وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٣٧] (١٨٣٤) - (حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ الله، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَ (^١) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا
_________________
(١) وفي نسخة: "نزلت".
[ ٣٢ / ٣٩ ]
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ، بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ. أَخْبَرَنِيهِ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) تقدّم قبل باب.
٢ - (هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن مروان الحمّال البزّاز، أبو موسى البغداديّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٤٣) وقد ناهز الثمانين (م ٤) تقدّم في "الإيمان" ٦٤/ ٣٦١.
٣ - (حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ) الْمِصِّيصيِّ الأعور، أبو محمد الترمذيّ الأصل، نزيل بغداد، ثم الْمِصِّيصة، ثقةٌ ثبتٌ، لكنه اختلط في آخره [٩] (ت ٢٠٦) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٤.
٤ - (ابْنُ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الأمويّ مولاهم، أبو خالد، وأبو الوليد، ثقةٌ فقيهٌ فاضل، لكنه يدلس ويرسل [٦] (ت ١٥٠) أو بعدها (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٩.
٥ - (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمِ) بن هُرْمُز المكيّ، بصريّ الأصل، ثقةٌ [٦] (خ م د ت س) تقدَّم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٩.
٦ - (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرِ) بن هشام الأسديّ مولاهم، أبو محمد، أو أبو عبد الله الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ٩٥) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٥٧/ ٣٢٩.
٧ - (ابْنُ عَبَّاسٍ) عبد الله البحر الحبر - ﵄ -، مات سنة (٦٨) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦/ ١٢٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وأن فيه ابن عباس - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة.
شرح الحديث:
عن حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأعور، أنه (قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْج: نَزَلَ) وفي بعض النسخ: "نزلت"، وقوله: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فاعل "نَزَلَ"، مرفوع محكيّ، لِقَصْد لَفْظه، وحقيقة الطاعة: امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها، وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من
[ ٣٢ / ٤٠ ]
أطاع: إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عَصَى: إذا اشتد، "وأولو" واحدهم "ذُو" على غير قياس، كالنساء، والإبل، والخيل، كلُّ واحد اسم جمع، ولا واحد له من لفظه، وقد قيل في واحد الخيل: خائل، قاله القرطبيّ المفسّر - ﵀ - (^١).
[تنبيه]: قال في "الفتح": والنكتة في إعادة العامل في الرسول، دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يُعرَف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسُّنَّة، فكأن التقدير: أطيعوا الله فيما نَصَّ عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بَيَّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السُّنَّة، أو المعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبَّد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن، ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لَمّا قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال له: أليس قد نُزِعَت عنكم - يعني: الطاعة - إذا خالفتم الحقّ بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية [النساء: ٥٩].
وقال الطيبيّ - ﵀ -: قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عطفٌ على ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، وكرّر الفعل في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إشارة إلى استقلال الرسول - ﷺ - بالطاعة، ولم يُعِدْه في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إشارةً إلى عدم استقلالهم بالطاعة، بل إنما يطاعون إذا أطاعوا الله تعالى، ورسوله - ﷺ -، فطاعتهم تابعة لطاعتهما، كما أوضح ذلك بعده بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ كأنه قيل: إذا لَمْ يكن أولو الأمر مستقيمين، وشاهدتم منهم خلاف الحقّ، فردّوه إلى الحقّ، وهو الكتاب والسُّنّة، ولا يأخذكم في الله لومة لائم. انتهى بتصرّف (^٢).
(فِي عَبْدِ اللهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيِّ) هو: عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ بن سُعيد بن سَعْد بن سَهْم بن عمرو بن هُصَيص
_________________
(١) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٦١.
(٢) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٧٦.
[ ٣٢ / ٤١ ]
القرشيّ السهميّ، أبو حُذافة، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، مع أخيه قيس، وقيل: إنه شَهِد بدرًا، ونزلت فيه آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية، وروى عن النبيّ - ﷺ -، وعنه أبو وائل، ومسعود بن الحكم الزُّرَقيّ. قال أبو القاسم البغويّ: بلغني أنه مات في خلافة عثمان، وقال أبو نعيم الحافظ: تُوُفّي بمصر في خلافة عثمان، قيل: إن مسلمًا رَوَى له، وهو وَهَمٌ، وحُكِيَ في "كتاب الأطراف". وهو الذي أَسَرَته الروم في زمن عمر بن الخطاب، فأرادوه على الكفر فأبى، فقال له ملك الروم: قَبِّلْ رأسي، وأُطلقك، قال: لا، قال: قَبِّلْ رأسي، وأطلقك ومن معك من المسلمين، فقَبَّل رأسه، ففعل، وأَطْلَق معه ثمانين أسيرًا، فَقَدِم بهم على عمر، فقال: حَقٌّ على كلِّ مسلم أن يُقَبِّل رأس عبد الله، وأنا أبدأ، ففعلوا. له في "الصحيحين" قصة في سؤاله مَن أَبِي؟ وفيها: لو ألحقني بعبد أسود للحقت به، وفيهما قصته في السريَّة التي أمرهم أن يدخلوا في النار، وقال ابن الْبَرْقيّ: حُفِظ عنه ثلاثة أحاديث، ليست بصحيحة الاتصال (^١).
وقال في "الإصابة": ومن مناقب عبد الله بن حُذافة ما أخرجه البيهقيّ من طريق ضِرَار بن عمرو، عن أبي رافع، قال: وَجَّه عمر جيشًا إلى الروم، وفيهم عبد الله بن حُذافة، فأسروه، فقال له ملك الروم: تنصَّر أُشْرِكْكَ في مُلكي، فأبى، فأمَر به، فَصُلب، وأمَر برميه بالسهام، فلم يَجْزَع، فأُنزل، وأَمَر بقِدْرٍ، فصُبَّ فيها الماء، وأُغلي عليه، وأَمَر بإلقاء أسير فيها، فإذا عظامه تلوح، فأَمَر بإلقائه، إن لَمْ يتنصّر، فلما ذهبوا به بكي، قال: رُدُّوه، فقال: لِمَ بكيت؟ قال: تمنيت أن لي مائةَ نفس، تُلْقَى هكذا في الله، فعَجِب، فقال: قَبِّل رأسي، وأنا أُخْلِي عنك، فقال: وعن جميع أُسارى المسلمين؟، قال: نعم، فقَبَّل رأسه، فخَلَّى بينهم، فقَدِمَ بهم على عمر، فقام عمر، فقَبَّل رأسه. وأخرج ابن عساكر لهذه القصّة شاهدًا من حديث ابن عباس، موصولًا، وآخر من فوائد هشام بن عثمان، من مرسل الزهريّ. انتهى (^٢).
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٥/ ١٦٢.
(٢) "الإصابة في تمييز الصحابة" ٤/ ٥٨.
[ ٣٢ / ٤٢ ]
وقال ابن يونس: شَهِدَ فتح مصر، وقُبِر في مقبرتها، وحَكَى محمد بن الربيع الْجِيزيّ أنه وَهَمٌ (^١).
(بَعَثَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي سَرِيَّةٍ) قال في "الفتح": قوله: "نزلت في عبد الله بن حذافة" كذا ذكره مختصرًا، والمعنى: نزلت في قِصّة عبد الله بن حُذافة؛ أي: المقصود منها في قصته قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.
قال الحافظ: وقد غَفَل الداوديّ عن هذا المراد، فقال: هذا وَهَمٌ على ابن عباس، فإن عبد الله بن حُذافة خرج على جيش، فغَضِب، فأوقدوا نارًا، وقال: اقتحموها، فامتنع بعض، وهَمّ بعض أن يفعل، قال: فإن كانت الآية نزلت قبلُ، فكيف يَخصّ عبد الله بن حُذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعدُ، فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لِمَ لَمْ تطيعوه؟ انتهى.
قال الحافظ: وبالحَمْل الذي قدّمته يظهر المراد، وينتفي الإشكال الذي أبداه؛ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هَمُّوا أن يطيعوه، وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن يَنْزل في ذلك ما يُرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الردّ إلى الله تعالى، وإلى رسوله - ﷺ -؛ أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه، فارجعوا إلى الكتاب والسُّنَّة، والله أعلم.
وقد رَوَى الطبريّ أن هذه الآية نزلت في قصةٍ جَرَتْ لعمار بن ياسر، مع خالد بن الوليد، وكان خالد أميرًا، فأجار عمار رجلًا بغير أَمْره، فتخاصما، فنزلت، فالله أعلم.
وقال القرطبيّ - ﵀ -: وقول ابن عباس - ﵄ -: "بعثه رسول الله - ﷺ - في سرية" كلام غير تامّ، وتتميمه: أن عبد الله بن حُذَافَةَ أمرهم بأمر، فخالف بعضهم، وأَنِفَ على عادة العرب، فإنهم كانوا يأنفون من الطّاعة، قال الشافعيّ: كانت العرب تأنف من الطّاعة للأمراء، فلمَّا أطاعوا رسول الله - ﷺ - أمرهم بطاعة الأمراء، وقال أبو العالية: نزلت الآيةُ بسبب عمَّار بن ياسر،
_________________
(١) "تهذيب التهذيب" ٥/ ١٦٢.
[ ٣٢ / ٤٣ ]
خرج في سرية؛ أميرهم خالد بن الوليد، فأجاز عَمَّار رجلًا، فأبى خالد أن يُجِيزَ أمانَهُ، فأخبر بذلك النبيّ - ﷺ - فأجاز أمان عَمَّار، ونهى أن يُجار على الأمير.
قال القرطبيّ - ﵀ -: وقول ابن عباس أشهر، وأصح، وأنسب، وعلى هذا: فأولو الأمرِ في الآية: هم الأمراء، وهو أظهر مِنْ قول من قال: هم العلماء؛ قاله الحسن، ومالك، وله وجه، وهو: أن الأمراء شَرْطهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله - ﷺ -، وحينئذٍ تجب طاعتهم، فلو أَمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم، فإذًا الحكم للعلماء، والأمرُ لهم بالأصالة، غير أنهم لهم الفتيا من غير جبر، وللأمير الفتيا والجبر، وهذان القولان أشبه ما قيل في هذه الآية.
وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية: ﴿تَنَزَعْتُمْ﴾: اختلفتم، وأصله: التجاذب، والتعاطي، ومنه سُمِّي المستقيان متنازعين؛ لأنهما يتجاذبان الدّلو بالحبل، ولا شك أن المواجَه بهذا الخطاب الصحابة.
وعلى هذا فالمراد بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾؛ أي: انتظروا أن يُنزل الله فيه قرآنًا، أو يبيّن فيه رسول الله - ﷺ - سُنَّة، وقيل: المراد الصحابة وغيرهم، والمعنى: أنَّ المرجِع عند التنازع كتاب الله، وسُنَّة رسوله - ﷺ -، قاله قتادة.
وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾؛ أي: الردُّ إلى كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله - ﷺ - خير من الردّ إلى التحاكم بالهوي، و﴿خَيْرٌ﴾ للمفاضلة التي على منهاجِ قولهم: العسل أحلى من الخل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ [الفرقان: ٢٤]، و﴿خَيْرٌ﴾ هنا بمعنى: الواجب؛ أي: ذلك الواجب عليكم، و﴿تَأْوِيلًا﴾؛ أي: مآلًا، ومرجعًا؛ قاله قتادة وغيره. انتهى (^١).
وقوله: (أَخْبَرَنِيهِ) هو من قول ابن جريجٍ، (يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) - ﵄ -، وفيه تقديم المتن على بعض السند، وهو جائز على الصحيح، وسيأتي بيانه في المسألة الثالثة - إن شاء الله تعالى -.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٤ - ٣٥.
[ ٣٢ / ٤٤ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عبّاس - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٣٧] (١٨٣٤)، و(البخاريّ) في "التفسير" (٤٥٨٤)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٢٥٥)، و(الترمذيّ) في "الجهاد" (١٦٧٢)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٢٢٢ و٦/ ٣٢٤)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٣٣٧)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٦٠)، و(الدارميّ) في "سننه" (١/ ٨٣)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٣٩٨)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٥/ ١٣١)، و(الحاكم) في "المستدرك" (٢/ ١٢٥)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٥) و"شعب الإيمان" (٣/ ٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): قوله في هذا السند: أخبرنيه يعلى … إلخ فيه تقديم المتن على بعض السند، وفيه خلاف، كما قال السيوطي في "ألفيّة الحديث":
وَسَابِقٌ بِالْمَتْنِ أَو بَعْضِ سَنَدْ … ثُمَّ يُتِمُّهُ أَجِزْ فَإِنْ يُرَدْ
حِينَئِذٍ تَقْدِيمُ كُلِّهِ رَجَحْ … جَوَازُهُ كَبَعْضِ مَتْنٍ فِي الأَصَحِّ
وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُؤَخِّرُ السَّنَدْ … حَيْثُ مَقَالٌ فَاتَّبِعْ وَلَا تَعَدّ
وحاصل معنى الأبيات: أنه روى أحد حديثًا، وقَدَّم المتن أَوّلًا، ثمّ ذَكَر إسناده، كأن يقول: "قال رسول الله - ﷺ - كذا"، ثم يقول: حدّثنا به فلان، عن فلان … إلخ، أو أخّر بعض السند، كما وقع عند مسلم هنا، وكأن يروي عن نافع، عن ابن عمر حديثًا، ثم يقول: حدّثنا به فلان إلى أن يصل إلى نافع، فهذا كلّه جائز، وقد وقع كثيرًا عند الرواة، وإذا أراد مَن عنده الحديثُ بهذه الصفة أن يسوق الإسناد كلّه أَوّلًا قبل المتن، فهو جائز على القول الصحيح، كجواز تقديم بعض المتن على بعض، إذا لَمْ يكن ذلك مؤثّرًا على المعنى.
وهذا كلّه في غير "صحيح ابن خزيمة"، فإنه - ﵀ - يقدّم الحديث على السند إذا كان في السند من فيه مقال، فيبتدئ به، ثم بعد الفراغ يذكر السند، وقد صرّح هو بأن مَن رواه على غير ذلك الوجه لا يكون في حِلّ منه، فحينئذ
[ ٣٢ / ٤٥ ]
ينبغي أن يُمنع هذا، ولو جوّزنا الرواية بالمعنى. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): سبب سريّة عبد الله بن حُذافة - ﵁ - هذه: هو ما أخرجه أحمد، وابن ماجة، وصححه ابن حبّان، والحاكم من طريق عمر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله - ﷺ - علقمة بن مُجَزِّز الْمُدْلِجيّ على بَعْث أنا فيهم، فخرجنا، حتى إذا كنا على رأس غَزَاتنا، أو في بعض الطريق استأذنته طائفة، فأَذِن لهم، وأَمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعَابةٌ، فكنت فيمن رجع معه، فبينا نحن في الطريق، نزلنا منزلًا، وأوقد القوم نارًا، يصطلون بها، أو يصنعون عليها صنيعًا لهم، إذ قال لهم عبد الله بن حذافة: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلي، قال: فأنا آمركم بشيء ألا فعلتموه؟ قالوا: بلي، قال: فإني أعزم عليكم بحقي، وطاعتي، إلَّا تواثبتم في هذه النار، قال: فقام ناس حتى إذا ظنّ أنهم واثبون فيها، قال: أمسكوا عليكم أنفسكم، إنما كنت أضحك معكم، فلمّا قَدِمُوا على رسول الله - ﷺ - ذكروا ذلك له، فقال رسول الله - ﷺ -: "مَن أمركم بمعصية فلا تطيعوه".
وذكر ابن سعد أن سريّة علقمة بن مُجَزِّز المدلجيّ إلى الحبشة في شهر ربيع الآخر، سنة تسع من مهاجر رسول الله - ﷺ -. قالوا: بلغ رسول الله - ﷺ - أن ناسًا من الحبشة، تراياهم أهل جُدّة، فبعث إليهم علقمةَ بن مُجَزِّز في ثلاثمائة، فانتهى إلى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم البحر، فهربوا منه، فلما رجع تعجّل بعض القوم إلى أهلهم، فأَذِن لهم، فتعجّل عبد الله بن حُذافة السهميّ فيهم، فأَمَّره على من تعجل، وكانت فيه دُعابة، فنزلوا ببعض الطريق، وأوقدوا نارًا يصطلون عليها، ويصطنعون، فقال: عزمت عليكم إلَّا تواثبتم في هذه النار، فقام بعض القوم، فاحتجزوا حتى ظنّ أنهم واثبون فيها، فقال: اجلسوا، إنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فقال: "من أمركم بمعصية فلا تطيعوه". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) راجع: شرحي المسمّى "إسعاف ذوي الوطر بشرح ألفيَّة الأثر" ٢/ ٩٣ - ٩٥.
