أنه من خماسيّات المصنّف ﵀، وهو مسلسلٌ بالتحديث، وفيه رواية تابعيّ عن تابعيّ، ورواية الابن عن أبيه.
شرح الحديث:
عن إياس بن سلمة (عَنْ أَبِيهِ) سلمة بن الأكوع -﵁ - أنه (قَالَ: لَقَدْ قُدْتُ) بضم القاف، يقال: قَاد الرجل الفرس قَوْدًا، من باب قال، وقِيَادًا، بالكسر، وقِيَادَةً، قال الخليل: القَوْدُ أن يكون الرجل أَمامَ الدابة آخذًا بقيادها، والسَّوْق أن يكون خلفها، فإن قَادَهَا لنفسه قيل: اقْتَادَهَا، ويُطلق على الخيل التي تُقَادُ بمقَاوِدِهَا، ولا تُرْكَب، قاله الأزهريّ، والمِقْوَدُ بالكسر: الحبل، يُقادُ به، والجمع: مَقَاوِدُ، والقِيَادُ مثلُ المِقْوَد، ومثله لِحَافٌ، ومِلْحَفٌ، وإِزارٌ، ومِئْزَرٌ، قاله الفيّوميّ ﵀ (^١).
_________________
(١) "المصباح المنير" ٢/ ٥١٨.
[ ٣٨ / ٦٩٦ ]
(بِنَبِيِّ اللهِ -ﷺ-، وَالْحَسَن، وَالْحُسَيْنِ) ابني عليّ -﵃ -، وسبطي رسول الله -ﷺ-، ورَيحانَتيه. (بَغْلَتَهُ) منصوب على المفعوليّة لـ "قُدتُ"، و"البغل" بفتح، فسكون: هو المولّد بين الحمار والفرس، وجَمْع القلّة منه: أَبْغالٌ، وجَمْع الكثرة: بِغَالٌ، والأنثى بالهاء، وجَمْعها بَغَلاتٌ، مثلُ سجَدَة وسَجَدَات، وبِغالٌ أيضًا، قاله الفيّوميّ (^١)، وقوله: (الشَّهْبَاءَ) صفة لـ "بغلته"، وهو مؤنّث أشهب، والشَّهَب بفتحتين مصدر شَهِبَ، كتَعِبَ، وهوأن يغلب البياض السواد، والاسم: الشُّهْبة (^٢). (حَتَّى أَدْخَلْتُهُمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ -ﷺ-) -بضمّ الحاء المهملة، وسكون الجيم-؛ أي: بيته، وجَمْعه حُجَرٌ، وحُجُرَات، مثلُ غُرَفٍ، وغُرُفات في وجوهها، قاله الفيّوميّ ﵀ (^٣).
قال الجامع عفا الله عنه: أشار بقوله: "في وجوهها" إلى لغات "غُرْفَات"، فإن فيها ثلاث لغات، ضمّ الراء؛ إتباعًا للفاء، وفَتْحها؛ تخفيفًا، وإسكانها كذلك، والغين في كلّها مضمومة، وقد أشار ابن مالك إلى هذه القاعدة في "الخلاصة"، حيث قال:
وَالسَّالِمَ الْعَيْنِ الثُّلَاثِي اسْمًا أَنِلْ … إِتْبَاعَ عَيْنٍ فَاءَهُ بِمَا شُكِلْ
إِنْ سَاكِنَ الْعَيْنِ مُؤَنَّثًا بَدَا … مُخْتَتَمًا بِالتَّاءِ أَو مُجَرَّدَا
وَسَكِّنِ التَّالِيَ غَيْرَ الْفَتْحِ أَو … خَفِّفْهُ بِالْفَتْحِ فَكُلًّا قَدَ رَوَوْا
وقوله: (هَذَا قُدَّامَهُ، وَهَذَا خَلْفَهُ)؛ أي: أحدهما راكب أَمامَ النبيّ -ﷺ-، والآخر راكب خلفه، والله تعالى أعلم.
مسائل تتعلّق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): حديث سلمة بن الأكوع -﵁ - هذا من أفراد المصنّف ﵀.
(المسألة الثانية): في تخريجه:
_________________
(١) "المصباح المنير" ١/ ٥٦، بزيادة من "تاج العروس" ١/ ٦٨٨٣.
(٢) "المصباح المنير" ١/ ٣٢٤.
(٣) "المصباح المنير" ١/ ١٢٢.
[ ٣٨ / ٦٩٧ ]
أخرجه (المصنّف) هنا [٨/ ٦٢٤٠] (٢٤٢٣)، و(الترمذيّ) في "الأدب" (٢٧٧٥)، و(ابن حبّان) في "صحيحه" (٥٦١٨)، و(الطبرانيّ) في "الكبير" (٦٢٤٧)، والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ - (منها): بيان ما كان عليه النبيّ -ﷺ- من كمال الشفقة، ورحمته للصغار، حيث إنه يردفهم أمامه وخلفه، يلاطفهم بذلك، ويؤانسهم.
٢ - (ومنها): بيان جواز استخدام الحرّ باختياره.
٣ - (ومنها): استحباب خدمة الأكابر.
٤ - (ومنها): جواز ركوب ثلاثة على دابة إذا كانت مُطيقة، قال النوويّ ﵀: وهذا مذهبنا، ومذهب العلماء كافّةً، وحكى القاضي عن بعضهم مَنْع ذلك مطلقًا، وهو فاسد. انتهى.
وقال في "الفتح": والأصل في ذلك -يعني: مَنْعِ ركوب الثلاثة على دابّة- ما أخرجه الطبرانيّ في "الأوسط" عن جابر: "نهَى رسول الله -ﷺ- أن يَركب ثلاثة على دابة"، وسنده ضعيف، وأخرج الطبريّ عن أبي سعيد رفعه: "لا يركب الدابة فوق اثنين"، وفي سنده لِيْن، وأخرج ابن أبي شيبة من مرسل زاذان أنه رأى ثلاثة على بغل، فقال: لينزل أحدكم، فإن رسول الله -ﷺ- لعن الثالث، ومن طريق أبي بردة عن أبيه نحوه، ولم يصرِّح برفعه، ومن طريق الشعبيّ قوله مثله، ومن حديث المهاجر بن قنفذ أنه لعن فاعل ذلك، وقال: إنا قد نُهينا أن يركب الثلاثة على الدابة، وسنده ضعيف، وأخرج الطبريّ عن عليّ قال: إذا رأيتم ثلاثة على دابة فارجموهم، حتى ينزل أحدهم.
وعكسه ما أخرجه الطبريّ أيضًا بسند جيّد عن ابن مسعود قال: كان يوم بدر ثلاثة على بعير، وأخرج الطبرانيّ، وابن أبي شيبة أيضًا من طريق الشعبيّ، عن ابن عمر قال: ما أبالي أن أكون عاشر عشرة على دابة، إذا أطاقت حمل ذلك.
قال: وبهذا يُجْمَع بين مختلف الحديث في ذلك، فيُحمل ما ورد في الزجر عن ذلك على ما إذا كانت الدابة غير مطيقة؛ كالحمار مثلًا، وعكسه على عكسه؛ كالناقة، والبغلة.
[ ٣٨ / ٦٩٨ ]
ثم نَقَل كلام النوويّ السابق، ثم قال: لم يصرِّح أحد بالجواز مع العجز، ولا بالمنع مع الطاقة، بل المنقول من المطلق في المنع والجواز محمول على المقيّد. انتهى ما في "الفتح" (^١) وهو بحثٌ مفيدٌ جدًّا، والله تعالى أعلم.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾.