وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٢٥] (١٨٣١) - (وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ، وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: "لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ، لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ، لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَذ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ، لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ، لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْني، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُك").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ) بن شَدّاد، أبو خيثمة النسائيّ، نزيل بغداد، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٣٤) (خ م د س ق) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣.
[ ٣٢ / ٥ ]
٢ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن مِقْسم الأسديّ مولاهم، المعروف بابن عليّة، ثقةٌ حافظ [٨] (ت ١٩٣) وهو ابن (٨٣) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٣.
٣ - (أَبُو حَيَّانَ) يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ الكوفيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٥) (ع) تقدّم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٤ - (أَبُو زُرْعَةَ) بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجليّ الكوفيّ، قيل: اسمه هَرِم، وقيل: عبد الله، وقيل: عبد الرَّحمن، وقيل: جرير، ثقةٌ [٣] (ع) تقدّم في "الإيمان" ١/ ١٠٦.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) عبد الله بن عمرو، أو عبد الرَّحمن بن صخر، وقيل غيره - ﵁ - تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وهما كوفيّان، وشيخه بغداديّ، وإسماعيل بصريّ، والصحابيّ مدنيّ، وفيه ثلاثة اشتهروا بالكنية، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَذَكَرَ الْغُلُولَ) بضمّ الغين المعجمة، واللام: هو في الأصل: الخيانة مطلقًا، ثم صار بحكم العُرف عبارةً عن الخيانة في الغانم، قال نفطويه: سُمّي بذلك؛ لأنَّ الأيدي تُغَلّ فيه؛ أي: تُحبس، يقال: غَلَّ غُلُولًا، وأغلّ إغلالًا، قاله القرطبيّ - ﵀ - (^١).
وقال ابن قتيبة: سُمّي بذلك؛ لأنَّ آخذه يغلّه في متاعه؛ أي: يُخفيه فيه، ونَقَل النوويّ الإجماع على أنَّه من الكبائر (^٢).
وقال الفيّوميّ: غلّ غُلُولًا، من باب قعد، وأغلّ بالألف: خان في
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٨.
(٢) "الفتح" ٧/ ٣٢٦، كتاب "الجهاد" رقم (٣٠٧٣).
[ ٣٢ / ٦ ]
المغنم، وقال ابن السّكّيت: لَمْ نسمع في المغنم إلَّا غلّ ثلاثيًّا، وهو متعدّ في الأصل، لكن أُمِيتَ مفعوله، فلم يُنطَق به. انتهى (^١).
(فَعَظَّمَهُ)؛ أي: عظّم شأنه، وجعله ذنبًا عظيمًا، (وَعَظَمَ أَمْرَهُ)؛ أي: عظّم الأمر المتعلّق به، وهو عقوبته، وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: "وعظّم أمره" عطفٌ على قوله: "فعظّمه" على طريقة: أعجبني زيد وكَرَمه؛ أي: كَرَم زيد، وقوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [البقرة: ٩]؛ كما أي: يخادعون الذين آمنوا بالله (^٢). (ثُمَّ قَالَ) - ﷺ - ("لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ) بضم أوله، وبالفاء؛ أي: لا أجدنّ، يقال: ألفيتُ الشيءَ أُلفيه إلفاءً: إذا وجدته، وصادفته، ولقيته (^٣).
وقال في "الفتح": هكذا الرواية للأكثر بلفظ النفي المؤكَّد، والمراد به النهي، وبالفاء، وكذا عند الحمويّ، والمستملي، لكن رُوي بفتح الهمزة، وبالقاف، من اللقاء، وكذا لبعض رواة مسلم، والمعنى قريب، ومنهم من حَذَف الألف، على أنَّ اللام للقَسَم، وفي توجيهه تكلّف، والمعروف أنه بلفظ النفي المراد به النهي، وهو وإن كان من نهي المرء نفسه، فليس المراد ظاهره، وإنما المراد نهي من يخاطبه عن ذلك، وهو أبلغ. انتهى (^٤).
