أنه من خماسيّات المصنّف -﵀-، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ مخضرم، عن صحابيّين.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن ملّ النَّهْديّ أنه (قَالَ: لَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَعْضِ تِلْكَ الأَيَّامِ) يريد: يوم أُحد، (الَّتِي قَاتَلَ فِيهِنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - غَيْرُ طَلْحَةَ) بن عبيد الله (وَسَعْدِ) بن أبي وقّاص، وقوله: (عَنْ حَدِيثِهِمَا)؛ يعني: أنهما حدّثا بذلك أبا عثمان النهديّ، ووقع في فوائد أبي بكر بن المقرئ من وجه آخر عن معتمر بن سليمان، عن أبيه: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: هما أخبراني بذلك، قاله في "الفتح" (^١).
وقال في "القتح " أيضًا في موضع آخر: قوله: "عن حديثهما" يريد أنهما حدثا أبا عثمان بذلك، ووقع عند أبي نعيم في "المستخرج" من طريق عبد الله بن معاذ، عن معتمر، في هذا الحديث: "قال سليمان: فقلت لأبي عثمان: وما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما".
وهذا قد يعكر عليه ما ثبت أن المقداد كان ممن بقي معه، لكن يَحْتَمِل
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٣٨، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٢٢).
[ ٣٨ / ٦٤٠ ]
أن المقداد إنما حضر بعد تلك الجولة، ويَحتمل أن يكون انفرادهما عنه في بعض المقامات، فقد روى مسلم من طريق ثابت، عن أنس: "قال: أُفرد رسول الله - ﷺ - يوم أُحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش"، وكأن المراد بالرجلين طلحة وسعد، وكان المراد بالحصر المذكور في حديث الباب تخصيصه بالمهاجرين، فكأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، وتعيّن حَمْله على ما أوّلته، وأن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال، وأنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم، وصاح الشيطان: قُتل محمد، اشتَغَل كل واحد منهم بهمّه، والذب عن نفسه، كما في حديمثما سعد، ثم عَرَفوا عن قربِ ببقائه، فتراجموا إليه أوّلًا فأوّلًا، ثم بعد ذلك كان يندُبهم إلى القتال، فيشتغلون به.
وروى ابن إسحاق بإسناد حسن، عن الزبير بن العوام "قال: مال الرُّماة يوم أُحد يريدون النهب، فأُتينا من ورائنا، وصرخ صارخ: ألا إن محمدًا قد قتل، فانكفأنا راجعين، وانكفأ القوم علينا".
وسمى ابن إسحاق في "المغازي" بإسناد له أن جملة من استُشهِد من الأنصار الذين بَقُوا مع النبيّ - ﷺ - يومئذ زياد بن السكن، قال: وبعضهم يقول: عمارة بن السكن، في خمسة من الأنصار، وعند ابن عائذ من موسل المطلب بن عبد الله بن حنطب: "أن الصحابة تفرقوا عن النبيّ - ﷺ - يوم أُحد، حتى بقي معه اثنا عشر رجلًا من الأنصار".
وللنسائيّ، والبيهقيّ في "الدلائل" من طريق عمارة بن غَزِيّة، عن أبي الزبير، عن جابر: "قال: تفرَّق الناس عن النبيّ - ﷺ - يوم أُحد، وبقي معه أحد عشر رجلًا من الأنصار، وطلحة"، وإسناده جيّد، وهو كحديث أنس، إلا أن فيه زيادة أربعة، فلعلهم جاؤوا بعد ذلك.
وعند محمد بن سعد أنه ثبت معه أربعة عشر رجلًا، سبعة من المهاجرين، منهم أبو بكر، وسبعة من الأنصار.
ويُجمَع بينه وبين حديث الباب بأن سعدًا جاءهم بعد ذلك، وأن المذكور من الأنصار استُشهدوا، كما في حديث أنس، فإن فيه عند مسلم: "فقال النبيّ - ﷺ -: من يردّهم عنّا، وهو رفيقي في الجنة؟ فقام رجل من الأنصار … "،
[ ٣٨ / ٦٤١ ]
فذكر أن المذكورين من الأنصار استُشهدوا كلهم، فلم يبق غير طلحة وسعد، ثم جاء بعدهم من جاء.
