الْحُطَمَةُ) - بضمّ الحاء، وفتح الطاء المهملتين - قالوا: هو الْعَنيف في رعيّته، لا يرفُق بها في سوقها، ومرعاها، بل يَحطمها في ذلك، وفي سُقيها، وغيره، ويزحم بعضها بعضًا، بحيث يؤذيها، ويَحطمها، قاله النوويّ (^٢)، وقال القرطبيّ: "الحُطمة" هنا هو الذي يشُقّ على رعيّته، ويُلقي بعضها على بعض، ومنه سُمّيت جهنّم الْحُطمة،
_________________
(١) راجع: "مغني اللبيب" ١/ ١٥٩.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٦.
[ ٣١ / ٧٤٤ ]
وأصلها من الْحَطم، وهو كسر الحُطام، وقيل: هو الأَكول، يقال: رجلٌ حُطَمةٌ: إذا كان كثير الأكل. انتهى (^١).
وقال في "الفائق": "الْحُطمة": هو الذي يُعنّف الإبل في السوق، والإيراد، والإصدار، فيحطمها، ضَرَبه مَثلًا لوالي السَّوء.
وقال الطيبيّ: لَمّا استعار للوالي والسلطان لفظ الراعي أتبعه بما يُلائم المستعار منه، من صفة الحطم، فالْحُطَمة ترشيحٌ لاستعارة الراعي لهم.
وقال البيضاويّ: المراد بالحطمة الفظّ القاسي الذي يظلم الرعيّة، ولا يرحمهم، من الحطم، وهو الكسر، وقيل: المأكول الحريص الذي يأكل ما يري، ويقضمه، فإنّ مَن هذا دأبه يكون دنيء النفس، ظالِمًا بالطبع، شديد الطمع فيما في أيدي الناس. انتهى (^٢).
(فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ")؛ أي: أُحذّرك من كونك من هؤلاء الحطمة، (فَقَالَ) عبيد الله (لَهُ)؛ أي: لعائذ بن عمرو - ﵁ -، (اجْلِسْ) لعله كان قائمًا حينما وعظه، (فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصحَابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -)؛ أي: من سِفْلتهم، وهذا جراءة من هذا الأمير الجائر، واعتداء على الصحابيّ الجليل - ﵁ -، بل على جملة من أصحابه - ﷺ -، نعوذ بالله من الخذلان.
و"النخالة" - بضمّ الميم، وتخفيف الخاء المعجمة - هو قشر الحبّ الذي لا يأكله الآدميّ.
وقال القاضي عياض - ﵀ -: قوله: "إنما أنت من نخالة أصحاب محمد - ﷺ -": أراد تنقيصه، وذَمّه، وتصغيره، والنخالة: ما بَقِي من قشور الطعام بعد غَرْبلته. انتهى (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "إنما أنت من نخالتهم"؛ يعني: لست من فُضلائهم، وعلمائهم، وأهل المراتب منهم، بل من سَقَطهم، والنخالة هنا
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٥.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٧٠.
(٣) "مشارق الأنوار" ٢/ ٦.
[ ٣١ / ٧٤٥ ]
استعارةٌ من نُخالة الدقيق، وهي قشوره، والنخالة، والحُفالة، والحُثالة بمعنى واحد. انتهى (^١).
ولقد أجاد هذا الصحابيّ - ﵁ - حيث ردّ عليه تطاوله بقوله: (فَقَالَ) عائذ بن عمرو - ﵁ - (وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ)؛ أي: لأصحاب محمد - ﷺ -، (نُخَالَةٌ؟) الاستفهام إنكاريّ؛ أي: ليست فيهم نخالة أصلًا، (إِنَّما كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ)؛ أي: بعد موتهم، وانقطاع آثارهم، (ورس فَيْرِهِمْ) ممن لا صحبة له.
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "وهل كانت لهم نُخالة … إلخ": هذا من جَزْل الكلام، وفَصِيحه، وصدقه الذي ينقاد له كلّ مسلم، فإن الصحابة - ﵃ - كلَّهم هم صفوة الناس، وسادات الأمة، وأفضل ممن بعدَهم، وكلُّهم عُدول، قُدوةٌ، لا نُخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم، وفيمن بعدهم كانت النخالة. انتهى (^٢).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وهذا الكلام من عامر بن عمرو - ﵁ -، وعظٌ، ونصيحةٌ، وذكري، لو صادفت مَنْ تنفعه الذكري، لكنها صادفت غليظ الطبع، والفهم، ومن إذا قيل له: اتَّقِ الله أخذته العزّة بالإثم، فلقد غلب عليه الجفاء، والجهالة حتى جعل فيمن اختاره الله لصحبة نبيّه - ﷺ - الحثالة، ونسبهم إلى النُّخالة، والرُّذالة، فهو معهم على الكلمة التي طارت وحَلَّت: رَمَتني بدائها وانسلّتْ، ولقد أحسن عائِذُ في الردّ عليه، حيث أسمعه من الحقّ ما ملأ قلبه، وأصمَّ أُذنيه، فقال - ولم يبال بهجرهم -: وهل كانت النخالة إلَّا بعدهم، وفي غيرهم؟ وحُثالة الشيء ورُذَالتُهُ، وسَقَطُهُ: شِرارُهُ. انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عائذ بن عمرو - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ - (^٤).