(٢) "الطبقات الكبرى" لابن سعد - ﵀ - ٢/ ١٦٣.
[ ٣٢ / ٤٦ ]
(المسألة الخامسة): قال النوويّ - ﵀ -: قال العلماء: المراد بأولي الأمر: مَنْ أوجب الله تعالى طاعته، من الولاة، والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف، من المفسّرين، والفقهاء، وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: الأمراء والعلماء، وأما من قال: هم الصحابة خاصّة فقط فقد أخطأ. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": اختُلِف في المراد بأولي الأمر في الآية، فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: هم الأمراء، أخرجه الطبريّ بإسناد صحيح، وأخرج عن ميمون بن مِهْران وغيره نحوه، وعن جابر بن عبد الله، قال: هم أهل العلم والخير، وعن مجاهد، وعطاء، والحسن، وأبي العالية: هم العلماء، ومن وجه آخر أصحّ منه عن مجاهد، قال: هم الصحابة - ﵁ -، وهذا أخصّ، وعن عكرمة قال: أبو بكر، وعمر، وهذا أخصّ من الذي قبله، ورجّح الشافعيّ الأول، واحتَجّ له بأن قريشًا كانوا لا يَعرفون الإمارة، ولا ينقادون إلى أمير، فأُمروا بالطاعة لمن وَلي الأمر، ولذلك قال - ﷺ -: "من أطاع أميري فقد أطاعني"، متّفقٌ عليه، وقال ابن عيينة: سألت زيد بن أسلم عنها، ولم يكن بالمدينة أحد يفسّر القرآن بعد محمد بن كعب مثله، فقال: اقرأ ما قبلها تعرف، فقرأت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية [النساء: ٥٨]، فقال: هذه في الولاة، واختار الطبريّ حملها على العموم، وإن نزلت في سبب خاصّ، والله أعلم (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما رجّحه الطبريّ - ﵀ - من حَمْل الآية على العموم هو الأرجح؛ لأنَّ العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، والله تعالى أعلم.
وقال أبو عبد الله القرطبيّ المفسّر - ﵀ - في "تفسيره": لَمّا تقدّم إلى الولاة في الآية المتقدمة (^٣) وبدأ بهم، فأمَرهم بأداء الأمانات، وأن يحكموا بين الناس
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٢٣.
(٢) "الفتح" ١٠/ ٥٥، كتاب "التفسير" رقم (٤٥٨٤).
(٣) يعني قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الآية.
[ ٣٢ / ٤٧ ]
بالعدل، تقدّم في هذه الآية إلى الرعية، فأمر بطاعته أَوّلًا، وهي امتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله - ﷺ - ثانيًا، فيما أَمَر به، ونَهَى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثًا، على قول الجمهور، وأبي هريرة، وابن عباس، وغيرهم.
قال سهل بن عبد الله التستريّ: أطيعوا السلطان في سبعة: ضَرْب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام، والحجّ، والجمعة، والعيدين، والجهاد.
قال سهل: وإذا نَهَى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص، وإن كان أميرًا جائرًا.
وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن وُلاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم، ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة.
وإن صلّوا بنا وكانوا فَسَقَةً من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدِعة لَمْ تجز الصلاة معهم إلَّا أن يُخَافوا، فيصلي معهم تقيّةً، وتعاد الصلاة.
ورُوي عن عليّ بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه؛ لأنَّ الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته.
وقال جابر بن عبد الله، ومجاهد: "أولو الأمر" أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك - ﵀ -، ونحوه قول الضحاك، قال: يعني الفقهاء، والعلماء في الدِّين.
وحُكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد - ﷺ - خاصة.
وحُكي عن عكرمة أنَّها إشارة إلى أبي بكر وعمر - ﵄ - بخاصة.
وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد، فقال: هنّ حرائر، فقلت: بأي شيء؟ قال: بالقرآن، قلت: بأيّ شيء في القرآن؟ قال: قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، وكان عُمَر من أولي الأمر، قال: عَتَقت ولو بِسَقْط.
[ ٣٢ / ٤٨ ]
وقال ابن كيسان: هم أولو العقل، والرأي الذين يدبِّرون أمر الناس. قال القرطبيّ: وأصح هذه الأقوال الأول والثاني، أما الأول فلأن أصل الأمر منهم، والحكم إليهم.
وفي "الصحيحين" عن ابن عباس - ﵄ - قال: نزل ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ السهميّ؛ إذ بَعَثه النبيّ - ﷺ - في سريّة.
قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دُعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله - ﷺ - أَمَّره على سريّة فأمرهم أن يجمعوا حطبًا، ويوقدوا نارًا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - بطاعتي؟! وقال: "من أطاع أميري فقد أطاعني؟ ".
فقالوا: ما آمنا بالله، واتبعنا رسوله إلَّا لننجو من النار! فصَوَّب رسول الله - ﷺ - فِعْلهم، وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو حديث صحيح الإسناد مشهور.
وروى محمد بن عمرو بن علقمة، عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن أبا سعيد الخدريّ قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهميّ من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعابة.
وذكر الزبير قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب، عن الليث بن سعد قال: بلغني أنه حَلَّ حِزَام راحلة رسول الله - ﷺ - في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله - ﷺ - يقع، قال ابن وهب: فقلت لليث: ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دُعابة.
وقال ميمون بن مهران، ومقاتل، والكلبي: "أولو الأمر" أصحاب السرايا.
وأما القول الثاني: فيدل على صحته قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فأمَر تعالى بردّ المتنازَع فيه إلى كتاب الله وسُنَّة نبيّه - ﷺ -، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الردّ إلى الكتاب والسُّنَّة، ويدلّ هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبًا، وامتثال فتواهم لازمًا، قال سهل بن عبد الله - ﵀ -:
[ ٣٢ / ٤٩ ]
لا يزال الناس بخير ما عظَّموا السلطان والعلماء، فإذا عظَّموا هذين أصلح الله دنياهم وأُخراهم، وإذا استخفّوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم.
وأما القول الثالث فخاصّ، وأخصّ منه القول الرابع.
وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ، وإن كان المعنى صحيحًا، فإن العقل لكل فضيلة أُسّ، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلًا وللدنيا عمادًا، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبَّرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل، وروي هذا المعنى عن ابن عباس.
وزعم قوم (^١) أن المراد بأولي الأمر عليٌّ والأئمة المعصومون، ولو كان كذلك ما كان لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ معني، بل كان يقول: فردّوه إلى الإمام، وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكَّم على الكتاب والسُّنَّة، وهذا قول مهجور مخالِف لِمَا عليه الجمهور. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله ضه: بل مذهب الفرقة الضالّة الرافضة المارقة، وهو مخالف لمذهب أهل السُّنّة والجماعة كافّة، ولمَا دلّت عليه النصوص الصحيحة الصريحة في معنى الآية، فتأملها بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، فتهلك مع الهالكين، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٣٨] (١٨٣٥) - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَني، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي").
_________________
(١) هم الرافضة، وقولهم هذا باطل مرفوض، لمصادمته النصوص الشرعيّة، فتنبّه، ولا تكن من الغافلين.
(٢) "الجامع لأحكام القرآن" ٥/ ٢٥٩ - ٢٦١.
[ ٣٢ / ٥٠ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (يَحْيَى بْنُ يَحْيَى) بن بكر بن عبد الرَّحمن التميميّ، أبو زكريّاء النيسابوريّ، ثقةٌ ثبتٌ إمامٌ [١٠] (ت ٢٢٦) على الصحيح (خ م ت س) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ٩.
٢ - (الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ) المدنيّ، نزيل عسقلان، لقبه قُصيّ، ثقةٌ له غرائب [٧] تقدّم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
٣ - (أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان، تقدّم في الباب الماضي.
٤ - (الأَعْرَجُ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُز القرشيّ مولاهم، أبو داود المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٣] (ت ١١٧) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢٣/ ١٩٢.
٥ - (أَبُو هُرَيْرَةَ) - ﵁ - تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وهو مسلسلٌ بالمدنيين، غير شيخه، فنيسابوريّ، وقد دخل المدينة، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وأنه أصحّ أسانيد أبي هريرة - ﵁ - عند بعضهم، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره، ورأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -) أنه (قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) هذه الجملة منتزعة من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]؛ أي: لأني لا آمر إلَّا بما أمَر الله به، فمن فعل ما آمره به فإنما أطاع من أمرني أن آمره، ويَحْتَمِل أن يكون المعنى: لأنَّ الله أمر بطاعتي، فمن أطاعني فقد أطاع أمْر الله له بطاعتي، وفي المعصية كذلك، والطاعة هي الإتيان بالمأمور به، والانتهاء عن المنهيّ عنه، والعصيان بخلافه (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: هذا منتزع من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وذلك أنه - ﷺ - لَمَّا كان مُبَلِّغًا أمْر الله، وحُكْمَهُ، وأمَر الله بطاعته؛ فمن أطاعه فقد أطاع الله، ونفّذ حكمه (^٢).
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٠٨، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٣٧).
(٢) "المفهم" ٤/ ٣٥.
[ ٣٢ / ٥١ ]
(وَمَنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ) وفي الرواية التالية: "ومن أطاع أميري فقد أطاعني" بالإضافة، ويمكن - قال في "الفتح" - ردّ اللفظين لمعنى واحد، فإن كلّ من يأمر بحقّ، وكان عادلًا فهو أمير الشارع؛ لأنه تولى بأمره، وبشريعته، ويؤيِّده توحيد الجواب في الأمرين، وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أنه المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
ووقوعه في هذه الرواية بلفظ المضارع، حيث قال: "ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني" بصيغة المضارعة، أدْخَلُ في إرادة تعميم من خوطب، ومَن جاء مِن بعد ذلك.
(فَقَدْ أَطَاعَنِي)؛ أي: عَمِلَ بما شَرَعته، قال القرطبيّ - ﵀ -: وَوَجْهُ ذلك أنَّ أمير رسول الله - ﷺ - إنما هو مُنَفِّذٌ أَمْرَهُ، ولا يتصرف إلَّا بأمره، فمن أطاعه فقد أطاع أمْر رسول الله - ﷺ -، وعلى هذا فكل من أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الرسول؛ ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله، فينتج: أنَّ مَنْ أطاع أمير رسول الله - ﷺ - فقد أطاع الله، وهو حقّ، صحيح، وليس هذا الأمر خاصًّا بمن باشره رسول الله - ﷺ - بتولية الإمارة، بل هو عام في كلّ أمير للمسلمين، عدلٍ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية. انتهى (^١).
(وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي") قال الإمام الشافعيّ - ﵀ -: كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة، فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثّهم على طاعة من يُؤَمِّرهم عليهم، والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولّاهم البلاد، فلا يخرجوا عليهم؛ لئلا تفترق الكلمة.
ووقع عند أحمد، وأبي يعلى، والطبرانيّ من حديث ابن عمر - ﵄ - قال: كان رسول الله - ﷺ - في نفر من أصحابه، فقال: "ألستم تعلمون أن من أطاعني فقد أطاع الله، وأن من طاعة الله طاعتي؟ " قالوا: بلى نشهد، قال: "فإن من طاعتي أن تطيعوا أمراءكم"، وفي لفظ: "أئمتكم".
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٦.
[ ٣٢ / ٥٢ ]
وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيّدة بغير الأمر بالمعصية، كما تقدم بيان ذلك.
والحكمة في الأمر بطاعتهم المحافظة على اتفاق الكلمة؛ لِمَا في الافتراق من الفساد (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٣٨ و٤٧٣٩ و٤٧٤٠ و٤٧٤١ و٤٧٤٢ و٤٧٤٣ و٤٧٤٤] (١٨٣٥)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٥٧) و"الأحكام" (٧١٣٧)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٥٤) و"الكبرى" (٤/ ٤٣١ و٤٦٢ و٥/ ٢٢٢)، و(ابن ماجة) في "المقدّمة" (٣) و"الجهاد" (٢٨٥٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٦٧٩)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٢٤٤ و٢٧٠ و٣٤٢ و٥١١ و٤/ ١٧١ و٦/ ٤١٦ و٤١٧)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٢١٢)، و(ابن خزيمة) في "صحيحه" (٣/ ٤٦)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٥٦)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٢/ ١٠٩ و٤/ ٣٩٩ و٤٠٠ و٤٠١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١١/ ١٥٤)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (١/ ٤٢٦)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٣٩)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنّة" (٢٤٥١ و٢٤٧٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب طاعة الإمام، وأن طاعته طاعة لله - ﷾ -، وطاعة لرسوله - ﷺ -؛ لأنهم ينفّذون أحكام الله تعالى.
٢ - (ومنها): أن الحكمة في طاعة الأمراء هي المحافظة على اتّفاق الكلمة؛ لِمَا في الافتراق من الفساد، ﴿لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
٣ - (ومنها): أن وجوب طاعة الإمام مقيّد بما إذا أمر بغير المعصية، وإلا فلا طاعة له؛ لحديث عليّ - ﵁ - مرفوعًا: "لا طاعة لمخلوق في
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٠٨ - ٦٠٩، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٣٧).
[ ٣٢ / ٥٣ ]
معصية الله - ﷿ -، رواه أحمد بإسناد صحيح، وأخرجه الشيخان بلفظ: "لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف"، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٣٩] (…) - (وَحَدَّثَنِيهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ: "وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلهم ذُكروا في الباب، وقبله.
وقوله: (وَلَمْ يَذْكُرْ إلخ) بالبناء للفاعل، وفاعله ضمير سفيان بن عيينة.
[تنبيه]: رواية ابن عيينة، عن أبي الزناد هذه ساقها أبو يعلى - ﵀ - في "مسنده" بسند المصنّف، فقال:
(٦٢٧٢) - حدَّثنا أبو خيثمة (^١)، حدَّثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٤٠] (…) - (وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التُّجيبيّ، أبو حفص المصريّ، صاحب الشافعيّ، صدوقٌ [١١] (ت ٣ أو ٢٤٤) (م س ق) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٢ - (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب بن مسلم القرشيّ مولاهم، أبو محمد المصريّ، ثقةٌ حافظٌ عابدٌ فقيهٌ [٩] (ت ١٩٧) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
_________________
(١) هو: زهير بن حرب شيخ مسلم هنا.
(٢) "مسند أبي يعلى" ١١/ ١٥٤.
[ ٣٢ / ٥٤ ]
٣ - (يُونُسُ) بن يزيد بن أبي النجاد الأيليّ، أبو يزيد الأمويّ مولاهم، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٧] (ت ١٥٩) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ١٤.
٤ - (أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف الزهريّ المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ فقيهٌ [٣] (٩٤) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ص ٢ ص ٤٢٣.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله، والحديث متّفقٌ عليه، وقد مضى شرحه مستوفًى، وكذا بيان مسائله قبل حديث، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٤١] (…) - (وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِم، حَدَّثَنَا مَكَّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ أبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ؛ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِهِ سَوَاءً).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ) بن ميمون المروزيّ، نزيل بغداد المعروف بالسمين، صدوقٌ فاضلٌ، ربّما وَهِمَ [١٠] (ت ٥ أو ٢٣٦) (م د) تقدّم في "الإيمان" ١/ ١٠٤.
٢ - (مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمّ) بن بشير التميمي، أبو السكن الْبَلْخيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٩] (ت ٢١٥) وله (٩٠) سنة (ع) تقدّم في "الصلاة" ٥١/ ١١٤١.
٣ - (زِيَادُ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثم اليمن، ثقةٌ ثبتٌ، من أثبت أصحاب الزهريّ [٦] (ع) تقدّم في "الطهارة" ٢٦/ ٦٥٣.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: رواية زياد بن سعد، عن ابن شهاب هذه ساقها النسائيّ - ﵀ - في "المجتبى"، فقال:
(٤١٩٣) - أخبرنا يوسف بن سعيد، قال: حدّثنا حجاج، عن ابن جريجٍ، أن زياد بن سعد، أخبره، أن ابن شهاب أخبره، أن أبا سلمة أخبره، أنه سمع أبا هريرة، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني". انتهى (^١).
