أنه من سُداسيّات المصنّف -﵀-، وهو مسلسل بالمدنيين، من هشام، والباقون كوفيّون، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، وصحابيّ عن صحابيّ، ورواية الابن عن أبيه، عن أخيه، عن أبيه، والزبير أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، ذو مناقب جمّة.
شرح الحديث:
(عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) -﵄- أنه (قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ)؛ أي: ابن عبد الأسد المخزوميّ، ربيب النبيّ - ﷺ -، صحابيّ صغير، وأمه أم سلمة زوج النبيّ - ﷺ -، أمّره عليّ على البحرين، ومات سنة ثلاث وثمانين على الصحيح، تقدّمت ترجمته في "الصلاة" ٥٤/ ١١٥٧. (يَوْمَ الْخَنْدَقِ): وهو يوم الأحزاب لَمّا حاصرت قريش، ومن معها المسلمين بالمدينة، وحفروا الخندق بسبب ذلك، وقد تقدّم البحث في ذلك مستوفًى في "كتاب الجهاد". (مَعَ النِّسْوَةِ)؛ يعني: نسوة النبيّ - ﷺ -، كما بُيّن في الرواية التالية. (فِي أُطُمِ حَسَّانٍ) "الأُطم" بضم الهمزة، والطاء: الحصن، وهو بناء مرتفع، وجمعه آطام، كعُنُق وأَعنادتى، قال القاضي عياض: ويقال في الجمعِ أيضًا: إِطام بكسر الهمزة، والقصر، كآكام، وإكام. (^١) (فَكَانَ يُطَأْطِئُ لِي مَرَّةَ)، معناه: يَخفض لي ظهره حتى أرتفع من الأرض، وفي رواية أحمد: "فكان يرفعني، وأرفعه، فإذا رفعني عرفت أبي، حين يمرّ إلى بني قريظة"، (فَأَنْظُرُ) إلى ما يفعل القوم، (وَأُطأْطِئُ لَهُ مَرَّةً، فَيَنْظُرُ، فَكُنْتُ أَعْرِفُ أَبِي) الزبير (إِذَا مَرَّ عَلَى فَرَسِهِ فِي السِّلَاحِ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ)، وفي رواية البخاريّ: "يختلف إلى بني قريظة"، وعند الإسماعيليّ: "مرّتين، أو ثلاثًا".
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٧/ ٤٢٩.
[ ٣٨ / ٦٥٢ ]
[تنبيه]: قُريظة تصغير قَرَظة، اسم للقبيلة اليهوديّة المعروفة، قال الفيّوميّ: بنو قُرَيْظَةَ: هم إخوة بني النضير، وهم حَيّان من اليهود، كانوا بالمدينة، فأما قُرَيْظَةَ، فقُتلت مقاتِلتهم، وسُبيت ذراويهم؛ لِنقضهم العهد، وأما بنو النضير فأُجْلوا إلى الشام، ويقال؛ إنهم دخلوا في العرب، مع بقائهم على أنسابهم. انتهى (^١).
(قَالَ) هشام (وَأَخْبَرَنى عَبْدُ اللهِ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير بن العوّام، أبو بكر الأسديّ، ثقةٌ ثبتٌ فاضلٌ من الثالثة، بقي إلى أواخر دولة بني أميّة، وكان مولده سنة خمس وأربعين، تقدّمت ترجمته في "صلاة المسافرين وقصرها" ١٧/ ١٧١١. (عَنْ) عمّه (عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنه (قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ)؛ أي: الذي تقدّم من كونه رآه يتردّد إلى بني قريظة، (لأَبِي) الزبير (فَقَالَ) الزبير (وَرَأَيْتَني يَا بُنَيَّ؟) بتقدير الاستفهام؛ أي: وأرأيتني يا ولدي؛ (قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ) الزبير (أَمَا) أداة استفتاح وتنبيه، مثل "ألا"، (وَاللهِ لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ أَبَوَيْهِ)؛ أي: في التفدية، (فَقَالَ: "فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي") "فداك" بكسر الفاء مقصورًا مبتدأ خبره: "أبي وأمي"، ويجوز العكس، ويَحْتَمِل أن يكون "فَدَاك" بفتحة الفاء فعلًا ماضيًا، و"أبي وأمي" مرفوعًا على الفاعليّة، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث الزبير - ﵁ - هذا متّفقٌ عليه.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٢٢٥ و٦٢٢٦] (٢٤١٦)، و(البخاريّ) في "فضائل الصحابة" (٣٧٢٠)، و(الترمذيّ) في "المناقب" (٣٧٤٣)، و(ابن ماجه) في "المقدّمة" (١٢٣)، و(النسائيّ) في "اليوم والليلة" (١٩٩)، و(ابن أبي شيبة) في "مصنّفه" (١٢/ ٩١)، و(أحمد) في "مسنده" (١/ ١٦٤) وفي "فضائل الصحابة" (١٢٦٧)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٦٩٨٤)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٤٩٩.