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٦.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٦.
(٣) "المفهم" ٤/ ٢٥.
(٤) لَمْ يخرجه من أصحاب الكتب الستّة غيره، فتنبّه.
[ ٣١ / ٧٤٦ ]
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٥/ ٤٧٢٤] (١٨٣٠)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٦٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥١١)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (١٨/ ٢٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٨٨)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٠٥)، و(الرويانيّ) في "مسنده" (٢/ ٣٦)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٦١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان أنه ينبغي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان المأمور رئيس القوم، وأميرهم، يُخاف بأسه؛ لأنَّ هذا من الجهاد في سبيل الله - ﷿ -، وهذه صفة المؤمنين المخلصين الذين لا يخافون في الله لومة لائم، كما وصفهم الله - ﷿ - في مُحكم كتابه، ومَدَحهم، وأثنى عليهم بها، حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة: ٥٤].
٢ - (ومنها): بيان فضيلة هذا الصحابيّ - ﵁ -، حيث واجه هذا الأمير بالوعظ والتذكير، مع أنه يعلم غِلظته وشدّته؛ عملًا بقوله - ﷺ -: "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر" (^١).
٣ - (ومنها): أن الصحابة - ﵃ - كلّهم عدول، خِيار، فُضلاء، ليس فيهم أراذل، وإنما الأرذل من يتكلّم فيهم، ويطعن في عِرضهم، وقد أثنى الله تعالى عليهم في غير ما آية، كقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [الفتح: ٢٩].
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد، وأصحاب السنن.
[ ٣١ / ٧٤٧ ]
وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ [الحشر: ٨].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال: ٧٤].
وقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].
وقوله؛ ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠]، وغير ذلك من الآياتِ التي نوّهت بذكرهم، ورفعت أقدارهم، ومنزلتهم عند الله تعالى، وليس بعد تزكية الله تعالى تزكية، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٤].
وكذلك نوّه رسول الله - ﷺ - بقَدْرهم، ورَفَع منزلتهم في غير ما حديث، فقد أخرج الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي سعيد الخدريّ - ﵁ - قال: قال النبيّ - ﷺ -: "لا تسبّوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نصيفه"، وأخرج مسلم من حديث أبي موسى الأشعريّ - ﵁ - مرفوعًا: "النجوم أمَنَة للسماء، فإذا ذهبت النجوم، أتى السماء ما توعَد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون".
وسيأتي تمام البحث في هذا في "كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -" - إن شاء الله تعالى - والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.
قال الجامع الفقير إلى مولاه الغني القدير محمد ابن الشيخ العلامة علي بن آدم بن موسى خُويدم العلم بمكة المكرّمة:
قد انتهيتُ من كتابة الجزء الواحد والثلاثين من "شرح صحيح الإمام مسلم" المسمَّى "البحرَ المحيطَ الثّجّاج شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجّاج"
[ ٣١ / ٧٤٨ ]
وقت الضحى يوم الخميس المبارك، وهو اليوم السادس عشر من شهر ربيع الثاني (١٦/ ٤/ ١٤٣١ هـ) الموافق (١ أبريل ٢٠١٠ م).
أسأل الله العليّ العظيم ربّ العرش العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للفوز بجنات النعيم لي ولكلّ من تلقّاه بقلب سليم، إنه بعباده رؤوف رحيم.
وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ الآية [الأعراف: ٤٣].
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢].
"اللهم صلّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صلّيت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد".
"السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته".
ويليه - إن شاء الله تعالى - الجزء الثاني والثلاثون مفتتحًا بـ (٦) - (بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ) رقم [٤٧٢٥] (١٨٣١).
"سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
* * *
[ ٣١ / ٧٤٩ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
يوم الخميس السادس عشر من شهر ربيع الثاني ١٦/ ٤/ ١٤٣١ هـ أول الجزء الثاني والثلاثين من شرح "صحيح الإمام مسلم" المسمّى "البَحْرُ المُحِيطُ الثَّجَّاجُ فِي شَرْح صَحِيح الإِمَامِ مُسْلِم بْنِ الحَجَّاج" رحمه الله تعالى.