_________________
(١) "سنن النسائيّ" "المجتبى" ٧/ ١٥٤.
[ ٣٢ / ٥٥ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٤٢] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - (ح) وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي (ح) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، سَمِعَ أَبَا عَلْقَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - نَحْوَ حَدِيثِهِمْ).
رجال هذا الإسناد: عشرة:
١ - (أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ) فضيل بن حسين بن طلحة البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (خت م د ت س) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥٧.
٢ - (أَبُو عَوَانَةَ) وضّاح بن عبد الله اليشكريّ الواسطيّ البزّاز، ثقةٌ ثبتٌ [٧] (٥ أو ١٧٦) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذِ) بن معاذ الْعَنْبريّ، أبو عمرو البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٣٧) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٤ - (أَبُوهُ) معاذ بن معاذ بن نصر بن حسّان الْعَنْبريّ، أبو المثنَّى البصريّ القاضي، ثقةٌ متقنٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٦) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٣/ ٧.
٥ - (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بُندر، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ حافظٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٦ - (مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ) غندر، أبو عبد الله البصريّ، ثقةٌ، صحيح الكتاب [٩] (ت ١٩٣) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٧ - (شُعْبَة) بن الحجّاج بن الورد العتكيّ مولاهم، أبو بسطام الواسطيّ، ثم البصريّ الإمام الحافظ الحجة الناقد [٧] (ت ١٦٠) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨١.
٨ - (يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ) العامريّ، أو الليثيّ الطائفيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٢٠) أو بعدها (ز م ٤) تقدّم في "الصلاة" ٢١/ ٩٣٩.
٩ - (أَبُو عَلْقَمَةَ) الفارسيّ، المصريّ، مولى بني هاشم، ويقال: حليف الأنصار، وكان قاضي إفريقية، ثقةٌ، من كبار [٣] (ز م ٤) تقدّم في "الصلاة" ٢١/ ٩٣٩.
[ ٣٢ / ٥٦ ]
و"أَبُو هُرَيْرَةَ - ﵁ -" ذُكر قبله.
وقوله: (مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ)؛ أي: حدّثني مواجهةً، ومشافهةً، وتلقينًا، والمراد تأكيد سماعه من أبي هريرة - ﵁ - بلا واسطة.
وقوله: (نَحْوَ حَدِيثِهِمْ)؛ يعني: أن حديث أبي علقمة نحو حديث الأعرج، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وإطلاق ضمير الجمع على الاثنين تقدّم أنه صحيح، فصيح؛ لأنَّ الأصحّ أن أقلّ الجمع اثنان، كما أوضحت ذلك في "التحفة المرضيّة"، و"شرحها" (٣/ ٢٢٩ - ٢٣٣). وأما تغليط بعض الشراح (^١) هذا، وأن الصواب "حديثهما" فليس مما يُلتفت؛ لأنَّ النسخ كلها متّفقة عليه، وتأويله بما ذكرنا صحيح، فلا داعي للتغليط، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أبي علقمة، عن أبي هريرة - ﵁ - هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٨٧) - حدّثنا يونس بن حبيب، وعمار بن رجاء، قالا: ثنا أبو داود، قال: ثنا شعبة، قال: حدّثني يعلى بن عطاء، قال: سمعت أبا علقمة يحدّث عن أبي هريرة، أن النبيّ - ﷺ - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني" (^٢).
وقال أبو عوانة أيضًا:
(٨٠٨٨) - حدّثنا أبو داود الحرّانيّ، قال: ثنا أبو الوليد، عن أبي عوانة، عن يعلى بن عطاء، عن أبي علقمة الأنصاريّ، قال: حدّثني أبو هريرة، من فيه إلى فيّ، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير أطاعني، إنما الأمير مِجَنّ، فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا". انتهى (^٣).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٤٣] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ).
_________________
(١) هو: الشيخ الهرري. انظر: شرحه ٢٠/ ٥١.
(٢) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٩٩.
(٣) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٣٩٩.
[ ٣٢ / ٥٧ ]
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ) بن كامل الأبناويّ، أبو عقبة الصنعانيّ، ثقةٌ [٤] (ت ١٣٢) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢٦/ ٢١٣.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية همّام بن منبّه، عن أبي هريرة - ﵁ - هذه ساقها أبو عوانة - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٩٣) - حدّثنا حمدان السلميّ، قال: ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، قال: هذا ما ثنا أبو هريرة، عن محمد - ﷺ - قال: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة"، وقال رسول الله - ﷺ -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن يعصني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني"، لَمْ يقل: أميري. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٤٤] (…) - (وَحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِر، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ حَيْوَةَ، أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِذَلِكَ، وَقَالَ: "مَنْ أَطَاعَ الأَمِيرَ"، وَلَمْ يَقُلْ: أَمِيرِي، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الطَّاهِرِ) أحمد بن عمرو بن عبد الله بن السرح المصريّ، ثقةٌ [١٠] (ت ٢٥٠) (م د س ق) تقدَّم في "المقدمة" ٣/ ١٠.
٢ - (حَيْوَةُ) بن شريح بن صفوان التُّجيبيّ، أبو زرعة المصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ زاهدٌ [٧] (ت ٨ أو ١٥٩) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٥٧/ ٣٢٨.
٣ - (أَبُو يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ) سُليم بن جُبير الدوسيّ المصريّ، ثقةٌ [٣] (١٢٣) (بخ م د ت) تقدّم في "الإيمان" ٣٤/ ٢٤٠.
والباقيان ذُكرا في الباب.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٠٠.
[ ٣٢ / ٥٨ ]
[تنبيه]: رواية أبي يونس عن أبي هريرة - ﵁ - هذه ساقها أبو نعيم - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٧٠٩٤) - حدّثنا نصر بن مرزوق أبو الفتح المصريّ، قال: ثنا إدريس بن يحيى الخولانيّ، وحدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: ثنا وهب الله بن راشد، قالا: ثنا حيوة بن شُريح، أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدّثه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: إن رسول الله - ﷺ - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الخليفة فقد أطاعني، ومن عصى الخليفة فقد عصاني". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٧٥] (١٨٣٦) - (وَحَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، كِلَاهُمَا عَنْ يَعْقُوبَ، قَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "عَلَيْكَ السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ، فِي عُسْرِكَ، وَيُسركَ، وَمَنْشَطِكَ، وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورِ) بن شعبة، أبو عثمان الْخُرَاسانيّ، نزيل مكة، ثقةٌ مصنّفٌ [١٠] (ت (ت ٢٢٧) أو بعدها (ع) تقدّم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٨.
٢ - (قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ) بن جميل بن طريف الثقفيّ، أبو رجاء الْبَغْلانيّ، قيل: اسمه يحيى، وقيل: عليّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٤٠) وله (٩٠) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥٠.
٣ - (يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن محمد بن عبد الله بن عبدٍ القاريّ المدنيّ، نزيل الإسكندريّة، حليف بني زُهرة، ثقةٌ [٨] (ت ١٨١) (خ م د ت س) تقدّم في "الإيمان" ٣٥/ ٢٤٥.
٤ - (أَبُو حَازِمٍ) سلمة بن دينار التمّار الأعرج القاصّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ [٥] (ت ١٤٠) أو قبلها، أو بعدها (ع) تقدّم في "الإيمان" ٥٠/ ٣١٣.
_________________
(١) "مسند أبي عوانة" ٤/ ٤٠١ - ٤٠٢.
[ ٣٢ / ٥٩ ]
٥ - (أَبُو صَالِحٍ السَّمَّانُ) ذكوان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ [٣] (ت ١٠١) (ع) تقدّم في "المقدمة" ٢/ ٤.
و"أبو هريرة - ﵁ - " ذُكر قبله.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسلٌ بالمدنيين غير شيخيه، فالأول خراسانيّ، ثم مكيّ، والثاني بغلانيّ، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - رأس المكثرين السبعة، روى (٥٣٧٤) حديثًا.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "عَلَيْكَ) "عليك" اسم فعل أَمْر بمعنى: الْزَمْ، وقوله: (السَّمْعُ، وَالطَّاعَةُ) منصوب بـ "عليك"؛ أي: ألزم طاعةَ أميرك في كلّ ما يأمر به، وإن شَقّ ما لَمْ يكن إثمًا، وجَمَع بينهما تأكيدًا؛ للاهتمام بالمقام، وقال أبو البقاء: بالرفع على أنَّه مبتدأ، وما قبله الخبر، وهذا اللفظ لفظُ خبرٍ، ومعناه الأمر؛ أي: اسمع، وأطع على كلّ حال (^١). (فِي عُسْرِكَ)؛ أي: ضيقك وشدتك، (وَيُسْرِكَ) بضم السين، وسكونها: نقيض العسر؛ يعني: في حال فقرك، وغناك (^٢). (وَمَنْشَطِكَ، وَمَكْرَهِكَ) مصدران ميميّان، أو اسما زمان، أو مكان؛ أي: اسمع، وأطع فيما يوافق طبعك، وما لا يوافقه. (وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ) بفتحات، وبثاء مثلثة، وهو الإيثار؛ يعني: إذا فَضّل وليّ أمرك أحدًا عليك بلا استحقاق، ومنعك حقّك فاصبر، ولا تخالفه، وإنما قال: "وأثرة عليك"، وإن شَمِله "مكرهك" إشارة إلى شدة تلك الحالة (^٣).
وقال النوويّ - ﵀ -: الأَثَرَة بفتح الهمزة والثاء، ويقال: بضم الهمزة، وإسكان الثاء، وبكسر الهمزة، وإسكان الثاء، ثلاث لغات، حكاهنّ في "المشارق"، وغيره، وهي الاستئثار، والاختصاص بأمور الدنيا؛ أي: اسمعوا، وأطيعوا، وإن اختَصّ الأمراء بالدنيا عليكم، ولم يوصلوا إليكم حقَّكم مما عندهم.
_________________
(١) "فيض القدير" ٤/ ٣٢٩.
(٢) "فيض القدير" ٤/ ٣٢٩.
(٣) "فيض القدير" ٤/ ٣٢٩.
[ ٣٢ / ٦٠ ]
ومعنى الحديث: تجب طاعة ولاة الأمور، فيما يشُقّ، وتكرهه النفوس وغيره، مما ليس بمعصية، فإن كانت لمعصية فلا سمع ولا طاعة، كما صُرِّح به في الأحاديث الباقية، فتُحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرِّحة بأنه لا سمعَ، ولا طاعةَ في المعصية.
والحديث فيه الحثّ على السمع والطاعة، في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألتان تتعلَّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٤٦] (١٨٣٦)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٤٠) و"الكبرى" (٧٧٧٦)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٣٨١)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٣)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٤٦] (١٨٣٧) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ، وَأبُو كُرَيْبٍ، قَالُوا: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: إِنَّ خَلِيلِي أَوْصَانِي أَنْ أَسْمَعَ، وَأُطِيعَ، وإِنْ كَانَ عَبْدًا، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ بَرَّادٍ الأَشْعَرِيُّ) هو: عبد الله بن بَرّاد بن يوسف بن أبي بُرْدة بن أبي موسى، أبو عامر الكوفيّ، صدوقٌ [١٠] (خت م) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٥١.
٢ - (ابْنُ إِدْرِيسَ) هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرَّحمن الأوديّ، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ فقيهٌ عابدٌ [٨] (ت ١٩٢) له بضع و(٧٠) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٤/ ٢٤.
٣ - (أَبُو عِمْرَانَ) عبد الملك بن حبيب الأزديّ، أو الْكِنْديّ الْجَوْنيّ
[ ٣٢ / ٦١ ]
البصريّ، ثقةٌ، من كبار [٤] (ت ١٢٨) أو بعدها (ع) تقدَّم في "الإيمان" ٨٦/ ٤٥٥.
٤ - (عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ) الْغِفَاريّ البصريّ، ابن أخي أبي ذرّ، ثقةٌ [٣] (خت م ٤) تقدّم في "الصلاة" ٥٢/ ١١٤٢.
٥ - (أَبُو ذَرٍّ) جُندب بن جُنادة على الأصحّ، وقيل غير ذلك في اسمه، واسم أبيه الصحابيّ الشهير، تقدّم إسلامه، وتأخّرت هجرته، فلم يشهد بدرًا، مات - ﵁ - سنة - ﵁ - (٣٢) (ع) تقدَّم في "الإيمان" ٢٩/ ٢٢٤.
والباقون تقدّموا في الباب الماضي.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وله فيه ثلاثة من الشيوخ قرن بينهم؛ لاتّحاد كيفيّة التحمّل والأداء، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، بل هو من رواية الأقران.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي ذَرٍّ) الغفاريّ - ﵁ - أنه (قَالَ: إِن خَلِيلِي)؛ يعني: النبيّ - ﷺ -، والخليل: الصديق، والجمع أخلَّاء، (أَوْصَانِي)؛ أي: أمرني، قال الفيّومي - ﵀ -: يقال: أَوْصَيْتُهُ بالصلاة: أمَرْتُه بها، وعليه قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: يأمركم، وفي الحديث: "خَطَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَأَوْصَى بِتَقْوَى اللهِ": معناه أمَر، فيَعُمّ الأمر بأيّ لفظ كان، نحو: اتقوا الله، وأطيعوا الله، وكذلك الخبر إذا كان فيه معنى الطلب، نحو: لقد فاز من اتقي، وطُوبى لمن وَسِعَتْه السُّنَّة، ولم تستهوه البدعة، ورحم الله من شَغَله عيبه عن عيوب الناس، ولا يتعيّن في الخطبة: أوصيكم، كيف ولفظ الوصيّة مشترك بين التذكير، والاستعطاف، وبين الأمر، فيتعيّن حَمْله على الأمر، ويقوم مقامه كلّ لفظ فيه معنى الأمر. انتهى (^١).
(أَنْ أَسْمَعَ، وَأُطِيعَ)؛ أي: أسمع قول الأمير، وأطيع أمره، فـ "أن"
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٦٢.
[ ٣٢ / ٦٢ ]
مصدريّة، والمصدر المؤوّل مجرور بحرف جرّ مقدر؛ لأنَّ "أَمَر" يتعدى إلى المفعول الثاني به؛ أي: بالسمع، والطاعة. (وَإِنْ كَانَ عَبْدًا) اسم "كان" ضمير يعود إلى الأمير المفهوم من المقام؛ أي: وإن كان الأمير عبدًا (مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ) اسم مفعول من التجديع، وهو التقطيع؛ أي: مقطّع الأطراف، وفي الرواية التالية: "عبدًا حبشيًّا، مجدّع الأطراف"، والمراد: أخسّ العبيد؛ أي: أسمع، وأطيع للأمير، وإن كان دنيء النسب، حتى لو كان عبدًا أسود، مقطوع الأطراف، فطاعته واجبة، وتُتصوّر إمارة العبد إذا ولّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلّب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداء عَقْد الولاية له، مع الاختيار، بل شَرْطها الحريّة، قاله النوويّ (^١).
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "وإن كان عبدًا حبشيًّا مجدَّع الأطراف" الْجَدْعُ: القطْع، وأصله في الأنف، و"الأطراف": الأصابع، وهذا مبالغة في وَصْف هذا العبد بالضَّعَة والْخِسّة؛ وذلك أن العبد إنما تُقطع أطرافه من كثرة العمل والمشي حانيًا، وهذا منه - ﷺ - على جهة الإغياء، على عادة العرب في تمكينهم المعاني وتأكيدها، كما قال النبيّ - ﷺ -: "من بنى مسجدًا لله، ولو كمِفْحَصِ قطاةٍ بنى الله له بيتًا في الجنَّة" (^٢)، ومفحص القطاة لا يصلح أن يكون مسجدًا، وإنما هو تمثيل للتصغير على جهة الإغياء، فكأنَّه قال: أصغر ما يكون من المساجد، وعلى هذا التأويل لا يكون فيه حجة لمن استدلّ به على جواز تأمير العبد فيما دون الإمامة الكبرى" وَهُمْ بعض أهل الظاهر فيما أحسب، فإنه قد اتُّفِقَ على أنَّ الإمام الأعظم، لا بُدَّ أن يكون حرًّا؛ على ما يأتي. ونصَّ أصحاب مالك على أنَّ القاضي لا بُدَّ أن يكون حرًّا.