[ ٣٨ / ٦٥٣ ]
١ - (منها): بيان فضل الزبير بن العوّام - ﵁ -.
٢ - (ومنها): جواز التفدية بالأبوين.
٣ - (ومنها): جواز بعث الطليعة وحده؛ للضرورة، وقد تقدّم الجمع بينه وبين النهي عن سفر الرجل وحده، فلا تغفل.
٤ - (ومنها): أن فيه دليلًا لحصول ضَبْط الصبيّ وتمييزه، وهو ابن أربع سنين، فإن ابن الزبير وُلد عام الهجرة في المدينة، وكان الخندق سنة أربع من الهجرة، على الصحيح، فيكون له في وقت ضَبْطه لهذه القضية دون أربع سنين، قال النوويّ -﵀-: وفي هذا رَدٌّ على ما قاله جمهور المحدثين: إنه لا يصح سماع الصبي حتى يبلغ خمس سنين، والصواب صحته، متى حصل التمييز، وإن كان ابن أربع أو دونها (^١).
وقال في "الفتح": فيه صحة سماع الصغير، وأنه لا يتوقف على أربع، أو خمس؛ لأن ابن الزبير كان يومئذ ابن سنتين وأشهر، أو ثلاث وأشهر، بحسب الاختلاف في وقت مولده، وفي تاريخ الخندق، فإن قلنا: إنه وُلد في أول سنة من الهجرة، وكانت الخندق سنة خمس، فيكون ابن أربع وأشهر، وإن قلنا: وُلد سنة اثنتين، وكانت الخندق سنة أربع، فيكون ابن سنتين وأشهر، وإن عَجَّلنا إحداهما، وأخَّرنا الأخرى، فيكون ابن ثلاث سنين وأشهر، وعلى كل حال فقد حَفِظ من ذلك ما يُستغرب حِفْظ مثله. انتهى (^٢).
٥ - (ومنها): أن فيه منقبةً لابن الزبير -﵄-؛ لجودة ضَبْطه لهذه القضية مفصَّلةً في هذا السنّ، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٦] (. . .) - (وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَق، كُنْتُ أنَا وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي الأُطُمِ الَّذِي فِيهِ النِّسْوَةُ؛ يَعْنِي: نِسْوَةَ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَسَاقَ الْحَدِيثَ،
_________________
(١) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٨٩ - ١٩٠.
(٢) "الفتح" ٨/ ٤٣٦، كتاب "الفضائل" رقم (٣٧٢٠).
[ ٣٨ / ٦٥٤ ]
بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ مُسْهِرٍ فِي هَذَا الْإِسْنَاد، وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُرْوَةَ فِي الْحَدِيث، وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّةَ فِي حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنْ أَبيه، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
وكلهم ذُكروا في الإسنادين الماضيين.
وقوله: (وَسَاقَ الْحَدِيثَ) فاعل "ساق" ضمير أبي أُسامة.
وقوله: (فِي هَذَا الإِسْنَادِ) "في" بمعنى الباء؛ أي: بهذا الإسناد المذكور، وهو: عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير.
وقوله: (وَلَكِنْ أَدْرَجَ الْقِصَّةَ … إلخ) غرضه بيان أن أبا أسامة وإن ساق الحديث بمعنى حديث عليّ بن مسهر، إلا أنه خالفه، حيث أدرج قصّة عبد الله بن الزبير، وهي قوله: "فذكرت ذلك لأبي إلخ" الذي رواه عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير في حديث هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير.
