أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وأنه مسلسل بالبصريين، وفيه محمد بن المثنّى أحد التسعة الذين روى عنهم الجماعة بلا واسطة، وتقدّموا غير مرّة، وفيه أبو عثمان النهديّ مخضرم معمّر عاش مائة وثلاثين، وقيل أكثر، وفيه أبو موسى الأشعريّ -﵁- الصحابيّ المشهور أحسن الصحابة صوتًا بالقراءة، الذي أُعطي مزمارًا من مزامير آل داود ﵇، كما وصفه به النبيّ -ﷺ-.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ) عبد الله بن قيس -﵁-، أنه (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ -ﷺ- فِي حَائِطٍ مِنْ حَائِطِ الْمَدِينَةِ)؛ أي: بستان من بساتينها، (وَهُوَ مُتَّكِئٌ) جملة في محل نصب على الحال؛ أي: حال كونه معتمِدًا على عود، والاتّكاء: الاعتماد، قال الفيّوميّ ﵀: تَوَكأ على عصاه: اعتمد عليها، واتّكَأَ: جلس متمكِّنًا، وفي التنزيل: ﴿وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]؛ أي: يجلسون، وقال: ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ الآية [يوسف: ٣١]؛ أي: مجلسًا يجلسن عليه، قال ابن الأثير: والعامّة لا تعرف الاتكاءَ إلا الميل في القعود معتمدًا على أحد الشقين، وهو يُستعمل في المعنيين جميعًا، يقال: اتَّكأ: إذا أسند ظهره، أو جَنْبه إلى شيء، معتمدًا عليه، وكلُّ من اعتمد على شيء فقد اتَّكَأ عليه، وقال السّرَقُسْطِيّ أيضًا: أتْكَأْتُهُ: أعطيته ما يتكئ عليه؛ أي: ما
[ ٣٨ / ٥٣١ ]
يجلس عليه، والتاء مُبْدلة من واو، والاسم: التُّكُأَةُ، مثال رُطَبَةٍ. انتهى (^١).
(يَرْكُزُ) بضمّ الكاف، يقال: ركزتُ الرُّمْح رَكْزًا، من بابي نصر، وضرب: أثبتّه بالأرض، فارتكز، والْمَرْكِزُ، وزانُ مسجد: موضع الثبوت (^٢)، وقال النوويّ: أي: يضرب بأسفله ليثبته في الأرض (^٣). (بِعُودٍ) بضم العين: الخشبُ، جمعه أعواد، وعِيدان (^٤). (مَعَهُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ)، وفي رواية للبخاريّ: "عن أبي موسى أنه كان مع النبيّ -ﷺ- في حائط من حيطان المدينة، وفي يد النبيّ -ﷺ- عُودٌ يضرب به بين الماء والطين".
قال ابن بطال ﵀: من عادة العرب إمساك العصا، والاعتماد عليها عند الكلام وغيره، وقد عاب ذلك عليهم بعض من يتعصب للعجم، وفي استعمال النبيّ -ﷺ- له الحجةُ البالغةُ، وكأن المراد بالعود هنا: الْمِخْصرة التي كان النبيّ -ﷺ- يتوكأ عليها، وليس مصرَّحًا به في هذا الحديث. انتهى (^٥).
وقد ترجم البخاريّ ﵀ في "صحيحه"، بقوله: "باب من نكت العود في الماء والطين"، فقال الحافظ ﵀: فقه الترجمة أن ذلك لا يُعَدّ من العبث المذموم؛ لأن ذلك إنما يقع من العاقل عند التفكر في الشيء، ثم لا يستعمله فيما لا يضرّ تأثيره فيه، بخلاف من يتفكر، وفي يده سكين، فيستعملها في خشبة تكون في البناء الذي يسكنه فيما يسبّب فسادًا، فذاك هو العبث المذموم. انتهى (^٦).