وقال النوويّ - ﵀ -: قوله: "لا ألفيّن" هكذا ضبطناه "أُلْفيَنّ" بضمّ الهمزة، وبالفاء المكسورة؛ أي: لا أجدّنّ أحدكم على هذه الصفة، ومعناه: لا تعملوا عملًا أجدكم بسببه على هذه الصفة، قال القاضي عياض: ووقع في رواية العذريّ: "لا أَلْقَيَنّ" بفتح الهمزة والقاف، وله وجه كنحو ما سبق، لكن المشهور الأول. انتهى (^٥).
وقوله: (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جملة حاليّة من "أحدكم"، وقوله: (عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ) متعلّق بحال من الضمير في "يجيء"، وقوله: "بعيرٌ" مرفوع على الفاعليّة
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٥٢.
(٢) "الكاشف عن حقائق السنن" ٩/ ٢٧٦٣.
(٣) "لسان العرب" ١٥/ ٢٥٢.
(٤) "الفتح" ٧/ ٣٢٦ - ٣٢٧، كتاب "الجهاد" رقم (٣٠٧٣).
(٥) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٦ - ٢١٧.
[ ٣٢ / ٧ ]
للظرف؛ لاعتماده على صاحب الحال، وقوله: (لَهُ رُغَاءٌ) جملة في محلّ رفع صفة لـ"بعير"، والرُّغاء بضمّ الراء، وتخفيف الغين المعجمة، وبالمدّ: صوت البعير، وكذا المذكورات بعدُ، وَصَفَ كلّ شيء بصوته؛ يعني: أن هذه الحالة حالة شنيعة، ولا ينبغي لكم أن أراكم عليها يوم القيامة، وفي حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - في "السنن": "إياكم والغلول، فإنه عارٌ على أهله، يوم القيامة".
وقال القرطبيّ: الزغاء للإبل، والثغاء للغنم، والنهيق للحمير، والنعاق للغراب، واليَعَارُ للمعز خاصّةً، ومنه: شاةٌ تَيْعر، والْحَمْحمة للفرس، والصِّيَاح للإنسان، كلّ ذلك أصوات من أضيفت إليه. انتهى (^١).
(يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا)؛ أي: من المغفرة؛ لأنَّ الشفاعة أمرها إلى الله، (قَدْ أبْلَغْتُكَ)؛ أي: فليس لك عُذر بعد الإبلاغ، وكأنه - ﷺ - أبرزَ هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ، وإلا فهو في القيامة صاحب الشفاعة في مذنبي الأمة.
وقال القرطبيّ - ﵀ - قوله: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك"؛ أي: لا أملك لك مغفرةً، ولا شفاعةً، إلَّا إذا أَذِنَ الله له في الشفاعة، فكأنَّ هذا القول منه أبرزه غضب، وغيظ؛ ألا ترى قوله: "قد أبلغتك"؛ أي: ليس لك عذر بعد الإبلاغ، ثم إنه - ﷺ - بما قد جبله الله تعالى عليه من الرأفة، والرَّحمة، والخُلُق الكريم لا يزال يدعو الله تعالى، ويرغب إليه في الشفاعة، حتى يأذن الله له فيها، فيشفع في جميع أهل الكبائر من أمته حتى تقول خزنة النار: "يا محمد! ما تركت لربك في أمتك من نقمة"، كما قد صحّ عنه. انتهى (^٢).
(لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ) قال الطيبيّ: هو كقوله: لا أرينّك ههنا، نهى نفسه عن أن يجدهم على هذه الحالة، والمراد نهيهم عن ذلك، وهو أبلغ (^٣). (يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ، لَهُ حَمْحَمَةٌ) بمهملتين مفتوحتين، بينهما ميم ساكنة، ثم ميم قبل الهاء، وهو صوت الفرس عند العلف، وهو دون الصهيل. (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٢٩.
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٠.
(٣) "الكاشف عن حقائق السنن" ٩/ ٢٧٦٤.