والحاصل: أن مسلمًا بيّن أن في هذه الرواية إدراجًا، فإنه ساقه من رواية عليّ بن مسهر، عن هشام إلى قوله: "إلى بني قريظة، قال هشام: وأخبرني عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير قال: فذكرت ذلك لأبي. . ." إلى آخر الحديث، ثم ساقه من طريق أبي أسامة، عن هشام، قال: فساق الحديث نحوه، ولم يذكر عبد الله بن عروة، ولكن أدرج القصة في حديث هشام، عن أبيه، عن ابن الزبير. انتهى.
قال في "الفتح": ويؤيده -يعني: الإدراج المذكور- أن النسائيّ أخرج القصة الأخيرة من طريق عبدة، عن هشام، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن أبيه. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: نصّ النسائيّ في "الكبرى":
(٨٢١٤) - أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنا عبدة بن سليمان، قال: أنا هشام بن عروة، عن عبد الله بن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير،
_________________
(١) "الفتح" ٨/ ٤٣٦.
[ ٣٨ / ٦٥٥ ]
قال: جمع لي رسول الله - ﷺ - أبويه يوم قريظة، فقال: "فداك أبي وأمي". انتهى (^١)، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة هذه ساقها الإمام أحمد -﵀- في "مسنده"، فقال:
(١٤٠٩) - حدّثنا أبوأسامة، أنبأنا هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير قال: لَمّا كان يومُ الخندق، كنت أنا وعُمر بن أبي سلمة في الأُطُم الذي فيه نساء رسول الله - ﷺ - أطم حسّان، فكان يرفعني، وأرفعه، فإذا رفعني عرفت أبي، حين يمرّ إلى بني قريظة، وكان يقاتل مع رسول الله - ﷺ - يوم الخندق، فقال: "من يأتي بني قريظة، فيقاتلهم؟ " فقلت له حين رجع: يا أبت تالثه إن كنتُ لأعرفك حين تمرّ ذاهبًا إلى بني قريظة، فقال: يا بُنيّ أمَا والله إن كان رسول الله - ﷺ - ليجمع لي أبويه جميعًا، يفديني بهما، يقول: "فداك أبي وأمي". انتهى (^٢)، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٧] (٢٤١٧) - (وَحَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ -يَعْنِي: ابْنَ مُحَمَّدٍ- عَنْ سُهَبْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عَلَى حِرَاءٍ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: "اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَو صِدِّيقٌ، أَو شَهِيدٌ").
رجال هذا الإسناد: خمسة:
وكلهم تقدّموا قريبًا، "فقتيبة" تقدّم في الباب الماضي، والباقون قبل باب، إلا "عبد العزيز بن محمد"، وهو الدراورديّ المدنيّ، فتقدّم قبل ثلاثة أبواب.
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) - ﵁ - (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عَلَى حِرَاءٍ) بكسر الحاء
_________________
(١) "السُّنن الكبرى" للنسائيّ ٥/ ٦١.
(٢) "مسند الإمام أحمد بن حنبل" ١/ ١٦٤.
[ ٣٨ / ٦٥٦ ]
المهملة، وزانُ كتاب: جبل بمكة، يُذكّر، ويؤنّث، قاله الجوهريّ، واقتصر في "الجمهرة" على التأنيث، وهو مقابل ثَبِير، قاله الفيّوميّ (^١)، وقال النوويّ: والصحيح أنه مذكّر، ممدود، مصروف (^٢).
وقال القرطبيّ -﵀-: وحراء: جبل بمكة، وهو بكسر الحاء، ممدود، ويُذَكر، فيُصْرَف، ويؤنَّث، فلا يُصرف، وقد أخطأ مَن فَتح حاءه، ومن قَصَره. انتهى (^٣).
وفي حديث أنس عند البخاريّ: "صعِد النبيّ - ﷺ - أُحدًا، ومعه أبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف، وقال: اسكن أُحُدُ -أظنه ضربه برجله- فليس عليك إلا نبيّ، وصدّيقٌ، وشهيدان".
ويُجمع بينهما بالحمل على التعدّد، فوقعت القصّة على الجبلين في وقتين مختلفين، ويؤيّد هذا اختلاف الهسياق، كما هو ظاهر، والله تعالى أعلم.
(هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ) الصدّيق (وَعُمَرُ) بن الخطّاب (وَعُثْمَانُ) بن عفّان (وَعَلِيُّ) بن أبي طالب (وَطَلْحَةُ) بن عبيد الله (وَالزُّبَيْرُ) بن العوّام، زاد في الرواية التالية: "وسعد بن أبي وقّاص".
ووقع في النسخة التي شَرَحها النوويّ بتقديم عليّ على عثمان، ولذا قال النوويّ: هكذا وقع في معظم النُّسخ بتقديم عليّ على عثمان، وفي بعضها بتقديم عثمان على عليّ، كما وقع في الرواية الثانية باتفاق النُّسخ. انتهى (^٤).
(فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ) التي كانوا عليها (نَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اهْدَأْ) بهمزة آخره، أمْر من هدأ يهدأ -كقرأ يقرأ- هُدُوءًا: إذا سكن؛ أي: اسكن.
وقال القرطبيّ: قوله: "اهدأ فما عليك" كذا صحَّ هذا النَّص هنا بسكون الهمزة على أنه أمْر من "هدأ" المذكر، و"عليك " بفتح كاف خطاب المذكر، مع أنه افتتح الكلام بذكر الصخرة، فكان حقّ خطابها أن يقال: اهدئي فما عليك، فتُخاطَب خطاب المؤنث، لكنه لمّا كانت تلك الصخرة جبلًا خاطب خطاب المذكر، وقد تقدَّم مثل هذا كثيرًا. انتهى (^٥).
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ١٣٣.
(٢) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٩٠.
(٣) "المفهم" ٦/ ٢٨٦.
(٤) "شرح النوويّ" ١٥/ ١٩٠.
(٥) "المفهم" ٦/ ٢٨٦.
[ ٣٨ / ٦٥٧ ]
(فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ) هو النبيّ - ﷺ -، (أَو صِدِّيقٌ) "أو" للتنويع، هو أبو بكر -﵁-، (أَو شَهِيدٌ) هم البقيّة، فالمراد بشهيد: الجنس.
وقال القرطبيّ -﵀-: قوله: "فما عليك إلا نبيّ، أو صدِّيق، أو شهيد" بـ "أو": التي هي للقَسْم، والتنويع، فالنبيّ رسول الله - ﷺ -، والصِّدِّيق: أبو بكر، والشهيد: من بقي - ﵃ -، وهذا من دلائل صحة نبوَّة رسول الله - ﷺ -، فإنَّ هؤلاء كلهم قُتلوا شهداء، فأمَّا عمر: فقتله العلج، وأما عثمان فقُتل مظلومًا، وعليّ غِيلة، وأما طلحة والزبير: فقُتلا يوم الجمل، منصرفَين عنه تاركين له، وأما أبو عبيدة فمات بالطاعون، والموت فيه شهادة. انتهى (^١).
قال الجامع عفا الله عنه: لا ذِكر في الرواية لأبي عبيدة، وإنما المذكور هو سعد بن أبي وقّاص، فتنبّه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث أبي هريرة - ﵁ - هذا من أفراد المصنّف، وأخرجه البخاريّ من حديث أنس بن مالك - ﵁ - في "الفضائل" برقم (٣٦٧٥ و٣٦٨٦ و٣٦٩٩).
(المسألة الثاني): في تخريجه:
أخرجه (المصنّف) هنا [٦/ ٦٢٢٧ و٦٢٢٨] (٢٤١٧)، و(الترمذيّ) في "جامعه" (٣٦٩٦)، و(النسائيّ) في "الكبرى" (٥/ ٥٩) و"فضائل الصحابة" (١/ ٣٢)، و(أحمد) في "مسنده" (٢/ ٤١٩)، و"فضائل الصحابة" (١/ ٤١٣)، و(ابن أبي عاصم) في "السُّنَّة" (٢/ ٦٢١)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان فضائل هؤلاء الصحابة - ﵃ -.
٢ - (ومنها): إثبات التمييز في الصخرة، حيث تحرّكت، وسكّنها النبيّ - ﷺ -، وخاطبها بما يخاطب به العقلاء، ففهمت ذلك، وسكنت.
_________________
(١) "المفهم" ٦/ ٢٩٠ - ٢٩١.
[ ٣٨ / ٦٥٨ ]
٣ - (ومنها): جواز التزكية، والثناء على الإنسان في وجهه، إذا لم يُخَف عليه فتنة بإعجاب ونحوه.