(إِذَا اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ) "إذا" هنا فجائيّة؛ أي: ففجأنا استفتاح رجل، وفي رواية البخاريّ: "فجاء رجلٌ يستفتح"، (فَقَالَ) -ﷺ- ("افْتَحْ) زاد في رواية: "له"، (وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ: فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ) الصدّيق -﵁-، (فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ) أبو موسى (ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، فَقَالَ) -ﷺ- ("افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ) أبو موسى (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ) بن الخطّاب -﵁-، (فَفَتَحْتُ لَهُ، وَبَشَّرْتُهُ
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٦٧١.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٢٣٧، بزيادة من "القاموس" ص ٥٢٨.
(٣) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٧٠.
(٤) "القاموس المحيط" ص ٩٢٤.
(٥) "شرح البخاريّ" لابن بطّال ﵀ ٢٢/ ٦٣.
(٦) "الفتح" ١٤/ ١٠٢، كتاب "الأدب" رقم (٦٢١٦).
[ ٣٨ / ٥٣٢ ]
بِالْجَنَّة، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ) أبو موسى (فَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "افْتَحْ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة، عَلَى بَلْوَى تَكُونُ")؛ أي: تحصل له، فـ "تكون" تامّة، قال ابن بطال ﵀: إنما خُصَّ عثمان -﵁- بذكر البلاء مع أن عمر -﵁- قُتل أيضًا؛ لكون عمر لم يُمتحن بمثل ما امتُحِن عثمان، مِن تسلّط القوم الذين أرادوا منه أن ينخلع من الإمامة بسبب ما نسبوه إليه من الجور والظلم، مع تنصّله من ذلك، واعتذاره عن كل ما أوردوه عليه، ثم هجومهم عليه داره، وهَتْكهم سِتْر أهله، وكل ذلك زيادة على قَتْله، وحاصله: أن المراد بالبلاء الذي خُص به: الأمور الزائدة على القتل. انتهى (^١).
(قَالَ) أبو موسى (فَذَهَبْتُ، فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ) -﵁- (قَالَ) أبو موسى (فَفَتَحْتُ) له الباب (وَبَشَّرْتُهُ بِالْجَنَّة، قَالَ) أبو موسى (وَقُلْتُ الَّذِي قَالَ)؛ أي: ذَكَر له الذي قاله النبيّ -ﷺ-، من أنه تصيبه البلوى، إ فَقَالَ) عثمان -﵁- (اللَّهُمَّ صَبْرًا)؛ أي: يا الله أسألك أن ترزقني صبرًا فيما يُصيبني من البلوى، (أَوِ) للشّكّ من الراوي؛ أي: أو قال: (اللهُ الْمُسْتَعَانُ)، وفي بعض النسخ: "والله المستعان" بالواو؛ أي: المطلوب منه المعونة هو الله تعالى، لا غيره.
وقال القرطبيّ ﵀: قول عثمان: "اللهم صبرًا، والله المستعان"؛ أي: اللهم صبِّرني صبرًا، وأعنّي على ما قَدّرت عليّ (^٢)، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي موسى الأشعريّ -﵁- هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية": في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٣/ ٦١٩٢ و٦١٩٣ و٦١٩٤ و٦١٩٥ و٦١٩٦] (٢٤٠٣)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٦٧٤ و٣٦٩٣ و٣٦٩٥) و"الأدب" (٦٢١٦) و"أخبار الآحاد" (٧٢٦٢) وفي "الأدب المفرد" (١١٥١)، و(الترمذيّ) في "جامعه" (٥/ ٦٣١)، و(النسائيّ) في "الفضائل" (٢٩ و٣١)، و(أحمد) في "مسنده" (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٧) وفي "فضائل الصحابة" (٢٠٩)،
_________________
(١) "شرح البخاريّ" لابن بطال ١٠/ ٤٨ - ٤٩، بزيادة من "فتح الباري" ١٦/ ٥١٠.
(٢) "المفهم" ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨.
[ ٣٨ / ٥٣٣ ]
و(عبد الله بن أحمد) في "زوائد فضائل الصحابة" (٢٨٩)، و(عبد الرزّاق) في "مصنّفه" (٢٠٤٠٢)، و(عبد بن حميد) في "مسنده" (٥٥٤)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩١٢)، و(البزّار) في "مسنده" (٨/ ٥٩)، و(الرويانيّ) في "مسنده" (١/ ٣٤٣)، و(البيهقيّ) في "دلائل النبوّة" (٦/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضيلة هؤلاء الثلاثة -﵃ -، وأنهم من أهل الجنة، وبيان فضيلة لأبي موسى -﵁-.