قال القرطبيّ: وأمير الجيش والحرب في معناه، فإنها مناصب دينية يتعلّق بها تنفيذ أحكام شرعية، فلا يصلح لها العبد؛ لأنه ناقصٌ بالرِّقِّ مَحْجُورٌ عليه، لا يَستقلُّ بنفسه، ومسلوبُ أهليةِ الشهادة والتنفيذ، فلا يصلح للقضاء، ولا للإمارة، وأظنّ أنَّ جمهور علماء المسلمين على ذلك، وقد وَرَدَ ذِكْر العبد في
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٢٣.
(٢) حديث صحيح، رواه ابن حبّان، والبيهقيّ.
[ ٣٢ / ٦٣ ]
هذا الحديث مطلقًا، وقد قيَّده بالحديث الآتي بعد هذا، الذي قال فيه: "ولو استعمل عليكم عبد يقودهم بكتاب الله". انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: تقدّم تحقيق مسألة تولية العبد، وأن الصواب جوازها؛ لحديث الباب، ولأدئة أخرى، سبق بيانها، في شرح حديث: "الناس تبَع لقريش … إلخ"، فراجعه تستفد، والله تعالى وفي التوفيق.
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي ذرّ - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٤٦ و٤٧٤٧ و٤٧٤٨] (١٨٣٧)، وتقدّم في "الصلاة" برقم [١٤٦٨] (٦٤٨)، و(أبو داود) في "الصلاة" (٤٣١)، و(الترمذي) في "الصلاة" (١٣٦)، و(النسائي) في "الصلاة" (٢/ ٧٥)، و(ابن ماجة) في "الجهاد" (٢٨٦٢)، و(البخاريّ) في "الأدب المفرد" (١١٣)، و(الطيالسي) في "مسنده" (٤٥٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ١٦١ و١٧١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (١٧١٨)، و(أبو نعيم) في "مستخرجه" (٢/ ٢٤٢)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (١/ ٤١٣ و٤/ ٤٠٢ و٤٠٣)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٢/ ٨٨ و٨/ ١٥٥) و"شعب الإيمان" (٦/ ٤)، و(البغويّ) في "شرح السنّة" (٣٩٠ و٣٩١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٤٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، جَمِيعًا عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَا في الْحَدِيثِ: عَبْدًا، حَبَشِيًّا، مُجَدَّعَ الأَطْرَافِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازنيّ، أبو الحسن البصريّ، نزيل مرو، ثقةٌ ثبتٌ، من كبار [٩] (ت ٢٠٤) وله (٨٢) سنةً (ع) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٣٩.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٧ - ٣٨.
[ ٣٢ / ٦٤ ]
والباقون ذُكروا في الباب، والبابين الماضيين، و"إسحاق" هو: ابن راهويه.
وقوله: (وَقَالَا فِي الْحَدِيثِ) ضمير التثنية لمحمد بن جعفر، والنضر بن شُميل.
[تنبيه]: رواية محمد بن جعفر، عن شعبة ساقها ابن ماجة - ﵀ - في "سننه"، فقال:
(٢٨٦٢) - حدّثنا محمد بن بشّار، ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن أبي عمران الْجَوْنيّ، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذَرّ، أنه انتهى إلى الرَّبَذَة، وقد أقيمت الصلاة، فإذا عبد يؤمّهم، فقيل: هذا أبو ذرّ، فذهب يتأخر، فقال أبو ذرّ: أوصاني خليلي - ﷺ - أن أسمع، وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا، مُجَدَّعَ الأطراف. انتهى (^١).
وأما رواية النضر بن شُميل، عن شعبة فقد ساقها ابن حبّان - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٥٩٦٤) - أخبرنا عبد الله بن محمد الأزديّ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا النضر بن شُميل، حدّثنا شعبة، حدّثنا أبو عمران الْجَوْنيّ، سمع عبد الله بن الصامت يقول: قَدِم أبو ذرّ على عثمان من الشام، فقال: يا أمير المؤمنين افتح الباب، حتى يدخل الناس، أتَحْسَبني من قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مُروق السهم من الرَّمِيّة، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فُوقه؟ هُمْ شرّ الخلق والخليقة، والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لَمَا قمت، ولو أمرتني أن أكون قائمًا لَقُمْت ما أمكنتني رِجلاي، ولو ربَطْتَني على بعير لَمْ أُطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تُطلقني، ثم استَأْذَنه أن يأتي الرَّبَذَة، فأَذِنَ له، فأتاها، فإذا عبد يؤمّهم، فقالوا: أبو ذرّ، فنَكَصَ العبد، فقيل له: تقدَّم، فقال: أوصاني خليلي - ﷺ - بثلاث: أن أسمع، وأطيع، ولو لعبد حبشيّ مُجَدَّعَ الأطراف، وإذا صنعتَ مرقةً، فأكثر ماءها، ثم انظر جيرانك، فَأَنِلْهم منها بمعروف، وصَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أتيت الإمام،
_________________
(١) "سنن ابن ماجة" ٢/ ٩٥٥.
[ ٣٢ / ٦٥ ]
وقد صلى كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا فهي لك نافلة. انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٤٨] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، كَمَا قَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ: عَبْدًا، مُجَدَّع الأَطْرَافِ).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، و"ابن إدريس" هو: عبد الله الأوديّ.
[تنبيه]: رواية معاذ بن معاذ، عن شعبة هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٤٩] (١٨٣٨) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَدَّتِي تُحَدِّثُ، أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاع، وَهُوَ يَقُولُ: "وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ الله، فَاسْمَعُوا لَهُ (^٢)، وَأَطيعُوا").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) بن عُبيد الْعَنَزيّ المعروف بالزَّمِن، أبو موسى البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ [١٠] (ت ٢٥٢) (ع) تقدَّم في "المقدمة" ٢/ ٢.
٢ - (يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ) الأسلميّ، ثقةٌ [٤] (م د س ق) تقدّم في "الحج" ٤٨/ ٣١٣٩.
٣ - (جَدَّتُهُ) أمّ الْحُصين بنت إسحاق الأحمسيّة صحابيّة، شَهِدَت حجة الوداع (م ٤) تقدّمت في "الحج" ٤٨/ ٣١٣٩.
والباقيان ذُكرا في الباب.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أمّ الحصين - ﵄ - هذا من أفراد المصنّف - ﵀ -، وقد تقدّم في "كتاب الحجِّ" مطوَّلًا برقم [٤٨/ ٣١٣٩] (١٢٩٨) واستوفيت شرحه، وبيان مسائله هناك، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" ١٣/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) وفي نسخة: "فاستمعوا له".
[ ٣٢ / ٦٦ ]
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٠] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، وَعَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَقَالَ: عَبْدًا حَبَشِيًّا).
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَبْدُ الرحْمَن بْنُ مَهْدِيِّ) بن حسّان الْعَنْبَريّ مولاهم، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حافظ، عارفٌ بالرجال والحديث [٩] (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنةُ (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٨.
والباقون ذُكروا قبله.
[تنبيه]: رواية عبد الرَّحمن بن مهديّ، عن شعبة هذه ساقها اللالكائيّ: - ﵀ - في "اعتقاد أهل السنّة"، فقال:
(٢٢٩٣) - أخبرنا أحمد بن عبيد، أنا عليّ بن عبد الله بن مبشر، قال: نا أحمد بن سنان، قال: نا عبد الرَّحمن بن مهديّ، قال: نا شعبة، عن يحيى بن حُصَين، قال: سمعت جدتي تُحَدِّث أنَّها سمعت رسول الله - ﷺ - يومًا، وهو يقول: "إن استُعْمِل عليكم عبد حبشيّ، يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له، وأطيعوا". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥١] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاح، عَنْ شُعْبَةَ، بِهَذَا الإِسْنَاد، وَقَالَ: "عَبْدًا حَبَشِيًّا، مُجَدَّعًا").
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية وكيع بن الْجَرّاح، عن شعبة هذه ساقها الإمام أحمد: - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٢٧٣١١) - حدّثنا عبد الله، حدّثنا أبي، ثنا وكيع، قال: قال شعبة: أتيت يحيى بن الحصين، فسألته، فقال: حدّثتني جدّتي، قالت: سمعت النبيّ - ﷺ - يقول، وهو واقف بعرفة: "إن أُمِّر عليكم عبدٌ حبشيّ، فاسمعوا له،
_________________
(١) "اعتقاد أهل السُّنَّة" ٧/ ١٢٢٤.
[ ٣٢ / ٦٧ ]
وأطيعوا، ما قادكم بكتاب الله تعالى". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٢] (…) - (وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بشْرٍ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ: "حَبَشِيًّا، مُجَدَّعًا"، وَزَادَ: أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِمِنًى (^٢)، أَو بِعَرَفَاتٍ).
رجال هذا الإسناد: ثلاثة:
١ - (عَبْدُ الرحْمَنِ بْنُ بِشرِ) بن الحكم الْعَبْديّ، أبو محمد النيسابوريّ، ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٦٠) أو بعدها (خ م د ق) تقدّم في "المقدمة" ٦/ ٩٩.
٢ - (بَهْزُ) بن أسد الْعَميّ، أبو الأسود البصريّ، ثقةٌ ثبت [٩] مات بعد المائتين، وقيل: قبلها (ع) تقدَّم في "الإيمان" ٣/ ١١٢.
و"شُعبة" ذُكر قبله.
[تنبيه]: رواية بهز بن أسد، عن شعبة هذه لَمْ أجد من ساقها، فليُنظر، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٥٣] (١٢٩٨) - (وَحَدَّثَني سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مَعْقِلٌ، عَنْ زيدِ بْنِ أَبِي أُنيْسَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الْحُصَيْن، قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَجَّةَ الْوَدَاع، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَوْلًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ - أَسْوَدُ، يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ الله، فَاسْمَعُوا لَهُ، وَأَطيعُوا").
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ) الْمِسْمَعيّ النيسابوريّ، نزيل مكة، ثقةٌ، من كبار [١١] مات سنة بضع و(٢٤٠) (م ٤) تقدَّم في "المقدمة" ٦/ ٦٠.
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ٦/ ٤٠٣.
(٢) وفي نسخة: "يقول بمنًى".
[ ٣٢ / ٦٨ ]
٢ - (الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ) هو: الحسن بن محمد بن أعين، أبو عليّ الْحَرّانيّ، صدوق [٩] (ت ٢١٠) (خ م س) تقدّم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٣ - (مَعْقِلُ) بن عبيد الله الْجَزَريّ، أبو عبد الله الْعَبْسيّ مولاهم، صدوقٌ يُخطئ [٨] (ت ١٦٦) (م د س) تقدّم في "الإيمان" ٤/ ١١٩.
٤ - (زيدُ بْنُ أَبِي أُنيْسَةَ) واسمه زيد أيضًا، أبو أُسامة الْجَزَريّ، كوفيّ الأصل، ثم سكن الرُّها، ثقةٌ [٦] (ت ١١٩ أو ١٢٤) وله (٣٦) سنةً (ع) تقدّم في "المقدّمة" ٦/ ٩٦.
والباقيان ذُكرا قبله، والحديث من أفراد المصنّف، وقد تقدّم في "كتاب الحجِّ" برقم [٤٨/ ٣١٣٩] (١٢٩٨) ومضى شرحه، وبيان ما يتعلّق به من المسائل هناك، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٤] (١٨٣٩) - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعً، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: "عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ، فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) ذُكر في الباب.
٢ - (لَيْثُ) بن سعد بن عبد الرَّحمن الْفَهْميّ، أبو الحارث المصريّ، الإمام الحجة الثبت الفقيه المشهور [٧] (ت ١٧٥) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ٢ ص ٤١٢.
٣ - (عُبَيْدُ اللهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطّاب الْعُمَريّ، أبو عثمان المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيه [٥] مات سنة بضع و(١٤٠) (ع) تقدّم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
[تنبيه]: كون عبيد الله المذكور في هذا السند هو ابن عمر الْعُمريّ هو الذي نصّ عليه الحافظ أبو الحجّاج المزيّ - ﵀ - في "تحفته" (٦/ ١٦٤، ١٦٥)، والحافظ في "الفتح" (١٦/ ٦٢٦) "كتاب الأحكام"، وقد أخرج الحديث النسائيّ في "سننه" رقم (٤٢٠٨) عن قتيبة، عن الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن
[ ٣٢ / ٦٩ ]
نافع عن ابن عمر - ﵄ -، وقد بيّنه الحافظ المزيّ في "تحفته" أيضًا (٦/ ١٢٠) فكلا الطريقين ثابت صحيح، وإنما نبّهت عليه لئلا يقع في اللَّبس من رأى اختلاف الإسنادين عند الشيخين والنسائيّ، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
٤ - (نَافِعٌ) مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ مشهورٌ [٣] (ت ١١٧) أو بعدها (ع) تقدَّم في "الإيمان" ٢٨/ ٢٢٢.
٥ - (ابْنُ عُمَرَ) عبد الله الْعدوفي، أبو عبد الرَّحمن - ﵄ - مات سنة (٧٣) أو بعدها (ع) تقدّم في "الإيمان" ١/ ١٠٢.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من خماسيَّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، وليث فمصريّ، وفيه ابن عمر - ﵄ - أحد العبادلة الأربعة، والمكثرين السبعة، وأشدَّ الناس اتباعًا للأثر.
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عُمَرَ) - ﵄ - (عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: (عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ) جارٌّ ومجرور خبر مقدَّم لقوله: (السَّمْعُ)؛ أي: سماع كلام الأمير، (وَالطَّاعَةُ) فيما أَمَره به، (فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ)؛ أي: في الشيء الذي أحبه المرء، أو كرهه، (إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ) ببناء الفعل للمفعول، وهذا يُقَيِّد ما أُطلق في الأحاديث الأخرى، من الأمر بالسمع والطاعة ولو لحبشيّ، ومن الصبر على ما يقع من الأمير مما يُكرَه، والوعيد على مفارقة الجماعة، فكلّ ذلك مقيّد بأن لَمْ يأمر الأمير بمعصية، وإلا فلا سمع، ولا طاعة، كما نصّ عليه بقوله: (فَإِنْ أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ) بالبناء على الفتح فيهما؛ لأنَّ "لا" لنفي الجنس، والمراد: نفي الحقيقة الشرعية، لا الوجودية.
والمعنى: أن سماع كلام الحاكم، وطاعته واجب على كلّ مسلم، سواء أَمَره بما يوافق طَبْعه، أو لَمْ يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية، فإنْ أَمَره بها فلا تجوز طاعته، ومع ذلك لا تجوز له محاربته، ولا الخروج عليه. انتهى (^١).
_________________
(١) راجع: "الكاشف عن حقائق السنن" ٨/ ٢٥٥٩.
[ ٣٢ / ٧٠ ]
وقال في "الفتح": قوله: "فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"؛ أي لا يجب ذلك، بل يحرم على من كان قادرًا على الامتناع، وفي حديث معاذ - ﵁ - عند أحمد: "لا طاعة لمن لَمْ يُطِع اللهَ"، وعنده، وعند البزار، في حديث عمران بن حصين، والحكم بن عمرو الغِفَاريّ: "لا طاعة في معصية الله"، وسنده قويّ، وفي حديث عبادة بن الصامت، عند أحمد، والطبرانيّ: "لا طاعة لمن عصى الله تعالى"، وفي حديث عبادة - ﵁ - الآتي في الباب: "وأن لا ننازع الأمر أهله"، قال: "إلَّا أن تَرَوا كفرًا بَوَاحًا عندكم من الله فيه برهان"، وفيه دليل على أنَّه ينعزل بالكفر، وهو إجماعٌ، فيجب على كلّ مسلم القيام في ذلك، فمن قَوِيَ على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عَجَز وَجَبَتْ عليه الهجرة من تلك الأرض (^١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث ابن عمر - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٥٤ و٤٧٥٥] (١٨٣٩)، و(البخاريّ) في "الجهاد" (٢٩٥٥) و"الأحكام" (٧١٤٤)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٢٦)، و(الترمذيّ) في "الجهاد" (١٧٠٧)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٦٠) و"الكبرى" (٨٧٢٠)، و(ابن ماجة) في "الجهاد" (٢٨٦٤)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ١٧ و١٤٢)، و(ابن الجارود) في "المنتقى" (١/ ٢٦٠)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٤)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٣/ ١٢٧ و٨/ ١٥٥)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب الطاعة على المسلم لأولياء الأمور، سواء أَمَره بما وافق هواه، أو بما يُخالف.