[ ٣٢ / ٨ ]
يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ، لَهَا ثُغَاءٌ) بضم المثلثة، وتخفيف المعجمة، وبالمدّ: صوت الشاة، يقال: ثَغَت الشاةُ تَثْغُو ثُغَاءً، مثلُ صُرَاخ وزنًا ومعنًى، فهي ثاغية (^١). (يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ، لَهَا صِيَاحٌ) أراد بالنفس: ما يَغُلّه من السبي، من رقيق، أو امرأة، أو صبيّ، و"الصياح" بكسر الصاد المهملة، وضمّها: الصوت بأقصى الطاقة، كالصَّيْحَة، والصَّيْح، والصّيَحَان محرّكةُ، قاله المجد (^٢). (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ)؛ أي: تتقعقع، وتضطرب، إذا حرّكتها الرياح، وقيل: معناه تَلْمَع، والمراد بها: الثياب، قاله ابن الجوزيّ، وقال الحميديّ: المراد بها: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، واستبعده ابن الجوزيّ؛ لأنَّ الحديث سيق لذكر الغلول الحسيّ، فحَمْله على الثياب أنسب (^٣). (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ، لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَة، عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ)؛ أي: ذهب، وفضّة، وقيل: ما لا رُوح فيه من أصناف المال، (فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ").
قال القرطبيّ - ﵀ -: وكأن هذا الحديث تفصيل ما أجمله قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية [آل عمران: ١٦١]؛ أي: يأت به معذَّبًا بحمله وثِقْله، ومرعوبًا بصوته، وموبَّخًا باظهار خيانته على رؤوس الأشهاد، وهذا يدلّ على أنَّ الغلول كبيرة من الكبار. انتهى (^٤).
مسائل تتعلَّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٨٢.
(٢) "القاموس المحيط" ص ٧٦٤.
(٣) "الفتح" ٧/ ٣٢٦ - ٣٢٧، كتاب "الجهاد" رقم (٣٠٧٣).
(٤) "المفهم" ٤/ ٢٩.
[ ٣٢ / ٩ ]
أخرجه (المصنّف - ﵀ -) هنا [٦/ ٤٧٢٥ و٤٧٢٦ و٤٧٢٧ و٤٧٢٨] (١٨٣١)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٣٠٧٣)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (٦/ ٥٢٥)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤٢٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٨٤٧ و٤٨٤٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١٠/ ٤٦٩ و٤٨٦)، و(ابن راهويه) في "مسنده" (١/ ٢٣١، ٢٣٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٩٦ و٣٩٧)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٩/ ١٠١) و"شعب الإيمان" (٤/ ٦١، ٦٢)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان غلظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر، قال النوويّ - ﵀ -: وأجمع المسلمون على تحريمه، وعلى أنَّ عليه ردَّ ما غَلّه، فإن تفرّق الجيش، وتعذّر إيصال حقّ كلّ واحد إليه، ففيه خلاف للعلماء، قال الشافعيّ، وطائفة: يجب تسليمه إلى الإمام، أو الحاكم، كسائر الأموال الضائعة، وقال ابن مسعود، وابن عباس، ومعاوية، والحسن، والزهريّ، والأوزاعيّ، ومالك، والثوريّ، والليث، وأحمد، والجمهور: يَدفع خُمسه إلى الإمام، ويَتصدق بالباقي، واختلفوا في صفة عقوبة الغالّ، فقال جمهور العلماء، وأئمة الأمصار: يُعَزَّر على حسب ما يراه الإمام، ولا يُحَرّق متاعه، وهذا قول مالك، والشافعيّ، وأبي حنيفة، ومن لا يُحْصَى من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، وقال مكحول، والحسن، والأوزاعيّ: يُحَرَّق رحله، ومتاعه كلُّه، قال الأوزاعيّ: إلَّا سلاحه، وثيابه التي عليه، وقال الحسن: إلَّا الحيوان، والمصحف، واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر في تحريق رحله، قال الجمهور: وهذا حديث ضعيف؛ لأنه مما انفرد به صالح بن محمد، عن سالم، وهو ضعيف، قال الطحاويّ: ولو صحّ يُحْمَل على أنَّه كان إذ كانت العقوبة بالأموال، كأَخْذ شَطْر المال من مانع الزكاة، وضألّة الإبل، وسارق التمر، وكل ذلك منسوخ، والله أعلم. انتهى كلام النوويّ - ﵀ - (^١).