٢ - (ومنها): جواز الثناء على الإنسان في وجهه؛ إذا أُمنت عليه فتنة الإعجاب، ونحوه.
٣ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة للنبيّ -ﷺ- لإخباره بقصة عثمان، والبلوى، وأن الثلاثة يستمرون على الإيمان والهدى.
٤ - (ومنها): أن في قوله: "اللهمّ صبرًا، والله المستعان" استسلامًا لأمر الله تعالى، ورضًا بما قدَّره الله تعالى، فينبغي أن يقوله المسلم في مثل هذه الحال.
٥ - (ومنها): ما قاله القرطبيّ ﵀: قوله: "على بلوى تكون"، وفي لفظ: "مع بلوى تصيبه" هذا من النبيّ -ﷺ- إعلام لعثمان -﵁- بما يصيبه من البلاء والمحنة في حال خلافته، وقد جاء من الأخبار ما يدلّ على تفصيل ما يجري عليه من القتل وغيره.
فمن ذلك ما خرَّجه الترمذيّ عن عائشة -﵂ -، عن النبيّ -ﷺ- أنه قال: "يا عثمان! لعل الله يقمِّصك قميصًا، فإنْ أرادوك على خلعه، فلا تخلعه لهم"، وقال: حديثٌ حسنٌ غريب.
وفيه عن ابن عمر -﵄ - قال: ذَكر رسول الله -ﷺ- فتنةً، فقال: "يُقتل فيها مظلومًا" لعثمان، وقال: حديث حسنٌ غريب.
ورَوَى أبو عمر بن عبد البرّ عن عائشة -﵂ - قالت: قال رسول الله -ﷺ-: "ادعوا لي بعض أصحابي"، فقلت: أبو بكر؟ فقال: "لا"، فقلت: فعمر؟ فقال: "لا"، قالت: قلت: ابن عمك عليًّا؟ فقال: "لا"، فقلت له: عثمان؟ قال: "نعم"، فلما جاءه، فقال لي بيده، فتنحَّيت، فجعل رسول الله -ﷺ- يسارّه،
[ ٣٨ / ٥٣٤ ]
ولون عثمان يتغيَّر، فلما كان يوم الدار، وحُصر قيل له: "ألا نقاتل عنك؟ قال: لا، إن رسول الله -ﷺ- عَهِد إليّ عهدًا، وأنا صابرٌ عليه".
فهذه الأحاديث وغيرها مما يطول تتبّعه تدلّ على أن النبيّ -ﷺ- أخبره بتفصيل ما جرى عليه، وأنه سفم نفسه لمّا عَلِم من أن ذلك قَدَرٌ سَبَق، وقضاء وَجَب، ولذلك منع كل من أراد القتال دونه، والدفع عنه -ممن كان معه في الدار، وفي المدينة - من نصرته. انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٣] (. . .) - (حَدَّثنا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيّ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- دَخَلَ حَائِطًا، وَأَمَرَني أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ. بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتَكِيُّ) سليمان بن داود الزهرانيّ، تقدّم في الباب الماضي.
٢ - (حَمَّادُ) بن زيد بن درهم الأزديّ الجهضميّ، أبو إسماعيل البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ فقيهٌ، من كبار [٨] (ت ١٧٩) وله إحدى وثمانون سنة (ع) تقدّم في "المقدمة" ٥/ ٢٦.
٣ - (أَيُّوبُ) بن أبي تَميمة كيسان السَّخْتيانيّ، أبو بكر البصريّ، ثقةٌ ثبتٌ حجةٌ، من كبار الفقهاء العبّاد [٥] (ت ١٣١) وله خمس وستون سنةً (ع) تقدّم في "شرح المقدّمة" جـ ١ ص ٣٠٥.
والباقيان ذُكرا قبله.