_________________
(١) راجع: "الفتح" ١٦/ ٦٢٧، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٤٤).
[ ٣٢ / ٧١ ]
٢ - (ومنها): عدم جواز طاعة أحد فيما يُخالف شرع الله تعالى؛ إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق.
٣ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "على المرء المسلم السَّمع والطاعة" ظاهرٌ في وجوب السمع والطّاعة للأئمة، والأمراء، والقضاة، ولا خلاف فيه إذا لَمْ يأمر بمعصية، فإن أَمَر بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولًا واحدًا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرًا وَجَبَ خَلْعُه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين؛ كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومَنَع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنا، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خَلْعِه، فأمَّا لو ابتدع بدعة، ودعا النَّاس إليها؛ فالجمهور على أنَّه يُخْلَع.
وذهب البصريون إلى أنه لا يُخْلَع، تمسُّكًا بظاهر قوله - ﷺ -: "إلَّا أن تروا كفرًا بَوَاحًا عندكم من الله فيه برهان"، وهذا يدلُّ على استدامة ولاية المتأوّل، وإن كان مبتدعًا، فأمَّا لو أمر بمعصية مثل أخْذ مال بغير حقّ، أو قَتْل، أو ضَرْب بغير حقّ، فلا يطاع في ذلك، ولا ينقذ أمره، ولو أفضى ذلك إلى ضرب ظهر المأمور، وأخْذ ماله؛ إذ ليس دم أحدهما، ولا ماله بأَولى من دم الآخر، ولا ماله، وكلاهما يحرم شرعًا؛ إذ هما مسلمان، ولا يجوز الإقدام على واحد منهما، لا للآمر، ولا للمأمور؛ لقوله: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما ذكره الطبريّ، ولقوله هنا: "فإن أمر بمعصية فلا سمع، ولا طاعة"، فأمَّا قوله في حديث حذيفة: "سمع، وأطع، وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك"، فهذا أمْر للمفعول به ذلك للاستسلام، والانقياد، وترك الخروج عليه؛ مخافة أن يتفاقم الأمر إلى ما هو أعظم من ذلك.
ويَحْتَمِل أن يكون ذلك خطابًا لمن يُفعل به ذلك بتأويل، يسوّغ للأمير بوجهٍ يَظهر له، ولا يظهر ذلك للمفعول به، وعلى هذا يرتفع التعارض بين الأحاديث، ويصحّ الجمع. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١)، وهو بحث نفيسٌ، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٨ - ٣٩.
[ ٣٢ / ٧٢ ]
وقال في "العمدة": وذكر عياض أنه أجمع العلماء على وجوب طاعة الإمام في غير معصية، وتحريمها في المعصية.
وقال ابن بطال: احتَجّ بهذا الحديث الخوارج، فرأوا الخروج على أئمة الجَوْر، والقيام عليهم عند ظهور جورهم، والذي عليه الجمهور أنه لا يجب القيام عليهم عند ظهور جورهم، ولا خلعهم إلَّا بكفرهم بعد إيمانهم، أو تركهم إقامة الصلوات، وأما دون ذلك من الجور فلا يجوز الخروج عليهم، إذا استوطن أمْرهم، وأمْر الناس معهم؛ لأنَّ في ترك الخروج عليهم تحصين الفروج والأموال، وحقن الدماء، وفي القيام عليهم تفرّق الكلمة، ولذلك لا يجوز القتال معهم لمن خرج عليهم عن ظلم ظَهَر منهم.
وقال ابن التين: فأما ما يأمر به السلطان من العقوبات، فهل يسع المأمور به أن يفعل ذلك من غير ثَبَتٍ، أو عِلم يكون عنده بوجوبها؟ قال مالك: إذا كان الإمام عدلًا، كعمر بن الخطاب، أو عمر بن العزيز - ﵄ - لَمْ تَسَعْ مخالفته، وإن لَمْ يكن كذلك، وثبت عنده الفعل جاز، وقال أبو حنيفة وصاحباه: ما أمر به الوُلاة من ذلك غيرهم يسعهم أن يفعلوه، فيما كان ولايتهم إليه، وفي رواية عن محمد: لا يسع المأمور أن يفعله، حتى يكون الآمر عدلًا، وحتى يشهد بذلك عنده عدل سواه، إلَّا في الزنا فلا بدّ من ثلاثة سواه، وروي نحو الأول عن الشعبيِّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما ذهب إليه الإمام مالك - ﵀ - في تفصيله المتقدّم أرجح.
وحاصله أنه إن كان الإمام عدلًا لَمْ تَسَع مخالفته، وإلا فإن ثبت عند المأمور ذلك الأمر وَسِعه، وإلا فلا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٥] (…) - (وَحَدَّثَنَاهُ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى، وَهُوَ الْقَطَّانُ (ح) وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ الله، بِهَذَا الإِسْنَاد، مِثْلَهُ).
_________________
(١) "عمدة القاري" ١٤/ ٢٢١.
[ ٣٢ / ٧٣ ]
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (يَحْيَىَ الْقطَّانُ) هو: يحيى بن سعيد بن فرّوخ التميميّ، أبو سعيد البصريّ، ثقةٌ متقنٌ حافظٌ إمام قدوةٌ، من كبار [٩] (ت ١٩٨) (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٣٨٥.
والباقون ذُكروا في الباب، وقبله.
[تنبيه]: رواية يحيى القظان، عن عبيد الله ساقها البخاريّ - ﵀ - في "صحيحه"، فقال:
(٦٧٢٥) - حدّثنا مسدَّد، حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، حدّثني نافع، عن عبد الله - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، ما لَمْ يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية، فلا سمع، ولا طاعة". انتهى.
وأما رواية عبد الله بن نمير، عن عبيد الله، فساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(٥١١٧) - أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغانيّ، ثنا ابن نمير، ثنا أبي، ثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحبّ، وكَرِه، إلَّا أن يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أَوَّل الكتاب قال:
[٤٧٥٦] (١٨٤٠) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ - وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى - قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا، وَقَالَ
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ٣/ ١٢٧.
[ ٣٢ / ٧٤ ]
الآخَرُونَ: إِنَّا (^١) قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا، فَذكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وَقَالَ لِلآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا، وَقَالَ: "لَا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَاعَةُ في الْمَعْرُوفِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (زُبَيْدُ) بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب الياميّ، أبو عبد الرَّحمن الكوفيّ، ثقةٌ ثبتٌ عابدٌ [٦] (ت ١٢٢) أو بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٣٠/ ٢٢٨.
٢ - (سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ) السَّلَميّ، أبو حمزة الكوفيّ، ثقةٌ [٣] مات في ولاية عمر بن هُبيرة على العراق (ع) تقدم في "الإيمان" ٥/ ١٢٠.
٣ - (أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ) عبد الله بن حبيب بن رُبيِّعة السُّلَميّ الكوفيّ المقريّ، ثقةٌ ثبتٌ [٢] مات بعد السبعين (ع) تقدم في "الرضاع" ٣/ ٣٥٨١.
٤ - (عَلِيُّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشميّ الخليفة الرابع، استُشْهِد - ﵁ - في رمضان سنة (٤٠) وله (٦٣) سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٢.
والباقون ذُكروا في الباب.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أن راويه صحابيّ - ﵁ -، أحد الخلفاء الراشدين الأربعة، وأحد العشرة المبشرين بالجنّة، وصهر رسول الله - ﷺ -، وابن عمّه، وأول من آمن به من الصبيان، ومات شهيدًا في رمضان، وهو يومئذ أفضل أهل الأرض من بني آدم بالإجماع - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ عَلِيٍّ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعَثَ جَيْشًا، وَأَمَّرَ) بتشديد الميم، من التأمير، (عَلَيْهِمْ رَجُلًا) قال النوويّ - ﵀ -: هذا الذي فعله هذا الأمير قيل: أراد امتحانهم، وقيل؛ كان مازحًا، قيل: إن هذا الرجل عبد الله بن حُذافة السهميّ، وهذا ضعيفٌ؛ لأنه قال في الرواية الأخرى: "إنه رجل من الأنصار"، فدلّ على أنَّه غيره. انتهى (^٢).
_________________
(١) وفي نسخة: "إنما".
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٢٧.
[ ٣٢ / ٧٥ ]
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "رجلًا من الأنصار" ظاهرٌ في أنه ليس عبد الله بن حذافة، فإنه مهاجريّ، وذلك أنصاريّ، فافترقا، وقضيّة عبد الله بن حُذافة هي التي ذَكر منها ابن عبّاس - ﵄ - طرفًا، كما تقدَّم، فلا معنى لقول من قال: إن هذا الذي حكى عنه عليّ بن أبي طالب - ﵁ - هو عبد الله بن حُذافة، وكذلك لا معنى لقول من قال: إن ذلك الأمير إنما أمرهم بدخول النار ليختبر طاعتهم له، وقد قال في هذه الرواية: إنهم أغضبوه، وقال: وسكن غضبه عليهم، فأراد عقوبتهم بذلك، وهذه نصوصٌ أنه إنما حَمَله على ذلك غضبه عليهم. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
واستظهر الحافظ - ﵀ - في "الفتح" تعدَّد القصَّة، وقال ما حاصله: إن التعدّد هو الذي يظهر لي؛ لاختلاف سياقهما، واسم أميرهما، والسبب في أمره بدخولهم النار، قال: ويَحْتَمِل الجمع بينهما بضرب من التأويل، ويُبعده وصف عبد الله بن حُذافة السهميّ القرشيء المهاجريّ بكونه أنصاريًّا، قال: ويَحْتَمِل الحمل على المعنى الأعمّ، أي: أنه نصر رسول الله - ﷺ - في الجملة.
وإلى التعدّد جنح ابن القيِّم - ﵀ -، وأما ابن الجوزيّ - ﵀ -، فقال: قوله: "من الأنصار" وَهَمٌ من بعض الرواة، وإنما هو سهميّ.
قال الحافظ: ويؤيِّده حديث ابن عباس - ﵄ - عند أحمد في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية [النساء: ٥٩] نزلت في عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عديّ، بعثه رسول الله في سريّة. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد اتضح بما ذُكر كلّه أن الأرجح تعدد الواقعة، وأن الرجل المبهم في حديث عليّ - ﵁ - المذكور في الباب ليس هو عبد الله بن حُذافة، وإنما هو رجلٌ آخر من الأنصار - ﵃ - لَمْ يُعرف اسمه، والله تعالى أعلم.
(فَأَوْقَدَ نَارًا، وَقَمالَ: ادْخُلُوهَا) وفي الرواية التالية: "بعث رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٣٩ - ٤٠.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٧٣ - ٤٧٤، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٤٠).
[ ٣٢ / ٧٦ ]
سَريّة، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يُطيعوه، فأغضبوه في شيء، فغضب عليهم، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، ثمّ قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثمّ قال: ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - أن تسمعوا لي، وتُطيعوا؟ قالوا: بلي، قال: فادخلوها" الحديث، وفي رواية للبخاري: "فقال: عزمت عليكم لَمَا جمعتم حطبًا، وأوقدتم نارًا، ثم دخلتم".
وهذا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، فإن فيه: "فأوقد القوم نارًا؛ ليصنعوا عليها صنيعًا لهم، أو يصطلون، فقال لهم: أليس عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلى، قال: أعزم عليكم بحقّي، وطاعتي لَمَا تواثبتم في هذه النار"، ويُجمع بتعدّد القصّة، كما سبق ترجيحه، فتنبّه.
(فَأَرَادَ نَاسٌ أَنْ يَدْخُلُوهَا) وفي رواية البخاريّ: "فهمّوا، وجعل بعضهم يُمسك بعضًا"، وفي رواية: "فلمّا همّوا بالدخول فيها، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض"، وفي رواية عند ابن جرير: "فقال لهم شابّ منهم: لا تعجلوا بدخولها"، (وَقَالَ الآخَرُونَ: إِنَّا قَدْ فَرَرْنَا مِنْهَا) وفي بعض النسخ": "إنما فررنا منها"؛ أي: من النار بالإيمان، فكيف ندخلها؟، وزاد في الرواية الآتية: "فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطُفئت النار"، وفي رواية البخاريّ: "فما زالوا حتى خَمَدت النار، فسكن غضبه"، وفي رواية: "فبينما هم كذلك إذ خمدت النار". و"خَمَد" بفتح الميم (^١)، وحَكَى المطرّزيّ كسرها؛ أي: طَفِيء لهبها.
وقوله: "وسكن غضبه" هذا أيضًا يخالف حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، (^٢) فإن فيه: "أنه كانت به دُعَابة، وفيه أنهم تحجّزوا حتى ظنّ
_________________
(١) قال في "القاموس": خَمِدت النار، كنصَرَ، وسَمِعَ خَمْدًا، وخُمُودًا: سكَن لَهَبُها، ولم يُطفأ جَمرها. انتهى.
(٢) حديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -: هو ما أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" ٣/ ٦٧ وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، والحاكم من طريق عُمَر بن الحكم بن ثوبان، أن أبا سعيد الخدريّ قال: بعث رسول الله - ﷺ - علقمة بن مُحَرِّز على بعث أنا فيهم، حتى انتهينا إلى رأس غزاتنا، أو كنا ببعض الطريق أَذِنَ لطائفة من الجيش، وأمَّر عليهم عبد الله بن حُذافة بن قيس السهميّ، وكان من أصحاب بدر، وكانت فيه دُعابة - يعني: مِزاحًا - وكنت ممن رجع معه، فنزلنا ببعض الطريق، قال: =
[ ٣٢ / ٧٧ ]
أنهم واثبون فيها، فقال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم"، وهذا كلّه يؤيّد تعدد الواقعة، والله تعالى أعلم.
(فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -) وفي الرواية التالية: "فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ - (فَقَالَ) - ﷺ - (لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ") قال النوويّ - ﵀ -: هذا مما عَلِمه - ﷺ - بالوحي، وهذا التقييد بيوم القيامة مبيّن للرواية المطلقة بأنهم لا يخرجون منها لو دخلوها.
وقال الحافظ - ﵀ -: يَعْنِي أَنَّ الدُّخُول فِيهَا مَعْصِيَة، وَالْعَاصِي يَسْتَحِقّ النَّار، ويَحْتمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد: لَوْ دَخَلُوهَا مُسْتَحِلِّينَ، لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، وَعَلَى هَذَا فَفِي الْعِبَارَة نَوْع مِنْ أَنْوَاع الْبَدِيع، وَهُوَ الاسْتِخْدَام؛ لِأَنَّ الضَّمِير فِي قَوْله: "لَوْ دَخَلُوهَا" لِلنَّارِ الَّتِي أَوْقَدُوهَا، وَالضَّمِير فِي قَوْله: "مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا" لِنَارِ الْآخِرَة؛ لِأَنَّهُمْ ارْتَكَبُوا مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ قَتْل أَنْفُسهمْ.
وَيَحْتَمِل - وَهُوَ الظَّاهِر - أَنَّ الضمِير لِلنَّارِ التِي أُوقِدَتْ لَهُمْ؛ أَيْ: ظَنُّوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا بِسَبَبِ طَاعَة أَمِيرهمْ، لَا تَضُرّهُمْ، فَأخْبَرَ النَّبِيّ - ﷺ -، أَنَّهُمْ لَوْ دَخَلُوا فِيهَا لَاحْتَرَقُوا فَمَاتُوا، فَلَمْ يَخْرُجُوا. انتهى (^١).
وقال في "الفتح" أيضًا في "كتاب الأحكام": قوله: "لو دخلوها ما خرجوا منها" قَالَ الدَّاوُدِيُّ: يُرِيد تِلْكَ النَّار؛ لِأَنَّهُمْ يَمُوتُون بِتَحْرِيقِهَا، فَلَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا أَحْيَاء، قَالَ: وَلَيْسَ الْمُرَاد بِالنَّارِ نَار جَهَنَّم، وَلَا أَنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيث الشَّفَاعَة: "يَخْرُج مِنْ النَّار مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ إِيمَان"، قَالَ: وَهَذَا مِنْ الْمَعَارِيض الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَة.