وقال في "الفتح": قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ على الغالّ أن يعيد
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٧ - ٢١٨.
[ ٣٢ / ١٠ ]
ما غَلّ قبل القسمة، وأما بعدها، فقال الثوريّ، والأوزاعيّ، والليث، ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه، ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى بذلك، ويقول: إن كان مَلَكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لَمْ يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله الشافعيُّ - ﵀ - هو الأقرب، فتأمله، والله تعالى أعلم.
٢ - (ومنها): ما قال المهلّب - ﵀ -: هذا الحديث وعيد لمن أنفذه الله عليه من أهل المعاصي، ويَحْتَمِل أن يكون الحمل المذكور لا بدّ منه عقوبةً له بذلك؛ ليفتضح على رؤوس الأشهاد، وأما بعد ذلك، فإلى الله الأمر في تعذيبه، أو العفو عنه.
وقال غيره: هذا الحديث يُفَسِّر قوله - ﷿ -: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: يأت به حاملًا له على رقبته، ولا يقال: إن بعض ما يُسْرَق من النقد أخفّ من البعير مثلًا، والبعير أرخص ثمنًا، فكيف يعاقَب الأخفّ جنايةً بالأثقل، وعكسه؛ لأنَّ الجواب: أن المراد بالعقوبة بذلك: فضيحة الحامل على رؤوس الأشهاد، في ذلك الموقف العظيم، لا بالثِّقَل والخفّة.
قال ابن الْمُنَيِّر أظنّ الأمراء فَهِموا تجريس السارق ونحوه من هذا الحديث.
٣ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: في هذا الحديث ما يدلّ على أنَّ العقوبات في الآخرة تناسب الذنوب المكتسَبة في الدنيا، وقد تكون على المقابَلة، كما يُحشر المتكبِّرون أمثال الذَّر في صُوَر الرجال. انتهى (^١).
٤ - (ومنها): أن بعض العلماء استدل بهذا الحديث على وجوب زكاة العُروض، والخيل، قال النوويّ: ولا دلالة فيه لواحد منهما؛ لأنَّ هذا الحديث ورد في الغلول، وأخْذ الأموال غصبًا، فلا تعلّق له بالزكاة. انتهى (^٢).
٥ - (ومنها): أن معنى الحديث أن كلّ شيء يغلّه الغالّ يجيء به حاملًا
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٠.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢١٧.
[ ٣٢ / ١١ ]
له يوم القيامة؛ ليتضح به على رؤوس الأشهاد، سواء كان هذا المغلول حيوانًا، أو إنسانًا، أو ثيابًا، أو ذهبًا، أو فضّةً، وهذا تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، قال بعضهم: إن ما يتضمّنه هذا الحديث من الوعيد كما يَلحق الغانمين من الغنيمة، فكذلك يَلحق الظَّلَمة، من الولاة، والأمراء بطريق أَولى؛ لأنه إذا لَحِق الغالّ من أنه له شِرْكة في الغنيمة، فالغاصب الذي لا شركة له أحرى أن يلحقه، ومن ثمّ ناسب إيراده في هذا الموضع من الكتاب. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٢٦] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ (ح) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، جَمِيعًا عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بِمِثْلِ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي حَبَّانَ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان الكوفيّ، واسطيّ الأصل، ثقةٌ حافظٌ، صاحب تصانيف [١٠] (ت ٢٣٥) (خ م د س ق) تقدّم في "المقدمة" ١/ ١.
٢ - (عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ) الكنانيّ، أو الطائيّ، أبو عليّ الأشلّ المروزيّ، نزيل الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار [٨] (ت ١٨٧) (ع) تقدّم في "الحيض" ٢٦/ ٨١٧.
