أنه من خماسيّات المصنّف - ﵀ -، وأنه مسلسل بالمدنيين غير شيخه، فبغلانيّ، وفيه أبو هريرة - ﵁ - أحفظ من روى الحديث في دهره.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ -؛ أنه (قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا) بضمّ الجيم جَمْع جالس، (عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، إِذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ) وفي رواية البخاريّ: "فنزلت عليه" ("سُورَةُ الْجُمُعَةِ"، فَلَمَّا قَرَأَ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الآية [الجمعة: ٣]) ولفظ البخاريّ: (فأنزلت عليه سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ "، قال في "الفتح": كأنه يريد: أُنزلت عليه هذه الآية من "سورة الجمعة"، وإلا فقد نزل منها قبل إسلام أبي هريرة - ﵁ - الأمر بالسعي (^١).
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٩٧، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٧).
[ ٤٠ / ١٩٩ ]
وقال القرطبيّ - ﵀ -: قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾؛ هو مخفوض معطوف على ﴿الْأَمِينُ﴾، ويجوز أن يكون منصوبًا معطوفًا على الضمير في ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾، و﴿لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾: أي: لم يدخلوا في الإسلام، ولم يوجدوا، وسيوجدون.
وأحسن ما قيل فيهم: أنهم أبناء فارس بدليل نصّ هذا الحديث، وقد كثرت أقوال المفسرين في ذلك، وقد ظهر ذلك للعيان، فإنهم ظهر فيهم الدِّين، وكَثُرت فيهم العلماء، فكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدق النبيّ - ﷺ -. انتهى (^١).
قال في "التكملة": المقصود أن رسول الله - ﷺ - مبعوث إلى من كان في زمنه من الأميين، وإلى من يجيئون بعدهم، ولا يرونه، فرسالته - ﷺ - شاملة لجميع الأمة، وخَصّ - ﷺ - منهم بالذِّكر أهل فارس لمزيّتهم في طلب العلم والدين. انتهى (^٢).
(قَالَ رَجُلٌ) لم يُسمّ: (مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللهِ؟) وفي رواية الترمذيّ: "فقال رجل: يا رسول الله من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ " (فَلَمْ يُرَاجِعْهُ النَّبِيُّ - ﷺ -)؛ أي: لم يردّ - ﷺ - على السائل جوابه، (حَتَّى سَأَلَهُ مَرَّةً، أَو مَرَّتَيْن، أَو ثَلَاثًا) وفي رواية البخاريّ: "فلم يراجعه حتى سأل ثلاثًا"، فقال في "الفتح": أي: لم يراجع النبيّ - ﷺ -؛ أي: لم يُعِد عليه جوابه حتى سأله ثلاث مرات، ووقع ذلك صريحًا في رواية الدراوَرْديّ قال: "فلم يراجعه النبيّ - ﷺ - حتى سأل مرتين، أو ثلاثًا"، وفي رواية ابن وهب عن سليمان بن بلال: "حتى سأله ثلاث مرات" بالجزم، وكذا في رواية عبد الله بن جعفر. انتهى (^٣).
(قَالَ) أبو هريرة: (وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ) أبو عبد الله، ويقال له: سلمان الخير، الصحابيّ الشهير، أصله من أصبهان، وقيل: من رَامَهُرْمُز، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، يقال: بلغ ثلاثمائة سنة، تقدّمت ترجمته في تقدم في "الطهارة" ١٧/ ٦١٢.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٥٠٥.
(٢) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٣٢٤.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٦٩٨، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٧).
[ ٤٠ / ٢٠٠ ]
(قَالَ) أبو هريرة: (فَوَضَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ) الفارسيّ، وفي رواية العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة: "يده على فخذ سلمان"، (ثُمَّ قَالَ: "لَوْ كَانَ الإِيمَانُ) وفي الرواية السابقة: "لَوْ كَانَ الدِّينُ" (عِنْدَ الثُّرَيَّا) بضمّ الثاء، تصغير ثَرْوى، اسم لنجم معروف؛ سُمّي به لكثرة كواكبه، مع ضيق المحلّ (^١). (لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ")؛ أي: الفرس بقرينة سلمان الفارسيّ، وقال الكرمانيّ: أي: الفرس؛ يعني: العجم، وفيه نَظَر لا يخفى، ثم إنهم اختلفوا في: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾، فقيل: هم التابعون، وقيل: هم العجم، وقيل: أبناؤهم، وقيل: كل من كان بعد الصحابة، وقال أبو روق: جميع من أسلم إلى يوم القيامة، وقال القرطبيّ: أحسن ما قيل فيهم: أنهم أبناء فارس، بدليل هذا الحديث: "لناله رجال من هؤلاء"، وقد ظهر ذلك بالعيان، فإنهم ظهر فيهم الدين، وكثر فيهم العلماء، وكان وجودهم كذلك دليلًا من أدلة صدقه - ﷺ -، قاله في "العمدة" (^٢).
وفي الرواية السابقة: ""لَذَهَبَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ فَارِسَ - أَو قَالَ: مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ - حَتَّى يَتَنَاوَلَهُ"، وفي رواية البخاريّ: "لناله رجال -أو رجل- من هؤلاء". قال في "الفتح": هذا الشك من سليمان بن بلال، بدليل الرواية التي أوردها بعده من غير شك مقتصرًا على قوله: "رجال من هؤلاء"، وهي عند مسلم، والنسائيّ كذلك، وقد أخرجه الإسماعيليّ من رواية ابن وهب عن سليمان بلفظ: "لناله رجال من هؤلاء" أيضًا بغير شك. انتهى (^٣).