وأما المقداد فيَحْتَمِل أن يكون استمرّ مشتغلًا بالقتال.
وذكر الواقديّ في "المغازي" أنه ثَبَت يوم أُحد من المهاجرين سبعة: أبو بكر، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وطلحة، والزبير، وأبو عبيدة، ومن الأنصار: أبو دُجانة، والحباب بن المنذر، وعاصم بن ثابت، والحارث بن الصِّمّة، وسهل بن حُنيف، وسعد بن معاذ، وأُسيد بن حُضير، وقيل: سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة بَدَل الأخيرين، وإن ثَبَت حُمل على أنهم ثَبَتوا في الجملة، وما تقدم فيمن حضر عنده - ﷺ - أوّلًا، فأوّلًا، والله أعلم. انتهى (^١).
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "عن حديثهما" هذا من قول الراوي عن أبي عثمان، وهو: سليمان؛ ويعني به: أن أبا عثمان إنما حدَّث بثبوت طلحة وسعد عنهما، لا أنه شاهَدَ هو ثبوتهما، فإنَّه تابعيّ، لا صحابيّ، ولا أنه حدَّث بذلك عن غيرهما، بل عنهما، هما حدَّثاه بذلك، واتفق لطلحة في ذلك اليوم أن النبيّ -ﷺ- أُثقل بالجراح، وكان عليه درعان، فنهض ليصعد على صخرة كانت هنالك، فلم يستطع، فحنى طلحة ظهره لاصقًا بالأرض حتى صعد النبيّ - ﷺ - على ظهره حتى رَقِي على الصخرة، فقال النبيّ - ﷺ -: "أوجب طلحة" (^٢)؛ أي: أوجب له ذلك الفعلُ الثوابَ الجزيلَ عند الله تعالى، والمنزلة الشريفة، وروى جابر عن النبيّ - ﷺ - أنه قال: "من سرَّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" (^٣)، وقال النبيّ - ﷺ -: "طلحة بن عبيد الله ممن قضى نَحْبه"؛ أي: ممن وفَّى بنذره، وقام بواجباته. انتهى (^٤)، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) "الفتح" ٩/ ١٣١ - ١٣٢، كتاب "المغازي" رقم (٤٠٦٠).
(٢) رواه أحمد ١/ ١٦٥، والترمذيّ رقم (١٦٩٢).
(٣) رواه الترمذيّ (٣٧٣٩)، وابن ماجه رقم (١٢٥).
(٤) "المفهم" ٦/ ٢٨٨ - ٢٨٩.
[ ٣٨ / ٦٤٢ ]
مسألتان تتعلّقان بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث طلحة، وسعد بن أبي وقّاص - ﵄ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٢٢٢] (٢٤١٤)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٢٢ و٣٧٢٣) و"المغازي" (٤٠٦٠ و٤٠٦١)، و(أبو يعلى) في "مسنده" (٢/ ٢٠)، و(ابن عساكر) في "تاريخ دمشق" (٢٥/ ٨١)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٣] (٢٤١٥) - (حَدَّثَنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: نَدَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّاسَ يَوْمَ الْخَنْدَق، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، ثُمَّ نَدَبَهُمْ، فَانْتَدَبَ الزُّبَيْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "لِكُلِّ نَبِي حَوَارِيٌّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ").
رجال هذا الإسناد: أربعة:
١ - (عَمْرٌو النَّاقِدُ) ابن محمد بن بكير، أبو عثمان البغدادي، نزل الرَّقة، ثقةٌ حافظ وَهِمَ في حديث، [١٠] (ت ٢٣٢) (خ م د س) تقدم في "المقدمة" ٤/ ٢٣.
٢ - (سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ) تقدّم في الباب الماضي.
٣ - (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ) تقدّم قبل باب.
٤ - (جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ) بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدّم قبل ثلاثة أبواب.