٣ - (جَرِيرُ) بن عبد الحميد بن قُرْط الضبيّ، أبو عبد الله الكوفيّ، نزيل الريّ وقاضيها، ثقةٌ صحيح الكتاب [٨] (ت ١٨٨) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٤ - (عُمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ) بن شُبْرُمة الضبيّ الكوفيّ، ثقةٌ [٦] (ع) تقدّم في "الإيمان" ١/ ١٠٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرحيم بن سليمان، عن أبي حبّان، ساقها ابن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
_________________
(١) راجع: هامش النسخة التركية ٦/ ١٠.
[ ٣٢ / ١٢ ]
(٣٣٥٣٠) - حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أبي حيّان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - خطيبًا، فذكر الغلول، فعظّمه، وعظّم أمره، قال: "أيها الناس لا أُلْفِيَنّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رُغاء، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلّغتك، ولا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس له حَمْحَمة، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلّغتك، ولا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، وعلى رقبته صامتٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلّغتك، ولا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفسٌ لها صِيَاحٌ (^١)، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد بلّغتك". انتهى (^٢).
وأما رواية جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيّان التيميّ، فقد ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٤٨٤٨) - أخبرنا أحمد بن عليّ بن المثنى، قال: حدّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد التيميّ أبو حيان، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، قال: قام فينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فذكر الغلول، فعَظَّم من أمره، ثم قال: "يا أيها الناس لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رُغاءٌ، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفيَنّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته شاة لها يُعار، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس لها حَمْحَمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، ولا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفس لها صِياحٌ (^٣)، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته رِقاع تَخْفِق، فيقول: يا
_________________
(١) بكسر الصاد، وضمّها. اهـ. "ق".
(٢) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ٥٢٥.
(٣) بكسر الصاد، وضمّها. اهـ. "ق".
[ ٣٢ / ١٣ ]
رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته صامتٌ، يقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك"، الرقاع: أراد ثيابًا، قاله أبو حاتم. انتهى (^١).
وأما رواية عمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة، فقد ساقها ابن حبّان - ﵀ - أيضًا في "صحيحه"، فقال:
(٤٨٤٧) - أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدَّثنا أبو خيثمة، قال: حدّثنا جرير، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا أُلْفِيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعيرٌ له رُغاء، يقول: يا رسول الله، أقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته شاة لها يُعار، يقول: يا رسول الله، أقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس له حَمْحَمةٌ، فيقول: يا رسول الله، أقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا أُلفينّ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفس لها صِياح (^٢)، يقول: يا رسول الله، أقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك". انتهى (^٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٢٧] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ - يَعْنِي: ابْنَ زيدٍ - عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ، وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ. قَالَ حَمَادٌ: ثُمَّ سَمِعْتُ يَحْيَى بَعْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُهُ (^٤)، فَحَدَّثَنَا بِنَحْوِ مَا حَدَّثَنَا عَنْهُ أَيُّوبُ).
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١١/ ١٨٤.
(٢) بكسر الصاد، وضمّها. اهـ. "ق".
(٣) "صحيح ابن حبان" ١١/ ١٨٢.
(٤) وفي نسخة: "قال حمّاد: ثم سمعت يحيى يقول بعد ذلك يحدّثه".
[ ٣٢ / ١٤ ]
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ صَخْرٍ الدَّارِمِيُّ) أبو جعفر السرخسيّ، ثقةٌ حافظٌ [١١] (ت ٢٥٣) (خ م د ت ق) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٣.
٢ - (سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزديّ الواشحيّ البصريّ القاضي بمكة، ثقةٌ إمامٌ حافظٌ [٩] (ت ٢٢٤) وله (٨٠) سنة (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٦٨.
٣ - (حَمَّادُ بْنُ زَيْدِ) بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله (٨١) سنة (ع) تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٤ - (أَيُّوبُ) بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ عابد [٥] (ت ١٣١) وله (٦٥) سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٠٥.