_________________
(١) = وأوقد القوم نارًا ليصنعوا عليها صنيعًا لهم، أو يصطلون، قال: فقال لهم: أليس لي عليكم السمع والطاعة؟ قالوا: بلي، قال: فما أنا بآمركم بشيء إن صنعتموه؟ قالوا: بلي، قال: أعزم عليكم بحقي وطاعتي لَما تواثبتم في هذه النار، فقام ناس، فتحجّزوا حتى إذا ظن أنهم واثبون قال: احبسوا أنفسكم، فإنما كنت أضحك معكم، فذكروا ذلك للنبيّ - ﷺ - بعد أن قَدِموا، فقال النبيُّ - ﷺ -: "من أمركم منهم بمعصية فلا تطيعوه". انتهى.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٧٥، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٤٠).
[ ٣٢ / ٧٨ ]
يُرِيد أَنَّهُ سِيقَ مَسَاق الزَّجْر وَالتَّخْويف، لِيَفْهَمَ السَّامِع أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ خُلِّدَ فِي النَّار، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، وَإِنَّمَا أرِيدَ بِهِ الزَّجْر وَالتَّخْوِيف.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَقْصِد دُخُولهمْ النَّار حَقِيقَةً، وإِنَّمَا أَشَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ طَاعَة الْأَمِير وَاجِبَة، وَمَنْ تَرَكَ الْوَاجِب دَخَلَ النَّار، فَإِذَا شَقَّ عَلَيْكُمْ دُخُول هَذِهِ النَّار، فَكَيْف بِالنَّارِ الْكُبْرَى؛ وَكَأَنَّ قَصْده أَنَّهُ لَوْ رَأَى مِنْهُمْ الْجِدّ فِي وُلُوجهَا لَمَنَعَهُمْ. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أحسن التأويلات عندي ما استظهره الحافظ فيما سبق، من أنه - ﷺ - إنما أخبرهم بأنهم لو دخلوها ظانّين بأن طاعة أميرهم يُنجيهم منها، وأنها لا تضرّهم، لَمَا نفعهم ذلك، بل يحترقون، ويموتون، فلا يرجعون إلى الدنيا إلى يوم القيامة، فهذا الوجه أقرب الأوجه، فتأمّله بالإمعان، والله تعالى أعلم.
(وَقَالَ) - ﷺ - (لِلآخَرِينَ قَوْلًا حَسَنًا)؛ أي: أثنى - ﷺ - على الذين قالوا: إنما فررنا منها، حيث إنهم أصابوا الحقّ، (وَقَالَ) - ﷺ - مبيّنًا للقاعدة العامّة التي يجب معرفتها، والسير على ضوئها ("لَا طَاعَةَ) لأيّ أحد (فِي مَعْصِيَةِ الله، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ") وفي حديث أبي سعيد - ﵁ -: "مَنْ أَمَركم منهم بمعصية، فلا تطيعوه".
قال أبو العباس القرطبيّ - ﵀ -: "إنما" هذه للتحقيق والحصر، فكأنه قال: لا تكون الطاعة إلَّا في المعروف، ويعني بالمعروف هنا ما ليس بمنكر، ولا معصية، فيدخل فيها الطاعة الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا، فلو أمر بجائز لصارت طاعته واجبةً، ولَمَا حلّت مخالفته، فلو أَمَر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه، لا تحريم، فهذا مشكل، والأظهر جواز المخالفة؛ تمسّكًا بقوله: "إنما الطاعة في المعروف"، وهذا ليس بمعروف، إلَّا بأن يخاف على نفسه منه، فله أن يمتثل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام القرطبيّ (^٢).
قال الجامع عفا الة تعالى عنه: قوله: "فهذا مشكل" فيه نظرٌ لا يخفى؛ إذ
_________________
(١) "الفتح" ١٦/ ٦٢٧ - ٦٢٨، كتاب "الأحكام" رقم (٧١٤٥).
(٢) "المفهم" ٤/ ٤١.
[ ٣٢ / ٧٩ ]
هو منكرٌ شرعًا؛ لأنَّ الشارع لا يزجر إلَّا عن منكر، فكيف يُشكل هذا؟، فتبصّر، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عليّ - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٥٦ و٤٧٥٧ و٤٧٥٨] (١٨٤٠)، و(البخاريّ) في "المغازي" (٤٣٤٠) و"الأحكام" (٧١٤٥) و"أخبار الآحاد" (٧٢٥٧)، و(أبو داود) في "الجهاد" (٢٦٢٥)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٠٩) و"الكبرى" (٤٣٤/ ٤ و٥/ ٢٢١)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنفه" (٦/ ٥٤٣)، و(الطيالسيّ) في "مسنده" (١/ ١٥ و١٧)، و(ابن المبارك) في "مسنده" (١/ ١٦٣)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ٨٢ و١٢٤)، و(البزار) في "مسنده" (٢/ ٢٠٦)، و(ابن حبّان في "صحيحه" (٤٥٦٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (١/ ٣٠٩ و٤٥٤)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ١٤٠)، و(أبو نعيم) في "الحلية" (٥/ ٣٨)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله تعالى.
٢ - (ومنها): بيان أَنَّ حُكْم الأمير فِي حَال الْغَضَب يَنْفُذ مِنْهُ مَا لَا يُخَالِف الشَّرْع.
٣ - (ومنها): أَن الْغَضَب يُغَطِّي عَلَى ذَوِي الْعُقُول عقولهم.
٤ - (ومنها): أنَّ الْإيمَان بِاللهِ يُنَجِّي مِنَ النَّار لِقَوْلِهِمْ: "إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مِنَ النَّارِ".
٥ - (ومنها): أن الْفِرَار إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فِرَار إلَى الله، وَالْفِرَار إِلَى الله، يُطْلَق عَلَى الْإيمَان، قَالَ الله تَعَالَى: " ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾ [الذاريات: ٥٠].
٦ - (ومنها): ما قال القرطبيّ - ﵀ -: قوله: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا،
[ ٣٢ / ٨٠ ]
إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ظاهر في أنه تحرم الطاعة في المعصية المأمور بها، وأن المطيع فيها يستحقّ العقاب.
٧ - (ومنها): ما قاله أيضًا: قوله: "وقال للآخرين قولًا حسنًا" يدلّ على مدح المصيب في المجتهدات، كما أنّ القول الأول يدلّ على ذمِّ المقصّر المخطئ وتعصيته، مع أنه ما كان تقدّم لهم في مثل تلك النازلة نصٌّ، لكنهم قصّروا حيث لَمْ ينظروا في قواعد الشريعة الكلية، ومقاصدها المعلومة الجليّة. انتهى (^١).
٨ - (ومنها): أَنَّ الْأَمْر الْمُطْلَق لَا يَعُمّ الْأَحْوَال؛ لِأَنَّهُ - ﷺ -، أَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوا الْأَمِير، فَحَمَلُوا ذَلِكَ عَلَى عُمُوم الْأَحْوَال، حَتَّى فِي حَال الْغَضَب، وَفِي حَال الْأَمْر بِالْمَعْصِيَة، فَبَيَّنَ لَهُمْ - ﷺ -، أَنَّ الْأَمْر بِطَاعَتِه، مَقْصُور عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ فِي غَيْر مَعْصِيَة (^٢).
٩ - (ومنها): أنه اسْتَنْبَطَ مِنْ هذا الحديث الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة، أَنَّ الْجَمْع مِنْ هَذِهِ الْأَمَة، لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأ؛ لِانْقِسَامِ السَّرِيَّة قِسْمَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ هَانَ عَلَيْهِ دُخُول النَّار، فَظَنَّهُ طَاعَة، وَمِنْهُمْ مَنْ فَهِمَ حَقِيقَة الْأَمْر، وَأَنَّهُ مَقْصُور عَلَى مَا لَيْسَ بمَعْصِيَةٍ، فَكَانَ اخْتِلَافهمْ سَبَبًا لِرَحْمَةِ الْجَمِيع، قَالَ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ كَانَ صَادِق النِّيَّة، لَا يَقَع إِلَّا فِي خَيْر، وَلَوْ قَصَدَ الشَّرّ، فَإِنَّ الله يَصْرِفهُ عَنْهُ، وَلهَذَا قَالَ بَعْض أَهْل الْمَعْرِفَة: مَنْ صَدَقَ مَعَ الله، وَقَاهُ اللهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى الله، كَفَاهُ اللهُ (^٣)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذا الحديث يرُدّ حكايةً، حُكيت عن بعض مشايخ الصوفيّة، وذلك أن مريدًا له قال له يومًا: قد حَمِي التنّور، فما أصنع؟ فتغافل عنه، فأعاد عليه القول، فقال له: ادخل فيه، فدخل المريد في التنّور، ثم إن الشيخ تذكّر، فقال: الحقوه، كان قد عَقَد على نفسه أن لا يُخالفني، فَلَحِقُوه، فوجدوه في التنّور لَمْ تضرّه النار. وهذه الحكاية
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤٠.
(٢) "الفتح" ٩/ ٤٧٦، كتاب "المغازي" رقم (٤٣٤٠).
(٣) راجع: "بهجة النفوس" ٤/ ٧٢ - ٧٣.
[ ٣٢ / ٨١ ]
أظنّها من الكذب الذي كُذب به على هذه الطائفة الفاضلة، فكم قد كَذَبَ عليها الزنادقة، وأعداء الدين (^١).
قال: وبيان ما يُحقّق ذلك أن هذا الشيخ إما أن يكون قاصدًا لأمر ذلك المريد بدخول التنّور، أو لا، فإن كان قاصدًا كان قصده ذلك معصيةً، ولا طاعة فيها بنصّ النبيّ - ﷺ -، ويكون امتثال المريد لذلك معصيةً، وكيف تظهر الكرامات على العصاة في حال معصيتهم؟، فإن الكرامة تدلّ على حسن حال من ظهرت على يديه، وأنه مطيع لله تعالى في تلك الحالة مع جواز أمر آخر يكون في المستقبل.
وإن كان ذلك الشيخ غير قاصد لذلك، ولا شاعر بما صدر عنه، فكيف يحلّ للمريد أن يُلقي نفسه في النار بأمر غلَط، لا حقيقة له، ثم هذا المريد عاص بذلك الفعل، ولا يظهر على العاصي كرامة في حال ملابسته للمعصية، ولو جاز ذلك لجاز للزناة، وشَرَبَة الخمر، والفَسَقَة أن يدّعوا الكرامات، وهم ملابسون لفسقهم، هذا ما لا يجوز إجماعًا، وإنما تُنسب الكرامات لأولياء الله، وهم أهل طاعته، لا أولياء الشيطان، وهم أهل الفسق والعصيان.
والأَولى في هذه الحكاية، وأشباهها مما لا يليق بأحوال الفضلاء،
_________________
(١) قال الجامع عفا الله عنه: في دعوى القرطبيّ الكذب عليهم نظر لا يخفي، فإن هذه القصّة وأشباهها موجود في كتب هذه الطائفة، ومسطّر عندهم، يتبجّحون به، ويجعلونه من جملة كرامات مشايخهم، فمن شكّ في هذا، فليُطالع "طبقات الشعرانيّ" الكبرى، و"رسالة القشيريّ"، و"جامع كرامات الأولياء" للنبهانيّ، وغير ذلك من الكتب المعتمدة عندهم التي يجعلونها أساسًا لطريقتهم، ويذكرون لمريديهم فضلها، ويحثّونهم على سلوك ما وجّهت إليه، ومن خالفها فقد هلك وعطب، ولا ينال مما عندهم من المدد شيئًا، بل يكون محرومًا مطرودًا، فكيف يقال: إن هذا مما كَذَب عليها الزنادقة؟ هيهات هيهات، فإن أردت أن تعلم أنّ ما قلته حقًّا، فراجع على سبيل المثال: "طبقات الشعرانيّ" ٢/ ٩٧ و١٢٢ و١٦٦ و١٦٧ ترى العجب العجاب، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، إنك وليّ ذلك، والقادر عليه، آمين.
[ ٣٢ / ٨٢ ]
والعلماء الطعن على الناقل، لا على المنقول عنه، والله تعالى أعلم.
[فإن قيل]: إن الشيخ لَمْ يكن قاصدًا لإدخال المريد نفسه النار، وإنما صدر ذلك منه على جهة التأديب والتغليظ؛ لكونه أكثر عليه من السؤال، فكأنه قطعه عما كان أَولى به في ذلك الحال، والمريد لصحّة اعتقاده في شيخه، وللوفاء بما جعل له عليه من الطاعة، وتَرْك المخالفة، ولاعتقاده أنه لا يأمره إلَّا بما فيه مصلحةٌ دينيّة، ثم إنه قد صحّ توكّل هذا المريد على الله تعالى، وصدقه في حاله، فحصل له من مجموع ذلك أن الله تعالى ينجّيه من النار، ويجعل له في ذلك مخرجًا.
[فالجواب]: أن يقول من يُجوّز الإقدام على تلك الحالة بتلك القيود المذكورة، يلزمه أن يُجوّز ما هو مُحرّم إجماعًا.
بيان ذلك: أنه لو قال له على تلك الحال بتلك القيود: اقتل فلانًا المسلم، أو ازْنِ بفلانة، أو اشرب الخمر، لَمْ يجُز الإقدام على شيء من ذلك بالإجماع، ولو كانت له تلك القيود كلّها، ولا فرق بين سورة الحكاية المذكورة، وبين هذه الصور التي ذكرناها، إذ الكلّ محرّمٌ قطعًا، وإن جُوّز انخراق العادة في أن النار لا تحرق، والسيف لا يحُزّ الرقبة، والْمُدْية لا تقطع الحلق، لكنّ هذه التجويزات لا يُلتفت إليها، ولا تُهَدّ القواعد الشرعيّة لأجلها، فلو أقدم على شيء من تلك الأمور لأجل أمر هذا الشيخ، لكان عاصيًا، فكذلك إذا ألقى نفسه في النار، ولا فرق.
ثم نقول: إن التوكّل على الله لا يصحّ مع المخالفة والمعصية، وذلك أن التوكّل على الله تعالى هو الاعتماد عليه، والتفويض إليه فيما يجوز الإقدام عليه، أو فيما يُخاف وقوعه، أو يُرتجى حصوله، وقد يُفضي التوكّل بصاحبه إلى أن لا يخاف شيئًا إلَّا الله، ولا يرجو سواه؛ إذ لا فاعل على الحقيقة إلَّا هو، وهذه الحالة إنما تثمرها المعرفة بالله تعالى، وبأحكامه، وملازمة الطاعة والتقوى، والتوفيق الخاصّ الإلهيّ، وعلى هذا فمن المحال حصول هذه الحالة مع المعصية والمخالفة، والصحيح ما قاله رسول الله - ﷺ -: "لو دخلوها ما خرجوا منها"، وهذا هو الحقّ المُبين، ولو كَرِه أكثر الجاهلين.
ومن نوع هذه الحكاية: حكاية أبي حمزة الذي وقع في البئر، ثم جاء
[ ٣٢ / ٨٣ ]
قومٌ، وغطّوا البئر، وهو في قعره ساكت، لَمْ يتكلّم، متوكّلًا على الله تعالى إلى أن غطّوا البئر، وانصرفوا، وللكلام في هذا موضع آخر. انتهى كلام القرطبيّ - ﵀ - (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي ذكره القرطبيّ - ﵀ - كلام نفيسٌ جدًّا، فإن مثل هذه الحكايات كثيرة في هذه الطائفة، ومن يُطالع "طبقات الأولياء" للشعرانيّ يرى العجب العجاب، فتنبّه أيها العاقلي، ولا تغترّ بمثل هذا، وهذا هو الحقّ الأبلج، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس: ٣٢]، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلِّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٧] (…) - (وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ - وَتَقَارَبُوا فِي اللَّفْظِ - قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - سَريَّةً، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا، مِنَ الأَنْصَار، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ، وَيُطِيعُوا، فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ، فَقَالَ: اجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا لَهُ (^٢)، ثُمَّ قَالَ: أَوْقدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوا، ثُمَّ قَالَ: أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ تَسْمَعُوا لِي، وَتُطِيعُوا؛ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَادْخُلُوهَا، قَالَ: فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنَ النَّار، فَكَانُوا كَذَلِكَ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ، وَطُفِئَتِ النَّارُ، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا (^٣) مَا خَرَجُوا مِنْهَا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ").