وقد أطنب أبو نعيم في أول "تاريخ أصبهان" في تخريج طرق هذا الحديث، أعني حديث: "لو كان الدين عند الثريا"، ووقع في بعض طرقه عند أحمد بلفظ: "لو كان العلم عند الثريا"، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم، عن أبي هريرة أن ذلك كان عند نزول قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ويَحْتَمِل أن يكون ذلك صدر عند نزول كل من الآيتين.
وقد تقدَّم مسلم الحديث مجردًا عن السبب من رواية يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة، رفعه: "لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من أبناء فارس،
_________________
(١) "القاموس المحيط" ص ١٧٣.
(٢) "عمدة القاري" ١٩/ ٢٣٥.
(٣) "الفتح" ١٠/ ٦٩٨، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٧).
[ ٤٠ / ٢٠١ ]
حتى يتناولوه"، وأخرجه أبو نعيم من طريق سليمان التيميّ، حدّثني شيخ من أهل الشام، عن أبي هريرة نحوه، وزاد في آخره: "برِقّة قلوبهم"، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عن التيميّ، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسيّ بالزيادة، ومن طريق أخرى من هذا الوجه، فزاد فيه: "يتّبعون سنتي، ويكثرون الصلاة عليّ"، قال القرطبيّ: وقع ما قاله - ﷺ - عيانًا، فإنه وُجد منهم من اشتهر ذِكره من حفاظ الآثار، والعناية بها ما لم يشاركهم فيه كثير من أحد غيرهم (^١).
وقال في "معجم البلدان": العرب إذا ذكرت المشرق كله قالوا: فارس، فمعنى الحديث: أهل خراسان؛ لأنك إن طلبت مصداق الحديث في فارس لم تجده لا أولًا ولا آخرًا، وتجد هذه الصفات نفسها في أهل خراسان، دخلوا في الإسلام رغبةً، ومنهم: العلماء، والنبلاء، والمحدِّثون، والمتعبِّدون، وإذا حررت المحدِّثين من كل بلد وجدت نصفهم من خراسان، وجُلّ رواة الرجال منها، وأما أهل فارس فَكَنَارٍ خَمَدت لم يبق لهم بقية بذِكر، ولا شَرَف. انتهى (^٢).
قال الجامع عفا الله عنه: الأَولى حَمْل الحديث على أهل فارس، ولا يتعارض مع ما وُجد من أهل خراسان، فإنهما قطران متقاربان، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦٠/ ٦٤٧٦ و٦٤٧٧، (٢٥٤٦)، و(البخاريّ) في "تفسير سورة الجمعة" (٤٨٩٧ و٤٨٩٨)، و(الترمذيّ) في "التفسير" (٣٣١٠) و"المناقب" (٣٩٣٣)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٧٥ و٦/ ٤٩٠)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٢٠٧)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٧)، و(ابن
_________________
(١) "الفتح" ١٠/ ٦٩٨ - ٦٩٩، كتاب "التفسير" رقم (٤٨٩٧).
(٢) "فيض القدير شرح الجامع الصغير" للمناويّ ٥/ ٣٢٢.
[ ٤٠ / ٢٠٢ ]
حبّان) في "صحيحه" (٧١٢٣ و٧٣٠٨ و٧٣٠٩)، و(أبو نعيم) في "تاريخ أصبهان" (١/ ٢)، و(الطبريّ) في "التفسير" (٢٦/ ٦٦ - ٦٧)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٣٣٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضل فارس، وأن لهم اليد الطولى في نشر الدين، والعلم، وذلك في زمن الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، ولا عبرة بما حصل في الأزمان المتأخّرة من انحرافهم، وتشيّعهم.
وقال صاحب "التكملة": فيه فضيلة ظاهرة لأهل فارس، وأن رجالًا منهم يجدّون في طلب العلم والدين، وقد ذكر بعض العلماء أن مِصداق هذا الحديث الإمام أبو حنيفة، وذَكَر بعضهم أن مصداقه الإمام البخاريّ، والظاهر أن هناك جماعة كبيرة من الفقهاء والمحدّثين أصلهم من فارس، وكلّهم يجوز أن يكون مصداقًا لهذه البشارة النبويّة، ومنهم الإمام أبو حنيفة، والإمام البخاريّ -رحمهما الله تعالى - انتهى (^١).
٢ - (ومنها): بيان معجزة للنبيّ - ﷺ - حيث أخبر بما سيقع، فوقع طِبْق ما أخبر به - ﷺ -.
٣ - (ومنها): بيان قوّة هذا الدين، وأنه مستغنٍ عن العرب، فإن الله ﷾ لَمّا ضَعُف قيامهم به قيّض له العجم، فقاموا به حقّ القيام، وهذا مصداق قوله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام: ٨٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ [محمد: ٣٨].
بل مما امتاز به على غيره من الأديان أن الله يؤيّده بمن ليس من أهله، كما قال - ﷺ -: "وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر"، رواه البخاريّ،
_________________
(١) "تكملة فتح الملهم" ٥/ ٣٢٣.
[ ٤٠ / ٢٠٣ ]
وأخرج النسائيّ في "الكبرى" بإسناد صحيح، عن أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خَلَاق لهم".
فما أعظم هذا الدين، أعزّ الله أركانه، وثبّت قواعده، وأرسى بنيانه، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤]، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.