وقوله: (وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْفَظَ الْبَابَ) قال ابن التين ﵀: قوله: "وأمرني أن أحفظ الباب" هذا مغاير لقوله في الرواية الأخرى: "ولم يأمرني بحفظه"، فأحدهما وَهَم، وتعقّبه الحافظ ﵀، فقال: بل هما جميعًا محفوظان، فالنفي كان في أول ما جاء، فدخل النبيّ -ﷺ- الحائط، فجلس أبو موسى في الباب، وقال: "لأكوننّ اليوم بوّاب النبيّ -ﷺ-"، فقوله: "ولم يأمرني بحفظه" كان في
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٦.
[ ٣٨ / ٥٣٥ ]
تلك الحالة، ثم لما جاء أبو بكر، واستأذن له، فأمره أن يأذن له أمره حينئذ بحفظ الباب؛ تقريرًا له على ما فعله، ورضًا به، إما تصريحًا، فيكون الأمر له بذلك حقيقةً، وإما لمجرد التقرير، فيكون الأمر مجازًا، وعلى الاحتمالين لا وَهَمَ. انتهى كلام الحافظ ﵀ (^١)، وهو تعقّب حسنٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
وقوله: (بِمَعْنَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ غِيَاثٍ)؛ يعني: أن حديث أيوب السختيانيّ أبي عثمان النهديّ بمعنى حديث عثمان بن غياث عنه.
[تنبيه]: رواية أيوب، عن أبي عثمان النهديّ هذه ساقها الترمذيّ ﵀ في "جامعه"، فقال:
(٣٧١٠) - حدّئنا أحمد بن عبدة الضَّبّيّ، حدّثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي عثمان النَّهْديّ، عن أبي موسى الأشعريّ، قال: انطلقت مع النبيّ -ﷺ-، فدخل حائطًا للأنصار، فقضى حاجته، فقال لي: "يا أبا موسى امْلِك عليّ الباب، فلا يدخلنّ عليّ أحدٌ إلا بإذن"، فجاء رجل يضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، قال: "ائذن له، وبشّره بالجنة"، فدخل، وبشّرته بالجنة، وجاء رجل آخر، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر، فقلت: يا رسول الله، هذا عمر يستأذن، قال: "افتح له، وبشّره بالجنة"، ففتحت الباب، ودخل، وبشّرته بالجنة، فجاء رجل آخر، فضرب الباب، فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، فقلت: يا رسول الله، هذا عثمان يستأذن، قال: "افتح له، وبشّره بالجنة، على بلوى تصيبه".
قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، وقد رُوي من غير وجه عن أبي عثمان النّهْديّ، وفي الباب عن جابر، وابن عمر. انتهى (^٢).
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف ﵀ أوّلَ الكتاب قال:
[٦١٩٤] (. . .) - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ -وَهُوَ ابْنُ بِلَالٍ- عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّب، أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِه، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ:
_________________
(١) "الفتح" ١٧/ ١١٥، كتاب "أخبار الآحاد" رقم (٧٢٦٢).
(٢) "جامع الترمذيّ" ٥/ ٦٣١.