والباقون ذُكروا قبله، و"يحيى بن سعيد" هو: أبو حيّان التيميّ.
وقوله: (وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ) الفاعل ضمير أيوب السختيانيّ.
وقوله: (قَالَ حَمَّادٌ)؛ يعني: ابن زيد الراوي عن أيوب.
وقوله: (ثُمَّ سَمِعْتُ يَحْيَى) هو ابن سعيد أبو حيّان التيميّ، الذي روى عنه أيوب.
وقوله: (بَعْدَ ذَلِكَ)؛ أي: بعد أن حدّثنا بالحديث أيوب عنه.
وقوله: (يُحَدِّثُهُ)؛ أي: يُحدّث بهذا الحديث، ولفظ أبي عوانة: "قال حماد: ثم لقيتُ يحيى بن سعيد، فحدّثني به نحوًا مما حدّثني به أيوب". انتهى (^١).
ولفظ البيهقيّ: "قال حماد: وقد سمعته من يحيى بن سعيد، فجاء به نحوًا من هذا". انتهى (^٢).
وحاصل معنى كلام حمّاد بن زيد هذا أنه بعدما سمع هذا الحديث عن أيوب السختيانيّ، لقي شيخه يحيى بن سعيد أبا حيّان التيميّ، فحدّثه بالحديث نحو ما حدّثه به أيوب عنه، فَعَلا سنده، حيث أخذه عن شيخ شيخه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أيوب السختيانيّ، عن يحيى بن سعيد التيميّ هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٩٧.
(٢) "سنن البيهقي الكبرى" ٩/ ١٠١.
[ ٣٢ / ١٥ ]
(٧٠٧٩) - حدّثنا إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد، ويوسف بن يعقوب القاضيان، وأيوب بن سافريّ، وإبراهيم بن أبي داود الأسديّ، قالوا: ثنا سليمان بن حرب، قثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي حيّان يحيى بن سعيد بن حيّان التيميّ، عن أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن أبي هريرة، أن رسول الله - ﷺ - ذَكَر الغلول يومًا، فعظّمه، ثم قال: "لِيَحْذَر أحدكم أن يجيء يوم القيامة، وعلى عنقه بعيرٌ له رُغاء، فيقول: يا محمد أغثني، فأقول: إني لا أغني عنك شيئًا، إني قد بلّغت، ويأتي وعلى عنقه فرسٌ، له حَمْحَمةٌ، فيقول: يا محمد أغثني، فاقول: لا أغني عنك شيئًا، إني قد بلّغت، ويأتي على عنقه رقاع، فيقول: يا محمد أغثني، فاقول: لا أغني عنك شيئًا، إني قد بلّغت".
قال حماد: ثم لقيت يحيى بن سعيد، فحدَّثني به نحوًا مما حدّثني به أيوب، وهذا لفظ إسماعيل، وإبراهيم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٢٨] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ) أبو جعفر البغداديّ، صدوقٌ [١١] (ت ٢٤٢) (م ت) تقدّم في "الإيمان" ٤٢/ ٢٨٠.
٢ - (أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجّاج ميسرة التميميّ الْمُقعد الْمِنْقَريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر [١٠] (ت ٢٢٤) (ع) تقدّم في "الجهاد والسير" ٤٥/ ٤٦٧٥.
٣ - (عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد بن ذكوان الْعَنْبريّ مولاهم، أبو عبيدة التّنّوريّ البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ، رُمي بالقدر، ولم يثبت عنه [٨] (ت ١٨٠) (ع) تقدّم في "الإيمان" ١٨/ ١٧٦.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٩٧.
[ ٣٢ / ١٦ ]
والباقون ذُكروا قبله.
وقوله: (بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ)؛ أي: روى أيوب هذا الحديث عن يحيى بن سعيد التيميّ بنحو رواية إسماعيل ابن عليّة، وعبد الرحيم بن سليمان، وجرير بن عبد الحميد ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد المذكور، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أيوب هذه من طريق عبد الوارث، لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.