٤ - (ومنها): بيان معجزة ظاهرة لرسول الله - ﷺ - حيث أخبر أن هؤلاء شهداء، وماتوا كلهم غير النبيّ - ﷺ - وأبي بكر شهداء، فإن عمر، وعثمان، وعليًّا، وطلحة، والزبير - ﵃ - قُتلوا ظلمًا شهداء، فقَتْل الثلاثة مشهور، وقُتل الزبير بوادي السباع، بقرب البصرة منصرفًا تاركًا للقتال، وكذلك طلحة اعتزل الناس تاركًا للقتال، فأصابه سهم، فقتله، وقد ثبت أن من قُتل ظلمًا فهو شهيد، والمراد: شهداء في أحكام الآخرة، وعظيم ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغَسَّلون، ويصلى عليهم، والله تعالى أعلم.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٨] (. . .) - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ عَلَى جَبَلِ حِرَاءٍ، فتَحَرَّكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "اسْكُنْ حِرَاءُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ، أَو صِدِّيق، أَو شَهِيدٌ"، وَعَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيُّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ - ﵃ -).
رجال هذا الإسناد: ثمانية:
١ - (عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ) بالخاء المعجمة، والنون، والمهملة، مصغرًا المخزوميّ أبو يحيى، ويقال: أبو بكر المكيّ، مقبول [١١].
رَوَى عن أبيه، وإسماعيل بن أبي أويس، وروى عنه مسلم، وعبد الكريم الدير عاقوليّ، وأبو محمد إسماعيل بن محمود، ومحمد بن إسحاق السراج، وغيرهم.
مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
تفرّد به المصنّف، وليس له في هذا الكتاب إلا هذا الحديث (^١).
_________________
(١) هذا هو الذي سجّل في برنامج الحديث للكتب التسعة، لكن نَقل في =
[ ٣٨ / ٦٥٩ ]
٢ - (أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ) هو: أحمد بن يوسف بن خالد الأزديّ، أبو الحسن النيسابوريّ المعروف بحمدان، حافظٌ ثقةٌ [١١] (ت ٢٦٤) وله ثمانون سنةً (م د س ق) تقدم في "المقدمة" ٦/ ٩٠.
٣ - (إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) هو: إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحيّ، أبو عبد الله بن أبي أويس المدنيّ، صدوقٌ أخطأ في أحاديث من حفظه [١٠] (ت ٢٢٦) (خ م د ت ق) تقدم في "الحج" ١٧/ ٢٩٢١.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.
وقوله: (اسْكُنْ حِرَاءُ) منادى مبنيّ على الضمّ، حُذف منه حرف النداء؛ أي: يا حراءُ.
وقوله: (وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاص - ﵃ -) قال القاضي عياض: إنما سُمّي شهيدًا؛ لأنه مشهود له بالجنة. انتهى (^١).
والحديث تقدّم تمام البحث فيه في الحديث الماضي، ولله الحمد والمنّة.
وبالسند المتّصل إلى المؤلّف -﵀- أوّلَ الكتاب قال:
[٦٢٢٩] (٢٤١٨) - (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيه، قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: أَبوَاكَ، وَاللهِ مِنَ الَّذِينَ استَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (ابْنُ نُمَيْرٍ) هو: عبد الله بن نُمير الْهَمْدانيّ، أبو هشام الكوفيّ، ثقةٌ صاحب حديث، من أهل السُّنَّة، من كبار [٩] (ت ١٩٩) وله أربع وثمانون سنةً (ع) تقدم في "المقدمة" ٢/ ٥.
٢ - (عَبْدَةُ) بن سليمان الكلابيّ، أبو محمد الكوفيّ، يقال: اسمه
_________________
(١) = "تهذيب التهذيب" (٧/ ٤٣)، عن "الزهرة" أن مسلمًا روى عنه ستة أحاديث، وفيه نظر لا يخفى.
(٢) "إكمال المعلم" ٧/ ٤٣٠.
[ ٣٨ / ٦٦٠ ]
عبد الرحمن، ثقةٌ ثبتٌ، من صغار [٨] (ت ١٨٧)، وقيل: بعدها (ع) تقدم في "الإيمان" ٦١/ ٣٣٩.
والباقون ذُكروا في الباب وقبله.