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ) عبد الله بن سعيد بن حُصين الْكِنْديّ الكوفيّ،
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤١ - ٤٣.
(٢) وفي نسخة: "فجمعوا، ثم قال".
(٣) وفي نسخة: "لو دخلوا فيها".
[ ٣٢ / ٨٤ ]
ثقةٌ، من صغار [١٠] (ت ٢٥٧) (ع) تقدم في "المقدمة" ٤/ ١٧، وهو من مشايخ الجماعة بلا واسطة، وهم المذكورون في قولي:
اشْتَرَكَ الأَئِمَّةُ الْهُدَاةُ … ذَوُو الأُصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاةُ
فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ الْبَارِعِنَ الْبَرَرَهْ
أُولَئِكَ الأَشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي
وَابْنُ الْعَلَاءِ وَابْنُ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيَادٌ يُحْتَذَى
٢ - (الأَعْمَشُ) سليمان بن مِهْران الأسديّ الكاهليّ مولاهم، أبو محمد الكوفيّ، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة، ورعٌ، لكنّه يُدلّس [٥] (ت ١٤٧) أو بعدها (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" ج ١ ص ٢٩٧.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (رَجُلًا، مِنَ الأَنْصَارِ) هذا دليل واضح على أنَّ الرجل المذكور ليس عبد الله بن حذيفة؛ لأنه قرشيّ مهاجريّ، لا أنصاريّ، فالقصّة غير القصّة، وقد تقدّم تحقيق ذلك في الحديث الماضي.
وقوله: (إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)؛ أي: فيما رضيه الشارع، واستحسنه، وهذا صريح في أنه لا طاعة في محرّم، فهو مقيّد للأخبار المطلقة (^١).
وقال في "العون": قوله: "في المعروف"؛ أي: لا في المنكر، والمراد بالمعروف: ما كان من الأمور المعروفة في الشرع، وهذا تقييد لِمَا أُطلق في الأحاديث المطلقة القاضية بطاعة أولي الأمر على العموم. انتهى (^٢)، وتمام شرح الحديث، وبيان مسائله تقدّمت في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٨] (…) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، وَأَبُو مُعَاوِيةَ، عَنِ الأَعْمَش، بِهَذَا الْإِسْنَاد، نَحْوَهُ).
_________________
(١) "فيض القدير" ٦/ ٤٣٢.
(٢) "عون المعبود" ٧/ ٢٠٨.
[ ٣٢ / ٨٥ ]
رجال هذا الإسناد: أربعة:
وكلّهم ذُكروا في الباب، والباب الماضي.
[تنبيه]: رواية وكيع، عن الأعمش هذه، ساقها أبو بكر بن أبي شيبة - ﵀ - في "مصنّفه"، فقال:
(٣٣٧٠٦) - حدّثنا وكيع، قال: ثنا الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ، قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً، واستَعْمَل عليهم رجلًا من الأنصار، فأمرهم أن يسمعوا له، ويطيعوا، قال: فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له حطبًا، قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا نارًا، قال: ألم يأمركم أن تسمعوا لي، وتطيعوا؟ قالوا: بلي، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - ﷺ - من النار، قال: فبينما هم كذلك إذ سكن غضبه، وطَفِئت النار، قال: فلما قَدِمُوا على النبيِّ - ﷺ - ذكروا ذلك له، فقال: "لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف". انتهى (^١).
وأما رواية أبي معاوية، عن الأعمش، فساقها الإمام أحمد - ﵀ - في "مسنده"، فقال:
(٦٢٢) - حدّثنا عبد الله (^٢)، حدّثني أبي، ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن سعد بن عُبيدة، عن أبي عبد الرَّحمن السُّلَميّ، عن عليّ - ﵁ - قال: بعث رسول الله - ﷺ - سَرِيّةً، واستَعْمَل عليهم رجلًا من الأنصار، قال: فلما خرجوا قال: وَجَدَ عليهم في شيء، فقال: قال لهم: أليس قد أمركم رسول الله - ﷺ - أن تطيعوني؟ قال: قالوا: بلى، قال: فقال: اجمعوا حطبًا، ثم دعا بنار، فأضرمها فيه، ثم قال: عَزَمت عليكم لتدخلنّها، قال: فَهَمَّ القوم أن يدخلوها، قال: فقال لهم شابّ منهم: إنما فررتم إلى رسول الله - ﷺ - من النار، فلا تعجلوا حتى تَلْقَوا النبيّ - ﷺ -، فإن أَمَركم أن تدخلوها فادخلوا، قال: فرجعوا
_________________
(١) "مصنف ابن أبي شيبة" ٦/ ٥٤٣.
(٢) هو: ولد الإمام أحمد، راوي "المسند" عنه، فتنبّه.
[ ٣٢ / ٨٦ ]
إلى النبيّ - ﷺ -، فأخبروه، فقال لهم: "لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف". انتهى (^١).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٥٩] (١٧٠٩) (^٢) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى السَّمْع، وَالطَّاعَة، فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْر، وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَه، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ).
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ) بن قيس الأنصاريّ، أبو سعيد المدنيّ القاضي، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ [٥] (ت ٢٤٤) أو بعدها (ع) تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٧.
٢ - (عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ) بن الصامت الأنصاريّ المدنيّ، أبو الصامت، ويقال له: عبد الله أيضًا، ثقةٌ [٤].
رَوَى عنه أبيه، وجدّه، وأبي اليسر كعب، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدريّ، والرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ، وغيرهم.
وروى عنه عبيد الله بن عمر، وابن عجلان، وابن إسحاق، ويزيد بن الهاد، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، والوليد بن كثير، وعلي بن زيد بن جُدْعان، وغيرهم.
قال أبو زرعة، والنسائيّ: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كنيته أبو الوليد.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وابن ماجة، وله في هذا الكتاب حديثان فقط، هذا برقم (١٧٠٩)، وحديث (٣٠١٤): "من أنظر معسرًا، أو وضع عنه … " الحديث.
_________________
(١) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ١/ ٨٢.
(٢) هذا مكرر، تقدّم.
[ ٣٢ / ٨٧ ]
٣ - (أَبُوهُ) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاريّ، أبو عبادة المدنيّ، وُلد في حياة النبيّ - ﷺ -، ثقةٌ، من كبار [٢].
رَوَى عن أبيه، وعنه ابنه عبادة، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن يحيى بن حَبَّان، وعطاء بن السائب، وسليمان بن حبيب المحاربيّ، وعُمارة بن عُمير، ويزيد بن أبي حبيب، وغيرهم.
قال العجليّ: شاميّ، تابعيٌّ، ثقةٌ، وقال ابن سعد: تُوُفّي في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان ثقةً، قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال هو وابن سعد: وُلِد في آخر عهد النبيّ - ﷺ -.
أخرج له البخاريّ، والمصنّف، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجة، وليس له في هذا الكتاب إلَّا هذا الحديث.
٤ - (جَدُّهُ) عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الْخَزْرجيّ، أبو الوليد المدنيّ، أحد النقباء، بدريّ مشهور، مات بالرملة سنة (٣٤)، وله (٧٢) سنةً، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية، قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
والباقون ذُكروا في الباب، و"عبيد الله بن عمر" هو الْعُمريّ.
[تنبيه]: من لطائف هذا الإسناد:
أنه من سُداسيّات المصنّف - ﵀ -، وفيه تابعيّان رويا عن تابعيّ، عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن جدّه، وأن صحابيّه من مشاهير الصحابة - ﵃ -، شهد بدرًا، وما بعدها، وهو أحد النقباء ليلة العقبة - ﵁ -.
شرح الحديث:
(عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) الوليد بن عبادة (عَنْ جَدِّهِ)؛ أي جدّ عبادة بن الوليد، وهو عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه (قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -)؛ أي: عاهدناه، وعاقدناه، وأعطيناه خالصة أنفسنا.
[تنبيه]: "البيعة" - بفتح، فسكون -: في الأصلِ الصَّفقة على إيجاب البيع، وجمعها بَيْعَات - بالسكون - وتُحرّك في لغة هُذيل، وهو على خلاف القياس؛ لأنَّ القاعدة أن قياس فَعْلَة - بفتح الفاء، وسكون العين - على
[ ٣٢ / ٨٨ ]
فَعْلات، ساكن العين أيضًا، إن كان معتلّ العين، نحو: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ [الشورى: ٢٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)﴾ [النور: ٥٨]، هذا لغة عامة العرب، وتفتحها هُذَيلٌ إتباعًا للفاء.
ثم تُطلق البيعة على المبايعة، والطاعة، وهو المراد هنا.
قال في "الفتح": المبايعة: عبارة عن المعاهدة، سُمّيت بذلك تشبيهًا لها بالمعاوضة الماليّة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى.
وقال في "النهاية" ما معناه: المبايعة على الإسلام: عبارة عن المعاقدة عليه، والمعاهدة، كأن كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه، وأعطاه خالصة نفسه، وطاعته، ودَخِيلةَ أمره. انتهى.
وقال القاضي عياض - ﵀ - ما حاصله: اختُلف في اشتقاق البيعة، فقيل: أصله من البيع؛ لأنَّ المتبايعين يمُدّ كلّ واحد منهما يده إلى صاحبه، ولمّا كان الأمراء عند التوثيق بمن يأخذون عليه العهد، يأخذون بيده، شُبّه بذلك، فسُمّيت مبايعةً، وقيل: بل كانوا يضربون بأيدي بعضهم على بعض عند التبايع، ولهذا سمّيت صفقةً؛ لِصَفْق الأيدي عندها، فسُمّيت بها، وقيل: بل سُمّيت مبايعة؛ لِمَا فيها من المعاوضة، تشبيهًا بالبيع أيضًا؛ لِمَا وعدهم الله من الجزاء، والثواب على الإسلام، وطاعة الرسول - ﷺ -، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ الآية [التوبة: ١١١]. انتهى كلام القاضي عياض - ﵀ -.
وقال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: البيعة مأخوذة من البيع، وذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، فكأنه قد بذل نفسه، وماله لله تعالى، وقد وعده الله تعالى على ذلك بالجنّة، فكأنه قد حصلت له المعاوضة، فصدق
[ ٣٢ / ٨٩ ]
على ذلك اسم البيع، والمبايعة، والشراء، كما قال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ إلى أن قال: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ الآية [التوبة: ١١١]، وعلى نحوٍ من هذا قال النبيّ - ﷺ - لصهيب: "ربِحَ البيع أبا يحيى" (^١)، وكانت قريش تبعته لتردّه عن هجرته، فبذل لهم ماله في تخليص نفسه ابتغاء ثواب الله تعالى، فسمّاه النبيّ - ﷺ - بيعًا، وهذا أحسن ما قيل في المبايعة.
[تنبيه آخر]: كانت تلك المبايعة ليلة العقبة، كما قاله في "الفتح"، قال أبو العبّاس القرطبيّ - ﵀ -: هذه البيعة تُسمَّى بيعة الأمراء، وسُمِّيت بذلك؛ لأنَّ المقصود بها تأكيد السمع والطاعة على الأمراء، وقد كان عبادة - ﵁ - بايع رسول الله - ﷺ - بيعة النساء، وسمّيت بذلك؛ لأنه لَمْ يكن فيها ذِكْر حرب، ولا قتال، وقد بايع النبيّ - ﷺ - أصحابه بيعة الرضوان، وسمّيت بذلك لقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]. انتهى (^٢).
(عَلَى السَّمْع، وَالطَّاعَةِ) متعلّق بـ "بايعنا"، و"على" بمعنى اللام، أو بتضمين "بايعنا" معنى العهد؛ أي: عاهدناه على أنَّ نسمع كلامه، ونطيع أمره، وكذا من يقوم بعده مقامه من الخلفاء. (فِي الْيُسْرِ وَالْعُسْرِ) وفي رواية إسماعيل بن عُبيد عند أحمد: "وعلى النفقة في العسر واليسر"، (وَالْمَنْشَطِ) بفتح الميم، والمعجمة، وسكون النون بينهما؛ أي: في حالة نشاطنا. (وَالْمَكْرَهِ) بضبط ما قبله؛ أي: في الحالة التي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، ونقل ابن التين عن الداوديّ أن المراد: الأشياء التي يكرهونها، قال ابن التين: والظاهر أنه أراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج؛ ليطابق قوله: "في المنشط"، ويؤيِّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عُبيد بن رفاعة، عن عبادة، عند أحمد: "في النشاط والكسل"، قاله في "الفتح".
_________________
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ٣٩٨) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذهبيّ.
(٢) "المفهم" ٤/ ٤٤ - ٤٥.
[ ٣٢ / ٩٠ ]
وقال السنديّ: الْمَنشَطُ، والْمَكْره: مَفْعلٌ بفتح الميم والعين، من النشاط، والكراهة، وهما مصدران؛ أي: في حالة النشاط والكراهة؛ أي: حالة انشراح صدورنا، وطيب قلوبنا، وما يُضادّ ذلك، أو اسما زمان، والمعنى واضح، أو اسما مكان؛ أي: فيما فيه نشاطهم، وكراهتهم، كذا قيل، ولا يخفى أن ما ذكره من المعنى على تقدير كونهما اسمَي مكان مجازيّ، وكذا قال بعضهم: كونهما اسمَيْ مكان بعيد. انتهى (^١).
(وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا) - بفتح الهمزة، والمثلّثة -؛ أي: تفضيل غيرنا علينا في الفيء، أو في غيره. والمراد: أن طواعيتهم لمن يتولّى عليهم لا تتوقّف على إيصالهم حقوقهم إليهم، بل عليهم الطاعة، ولو منعوهم حقّهم.
(وَعَلَى أنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ)؛ أي: وبايعناه أيضًا على أنَّ لا ننازع الأمر؛ أي: الملك والإمارة، أو كلّ الأمور، (أَهْلَهُ) الضمير للأمر؛ أي: إذا وُكل الأمر إلى من هو أهلٌ له، فليس لنا أن نجرّه إلى غيره، سواء كان ذلك الغير أهلًا، أم غير أهل، زاد في رواية أحمد: "وإن رأيت أن لك"؛ أي: وإن اعتقدتَ أن لك في الأمر حقًّا، فلا تعمل بذلك الظنّ، بل اسمع، وأطع إلى أن يَصِل إليك بغير خروج عن الطاعة، وزاد في رواية عند ابن حبّان وأحمد: "وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك".
(وَأَنْ نَقُولَ) باللام في رواية مسلم، وفي رواية للبخاريّ: "وأن نقوم" بالميم، (بِالْحَقِّ)؛ أي: بإظهاره، وتبليغه للناس (أَيْنَمَا كُنَّا)؛ أي: في موضع وُجدنا، (لا نَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ)؛ أي: لا نترك قول الحقّ لأجل خوف ملامة اللائمين علينا.
وقال النوويّ - ﵀ -: معناه: نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر في كلّ زمان ومكان، الكبار والصغار، لا نُداهن فيه أحدًا، ولا نخافه، ولا نلتفت إلى اللائمين. انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
_________________
(١) "شرح السنديّ على النسائيّ" ٧/ ١٣٨.
(٢) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٠.
[ ٣٢ / ٩١ ]
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٤٧٥٩ و٤٧٦٠ و٤٧٦١ و٤٧٦٢] (١٧٠٩) (^١)، و(البخاريّ) في "الفتن" (٧٠٥٦) و"الأحكام" (٧١٩٩)، و(النسائيّ) في "البيعة" (٧/ ١٣٩) و"الكبرى" (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢ و٥/ ٢١١ - ٢١٢)، و(ابن ماجة) في "الجهاد" (٢٨٦٦)، و(مالك) في "الموطّأ" (٩٧٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٥/ ٣١٤ و٣١٦ و٣١٨ و٣٢١)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٤٥٤٧)، و(أبو عوانة) في "مسنده" (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، و(ابن الجعد) في "مسنده" (١/ ٢٦١)، و(البيهقيّ) في "الكبرى" (٨/ ١٤٥)، و(البغويّ) في "شرح السُّنَّة" (٢٤٥٦)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): وجوب سمع كلام الأمراء، وطاعة أوامرهم.