[ ٣٨ / ٥٣٦ ]
لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ الْمَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: خَرَجَ، وَجَّهَ هَا هُنَا، قَالَ: فَخَرَجْتُ عَلَى أَثَرِه، أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، قَالَ: فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَاب، وَبَابُهَا مِنْ جَرِيدٍ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- حَاجَتَهُ، وَتَوَضَّأَ، فَقُمْتُ إِلَيْه، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ، وَتَوَسَّطَ قُفَّهَا، وَكشَفَ عَنْ سَاقَيْه، وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْر، قَالَ: فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَجَلَسْتُ عِنْدَ الْبَاب، فَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ بَوَّابَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- الْيَوْمَ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَدَفَعَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، هَذَا أَبُو بَكْرٍ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: "ائْذَن لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، قَالَ: فَأَقْبَلْتُ، حَتَّى قُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ، ادْخُلْ، وَرَسُولُ اللهِ -ﷺ- يُبَشِّرُكَ بِالْجَنَّة، قَالَ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- مَعَهُ فِي الْقُفِّ، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْر، كمَا صَنَعَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَكشَفَ عَنْ سَاقَيْه، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ أَخِي يَتَوَضَّأُ، وَيَلْحَقُنِي، فَقُلْتُ: أِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ -يُرِيدُ أَخَاهُ- خَيْرًا يَأْتِ بِه، فَاِذَا إِنْسَانٌ يُحَرِّكُ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب، فَقُلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، ثُمَّ جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، فَسَلَّمْتُ عَلَيْه، وَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، يَسْتَأْذِنُ؟ فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ"، فَجِئْتُ عُمَرَ، فَقُلْتُ: أَذِنَ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْجَنَّة، قَالَ: فَدَخَلَ، فَجَلَسَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- فِي الْقُفِّ عَنْ يَسَارِه، وَدَلَّى رِجْلَيْهِ فِي الْبِئْر، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ، فَقُلْتُ: إِنْ يُرِدِ اللهُ بِفُلَانٍ خَيْرًا -يَعْني: أَخَاهُ - يَأْتِ بِه، فَجَاءَ إِنْسَانٌ، فَحَرَّكَ الْبَابَ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَفلْتُ: عَلَى رِسْلِكَ، قَالَ: وَجِئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "ائْذَنْ لَهُ، وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُهُ"، قَالَ: فَجِئْتُ، فَقُلْتُ: ادْخُلْ، وَيُبَشِّرُكَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- بِالْجَنَّة، مَعَ بَلْوَى تُصِيبُكَ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَوَجَدَ الْقُفَّ قَدْ مُلِئَ، فَجَلَسَ وُجَاهَهُمْ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ. قَالَ شَرِيكٌ: فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: فَأَوَّلْتُهَا قُبُورَهُمْ).
[ ٣٨ / ٥٣٧ ]
رجال هذا الإسناد: ستّةٌ:
١ - (مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ الْيَمَامِيُّ) بن نُميلة -بالنون، مصغرًا- أبو الحسن اليماميّ، نزيل بغداد، ثقةٌ [١١].
روى عن بشر بن بكير، وعباد بن عمر اليمامي، وأبي مسهر، ويحيى بن حسان، وغيرهم.
روى عنه البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والنسائيّ، ومحمد بن أبي عتاب الأعين، ومات قبله، وابن أبي عاصم، وأبو بكر بن أبي صدقة البغدادي، وغيرهم.
قال الحاكم: قرأت بخط أبي عمرو المستملى: سمعت البخاريّ يقول: ثنا محمد بن مسكين اليماميّ، ثقةٌ مأمونٌ، وقال الآجريّ عن أبي داود: كان ثقةً رحمه الله تعالى، وقال النسائيّ: كتبنا عنه بالبصرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وذكر ابن منده أنه مات ببغداد سنة (٢٧٩)، وقال مسلمة: لا بأس به، وقال الخطيب: كان ثقةً، وقال الحاكم: روى عنه مسلم حديثًا واحدًا -يعني: حديث الباب- وقد ذكره الدارقطنيّ، وأبو إسحاق الحبال في أفراد البخاريّ، وذكره النسائيّ في "مشيخته"، وقال: لا بأس به.
روى له البخاريّ، والمصنّف، وأبو داود، والنسائيّ، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث.
٢ - (يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ) التِّنِّيسيّ -بكسر المثناة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانية، ثم مهملة- أصله من البصرة، نزيل تِنِّيس، ثقةٌ [٩] (ت ٢٠٨) وله أربع وستون سنةً (خ م د ت س) تقدم في "الحيض" ٧/ ٧٢٣.
٣ - (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ) التيميّ مولاهم، أبو محمد، وأبو أيوب المدنيّ، ثقةٌ [٨] (ت ١٧٧) (ع) تقدم في "الإيمان" ١٤/ ١٦٠.
٤ - (شَرِيكُ بْنُ أَبيِ نَمِرٍ) هو: شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر، أبو عبد الله المدنيّ، نُسب لجدّه، صدوقٌ، يخطئ [٥] مات في حدود أربعين ومائة (خ م د تم س ق) تقدم في "الإيمان" ٨٠/ ٤٢١.
والباقيان ذُكرا في الباب وقبله.
[ ٣٨ / ٥٣٨ ]