٢ - (منها): بيان مشروعيَّة بيعة الإمام على السمع والطاعة.
٣ - (ومنها): أن وجوب الطاعة لا يختلف باختلاف الأحوال من العسر واليسر، والنشاط والكُره، فيجب على المسلم طاعتهم في كلّ أحواله، قَدْر استطاعته.
٤ - (ومنها): أنه لا يجوز منازعة وليّ الأمر في شأن الولاية، ولا في غيرها، إلَّا أن يكون معصية، إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق.
٥ - (ومنها): وجوب قول الحقّ، من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم المداهنة فيه للناس، ولا الالتفات إلى لوم لائمهم، بل يغيّر المنكر بكلّ ما يقدر عليه، من فعل، أو قول، ما لَمْ يخشَ إثارة فتنة، وتسبُّب منكر أشدّ منه.
_________________
(١) هذا الرقم للأستاذ محمد فؤاد - ﵀ -، وهو إشارة إلى أن حديث عبادة - ﵁ - هذا تقدّم بالرقم المذكور، لكن سياق الذي تقدّم غير هذا السياق، وقد تقدّم في كتاب "الحدود" برقم [١١/ ٤٤٥٣] (١٧٠٩) فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
[ ٣٢ / ٩٢ ]
قال النوويّ - ﵀ -: وأجمع العلماء على أن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فرض كفاية، فإن خاف من ذلك على نفسه، أو ماله، أو على غيره، سقط الإنكار بيده، ولسانه، ووجبت كراهته بقلبه، هذا مذهبنا، ومذهب الجماهير، وحكى القاضي هنا عن بعضهم أنه ذهب إلى الإنكار مطلقًا في هذه الحالة، وغيرها. انتهى (^١).
وقال الطبريّ - ﵀ -: اختَلَف السلف في الأمر بالمعروف، فقالت طائفة: يجب مطلقًا، واحتجوا بحديث طارق بن شهاب رفعه: "أفضل الجهاد كلمة حقّ عند سلطان جائر"، وبعموم قوله - ﷺ -: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده. . ." الحديث، وقال بعضهم: يجب إنكار المنكر، لكن شرطه أن لا يلحق المنكر بلاءٌ، لا قِبَلَ له به من قَتْل، ونحوه، وقال آخرون: يُنكِر بقلبه؛ لحديث أم سلمة - ﵂ - مرفوعًا: "يُسْتَعْمَل عليكم أمراء بعدي، فمن كَرِهَ فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلِم، ولكن من رَضِيَ وتابع. . ." (^٢) الحديث.
قال: والصواب اعتبار الشرط المذكور، ويدلّ عليه حديث: "لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه"، ثم فسّره بأن يتعرض من البلاء لِمَا لا يُطيق. انتهى ملخصًا.
وقال غيره: يجب الأمر بالمعروف لمن قَدَر عليه، ولم يَخَف على نفسه منه ضررًا، ولو كان الآمر متلبسًا بالمعصية؛ لأنه في الجملة يُؤْجَر على الأمر بالمعروف، ولا سيما إن كان مطاعًا، وأما إثمه الخاصّ به فقد يغفره الله له، وقد يؤاخذه به، وأما من قال: لا يأمر بالمعروف، إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأَولى فجيّد، وإلا فيستلزم سدّ باب الأمر، إذا لم يكن هناك غيره. انتهى (^٣).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصّل مما سبق أن الحقّ هو ما عليه جمهور أهل العلم من وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لمن قَدَر
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٣٠.
(٢) حديث صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ.
(٣) "الفتح" ١٦/ ٥١٣، كتاب "الفتن" رقم (٧٠٩٨).
[ ٣٢ / ٩٣ ]
عليه، وإلا فلا؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"، رواه مسلم.
فقد رخّص الشارع في هذا النصّ في ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فعلًا، أو قولًا عند عدم الاستطاعة، فالقول بالوجوب مطلقًا مخالف لهذا النصّ.
لكن لو أخذ أحد بالعزيمة، فواجه من يخافه بذلك، لكان أفضل؛ لِمَا أخرجه النسائيّ (٤٢١١) بإسناد صحيح، عن طارق بن شهاب، أن رجلًا سأل النبيّ - ﷺ -، وقد وضع رجله في الْغَرْز: أيُّ الجهاد أفضل؟ قال: "كلمة حقّ، عند سلطان جائر"، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): في حكم البيعة:
قال القرطبيّ - ﵀ -: البيعة واجبة على كلّ مسلم؛ لقوله - ﷺ -: "من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتةً جاهليّة"، رواه مسلم، غير أنه من كان من أهل الحلّ والعقد، والشهرة، فبيعته بالقول، والمباشرة باليد، إن كان حاضرًا، أو بالقول والإشهاد عليه، إن كان غائبًا، ويكفي من لا يؤبه له، ولا يُعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام، ويَسمع، ويُطيع له في السرّ والجهر، ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره، فمات مات مِيتَةً جاهليّة؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قوله: "واجبة على كلّ مسلم. . . إلخ" هذا إذا كان للمسلمين إمام، أما إذا لم يكن لهم إمام، وكانوا فوضَى، فلا وجوب؛ لحديث حذيفة المتّفق عليه، واللفظ للبخاريّ، قال: كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يُدركني، فقلت: يا رسول الله - ﷺ -، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟، قال: "نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: "نعم، وفيه دَخَنٌ"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم يَهدُون بغير هديي، تَعرف
_________________
(١) "المفهم" ٤/ ٤/ ٤٤.
[ ٣٢ / ٩٤ ]
منهم وتُنكر" قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: "نعم دُعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها، قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صِفْهم لنا، فقال: "هم من جِلْدَتنا، ويتكلمون بألسنتنا"، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين، وإمامهم" قلت: فإن لم يكن لهم جماعة، ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تَعَضّ بأصل شجرة، حتى يُدركك الموت، وأنت على ذلك".
فهذا الحديث صريح في أن وجوب لزوم الجماعة إنما يكون إذا وُجدت الجماعة، وكان لها إمام، وأما إذا لم يكن كذلك، فالواجب اعتزال الفِرَق كلها، فرارًا بدينه، كما أمره به النبيّ - ﷺ -، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة الخامسة): في حكم الخروج على الأئمة لِظُلْمهم:
قال النوويّ - ﵀ - ما حاصله: أجمع المسلمون على أن الخروج على الأئمّة وقتالهم حرام، وإن كانوا فَسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السُّنَّة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكِي عن المعتزلة أيضًا فَغَلَطٌ من قائله، مخالف للإجماع.
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه.
قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات، والدعاء إليها، قال: وكذلك عند جمهورهم البدعة، قال: وقال بعض البصريين: تنعقد له، وتستدام له؛ لأنه متأوِّلٌ، قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر، وتغيير للشرع، أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه، وخلعه، ونَصْب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع، إلا إذا ظَنُّوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، ولْيُهاجِر المسلم عن أرضه إلى غيرها، ويفِرّ بدينه، قال: ولا تنعقد لفاسق ابتداءً، فلو طرأ على
[ ٣٢ / ٩٥ ]
الخليفة فسق، قال بعضهم: يجب خلعه إلا إن تترتب عليه فتنة وحرب، وقال جماهير أهل السُّنَّة، من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين: لا ينعزل بالفسق، والظلم، وتعطيل الحقوق، ولا يُخلع، ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه، وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
قال القاضي: وقد ادَّعَى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع، وقد رَدَّ عليه بعضهم هذا بقيام الحسن، وابن الزبير، وأهل المدينة على بني أمية، وبقيام جماعة عظيمة من التابعين، والصدر الأول على الحَجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: "أن لا ننازع الأمر أهله" في أئمة العدل.
وحجة الجمهور أن قيامهم على الحَجّاج ليس بمجرد الفسق، بل لِمَا غيّر من الشرع، وظاهَرَ من الكفر، كبيعه الأحرار، وتفضيله الخليفة على النبيّ - ﷺ -، وقوله المشهور المنكَر في ذلك، قال القاضي: وقيل: إن هذا الخلاف كان أوّلًا، ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال في "الفتح": ونقل ابن التين عن الداوديّ قال: الذي عليه العلماء في أمراء الْجَوْر أنه إن قُدِر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وَجَب، وإلا فالواجب الصبر، وعن بعضهم: لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداءً، فإن أَحدث جورًا بعد أن كان عدلًا، فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح: المنع، إلا أن يكفر، فيجب الخروج عليه. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا القول الأخير المصحَّح عندي هو الحقّ، وحاصله أنه لا يجوز الخروج على الأئمة بأيّ نوع من أنواع الفسق، والظلم، إلا بصريح الكفر، وأما ما عداه، فإن أمكن إزالته بغير خروج عليه، فذاك، وإلا فلا يجوز الخروج عليه، وهذا هو الذي أوضحه النبيّ - ﷺ - بقوله: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا، عندكم من الله فيه برهان"، والله تعالى أعلم بالصواب.
(المسألة السادسة): في حكم نصب الإمام:
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٢/ ٢٢٩ بزيادة من "إكمال المعلم" ٦/ ٢٤٧.
(٢) "فتح الباري" ١٣/ ٨.
[ ٣٢ / ٩٦ ]
قال الإمام ابن كثير - ﵀ - في "تفسيره": وقد استدلّ القرطبي وغيره بهذه الآية (^١) على وجوب نصب الخليفة؛ لِيَفْصِل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك، من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والإمامة تُنال بالنصّ كما يقوله طائفة من أهل السُّنَّة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه، كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده، كما فعل الصدِّيق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك، كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحلّ والعقد على مبايعته، أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحَكَى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم.
أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب؛ لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نصّ عليه الشافعيّ، وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: لا يُشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائيّ: يجب أربعة، وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر - ﵁ - الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له، وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وبجب أن يكون ذَكرًا حرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا عدلًا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء، خبيرًا بالحروب، والآراء، قرشيًّا على الصحيح، ولا يشترط الهاشميّ، ولا المعصوم من الخطأ؛ خلافًا للغلاة الروافض، ولو فَسَق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل؛ لقوله - ﷺ -: "إلا أن تروا كُفرًا بَوَاحًا، عندكم من الله فيه برهان"، وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عَزَل الحسن بن عليّ - ﵄ -، وسلَّم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مُدِح على ذلك.
فأما نَصْبُ إمامين في الأرض، أو أكثر، فلا يجوز؛ لقوله - ﷺ -: "من
_________________
(١) يعني آية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.
[ ٣٢ / ٩٧ ]
جاءكم، وأمْرُكم جميع، يريد أن يفرِّق بينكم، فاقتلوه، كائنًا من كان"، وهذا قول الجمهور، وقد حَكَى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنان فأكثر، كما كان عليّ ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحَكَى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوَّز نَصْب إمامين فأكثر، إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردَّد إمام الحرمين في ذلك.
قال ابن كثير: وهذا يُشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن ما قاله الجمهور من عدم جواز تعدّد الأئمة هو الأرجح؛ للحديث المتقدّم، إلا للضرورة، بأن تغلّب أحدٌ، ولا يستطيعون دفعه؛ لقوّته فلا بأس، كما وقع ذلك في دولة بني العبّاس، حيث خرج عليهم الأمويّون بالمغرب، فتنبّه، والله تعالى أعلم بالصواب.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٠] (. . .) - (وَحَدَّثَنَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ - يَعْنِي: ابْنَ إِدْرِيسَ- حَدَّثَنَا ابْنُ عَجْلَانَ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ، فِي هَذَا الْإِسْنَادِ، مِثْلَهُ) (^٢).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ عَجْلَانَ) هو: محمد بن عجلان القرشيّ مولاهم، أبو عبد الله المدنيّ، صدوقٌ اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة - ﵁ -[٥] (ت ١٤٨) (خت م ٤) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٥٠.
والباقون ذُكروا في الباب.
وقوله: (مِثْلَهُ) سقط من بعض النسخ.
[تنبيه]: رواية ابن عجلان، وعبيد الله، ويحيى بن سعيد ثلاثتهم عن
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ١/ ٧٣.
(٢) سقط لفظ "مثله" من بعض النسخ.
[ ٣٢ / ٩٨ ]
عبادة بن الوليد ساقها ابن ماجه - ﵀ - في "سننه"، وضمّ إليهم ابن إسحاق، فقال:
(٢٨٦٦) - حدّثنا عليّ بن محمد، ثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، ويحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمر، وابن عجلان، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن عبادة بن الصامت، قال: بايعْنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول الحقّ حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦١] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ - يَعْنِي: الدَّرَاوَرْدِيَّ - عَنْ يَزِيدَ - وَهُوَ ابْنُ الْهَادِ - عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنِي أَبِي (^٢)، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ إِدْرِيسَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ أَبِي عُمَرَ) هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر الْعَدَنيّ، ثم المكيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ) ابن محمد بن عُبيد الْجُهَنيّ مولاهم، أبو محمد المدنيّ، صدوقٌ كان يُحدّث من كتب غيره، فيُخطئ [٨] (ت ٦ أو ١٨٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ٨/ ١٣٥.
٣ - (يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ) هو: يزيد بن عبد الله بن أُسامة بن الهاد الليثيّ، أبو عبد الله المدنيّ، ثقةٌ مكثرٌ [٥] (ت ١٣٩) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٣/ ١٥٩.
والباقون ذُكروا قبله.
_________________
(١) "سنن ابن ماجه" ٢/ ٩٥٧.
(٢) وفي نسخة: "عن أبيه، قال: حدّثني".
[ ٣٢ / ٩٩ ]
[تنبيه]: رواية يزيد بن الهاد، عن عبادة بن الوليد ساقها البيهقيّ - ﵀ - في "الكبرى"، فقال:
(٢٠٣٧٩) - أخبرنا عليّ بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد، ثنا العباس بن الفضل الأسفاطيّ، ثنا إبراهيم بن حمزة، ثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله - يعني: ابن الهاد - عن عبادة - يعني: ابن الوليد بن عبادة بن الصامت - عن أبيه، قال: حدّثني أبي، قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وأَثَرَة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، ونقول الحقّ حيث ما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف - ﵀ - أوّل الكتاب قال:
[٤٧٦٢] (. . .) - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنِي بُكَيْرٌ، عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَهُوَ مَرِيضٌ، فَقُلْنَا: حَدَّثْنَا - أَصْلَحَكَ اللهُ - بِحَدِيثٍ، يَنْفَعُ اللهُ بِهِ، سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: دَعَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، فَبَايَعْنَاهُ، فَكَانَ (^٢) فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ (^٣) الأَمْرَ أَهْلَهُ، قَالَ: "إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ").
رجال هذا الإسناد: سبعة:
١ - (أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُسْلِمٍ) أبو عبيد الله المصريّ، لقبه بَحْشَل، صدوقٌ تغيّر بآخره [١١] (ت ٢٦٤) (م) من أفراد المصنّف تقدم في "المساجد ومواضع الصلاة" ١٩/ ١٢٧٧.
٢ - (عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ) بن يعقوب الأنصاريّ مولاهم، أبو أيوب
_________________
(١) "سنن البيهقي الكبرى" ١٠/ ١٥٨.
(٢) وفي نسخة: "فبايعنا، فكان".
(٣) وفي نسخة: "ولا ننازع".
[ ٣٢ / ١٠٠ ]
المصريّ، ثقةٌ حافظٌ فقيهٌ [٧] مات قبل (١٥٠) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٦/ ١٦٩.
٣ - (بُكَيْرُ) بن عبد الله بن الأشجّ المخزوميّ مولاهم، أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدنيّ، نزيل مصر، ثقةٌ [٥] (ت ١٢٠) (ع) تقدم في "الطهارة" ٤/ ٥٥٤.
٤ - (بُسْرُ بْنُ سَعِيدٍ) مولى ابن الحضرميّ المدنيّ، ثقةٌ عابدٌ جليلٌ [٢] (ت ١٠٠) (ع) تقدم في "الصلاة" ٣١/ ١٠٠١.
٥ - (جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ) الأزديّ، أبو عبد الله الشاميّ، ويقال: اسم أبيه: كبير، مختلف في صحبته، ثقةٌ [٢] (ع) تقدم في "الإيمان" ١٠/ ١٤٨.
والباقيان ذُكرا في الباب.